لنبدأ العمل

العدد الخامس - آذار ٢٠١٥
الدولة: 
لبنان
الملف: 
لا تذكروا من بعدنا إلا الحياة (ملف باسم شيت)
تاريخ النشر: 
آذار (مارس), 2015

لن أستطيع محادثتك بعد اليوم، لأنك لم تعد موجودا. أصبح من المفروض علينا ملء الفراغ الكبير الذي تركته عند رحيلك، على الأقل، الأمل والدعم والقوة التي كنا نستمدها منك.

لقد تعلمت منك الكثير، حب الناس والانحياز إلى مطالبهم، وهذا أمر مهم لتنظيم أنفسهم بوجه الكذب والنفاق والسرقة والرهاب، على أنواعه، نحو حكمهم لأنفسهم. لكن الشيء الأهم الذي أحمله وسأبقى أقوله، هو أن باسماً علمني أن الثورة هي عواطف، وصرخة منظمة نطلقها، أو نعبر عنها في المكان والزمان المناسبين. لذلك يجب علينا أن نكون جاهزين لاحتضانها ودفعها إلى تحقيق العدالة الإجتماعية والمساواة لكل فرد، في بقاع هذه الأرض.

لقد علمتني يا باسم أن السياسة التقليدية -التي يفتخر الكل بحنكته فيها- ليست إلا نفاقاً يلحق بنفاق، هي المحافظة على الذات على حساب مطالب آخرين، الكذب لمجرد البقاء. أنت لست منافقاً ولا تحب النفاق، وكنت تقول «النفاق والكذب هو على الدولة وأصحاب الرساميل والمصارف والشركات، الذين لم يكونوا صريحين طيلة وجودهم، مع الشعب أو الموظفين ». كنت من أشد المواجهين لهؤلاء المنافقين، وكنت تسارع دائماً إلى الرد على مقال هذا وذاك، وعلى مواقف رؤساء تحرير جرائد رسمية، يدعون وقوفهم مع الناس، لكشف كذبهم وألعابهم. فهم أتوا إلى هذه الدنيا فقط للعب والتسلية والمتاجرة
بقضايا الناس، كما الثورات، خاصةً العربية.

لم تكن سياسياً محنكاً، «ما كنت عم تشتغل سياسة»، وكنت تعتبر أن كل ذلك سخافات، فالسياسة الفعلية هي في يومياتنا الحياتية، اقتصادية كانت أو اجتماعية، في أماكن عملنا أو نشاطاتنا، لا هواية نمارسها في هامش حياتنا. وهذه اليوميات تكشف جميع التناقضات بين الأفكار، التي تبثها سلطة لا جدوى منها، والواقع الذي نعيشه كل يوم. أفكار مسقطة علينا.

لن أغرقك بكلمات تنعيك وتقتلك مرة أخرى، فما تعلمت منك غير الغضب على أنظمة العالم، وصياغة البيانات وتغطية الاعتصامات والنقد والتحليل والبحث عن البديل الأفضل، فما هو البديل منك، يا باسم؟

إنني اكتب هذه الكلمة وصوتك في رأسي يقول لي: «نظم أفكارك قبل ما تكتب».. كيف يا باسم؟ كيف هذا ويدي باتت ترتجف، وتضيع الكلمات، الواحدة تلو الأخرى؟ سأصمت، كفانا حزناً عليك، لأنك ستغضب لو عرفت، ولنبدأ العمل.