"حامل الوردة الأرجوانية" أنشودة إنسانية ضد الموت

العدد الرابع - كانون الثاني ٢٠١٤
الدولة: 
لبنان
تاريخ النشر: 
كانون الثاني (يناير), 2014

أُلقيت هذه الكلمة، خلال ندوة حول رواية  د. أنطوان الدويهي، «حامل الوردة الأرجوانية»، أقيمت في مركز الحركة الثقافية – انطلياس، في ١٣ نوفمبر/ت٢، الماضي، ٢٠١٣،  وتكلم فيها أيضاً كل من السيد هاني فحص، ود. ملحم شاوول، وصاحب الرواية.

في واحدة من إطلالات أنطوان الدويهي النادرة على الجمهور، ذات مساء عاصف جداً من كانون الاول ٢٠٠٩، وذلك في قصر الأونسكو ، في ذلك الحي «الذي احتضن شبابنا الأول» ، بحسب تعبيره، هو شخصياً، وردت على لسانه هذه الكلمات:

«يقول دوستويفسكي إن «الجمال هو الذي سينقذ العالم». ليوناردو دافنشي ودون كيشوت ديلّا مانشا هما اللذان سينقذان العالم، وليس نيكولو ماكيافيل ولا فرانشيسكو فرانكو. الحلاج، وليس الحجاج، سينقذ العالم». 

هذه الكلمات المقتضبة، والمعبرة للغاية، ربما تختصر الروح العميقة التي نسج بها انطوان الدويهي معظم كتاباته، ومنها روايتُه، التي نجتمع، هذه العشية، حولها: «حامل الوردة الارجوانية».

والكتابة لدى أنطوان الدويهي لا تنفصل، بالضبط، عن هذا الذي رأى الروائي الروسي الكبير، المنوّه به اعلاه، أنه «سينقذ العالم»، ألا وهو الجمال. الجمال بكل أبعاده، وبادىء ذي بدء، في جانبه المادي، أكان يتمثل بجسد المرأة المحبوبة، المقيم «في المخبأ المصون المظلَّل، في عمق هذا التراكم الهائل»، حيث تصبح، هي، «جوهرته الفريدة العجيبة، المقيمة في مجاهل باطنه». الجسد البحت، ولكن كذلك «الجسد الروح»، «وقد حرره الوله، في حالات الوصال، كما في حالات الفراق والعذاب، من مصير الاجساد المعهود ، وأَولاه طبيعة نورانية». أو كان يتمثل بالطبيعة، الني يمتلك أنطوان الدويهي شغفاً هائلاً وخاصاً جداً بها، ويشعر بقلق وجودي معذَّب، حيال الخراب الذي يصيبها به عمل الإنسان. 

الجمال، ببعده المادي، نقول، ولكن ثانياً، ببعده الروحاني، وجوهرُه رؤيةٌ مختلفةٌ للعالم، قائمة على تصور راقٍ، وغير نفعيٍّ مبتذل للأخلاق. وانا أورد لكم بعض ما يندرج، في فكر أنطوان وقلبه، تحت هذه المقولة الإنسانية،  مستقياً ، من ناحيتي، إياه، مرةً اخرى، من كلمته، في قصر الأونسكو، المنوَّه بها في مطلع هذه المداخلة. وقوامه، والكلام له، «النبلُ ، والرفعةُ، والصدق، والزهد، والإخلاص، والتسامح، والرأفة، وحب الارض، وصون الطبيعة»؛ كما مجموعةٌ سخية من القيم، وهي - والكلام له أيضاً – «قيم الحرية، والعدل، والمساواة بين الناس، ونصرة المظلومين والفقراء، والمعذبين، والمسجونين، ورفض الدكتاتورية، بكل أنواعها، وبكل اقنعتها، ورفض أشكال الاستغلال التي تمارسها اجهزة السلطة ووسائل الإنتاج على الأفراد والجماعات والطبيعة».

