المغرب وحركات الاسلام السياسي

العدد الرابع - كانون الثاني ٢٠١٤
الدولة: 
المغرب
الملف: 
الحركات الاسلامية
تاريخ النشر: 
كانون الثاني (يناير), 2014

تتكون حركات الإسلام السياسي بالمغرب من ٣ أقطاب رئيسة: 

أ- جماعة العدل والإحسان: وهي المكوِّن الجذري، في موقفه من الملكية، اذ يرفض الاعتراف بشرعيتها، دينياً وسياسياً، ويحظى بالمقابل بمعاملة قمعية  من النظام .

ب- حزب العدالة و التنمية: وهو الأكثر تعاوناً مع الملكية،  مندمج في مؤسسات النظام السياسية (برلمان ومجالس بلدية، ..)، وله في حكومة الواجهة القائمة، منذ نوفمبر ٢٠١١، فريق من الوزراء، منهم رئيسها. 

ج - التيار السلفي: وهو المتشكل حديثاً، والمتنامي باطراد، أحد مكوناته مسؤول عن تفجيرات الدار البيضاء (١٦ مايو ٢٠٠٣، ٤٦ قتيلاً).

السياق التاريخي

ظل للإسلام، بتأويلات متنوعة ومتطورة، حضور في تاريخ المغرب السياسي. واستندت شرعية السلطة السياسية دوماً إلى الدين. وقبل الاستعمار، تفاعلت ثلاثة أقطاب، بالتحالف أو بالتنافس، للظفر بالمشروعية الدينية: السلطان والعلماء (فقهاء الدين) والزوايا. ولم ترسخ هيمنة للملكية دينياً إلا بعد الاستقلال بالتحكم في القضاء وفي مؤسستي القرويين (التعليم الديني) والأوقاف (أعمال خيرية دينية كانت مستقلة عن الدولة وتؤمن استقلال رجال الدين المالي حيال الدولة). 

ونصب الملك نفسه في أول دستور (١٩٦٢) «أميراً للمؤمنين» محافظاً على تقاليد السلطة، ولا سيما في جانبها الديني. وكان التعارض مع الدين والملكية مبرر منع الحزب الشيوعي المغربي في فبراير ١٩٦٠. وإن كانت لدى كل الأحزاب السياسية، حتى المنتسبة إلى الاشتراكية، جرعة من الخطاب الديني، فإن ظهور حركات سياسية إسلامية وازنة مميزٌ لسنوات ١٩٨٠/١٩٩٠ ضمن الموجة العامة التي اكتسحت المنطقة بعد الثورة الإيرانية. فمن قبل، كانت التيارات الإسلامية، المتأثرة بحركة الإخوان المسلمين المصرية، هامشيةً في بعض قطاعات الشباب المتعلم، وبرزت بوجه خاص في محاربة اليسار فكرياً (بتهمة الإلحاد)، وحتى الاعتداء الجسدي على مناضلين من حزب التقدم و الاشتراكية (الشيوعي)، واغتيال المناضل العمالي اليساري عمر بن جلون. 

وضع ظهور حركات الإسلام السياسي، ونموها، الملكيةَ إزاء تحدٍّ غير مسبوق منذ عقود، تحدي قوة سياسية من قاعدة المجتمع تنازع الملك الشرعية الدينية، وتتطلع إلى سلطة سياسيةٍ بديلٍ، بناءً على نفس المرتكز الديني. وكما الأمر بباقي أقطار المنطقة، كان إخفاق مشاريع اليسار، الرامية إلى الديمقراطية والتغيير الاجتماعي، أساس التطور السريع للحركة الإسلامية في أوساط اجتماعية، منها الشباب المتعلم، بالمقام الأول، وفئات الرأسماليين الصغار (لاسيما التجار والحرفيين)، والمالكين الصغار الفقراء، والمنفصلين طبقياً. 

رغم رداء السلطة الملكية الديني، نمت الحركة الإسلامية على حدة، وباتت أعظم تأثيراً من اليسار التاريخي، الذي انتهى إلى فشل مزدوج: محاولات مسلحة لإطاحة الملكية، واندماج في مؤسساتها. هذا النمو يعود إلى سياق سياسي، مطبوع بتأكُّل مشروع اليسار، وبتردي أوضاع فئات اجتماعية من صغار الملاك، وانسداد الافق بوجه الشباب المتعلم.  

