سنفتقد باسمًا بشدة

العدد الخامس - آذار ٢٠١٥
الدولة: 
بريطانيا
الملف: 
لا تذكروا من بعدنا إلا الحياة (ملف باسم شيت)
تاريخ النشر: 
آذار (مارس), 2015

ٕاحدى روايات غابرييل غارسيا ماركيز، عنوانها «وقائع موت معلن». أحياناً يكون الموت على هذا الشكل، مؤلماً، وربما يمكن توقعه (ولكن ليس في حالة رواية غارسيا ماركيز)، وهو يضع حداً لحياة سعيدة.

لكن في بعض الأحيان، يتركك الموت غير متصالح تماماً مع نفسك، غاضباً من الظلم في العالم. كان هذا ما شعرت به عندما عرفت بوفاة الاشتراكي الثوري اللبناني، باسم شيت. توفي عن عمر بلغ فقط ٣٤ عاماً، عندما صعقته نوبة قلبية.

عرفت باسماً في أوائل الألفية الثالثة. كان في لبنان، كما في أماكن أخرى، عهد تجديد سياسي، جيل جديد من الناشطين يسعى إلى مواجهة العولمة الرأسمالية، وحملة الحرب التي شنها جورج بوش، في الشرق الأوسط.

كان باسم واحداً من مجموعة شباب اشتراكيين في بيروت، تدور في فلك التيار الاشتراكي الأممي- التيار الثوري الدولي، الذي ينتمي إليه حزب العمال االشتراكي في بريطانيا. في الأساس، تعتبر السياسة في لبنان معقدة بسبب الطائفية المقسمة للطوائف الدينية المتعددة. ودائماً في الذاكرة، ذكرى الحرب الأهلية الرهيبة، التي دمرت لبنان بين عامي ١٩٧٥ و١٩٩٠.

انتهت الحرب الأهلية بلبنان، فرزح البلد تحت عبء وصاية النظام السوري (الذي كان قد خرج من رحم الاستعمار الفرنسي). وحيث القوة السياسية الداخلية الأقوى، «حزب الله»، الحركة الاسلامية الشيعية، على تحالف وثيق مع نظام بشار الأسد في سوريا.

عندما رد الأسد على الثورة الشعبية، التي انفجرت في سوريا عام ٢٠١١، بإطلاق حرب أهلية طائفية، لجأت أعداد كبيرة من السوريين إلى لبنان. ويخشى كثيرون أن تمتد هذه الحرب إلى هذا البلد، وتشعل مواجهة دموية أخرى.

وبسبب دعم حزب الله المستمر للأسد، إنه لأمر خطير، في لبنان، أن ترفع صوتك لدعم الثورة السورية. لكن هذا لم يردع باسماً؛ حيث لم يتردد قط في إظهار تضامنه النظري والعملي معها.

لقد قدم باسم للجميع، الحيرة والتعقيد اللذين يسيطران على الوضع في لبنان وسوريا، بتحليل واضح خال من الضبابية، ولكنه يتميز أيضاً بحزم مبدئي.

وكانت معارضته للطائفية ذات جذور شخصية عميقة. فقد جاءت عائلته من قرية حدودية مع الكيان الصهيوني. حيث الانقسامات الطائفية تستغلها القوى الاستعمارية، والحكام في لبنان، ومؤخراً النظام السوري والعدو الإسرائيلي.

عندما كان باسم يتحدث، على سبيل المثال، في منتدى الماركسية لعام ٢٠١٤، خلال الصيف الماضي، كان دائم التعبير عن تفاصيل واقعية، مع معرفته النظرية والسياسية الأوسع. تعلمنا منه دائماً.
كانت هناك ميزة لباسم لا أستطيع وصفها إلا باللطف. لا أقصد هنا بالمعنى العاطفي: كان لا يلين أمام العدو الطبقي، مقارناً الأسد بزعيم الخمير الحمر بول بوت. لكن كان هناك شيء استثنائي هو الهدوء الذي كان باسم يقارب به القضايا الملموسة، بشكل يعكس ثقته بنفسه، وبمواقفه السياسية.

هذا ويجب عدم الخلط بين الهدوء والسلبية. كان باسم ناشطاً يعمل بلا كلل لتوحيد العمال في لبنان، بشكل عابر للانقسامات الطائفية.
ولقد كان واحداً من مؤسسي «المنتدى الاشتراكي»، حيث اتحد أنصار التيار الإشتراكي الأممي والأممية الرابعة، في لبنان، في منظمة مشتركة.

وكان باسم أيضاً شخصية محركة في مجلة «الثورة الدائمة». مجلة تجمع الماركسيين الثوريين من معظم أنحاء العالم العربي، كان لها أثر ملموس، في السنوات القليلة التي مرت على تأسيسها. وكنت أتطلع إلى العمل معه في التعاون الذي أقترحه مع المجلة النظرية التي أحررها، «الاشتراكية الأممية».

وفاة باسم هي ضربة هائلة لأصدقائه، وأسرته، ورفاقه. ولكن من الصعب المبالغة بالخسارة السياسية، التي عانى اليسار الثوري منها في الشرق الأوسط.
كان في طور البدء بممارسة مواهبه في التحليل الفكري والقيادة السياسية.

سنفتقد باسماً بشدة. ولكن كل ما يمكننا القيام به إنما هو الاستمرار في الطريق الذي تشاركناه معه، لفترة قصيرة من الوقت. فهو لم يكن ليتوقع منا أقل من ذلك.

* ترجمة تميم عبدو