لماذا يرحل الأفضلون، أولاً؟!

العدد الخامس - آذار ٢٠١٥
الدولة: 
بريطانيا
الملف: 
لا تذكروا من بعدنا إلا الحياة (ملف باسم شيت)
تاريخ النشر: 
آذار (مارس), 2015

باسم شيت لم يعد موجوداً، وبذلك يكون اليسار الجذري، العربي على وجه الخصوص، قد خسر رفيقاً عظيماً، وصديقاً ومعلما. من الصعب تصور كيف سيواجه رفاقه وعائلته في لبنان الأمر. باسم غادرنا مسرعاً وباكراً، وبشكل غير متوقع.

ما يتكرر في العديد من التعليقات التي رأيتها أو سمعتها هو أن وفاته هي خسارة كبيرة، حيث فقدنا واحداً من القلة ذوي الأصوات المبدئية.

تحدث باسم بلهجة شديدة ضد العنصرية المتزايدة ضد اللاجئين السوريين، والعنف الذي يرتكبه الجيش مؤخراً. والحزن يتزايد لأن هناك حاجة لصوته على وجه الخصوص أكثر من أي وقت مضى.

هنا في أوكسفورد، كنا محظوظين ومحظوظات لأن باسماً أمضى وقتاً بيننا، خلال منتدى أوكسفورد الراديكالي، في الربيع الماضي. يومها، النقاشات لم تنحسر أو تتوقف، فقد ارتقى باسم بها إلى مستويات أعلى.

لم يكن باسم دائماً جدياً، فباسم تميز بحس فكاهي. وما ميزه كان قدرته على وصف وشرح الأمور الأكثر تعقيداً، مع مزيج متناقض من الدراما والوضوح.

لهذا السبب تحدث الجميع عن موته من أنحاء عديدة، في العالم، حيث تدفقت التحيات لروحه من النقابيين في البرازيل، ومن الرفاق في شمال أميركا، ومن الناشطين في تركيا ومصر وسوريا.
باسم يأسر خيالك بشغف، ويجبرك على إعادة النظر في العديد من التفسيرات القائمة، أو بكل بساطة رفض النماذج المهيمنة- فضلاً عن أمثلته الجافة التي قد تدفعك إلى الموت من الضحك.

سألته مرة لماذا لم تتسجل في الجامعة للحصول على شهادة الدكتوراه، أجاب مازحا: «لا، إنها مضيعة للوقت». كان شخصاً أكثر من متواضع، وكان بإمكانه الحصول على أكثر من ثلاث شهادات دكتوراه. لم تكن تلك الشهادة طموحه، إنما الكفاح من أجل عالم أفضل، وحرية التصرف وفق رؤيته الثورية.

زادت كتاباته أهمية، منذ انطلاق الثورات العربية، والاستغلال الوقح للانقسامات الطائفية، على قاعدة «فرق تسد»، في المنطقة. كتاباته كانت مقروءة على نطاق واسع على الانترنت. لقد كان مبلوراً للنقاش.

أينما ذهب، ترك مداخلات ومساهمات مضيئة. فقد قال أمام منتدى أوكسفورد الراديكالي إن الصراع الشيعي- السني دعايةٌ كاذبة، والطائفية هي وليدة التناقضات الحالية للمجتمعات الرأسمالية العربية الحديثة. باسم لم يكتف بذلك، إنما أكمل مقدماً أمثلة حسية للتأكيد على رأيه.

غادر العديد من الطلاب وشعور الرهبة يتملكهم، وقد أخبرونا أنها المرة الأولى التي يسمعون فيها مثل هذا التحليل المقنع للحالة التي كانت تبدو، بالنسبة إليهم، شديدة التعقيد. وقد ساعدهم ذلك في اتخاذ موقف، ومنهم من انضم إلينا في حملاتنا التضامنية مع الثورة السورية. هذا هو جزء من إرثه.

يبقى أن اقول إن لديَّ الكثير من الذكريات عن باسم في بيروت، فلقد كان من المساعدين الأساسيين، خلال إنجازي لعملي الميداني لشهادة الدكتوراه، منذ أكثر من عشر سنوات. أتذكره يهتف وينظم في المظاهرات التي جرت آنذاك. أتذكره عندما كان هنا في أوكسفورد. حين تحدثنا خلال العشاء حول مدى الغرابة بأن الشباب في الوقت الحالي يربون مع الثورة والثورة المضادة، كواقعٍ مَعيش، وكيف أن البشرية تتكيف مع ظروف غريبة.

سألته كيف كانت طفولتك في بيروت، فأخبرني بقصة مضحكة: كان يلعب مع أصدقائه لعبة «الحرب»، وهم في طريقهم إلى المدرسة، أثناء عبورهم الطرقات والحواجز، التي كانت تقسم الشوارع، المسيطرة عليها الميليشيات المتحاربة.

هي صورة مضحكة أستحضرها: يجول باسم من باب إلى باب، بين غرب بيروت وشرقها، مع مجموعة من الأولاد. ربما كان ذلك تعبيراً عن التزامه العميق بالاشتراكية الثورية، وكراهيته للطائفية، ورفضه للقومية، وعشقه للحياة والحرية، واستعداده لتقديم حياته من أجل تحقيق المساواة.

وكما كتب أحد الرفاق على الانترنت: «لماذا يرحل الأفضل أولاً؟ سلامات رفيق باسم- سنتابع من حيث غادرتنا». سلامات لعائلة باسم ورفاقه ورفيقاته: غسان، ووليد، وفرح، وإيلينا، وريما، وللكثيرين غيرهم، في لبنان، ممَّن خسارتهم لا توصف.

*عن موقع الاشتراكية الثورية في القرن ٢١ - ترجمة وليد ضو