سياق تنامي القوى السياسية الإسلامية

طيلة العقدين التاليين للاستقلال (١٩٥٦)، كان يسار حركة النضال من اجل الاستقلال حاملاً للتطلعات السياسية والاجتماعية  للقاعدة الشعبية العريضة. فقد التفَّت طلائع النضال حول الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (حزب المهدي بنبركة) الذي زاوج، بفعل تنوعه الداخلي، بين السعي إلى توافق مع الملَكية والعمل على إطاحتها. وقد تلاشى المكون الراديكالي لهذا الحزب، في مطلع سنوات ١٩٧٠ ، بإخفاق محاولاته المسلحة، وبات الطريق ممهداً لهيمنة مكوِّنه الليبرالي (ناقص النزعة الديمقراطية) الذي اندمج بالتدريج في المؤسسات الديمقراطية للنظام، و انتهى أمره، مع انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك حركات التحرر بالعالم الثالث، إلى التخلي الكلي عن مشروع التحرر الوطني والرأسمالية المستقلة، لدرجة الإسهام في حكومة واجهة مناط بها تسريع تطبيق سياسات البنك العالمي والاتحاد الأوروبي النيوليبرالية (١٩٩٨). 

من جهته، لم يكن الحزب الشيوعي المغربي (التقدم والاشتراكية حالياً) قط في مستوى ما ينتسب إليه، منذ تخاذله في تبني التطلع الشعبي الى الاستقلال (سياسة الستالينية بالمستعمرات)، الى انزلاقات يمينية في الموقف من ديكتاتورية الملكية، بعد الاستقلال الشكلي، أفرغته من كل مضمون نضالي. 

أما الحركة الماركسية اللينينية، (وكانت فصيلاً متولداً من تجذر شباب الحزب الشيوعي والاتحاد الوطني للقوات الشعبية)، فكانت عرضة لحملة اجتثاث لا نظير لها زجت في السجون أفواجاً من الشباب المتعلم والمتجذر ماركسياً، ضمن الموجة التي شهدتها المنطقة بعد هزيمة ١٩٦٧. فبصموده، مارس هذا اليسار تأثيراً قوياً بالساحة الطلابية، رغم التعثر على جبهة النضال العمالي والشعبي، ولاحقاً انحطاط اصلاحي لأقسام منه. وسيكون هذا اليسار الطلابي هدفاً للتيارات الاسلامية، عند بداية تناميها، في نهاية سنوات ١٩٨٠ ومطلع سنوات ١٩٩٠.

كانت هيمنة قطبي اليسار، الوطني-الشعبوي والماركسي، في ساحة المعارضة، قد أضفت على التيارات الاسلامية  طابع مناهضة اليسار أكثر مما معارضة النظام.    

فـ«جمعية الشبيبة الإسلامية»، مصدر معظم أطر حزب العدالة والتنمية، نهجت منذ بروزها على الساحة السياسية سنة ١٩٦٩ نهجاً مهادناً للسلطة، بقصد نيل الاعتراف بها كجمعية قانونية، حين أكد قائدها المؤسس عبد الكريم مطيع على الطابع الديني والتربوي للجمعية، وعزمها صد التيارات الملحدة الماركسية، من دون الاهتمام بالعمل السياسي المباشر. وهو ما أكده عبد الإله بنكيران - قائد حزب العدالة والتنمية - رئيس الحكومة الحالي- في رسائله إلى وزير داخلية الحسن الثاني، إدريس البصري. 

وكتب عبد السلام ياسين، مؤسس جماعة العدل والإحسان، افتتاحية أول عدد من «مجلة الجماعة» سنة ١٩٧٩، وكانت موجهة كلها «لمعاشر الملحدين» ولفضح «انتهازية الشيوعيين»، مستلهمة نداء الخميني لكل التشكيلات بـ«التخلي عن إديولوجيتها لأجل الالتحاق بالإسلام». وفي ١٩٨٧ أفرد كتاباً بعنوان «الإسلام و تحدي الماركسية اللينينية». 