وربما يمكن أن أطرح سؤالاً، في هذا السياق، على نفسي، ولكن عليكم أيضاً، هو التالي: «أليس موقف صاحبنا حيال الموت، ونجده في كل كتاباته، ومنها روايته، التي نحن بصددها، الآن، أليس يندرج، هو أيضاً، في هذه الرؤية الراقية، والمرهفة إلى اقصى ما يمكن تصوُّره، لمسألة الاخلاق، وقد تسامت لتتجاوز، في جانب منها، الفعل البشري البشع البحت، المنتج له، في كثير من الأحيان – وطالما شاهد مظاهره وتجلياته، منذ طفولته، في المجازر واعمال القتل، ضمن بلدته بالذات، ومن ثم على امتداد بلده، كما في شتى أنحاء العالم – وترتقي لتصبح هذه الرؤيةُ صرخةً ضد الشرط الإنساني بمجمله، ومسألة الوجود بالذات، بحيث يصف الموت في كتاب سابقٍ له، بـ«الفضيحة الكونية»، فيما يرى في روايته، «حامل الوردة...» ، وعبر لوحة فنية عائدة للقرن الخامس عشر، رسمها الفلورنسي، بينوزو غوزولي، واسترعت انتباهه، بشكل خاص، هي لوحة «موكب الملوك المجوس»، مشهداً يصفه كالتالي: «كان هذا الموكب الغريب، الآتي بصمتٍ لا أدري من أين، والمتجه لا أدري إلى اين، ينطوي على إيقاعٍ سحري، وعلى حضورٍ لا زمني، كموكب انتصار مذهَّبٍ ضد الموت». كما لو كان ذلك حلماً، مهما يكن عصيّاً، لدى الكاتب، حلمَ الانتصار، بشكل أو بآخر، على هشاشة «ذواتنا وأجسادنا»، «الموعودةِ - بحسبه – بالزوال». 

في كل حال، دعوني الآن أنتقل من هذا العالم، الذي قد يبدو مفارقاً، من بعض النواحي، لكي لا أقول اقرب إلى الماورائية، إلى عالم أكثر لصوقاً بالحياة اليومية، والواقع، في حين يشدد صديقي أنطوان على ارتباطه الوثيق بعالم المثُل، مركِّزاً على هذه الفكرة،  سواء في كلمته الملمَّح إليها، في مستهل هذه المداخلة، بصورة مباشرة، إذ يعلن ابتعاده، منذ زمن طويل «خياراً وطوعاً، عن السياسة»، او في الرواية التي نحن اليوم بصددها، وإنْ عبر بطل هذه الأخيرة، وهو في الاخير الكاتب بالذات، بصورة او بأُخرى، حين يقول، على لسانه، مستغرباً اعتقاله، دون سواه «من الأدباء والكتّاب، في هذه البلاد التي يتغلغل فيها أعمقَ فأعمق ظلُّ الاستبداد، على رغم أني – والكلام هنا لبطل الرواية – لا أمارس نشاطاً سياسياً، ولا اخوض قط في النقاشات الإعلامية، وكتابتي أبعد ما تكون  عن الأدب الملتزم...الخ».  

وأنا اقوم بهذه النقلة لأوضح أن كتابة أنطوان الدويهي هي في جوهر السياسة الاسمى، كرؤية للتعامل مع شؤون الكائنات البشرية، في المجتمعات، وإن لم تنخرط في وقائعها العادية، الموصومة في أذهان الناس، عموماً، بشرور المصالح الصغيرة، والدسائس والمؤامرات، وما إلى ذلك. وروايته، «حامل الوردة الارجوانية»، هي بحد ذاتها عمل سياسي، بامتياز، ولكن بالفهم الوارد اعلاه. إنها ثَبْتٌ  رائع بالحقوق البسيطة، والسامية، للإنسان، وفي مقدمتها الحرية، التي يقول بصددها بطل الرواية، في مطلعها: 

«ومع أني لم أكن أخشى الاعتقال، فقد كنت على الدوام ومنذ مستهل ذاكرتي، شديدَ التعلق بحريتي، وهي سمة غالبة على ذاتي الأعمق، ونابعة من المناطق القصية في وجداني، وفي لاوعيي، حيث يُحفظ ما أشعر أنه جوهري. شيء سحري لا دور لي ولا إرادة في تكوينه، ولا قدرة لي أو لأحد على المساس به وتغيير ذرة فيه، تسكنه نزعات وهواجس دفينة، من بينها هاجس الحرية.».

