الحلم لا يموت يا باسم

العدد الخامس - آذار ٢٠١٥
الدولة: 
لبنان
الملف: 
لا تذكروا من بعدنا إلا الحياة (ملف باسم شيت)
تاريخ النشر: 
آذار (مارس), 2015

سنوات قصيرة من العمل مع باسم، اجتماعات ومناقشات تطول، مهمات لا تنتهي. كان باسم حريصاً خلالها على أن نتعلّم كل شيء: كتابة بيانات وافتتاحيات، وتغطية الاعتصامات، وتصميم الشعارات، وتوزيع مناشير، وفيديوات، والرسومات، وتحضير لمظاهرات. من بين كل المهمات كانت هذه المهمّة هي الأكثر صعوبة. أن نكتب عن باسم، أن نتكلّم عليه.

أربعة نحن، أنطوني، وندى، وتميم، ونضال. من يعرفنا جيداً، قبل هذه السنوات الثلاث، يمكنه وبوضوح أن يلاحظ تغييراً جذرياً أحدثه باسم فينا. باسم كان نافذتنا على الاشتراكيّة، التي لم نكن نعرف شيئاً عنها. كان معلّمنا، معلّماً ليس له كتاب مقدّس يستند إليه. فكل كتاب تنتهي منه سيكون بداية لكتاب آخر، وكل كاتب يوصلك إلى كتّاب آخرين. بدّل لنا باسم خارطة العالم، لم تعد الحدود حاجزاً لمعرفة أحداث البلدان الأخرى. ومع باسم، المعرفة وحدها لا تنبض. علينا الربط بين الأحداث من أجل قراءة أوسع.

الكتب التي كنا نظن أنها معقدّة وصعبة، ولا قدرة لنا على قراءتها، قبل التعرّف إلى باسم، باتت اليوم سهلة، وأصبحنا قادرين ليس فقط على قراءتها، بل على تقديمها ومناقشتها وتحليلها ونقدها، والكتابة عنها أيضا. وقدرتنا هذه احتاجت من باسم كثيراً من الجهد والوقت. باسم المستعد دائماً للإجابة عن أسئلتنا، التي لا تنتهي.

تعلمنا من باسم أن العمل الفعلي يكون في الشارع، والغضب يجب أن يكون هناك. معه تعلّمنا تحويل ردّات فعلنا إلى فعل. في إحدى المناقشات بيننا كنّا نتحدث عن دور الحزب الثوري، في أن يكون ذاكرة الطبقة العاملة. تحدّثنا عن أهميّة الذاكرة ودورها. بالنسبة لنا، باسم كان بمثابة هذه الذاكرة. فهو لم يكن لنا مجرد شخص، بل كان عالماً بحد ذاته، هل تدرون ما معنى أن يختفي، فجأة، عالمٌ بأكمله؟. باسم علّمنا دائماً البحث عن البديل الأفضل. ولكن ما البديل منك، أنت، يا باسم؟

في الفترة الأخيرة، قال لنا باسم إننا أصبحنا جاهزين لتولي الأشياء من دونه، وعلينا أن نجتمع وحدنا كمجموعة، ونختبر العمل كفريق، من دونه. يومها مازحناه، قائلين: «شو عم تنسحب تكتيكياً؟ »، فقال لنا باسم: «لأ باقي وين بدي روح، بس هلق صار فيني ارتاح شوي ». رحل باسم، لم يبق لنا من عزاء سوى أننا كنّا معه في ليلته الأخيرة. كان اجتماعنا الأطول، ولكنه الآن يبدو قصيراً جدا. أمام الأحلام والمخططات والأعمال التي قررنا إنجازها، يبدو ذلك الوقت قصيراً جداً، لتحقيقها.

كان من المفترض أن نقضي النهار اليوم، مع باسم، ونتغدى معاً. اشترط علينا، كما العادة، أن يقوم هو بتتبيل اللحوم. هي المرّة الثانية التي يتخلف فيها باسم عن موعده. المرّة الأولى كانت يوم رحيله.

بكينا غيابك المفاجئ، آلمنا. للوهلة الأولى لم نصدّق أن قلبك يستطيع التوقف عن الخفقان. ولكننا الآن نعرف جيّدا أنّه لم يفعل. لا يتوقف قلبٌ زرع فينا، كما في كثر غيرنا، ثورة لا تنتهي. زرع فينا تلك المحبوبة والمكروهة والوفية، بحسب كلمات المغني جورج موستاكي، زرع فينا الثورة الدائمة. نحن على يقين بأن تكريم باسم لا يكون إلا بتحقيق حلمه: الاستمرار في الصراع من أجل عالم أفضل نعيش فيه جميعاً.

هي المرّة الثانية التي يتخلف، فيها، عن موعده، الثانية والأخيرة. يمكنك أن ترتاح الآن كثيراً، فالمجموعة، التي خلقتها، أنت، لن تخذلك يا باسم، وسنسمع دقات قلبك في كل المشاريع المؤجلّة التي اتفقنا عليها. سنرى ايتسامتك تسبقنا إلى المظاهرات، وسنسمع صوت أنفاسك عند صياغة كل بيان. الحلم لا يموت يا باسم. خسارتك لا تعوّض. ولكن أنت علمتنا أن طريق النضال طويل، وعلينا أن نستعد للمواجهة بكل الوسائل المتاحة: القلم والتظاهر والاعتصام، وكل أشكال النضال الأخرى. لن نهدأ يا باسم، قبل أن نرى إسقاط الأنظمة جميعها، وستعيش الشعوب الثائرة. سنعيش في عالم أفضل.

فليسترح قلبك الآن.