وبالنظر لما مثلت الجامعة من رافد تاريخي لقوى اليسار، بتنويعاته، التقت مصلحة الملكية والتيارات الإسلامية على استئصاله منها، وهي المهمة التي تعاونا فيها، حيث سلط النظام قمعه، فيما جند الإسلاميون عصابات حتى من خارج الجامعة، في حملة سقط فيها قتلى بصف اليسار الماركسي.  

ليست هذه الحركة تعبيراً عن «تقليدانية» ما، أو وجهاً لفكر عشائري يأبى الانقراض، كما يظهر من كتابات «الحداثيين» الذين يستلهمون زادهم الفكري من سقط متاع الاستشراق أو الهجوم الاديولوجي و«رهاب الإسلام» الخاص باليمين المحافظ في أمريكا.. بل هي تعبير عن أحد أوجُه ازمة المجتمع، وإحدى نتائج اخفاق اليسار التاريخي الحامل لمشروع اقتصاد وطني بدرجة من الاستقلال عن الامبريالية، وضربٍ من الاستجابة لحاجات القاعدة الشعبية سمي «اشتراكية»... 

لا يمكن فهم تنظيمات الإسلام السياسي بالتركيز على ما يربطها بالماضي السحيق فحسب، بل في الدرجة الأولى بتناول ما يربطها بالحاضر (قاعدتها الاجتماعية، ولاءاتها الطبقية، برنامجها الاقتصادي والاجتماعي..).. تحت القشرة الاديولوجية، لتتبدى الحقيقة الطبقية لحركات الرجعية الدينية.  

إن معظم منتقدي حركات الرجعية الدينية (خصوصاً في صف الليبراليين) يركزون على الطابع الديني لهذه الجماعات (موقفها من الدولة المدنية، وقهر النساء والأقليات الدينية)، وإن غاية ذلك سياسية محددة وهي غض النظر عن طبيعة هذه الحركات الطبقية. فهؤلاء المنتقدون لا يتناولون الموقف من الرأسمالية والسياسات الليبرالية الجديدة، وهي أرضية تلاقيهم مع الإسلاميين.

جماعة العدل والإحسان

هذه الحركة  هي الأقوى حضوراً، من الناحية الدعوية والاجتماعية والسياسية أيضاً، والأشد منافسة لليسار، بفعل موقفها الجذري من المؤسسة الملكية، وانغراسها بأوساط شعبية وشبابية. 

حاول ياسين عند تأسيسه النواة الأولى الحصول على موقع في النظام السياسي القائم، ما تسميه الجماعة «مرحلة جهاد الكلمة (١٩٧٤-١٩٨١)، مرحلة سعي إلى الاضطلاع بدور «واعظ السلطان»؛ «مرحلة كان شعارها جهاد القيام  بواجب النصح لأئمة المسلمين أولاً، أملاً في تصالح والتقاء الدعوة بالدولة»... محاولة مواجهة «الملك الحقيقي» بـ«فكرة الملك».

لكن رفض الملك الحقيقي، من جهة، وتأثير التطور الإسلامي للثورة الإيرانية، دفعا المؤسسين إلى تغيير التكتيك، باعتبار المُلْك عضوضاً والحكم جبرياً، وأنشأوا «أسرة الجماعة» سنة ١٩٨١، التي تحولت سنة ١٩٨٧ إلى جماعة «العدل والإحسان».

رغم دعوتها إلى «الخلافة على منهاج النبوة»، لم تصُغ الجماعة بشكل مدقق رأيها حول طبيعة الحكم السياسي الذي تنشد إقامته في المغرب، وتركته «منطقة رمادية» خاضعة لشتى التأويلات، بحسب تصريحات هذا العضو أو ذاك، وعبر شتى أدبيات الجماعة. فهل تريد الجماعة ملكية إسلامية قائمة على انتخابات للمجالس التمثليلة، أم ملكية إسلامية تنفيذية؟ أم تريد جمهورية إسلامية على غرار ما هو متواجد بإيران؟ أم تحبذ المسار السياسي/الانتخابي - وهو صفقة سياسية مع النظام القديم - كالذي شهدته مصر وتونس مؤخراً، بعد إسقاط مبارك وبنعلي؟ كل ذلك ليس واضحاً ومدققاً في أدبيات الجماعة.

