في ظل دكتاتورية العسكر المموَّهة فليَبْقَ الشعار :"لِسَّه الثوره في الميدان!"

العدد الرابع - كانون الثاني ٢٠١٤
الدولة: 
مصر
الملف: 
الثورات العربية
تاريخ النشر: 
كانون الثاني (يناير), 2014

حين تلاحقت الانتفاضات الشعبية، في العديد من  البلدان العربية، في أواخر ٢٠١٠ – أوائل ٢٠١١ ، انبرى إلى الإدلاء بوجهات نظر كالحة، إلى هذا الحد أو ذاك، مشككون كثر، من مشارب ومواقع طبقية وإديولوجية شتى، في طبيعة تلك الانتفاضات وحيثياتها وآفاقها. رأى فيها بعضُهم تعبيراً عن مؤامرة كونية تقف وراءها الإمبريالية العالمية، فيما حاول بعضٌ آخر -  ولا سيما بعد أن حصدت قوى إسلامية مختلفة نسباً عالية من الأصوات، في انتخاباتٍ أجريت، في بلدانٍ عدة في المنطقة، بينها مصر – أن يشيعوا اليأس في نفوس القوى العلمانية والتقدمية، عموماً، وأقلياتٍ دينية شتى، انطلاقاً من تصور دافعوا عنه، ومفاده أن هؤلاء الإسلاميين سيبقون في السلطة عقوداً، إذا لم يكن أكثر، مع برامج ظلامية لا أدنى علاقة لها بالديمقراطية، أو بالحريات، او الحياة الكريمة، التي رفع شعاراتها، وصرخ  بها منتفضون كان يوحدهم، على اختلاف البلدان التي يتحركون فيها، هتافٌ بات على كل شفة ولسان، وترك آثاره العميقة في عقول مئات الملايين من الناس، عبر العالم، وأفئدتهم، هو ذلك القائل: «الشعب يريد إسقاط النظام!».

ولكن لم يمر عام على تجربة «الإخوان المسلمين» المصريين – التنظيم المؤسِّس، في الحركة التي تحمل هذه التسمية، ضمن بلدان عدة، أو ترفع راية المبادىء الأساسية، التي حددها مطلقها، حسن البنّا، في أواخر عشرينيات القرن الماضي – حتى كانت الجماهير المصرية الواسعة، ومن ضمنها نسبة غير ضئيلة ممن حملوا «الإخوان» إلى السلطة، عبر الانتخابات، تقلب لهم ظهر المِجَنِّ، وتكتسح المدن والأرياف وهي تردد، بأقصى السخط والنقمة، ضدهم وضد الرئيس السابق، محمد مرسي، ما مفاده: «كفى! لم نعد نطيقكم!». تماماً مثلما حصل، ضد الطاغية العجوز السابق، حسني مبارك، قبل عامين ونصف، تقريباً، من اندفاع الموجة الثورية الجديدة، في ٣٠ يونيو/حزيران، من العام الحالي ٢٠١٣. وهي موجة لم يسبق أن عرف التاريخ لها مثيلاً بهذا الحجم، وهذا الإصرار، ليس فقط في مصر، بل في العالم بأسره: أكثر من ٣٠ مليوناً، نساءً ورجالاً، شيباً وشاباتٍ  وشباناً، في شتى الشوارع والميادين، على امتداد الأرض المصرية، وعلى مدى ساعات طوال، بل سحابةَ ايام، وذلك في صورة معبرة جداً عن ديمقراطية أُخرى، أكثر أصالةً بكثير من تلك التي تعرفها، في العادة، الدول الرأسمالية، هي، تحديداً، تلك التي بلورت نسختها الأولى، ما بين مارس/آذار ومايو/أيار ١٨٧١، كومونة باريس، مشددةً على أن الناخب غير ملزم بالاستمرار في الانصياع لسلطة من سبق أن اقترع لهم، ويمكن، تالياً، أن يطيحهم، في أي وقت يفقد فيه الثقة بهم. وهذه الديمقراطية الأصيلة، بالضبط، هي الشكل الذي ستواصل اتخاذه السيرورة الثورية الراهنة، في منطقتنا، ومن ضمنها مصر، ضامنةً بذلك، على الأرجح، بلوغ الجماهير المنتفضة، في نهاية المطاف، أهدافها الأساسية، ليس فقط في الحرية الشكلية، بل في الكرامة الإنسانية، أيضاً، والمساواة، والعدل الاجتماعي، أي كل ذلك الذي لم يكن «الإخوان المسلمون» وحزبهم، «حزب الحرية والعدالة»، في وارد الدعوة له، والالتزام بتحقيقه، ولو من بعيد!

