شيماء الصبَّاغ راية ثورتنا القادمة

العدد الخامس - آذار ٢٠١٥
الدولة: 
مصر
الملف: 
الثورات العربية
تاريخ النشر: 
آذار (مارس), 2015

في السادس من حزيران/يونيو 2010، عمدت أجهزة الامن المصرية، عبر اثنين من مخبريها، إلى ضرب الشاب خالد سعيد حتى الموت. ولقد ساهمت التحركات الاحتجاجية، التي تلت ذلك، في إطلاق سيرورةٍ قادت إلى انتفاضة 25 يناير 2011، وما تلاها من نزول ملايين المصريين إلى الشوارع والساحات، في عاصمة البلد، القاهرة، كما في باقي المدن المصرية، وصولاً إلى الصعيد. ولقد راحوا يرددون الشعار المشهور "الشعب يريد إسقاط النظام"، إلى حين اضطرار رأس هذا الاخير، محمد حسني مبارك، إلى الرحيل، في 11 شباط/فبراير 2011، فالانتقال إلى ما وراء القضبان، في تعبير غير مسبوق، في البلد المعني، عن القدرة غير المحدودة لحركة الجماهير، حين تدرك فجأة مدى القوة التي تمتلكها، ومدى هشاشة مستعبديها.

في تلك الفترة، بالذات، كانت شيماء الصباغ تشارك، عن كثب، وبكامل جوارحها، في تحركات الشبيبة الثورية، في الإسكندرية، ثاني مدن مصر. وفي اليوم نفسه الذي تنحَّى فيه الطاغية العجوز، نقلت جريدة الشروق تصريحاً مسجلاً لها تقول فيه: "مفيش ثورة بتاخد استراحة"، لتضيف بعدئذ: "ولازم نفْضَلْ كلنا موجودين قي الميادين، حتى نحقق آخر هدف للثورة طالبنا به. ونحن في الاسكندرية جزء من ميدان التحرير لا ننفصل عنه". وفي عشرات المرات، التي قيِّضَ لها فيها أن تنزل مجدداً، إلى الاماكن العامة، كانت شيماء تهتف، بالضبط، بالاهداف الثلاثة الأساسية التي طالما رددها ملايين المقهورين، والمظلومين، والمعذبين، من ابناء الشعب المصري وبناته: عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية. ولكونها بقيت على قناعة عميقة بما سبق ان قالته للجريدة المشار إليها اعلاه، من أن الثورة يجب ألا تأخذ أي استراحة، هي التي كانت واعية تماماً ان الثورة المصرية تكون دائمة أو لا تكون، لم يُعرف عنها أنها هادنت يوماً السلطة البرجوازية العسكرية الحالية! وذلك في تناقض واضح وصريح مع بيروقراطية حزبها، حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، التي دعمت انقلاب الدكتاتور الجديد، وصفقت بشكل أو بآخر، لمذابحه ضد الإخوان!