والأشد غموضاً هو طريقة تغيير الحكم أو إصلاحه (الحديث عن الحكم الرشيد). وقد صاغ ياسين مفهوماً خاصاً بالجماعة: القومة، وهي لا تعني بالضرورة الثورة، فالثوار بنظره هم «الخارجون عن السلطة بغير حق. وكلمة ثورة، ولها اليوم في الآذان وقع التعظيم وهبة القداسة، تصوِّر غليان الغضب والعنف المحطم والهيجان، أما القائمون بها فهم المنابذون للحكم الجائر من أهل العدل والحق». 

وعند حديثه عن القومة لم يخرج، عند تحديده «للطريق الطبيعي»، عن «العصيان الشامل، والإضراب العام، والنزول للشارع، حتى يخزي الله المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون». (المنهاج النبوي ص ١٠/١١).. وهو يدعو لهذا النزول فقط «.. إن لم تفتح لنا أبواب المنافسة السياسية لنصل إلى الحكم عن طريق ممارسة الشعب حقه في اختيار حكامه». (المنهاج النبوي، ٣٠٩). وهو نوعٌ من تخويف النظام بالهبات الشعبية ألِفَهُ من المعارضة الليبرالية.

وهذا الطريق لم يمنعه من الحديث عن طرق استثنائية للنفاذ «إلى الحكم من مسارب جانبية كلما كان التسرب حكمة». (المنهاج النبوي، ص ١١). 

شهدت الجماعة توسعاً كبيراً في عقد التسعينيات، مستفيدة من السياق العالمي المتسم بإحباط اليسار نتيجة انهيار الاتحاد السوفييتي، وتسامح النظام، آنذاك، الراغب في تنقية الجامعة من الجماعات اليسارية الطلابية التي كانت تقض مضجعه وتقاوم خطط تمرير «الإصلاحات الجامعية» المفروضة من طرف صندوق النقد الدولي.

إن فهم تطور هذه الجماعة يجب أن يأخذ بعين الاعتبار سياق التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، التي أحاطت بها في مراحل تطورها المختلفة، ولا يمكن النظر إليها، في بداية تأسيسها وبداية الألفية الثالثة، بنفس النظرة، لمجرد استمرارية الشعارات الاديولوجية والخطوط العامة لسياسة الجماعة.

كانت قاعدة الجماعة لحظة تأسيسها مكونة من مثقفين تقليديين وموظفين من الدرجات الدنيا. وتوسعت في ما بعد في صفوف الطلاب، وهي قطاعات يمكن تعبئتها وإقناعها بشعارات عامة غامضة غموض عبارة «الإسلام هو الحل».. وكان ذلك هو أساس «الزهد البرنامجي» الذي تميزت به الجماعة طيلة عقدي الثمانينيات والتسعينيات، رغم غزارة الكتابة لدى مرشد الجماعة آنذاك..

هذه القاعدة ليست معنية بتفاصيل البرنامج على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، بقدر ما كانت شعارات «الخلافة على منهاج النبوة» و«الاقتصاد الإسلامي» و«التكافل» تدغدغ أحلامها. 

كان هذا «الزهد البرنامجي» أساس «التعصب الاديولوجي» الذي تميزت به الجماعة في بداياتها (هجومها على اليسار)، ودعوتها جميع «الفضلاء» إلى «ميثاق إسلامي»، على غرار دعوة الخميني كل التشكيلات ل«التخلي عن إديولوجيتها لأجل الالتحاق بالإسلام». (افتتاحية العدد الأول من «مجلة الجماعة» ١٩٧٩).

مع اتساع المد الإسلاموي وتعمقه في عموم المنطقة، باتت جماعة العدل والإحسان تنافس اليسار في قسم من قاعدته المتمثل في الشغيلة الذهنيين، من موظفي الدولة، وبوجه خاص المدرسين وأطر المؤسسات العامة: أطباء، مهندسون، أساتذة الجامعة، وكذا سلك المحاماة...