تجربة بلا أفق...افتقدت أدنى قدر من الشعبية

على امتداد أكثر من ٨٠ عاماً، كان «الإخوان المسلمون» المصريون يرفعون، بصورة أو بأخرى - وسط مشاعر الاضطهاد – الشعار المعروف، القائل إن «الإسلام هو الحل»، وذلك في شتى المجالات، وعلى صعيد المسألتين الوطنية والقومية، كما على مستوى القضايا الاقتصادية والاجتماعية، مروراً بالديمقراطية السياسية وموضوع الحريات. بيد أن التجربة، وإن القصيرة، التي عاشوها في الحكم، كانت كافيةً لإعطاء صورة منفِّرة جداً عنهم، وعن ادائهم فيه. ونحن سنكتفي بلمحة مختصرة جداً، ولكن معبرة، عن ذلك الأداء، الذي كان يكشف، تكراراً لشتى الأمراض والمشكلات التي عانتها دكتاتورية حسني مبارك. من الفساد العميق، إلى نزعة الاستئثار بالسلطة، وممارسة دكتاتورية غير مقنَّعَة فضحتها، بأسطع تجلياتها، بين أمور عديدة أخرى، إحدى خطوات محمد مرسي الأولى في الرئاسة، حين أصدر، في ٢١ نوفمبر/ت٢/ من العام الماضي ٢٠١٢، إعلانه «الدستوري» – حسبما جرى وصفه، بخصوص صلاحيات  هذه الأخيرة، وعدم جواز إعادة النظر في اي من قراراتها، او الطعن بها أمام أي هيئة قضائية عليا، فضلاً عن سياسة التمكين، التي حاولت، عبرها، الرئاسة (ومعاونوها)، ضمان السيطرة لجماعتها على جزء حاسم من مفاصل السلطة ومواقعها، ومفاتيحها، عن طريق إحلال جزء أساسي من كوادرها وأعضائها في سلسلة واسعة من تلك المواقع، او ما كان يعرف بالأخونة! وهو بالضبط ما كان يثير هواجس أوساطٍ  شتى، بينها القوات المسلحة، على اختلاف فروعها، ومخاوفها من أن يكون «حزب الحرية والعدالة»، ومن ورائه كامل الحركة الإخوانية، يسعى لتأبيد سلطانه، عبر خلق شروط ذلك، ولا سيما بالقبض على مفاصل الدولة الأساسية، ومفاتيح السيطرة عليها. فضلاً عن كون هذه الأوساط عينها وجدت الفرصة سانحة، على الأرجح،  ليس فقط لتوجيه ضربة قاصمة لهذا المشروع، من منطلق مصالحها الخاصة بها، ومصالح البرجوازية المصرية، بعامةٍ، بل لمحاولة إظهار نفسها كما لو كانت تدافع عن الشعب، وتتجاوب مع حراكه الهائل ضد الدكتاتورية الإخوانية التي كانت صاعدة، حقاً - قبل تظاهرات ٣٠ يونيو الماضي المليونية غير المسبوقة -، في حين أن هدفها الاساسي، وهي ترى ذلك الاندفاع الشعبي العظيم، إنما كان الالتفاف (وهو ما نعود إليه، لاحقاً، لمزيد من الإيضاح) على ما ينطوي عليه هذا الأخير من مضمون ثوري، ووضع حد لكل ذلك، قبل فوات الاوان!