وهكذا ففي الرابع والعشرين من كانون الثاني/يناير الماضي، أي قبل يوم واحد من ذكرى الثورة، كانت شيماء تسير مع رفاق لها ورفيقات لا يزيد عددهم على الأربعين أو الخمسين، وهي تردد المطالب نفسها، وتحمل بيدها باقة ورد لتضعها على النصب التذكاري لثورة 25 يناير، حين شرعت القوات المسلحة، المجهزة بثلاث مصفحات وعربة عسكرية!!، تطلق النار، في اتجاه المسيرة. وكانت رصاصة واحدة كافية للقضاء عليها، ذلك أن العسكريَّ الذي أصاب منها مقتلاً كان يتقصد ذلك، وكما لو هو ينفذ أوامر واضحة من رؤسائه بتصفية حساب الثورة المضادة، وقد بلغت اوجها، مع ثائرة حقيقية لم تفتَّ من عضدها جرائم دكتاتورية جديدة تشحب إزاءها صورةُ سابقتها، لشدة ما باتت الطبقة الحاكمة المصرية، وفي مقدمتها الشريحة العليا العسكرية، الواضعة يدها، بصورة أو بأخرى، على ما لا يقل عن ثلث الاقتصاد المصري، تحس بالذعر حيال ما بدا، لدى الشعب المصري، في السنوات الاخيرة، من جاهزية، ولو نسبية، لإطاحة كامل الهيمنة الرأسمالية، في الدولة العربية الاهم. وهو الذعر  الذي ادى بها إلى القيام بانقلابها الآثم، في 3 تموز/يوليو 2013، بعد ذلك المشهد الهائل لعشرات ملايين المصريين والمصريات، وهم يندفعون، قبل ذلك بأيام قلائل، وبالتحديد في 30 حزيران/يونيو، إلى الشوارع والميادين، على امتداد الارض المصرية، ولا سيما في المدن الكبرى، وفي مقدمتها القاهرة والإسكندرية. وهو الانقلاب الذي تلازم مع كل ما يمكن تصوره من الجرائم بحق الإنسانية، منذ مجازر رابعة العدوية، وما تلاها إلى اليوم، من مذابح شبه يومية، وتدمير قرى بكاملها وتجريفٍ للبيوت والمنشآت فيها، وذلك  بحق المدنيين الغلابى في سيناء، بذريعة مكافحة إرهاب "أنصار بيت المقدس"، وصولاً إلى كل الإجراءات المعادية لأبسط ما حققته ثورة شتاء العام 2011، من إنجازات على رأسها الحريات الديمقراطية التي يبرز في واجهتها الحق في التظاهر والإضراب، والتعبير عن الرأي، بشتى الأشكال والصور. ومن ضمن تلك الإجراءات المجحفة سن قانون التظاهر المشهور المفرط في القمع، والتناقض العميق  مع جوهر الحرية والديمقراطية، فضلاً عن إعادة الاعتبار العاجلة لأبشع أعمال التعذيب في المعتقلات، والزنازين، وناهيكم عن تبرئة قضاء مفرط في الفساد لمعظم رموز الحكم البائد، وعلى رأسهم حسني مبارك، وولداه، ووزير داخليته، العادلي، في الوقت عينه الذي تصدر فيه الاحكام على المئات من المناضلين والمناضلات، الأشد شجاعة وإخلاصاً، بالإعدام، والسجن مدى الحياة!

هذا وقد جاءت تصفية الرفيقة، شيماء الصَّبَّاغ، بدم بارد، قبل يوم واحد من ذكرى 25 يناير، خلال مسيرة لا أدنى شك في سلميتها ورمزيتها، لتستكمل القطيعة مع الدكتاتورية الكريهة الجديدة، المتربع في أعلاها المشير عبد الفتاح السيسي، ولتطرح على الغالبية العظمى من الشعب المصري، الذي تعرضت ثورته لأبشع انواع الخيانة والغدر، على يد الشريحة العليا- المذكورة أعلاه- من قادة القوات المسلحة، وباقي الأجهزة القمعية المصرية، وبدلاً من أن يحقق المطالب الاساسية التي طرحها في 25 يناير، تردت ظروفه المعيشية تردياً إضافياً كبيراً، على شتى المستويات، جاءت لتطرح، نقول، على هذه الغالبية، مهمة الكفاح الدائب لأجل إنجاز ثورته الثانية، والأهم، أي تلك التي لن تضطلع فقط بخلع رئيس، بل ستعمد إلى إطاحة كامل النظام الرأسمالي المصري التابع، وإحلال دولة ومجتمع مختلفين جذرياً محل الدولة والنظام القديمين.

ومثلما كان خيال الشاب البطل خالد سعيد في خلفية أحداث 25 يناير 2011، الثورية، سيكون في أقصى درجات الاهمية أن يستلهم شباب مصر وشاباتها، في المعامل والجامعات، والمزارع، الرمز البطولي للرفيقة الرائعة شيماء الصباغ، فيما هم يُنْضِجون، عن كثب، شروط اندفاع الشعب المصري، مجدداً، لإنتاج ثورته الثانية.

ذلك أن شيماء، التي وهبت شعبها كل شيء: دمها، وروحها، وزهرة شبابها وحياتها، لا بد من ان تكون، منذ الآن، راية ثورته الظافرة القادمة.