إن هذه الشريحة الاجتماعية لن تقنع «بالزهد البرنامجي» الذي اتصفت به الجماعات في أوساط اجتماعية أخرى، فهي لن ترضى إلا «بترف برنامجي» يجيب عن الإشكالات السياسية والاقتصادية التي فشلت الأحزاب السابقة في تحقيقها. 

لقد جاءت هذه «الشريحة الاجتماعية» إلى الجماعة ببرنامج جاهز، وتلاقى نقدها الليبرالي، الذي يتغاضى عن الطبيعة الطبقية للملكية وينتقد التوابع (الفساد، الرشوة، الاحتكار)، مع النقد الأخلاقي الديني للرأسمالية الذي يسم خطاب الجماعة. ودمجت الجماعة ضمن أدبياتها خطابات «محاربة اقتصاد الريع» و«تكافؤ الفرص».

عبرت وثيقة «جميعاً من أجل الخلاص»، الصادرة سنة ٢٠٠٧ عن المجلس القطري للدائرة السياسية، عن هموم رجال الأعمال المتضررين من احتكار الملكية لفرص الاغتناء الاقتصادي، بنفس اللغة التي تحدث بها سابقاً الاتحاد الاشتراكي وكل الليبراليين: 

«لرجال المال والأعمال: تؤكد وقوفها إلى جانبهم في ظل منافسة غير مشروعة تقودها مؤسسات اقتصادية مدعومة بقوة السلطة». 

وتضيف الوثيقة تقييماً يبدو منقولاً من أدبيات هذه الأحزاب نقلاً حرفياً: 

«ويزداد الوضع تعقيداً في المغرب بحكم أن النظام المخزني المغربي ليس طرفاً سياسياً رئيسياً مباشراً في الأزمة بل هو أيضا وبنفس الدرجة طرف اقتصادي رئيسي في معاناة هذا الشعب بتصرفه الغامض في ثروة وطنية كبيرة وبدخوله (عبر شركات أخطبوطية معروفة منها أونا...) في معاملات اقتصادية تستحوذ على أغلب القطاعات الاستراتيجية في هذا المجال ومنها الصناعات الغذائية الأساسية والتأمينات والتوزيع والقطاعات المنجمية والمالية». 

ورغم ذلك لم تشهد الجماعة انضمام رجال الأعمال الكبار، وهو ما قد يتغير مستقبلاً إذا تحولت الجماعة إلى حزب سياسي منخرط في «العملية السياسية». ويرجع ذلك بالأساس إلى أن مصالح رجال الأعمال وتنمية ثرواتهم ترتبط بالاستقرار السياسي والأمني، الذي لا يوفره عادة غير النظام الحاكم أو الحزب الحاكم. 

كان هذا التوسع فرصة لتطورات تنظيمية وسط «الجماعة»، حيث قلصت سلطة المرشد «السياسية» و«التنظيمية»، وحصرت مهمته في المهام التربوية.. فتأسست «الدائرة السياسية» في 1998 للنهوض بوظيفة التصدي لقضايا الشأن العام. 

صاحبت هذا «الترفَ البرنامجي «رنةٌ مستجدة» فحواها أن الجماعة «لا تدعي أنها بديل لأحد، ولا تسعى إلى إلغاء أحد، ولا إلى احتكار الفعل المجتمعي وإقصاء غيرها؛ بل تحرص على مد جسور التواصل والتعاون والحوار مع كل المهتمين بمصير البلاد والراغبين في التغيير والإصلاح والإنقاذ والخلاص». (وثيقة «جميعاً من أجل الخلاص»).

ليس هذا التحول مرتبطاً بتوسع القاعدة الاجتماعية للجماعة وحسب، بل باقتناع الجماعة أنها ليست قادرة لوحدها على مواجهة الاستبداد )كما كان الحال بحماس زمن التأسيس(، ولأنها أيضاً مقتنعة بعجزها عن الوصول إلى السلطة، اعتماداً فقط على برنامجها المغرق في الرجعية، كما أن حجم مشكلات المغرب الاقتصادية بذاته يقلص من مصداقية طموح الجماعة إلى السلطة.   

لم تشهد علاقة الجماعة، طيلة تاريخها، تصادماً مع الدولة شبيهاً بالذي عرفته علاقة الدولة مع اليسار الثوري الشعبوي في سنوات ١٩٦٠-١٩٧٠.