لم يكن ما ذكرناه أعلاه، بخصوص سلطة «الإخوان»، هو السبب الوحيد وراء سقوطهم، بما يشبه الضربة القاضية، في أوائل الصيف الماضي، بل إن  سلسلة واسعة من الارتكابات والمواقف المدانة، والبائسة، ساهمت بلا ريب في  تسريع سقوطهم:

العلاقة الملتبسة بالعسكر، التي ظهرت، على امتداد الفترة التي سبقت وصولهم إلى الحكم، حيث أنهم أيدوا الانقلاب الأول الذي قامت به القوات المسلحة، وكبار الضباط، حين تم تشكيل المجلس العسكري، الذي قاد البلد، بعد انتصار ثورة ٢٥ يناير، وبالضبط، بعد رحيل مبارك، في ١١ فبراير/شباط ٢٠١١؛ كما دعموا، بصورة أو باخرى، المواجهات الدموية مع الشعب، ومع الثوار، بعد سقوط مبارك، ومن ذلك في مذابح ماسبيرو، ومحمد محمود، ومجلس الوزراء، بوجه خاص، بين سبتمبر/أيلول وديسمبر/ك١ ٢٠١١.  فيما كفل دستورهم وضعاً يتناسب مع الاختلال الواضح والصريح في القوى، والعلاقات المدنية – العسكرية، لصالح المؤسسة العسكرية، وكل ما تبغيه هذه من امتيازات وحصانة، ضد مراقبة المؤسسات المدنية، ولصالح تحكُّم المؤسسة المشار إليها في كل شؤون الامن القومي، والاستراتيجية، و ما إلى ذلك من قضايا حساسة تتعلق بأمن المواطن الفرد، كما بأمن الجماعات ، بصورة عامة.

العمل على حرمان المرأة المصرية من المكاسب (مهما تكن جزئية، ومتواضعة) التي كانت حققتها، بنضال طويل وقاسٍ، على صعيد مطلبين اساسيين، هما الحرية والمساواة، والسعي، على العكس، لتكريس كل الامراض الدهرية للمجتمعات المتخلفة، إلى هذا الحد أو ذاك، في ما يخص الموقف من المرأة، ومن ذلك جرائم التحرش، والاغتصاب، التي «ازدهرت» كثيراً، في ظل حكم الإخوان، ولا سيما في محاولة يائسة لثنيها عن المشاركة في الفعاليات الثورية، ومن بينها التظاهرات والإضرابات، وما إلى ذلك. وتقول د.ميرفت التلاوي (الأمينة العامة)، حالياً، للمجلس القومي للمرأة المصرية، والمساعدة السابقة للامين العام للامم المتحدة،  بما يتعلق باللجنة الاقتصادية والاجتماعية للامم المتحدة لشؤون غربي آسيا، تقول في هذا الصدد (جريدة الشرق الاوسط، ٢٧ أكتوبر/ت١ ٢٠١٣ )، إنه:

«شهدت فترة حكم الرئيس السابق، محمد مرسي، إقرارَ الدستور– المعطل بعد 30 يونيو - الذي جاء غير معبر عن المرأة بشكل تام، ولم يلب طموحاتها في النص بشكل صريح على حقوقها المتمثلة في المساواة، وتجريم التمييز، وتفعيل قاعدة تكافؤ الفرص بين النساء، كما قضى هذا الدستور باستبعاد المرأة الوحيدة بالمحكمة الدستورية العليا، وهى المستشارة تهاني الجبالي التي عينت بالمحكمة منذ عام 2003، واستكمالاً لمسلسل اضطهاد المرأة، تبنى بعض المسؤولين سياسة عزل النساء من المناصب القيادية والتنفيذية، سواء عن طريق النقل التعسفي لهن أو عدم الحصول على حقهن في الترقيات للوظائف الأعلى، ما عكس اتجاهاً ممنهجاً لإقصاء المرأة من المشاركة ومن شغل المناصب القيادية. وبشأن قانون الانتخاب الذي أقره مجلس الشورى المنحل، لم ينص على نسبة محددة للمرأة بالقوائم الانتخابية، وهو الأمر الذي لو طبق لاستمر الوضع المتردي لمصر في التقارير الدولية، حيث أصبحت مصر في ذيل قائمة الدول العربية فيما يتعلق بتمثيل المرأة في البرلمان حيث وصلت نسبة تمثيل المرأة في البرلمان إلى اثنين في المائة، وأصبحت رقم 134 من إجمالي 188 دولة، كما سعت بعض تيارات الإسلام السياسي المتشدد لتعديل قوانين الأحوال الشخصية بصورة تنتقص من حقوق المرأة التي حصلت عليها بعد كفاح طويل دام لعقود عدة، كما تعرضت المرأة المصرية لمحاولات مستميتة لمنعها من حقها في الخروج للحياة العامة والتعبير عن رأيها بحرية والمشاركة في المظاهرات التي كانت تندلع ضد نظام حكم «الإخوان»، وكان من أبرز المضايقات التي تعرضت لها النساء التعرض للتحرش والاغتصاب في الميدان، والتي حدثت من قبل جماعات ممنهجة ومنظمة».