ثبْتٌ  بهذه الحقوق، أقول، ولكن كذلك بضروب الكفاح الدؤوب، لوضعها موضع التطبيق الفعلي، والحيلولة دون انتهاكها. وبطل الرواية يعطي صورة رفيعة تماماً عن الإنسان شديد الحرص على عدم التلوُّث بما قد تقترن به السلطة من فساد، وإفساد، أكان بما تقدمه هذه، من جهة،  من مغريات، أو بما تمارسه، من جهة أخرى، من أعمال البطش المفرطة في البشاعة، مع ما يلازم ذلك، في الحالتين، مما يسميه انطوان الدويهي «قتلَ الروح»، وهو «الأسَرُّ على قلوب الطغاة»، بحسب تعبيره، وخلقَ أجيال من الكائنات المشوهة، يقول بصددها الكاتب، عبر بطل روايته، في إحدى الرسائل التي يصف فيها هؤلاء لحبيبته، ما يلي:

«تعلمين، أشعر هنا أني في بلد محتل. وهو محتل من ابنائه أنفسهم، وقد تسربت روح الاستبداد إلى معظمهم، وسلبتهم ذواتهم، فأضحوا بلا هوية، وفي غربة عن أرضهم».

ولا أبالغ إذا قلت إن خاتمة رواية أنطوان الدويهي هي، عدا كونها تندرج في رؤية ديالكتيكية مميزة بوضوح، للواقع والحياة، كسيرورة تبَدُّلٍ لا تتوقف ولا تنتهي، إنما تعبِّر، في آنٍ – على عكس تصوراتٍ بائسةٍ لجزء هام ممن يرون في أنفسهم، كما يرى فيهم الكثير من مواطنيهم، ايضاً، بعضاً من نخبة مثقفي البلد المعني – عن استيعابٍ خلاق لما يحدث، منذ سنوات ثلاث، في المنطقة العربية، من حراكٍ ثوري يستهدف، في ما يستهدف، إطاحة الاستبداد، ودحرَ دكتاتورياتٍ  مقيتة حالت إلى الآن دون ارتقاء شعوب المنطقة المعنية إلى ما يليق بها من حياة إنسانية كريمة تتوافق مع الإمكانات الهائلة، الطبيعية كما البشرية، التي تحفل بها بلدانهم. 

يقول بطل الرواية، في الخاتمة هذه - بعد أن حسم موقفه، من دون تردد، ضد الدخول في صفقة بينه وبين الطاغية، يحصل بموجبها على حريةٍ مشروطةٍ بتسليم روحه لهذا الاخير، على غرار ما فعل الساحر فوست مع الشيطان ميفيستوفيليس، في رائعة الشاعر الالماني العظيم، غوته، وذلك بديلاً من إرساله إلى «معتقل بلعة الصحراوي» الرهيب، فيما بقي رهانه الوحيد على سيرورة التغيير، الملمَّح لها اعلاه - يقول إذاً، في نص بالغ الجمال والكشف:

«أشعر بأن اللغات التي أحبُّها تنسج حولي نقاباً من الكلمات كأنه درع سحرية، واشعر أيضاً بأن ألوف الطيور ومئات الاشجار، الموصول بها والموصولة بي، في حديقتنا الكبرى، وكل الاشجار الباسقة التي عرفتُها وعرفتني، عن كثب، خلال صبايَ الأول وهجرتي، ترافقني وتحرسني على طريقتها. كما أعلم علم اليقين ان الواقع، كل واقع، يوحي بأنه أقوى بكثير مما هو عليه. وأن كل واقع، حتى الأكثر متانة، واستقراراً، تسري في انحائه حركةُ تحَوُّلٍ دائمةٌ لا تتوقف، ظاهرةً كانت أم خفية. وأن كل واقع مسكونٌ حتماً بالتناقض والعطب والهشاشة، المودية به، عاجلاً أم آجلاً، إلى الانهيار. إن الالوف المؤلفة من المعذبين في أجسادهم ونفوسهم، والألوفَ المؤلفة من المقتولين الواعين موتهم، لا تضيع صرخاتهم وحشرجاتهم كالهباء المنثور، ولا هي تذوب في ذرات الهواء فتبددها الرياح، كلّا، إنها تتسرب عميقاً إلى خلايا النظام وعروقه وشرايينه، حيث تصنع له موته. لا أحد يعلم تلك الساعة. فجأة، بعد يوم، أو شهر، او عام، او اكثر، يترنح شبح الخوف داخل النفوس لا أحد يُدرك لماذا، فيخرج الشعب كالنهر الهادر، ويأخذ في طريقه كلَّ شيء.».