فالنظام مدرك لما قد يكون للجماعة - وباقي تنظيمات الرجعية الدينية بالمغرب- من دور كابح لهبات جماهيرية شعبية ذات توجه تقدمي/ يساري، فلم يعمل على اجتثاثها، كما فعل براديكاليي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية و تنظيمات اليسار الماركسي-اللينيني المغربي.

فلقد أطال مدة حصار الجماعة ومنع عنها الاعتراف القانوني، وفرض الإقامة الجبرية على مرشدها العام حتى ١٩٩٩، لكن ذلك لم يوقف توسعها التنظيمي وإشعاعها السياسي.. واقتصر صدامها مع الدولة على مناوشات تتيح لها الحديث عن «المظلومية» للاستقطاب والتوسع ونيل التعاطف الشعبي.

وقد سعى النظام لتحجيم الجماعة - وغيرها من حركات الرجعية الدينية بالمغرب- بإجراءات سياسية واجتماعية أكثر منها أمنية، فاهتم بالجانب الاجتماعي (تشجيع جمعيات تهتم بالعمل التنموي والتغاضي عن أشكال تمويلها، وفتح الباب أمام مؤسسات القروض الصغرى، التي اشتغلت في صفوف النساء الكادحات، وهيكلة الحقل الديني.. الخ). 

إن الجماعة واعية بوزنها التنظيمي، وتسعى للحفاظ على مكاسبها في هذا المضمار  بتفادي الصدام العنيف مع الدولة، وتحريك قاعدتها بشكل محسوب ومضبوط (رسائل المرشد إلى الملك، الأبواب المفتوحة، مخيمات الشواطئ..)، مع تفادي الانخراط في أي دينامية اجتماعية تنطوي على بذور تفجرية سياسية. وقد انتهت الجماعة إلى وضع تعتبر فيه الانتظارية السياسية شكلاً من أشكال الوجود السياسي. 

بعد التضييق على الجماعة على إثر تفجيرات ١٦ مايو ٢٠٠٣ الإرهابية، وتهافت رؤى المرشد عن قومة ٢٠٠٦، انتهت الجماعة إلى حالة من الركود اضطرت معها إلى الحديث بلغة أقرب إلى البحث عن أرضية تلاقٍ مع النظام؛ «مداخل للحلول يمكن إيجازها في مفتاح الإرادة السياسية، لأن الحديث عن تخليق المجتمع عامة، والحياة السياسية خاصة، لا معنى له إن لم نتحدث بوضوح وصدق عن تخليق «الرعاة» أولاً، فالإرادة السياسية - المفتاح المرجو لحل أزماتنا - هي أساساً فعل أخلاقي بأعلى معاني الأخلاق وأسماها في العمل والممارسة والواقع». (عمر أحرشان، تعليقاً على وثيقة «جميعاً من أجل الخلاص»، في حوار مع «الأسبوعية الجديدة»، موقع الجماعة على النت).

جماعة العدل والاحسان و20 فبراير

دفع المد الثوري في المنطقة، بعد فرار بنعلي وسقوط مبارك، جماعة العدل والإحسان إلى تجريب مواجهة غير مسبوقة مع الملكية، بمسايرة الدينامية النضالية المعروفة باسم ٢٠ فبراير. وعياً بحتمية تدفق الغضب الشعبي المحفز بالمناخ الثوري العام بالمنطقة، استجابت جماعة العدل والإحسان لنداء الشباب الى التظاهر يوم 20 فبراير، وواكبت كل الحراك السياسي طيلة عشرة أشهر، حتى انسحبت منه يوم ١٨ ديسمبر ٢٠١١.

هذا وقد تعاملت كل قوى اليسار التقليدي، التاريخي، ومعظم المكونات الأخرى للحركة الاسلامية، بمنطق مساندة الملكية للصمود بوجه العاصفة الثورية التي كنست بعض قمم الاستبداد بالمنطقة، فوقفت ضد حركة ٢٠ فبراير. على هذا النحو كانت جماعة العدل والإحسان الى جانب شباب 20 فبراير وقوى اليسار الجذري، وكانت لها، بحكم ضآلة اليسار الثوري، مكانة العمود الفقري في الحركة، بإمكانات تنظيمية، بشرية ومالية، لا تضاهى. وقد التزمت بوجه عام بشعارات ٢٠ فبراير ومطالبها ذات الصبغة اليسارية إجمالاً، وساعدها على ذلك نقص دقة تلك المطالب. أسهمت في جهود صمود الحركة، وامتدادها إلى الأحياء الشعبية، ولا سيما بالدار البيضاء، وتفادت التصادم مع اليسار، مقتنعة بقدرتها إزاء ضعفه على الإفادة من تطور الحركة. وبالتوازي مع حركة ٢٠ فبراير ذات الطابع السياسي، والمديني أساساً، شهد المغرب دينامية نضال اجتماعي غير مسبوقة، قوامها مظاهرات شعبية نظمتها فئات شعبية متنوعة، منها من أجل الحق في العمل، ومطالب خاصة بالخدمات الاجتماعية، وحتى مطالب صغار المزارعين في بعض المناطق. لم يكن لجماعة العدل والإحسان أي سعي الى تطوير هذا الحراك الاجتماعي وتسييسه. وفي ٢٠ فبراير ذاتها، سارت الجماعة مسايرة الاستعداد الشعبي، متفادية أي تصعيد، إلى أن تبين لها أن مناورات النظام، وتنازلاته الخادعة، منها الاجتماعي (الأجور، التشغيل، وتسوية أوضاع مهنية، والتساهل مع بناء السكن المخالف للقانون،ومع الباعة المتجولين...)، ومنها السياسي (تعديل الدستور، حكومة بها إسلاميون، ...)، قد نالت من اندفاع الحركة، فلم يبق إلا الصمود، مع متطلباته، او التخلي عن حركة ٢٠ فبراير، وكان هذا اختيار جماعة العدل والإحسان. 

وبعد انسحابها دأبت على تحريك قاعدتها وشغلها بقضايا خارج الوضع الاجتماعي و السياسي المحلي (سوريا، بورما.. الخ).

طيلة تاريخ الجماعة لم تضطلع بقيادة نضال جماهيري من أجل المطالب الاجتماعية التي شهدت مناطق المغرب المهملة  موجاتٍ منها (طاطا، بوعرفة، إفني..). وفي الجامعة حيث لها وجود قوي، لم تقد لحدود الآن أي نضال ضد الإصلاحات النيوليبرالية للتعليم، وحرمان الطلاب من حقوقهم الاجتماعية. وعلى الصعيد السياسي، تكتفي الجماعة، في لحظات الحياة السياسية الكبرى (انتخابات، استفنتاء على الدستور...) بموقف الرفض السلبي، مستنكفة عن أي تدخل سياسي، بالدعوة إلى مقاطعة سلبية ليس إلا.  

هذا وكل رصيد الجماعة النضالي مقتصر على ما تعتبره نضالاً من أجل «قضايا الأمة» (فلسطين، العراق، الشيشان..)، وطبعاً من منظور ديني، دونما ربط بالأسباب المادية التي جعلت الإمبريالية تكثف وجودها بالمنطقة. 

وتتلخص معارضة العدل والإحسان للملكية المغربية في عدم اعترافها «بشرعية إمارة المؤمنين»، وتعمل في الآن ذاته على «التوظيف المضاد للمخزون القدسي»، في عملها السياسي.. بينما تسكت على وظيفة الملكية الاقتصادية والاجتماعية وتسعى في نفس الوقت لتخفيف الشرور التي تسببها سياستها في هذين الميدانين (الإحسان). 

توفي عبد السلام ياسين في ديسمبر ٢٠١٢، وكانت جنازته بالرباط من أكبر ما شهد المغرب، ورغم المكانة الاستثنائية التي كانت لهذا الشيخ، مؤسس الجماعة ومنظرها، لم تبد بعد أي أمارات تغير على مسار الجماعة، فيما يضعها تفاقم الحالة الاجتماعية لقاعدة المجتمع العريضة، واتضاح خواء تنازلات النظام، رداً على دينامية العام 2011 النضالية، أمام تحدٍّ لا سابق له، بالنسبة إليها.