وعلى صعيد أمن الجماعات المختلفة، وبوجه أخص، الطوائف، والمذاهب، غير المنتمية إلى الجماعة الأكبر عدداً (أي السنَّة، بخاصة)، كالأقباط، على اختلاف مذاهبهم، والشيعة، وحتى جماعات أخرى كأهل النوبة، وبدو سيناء، ممَّن تعرضوا للتنكيل والاضطهاد، كان موقف الإخوان، عموماً، هو غض النظر، إذا لم يكن تشجيع حوادث العنف، والتحريض الديني والطائفي،  الممارسة ضدهم، على يد منتسبين إلى الجماعات الإسلامية. وفي هذا المجال، لا يمكن تجاهل الموقف، القائم على التمييز المقيت، شبه الصريح، وفي شتى المجالات، الذي اتخذوه ضد الأقدم بين سكان مصر، الا وهم الاقباط (ويشكلون نسبة وازنة من هؤلاء السكان يرى البعض انها تزيد على العشرة ملايين نسمة - أي أكثر من ١٠٪ من مجموع الشعب المصري - !).

وبالطبع، لم يكن يمكن إلا أن يبرز التناقض الصارخ، الذي جاء ليدل على درجة عالية من النفاق ، سواء في خطابهم او في ممارستهم، في ما يتعلق بالقضايا القومية، ولا سيما قضية فلسطين. حيث انه إذا كان الإخوان أدانوا، قبل وصولهم إلى السلطة، لا بل هاجموا احياناً بعنف شديد، اتفاقات كامب ديفيد، والعلاقات بإسرائيل، وكانت مظاهراتهم تصدح بشعارهم المشهور، «عَ القدسْ رايحينْ/ شهدا بالملايينْ»، فلقد فاجأت الإدارة الإخوانية الجميع، ولا سيما الفلسطينيين بالذات، بطريقة التعامل، بوجه خاص، مع سكان غزة (علماً بأن القطاع المذكور، الذي كان ذات يوم تحت الإدارة المصرية، بالمناسبة، كانت تقوده، آنذاك، ولا تزال إلى اليوم، جماعة من الفصيل نفسه لإخوان مصر، ممثلة بحركة حماس). وهي طريقة بدت أسوا بوضوح مما كان عليه الامر، في ظل سلطة مبارك! كما أن الرئيس مرسي فاجأ، هو أيضاً، الكثيرين، بتأكيده (شخصياً، كما عبر جهاز دولته الإداري)، مراراً، بعد تسلمه موقع الرئاسة الأولى للدولة المصرية، الالتزام الوثيق باتفاقات كامب ديفيد، والحرص العميق على أمن دولة إسرائيل. وجاءت رسالته للرئيس الإسرائيلي، بمناسبة تقديم السفير المصري الإخواني أوراق اعتماده لدى الدولة العبرية، قمةً في الخنوع، والممالأة للإدارة الصهيونية، والتقرب الذليل منها، حيث بدأ مرسي مخاطبته  لشيمون بيريز، بالقول: «عزيزي وصديقي العظيم» (!!)، ليضيف من بعد: «لما لي من شديد الرغبة في أن أطوِّر علاقات المحبة (كذا!) التي تربط لحسن الحظ بلدينا، قد اخترت السفير (...) ليكون سفيراً فوق العادة، ومفوضاً من قبلي لفخامتكم (...).

«ولاعتمادي على غيرته، وعلى ما سيبذل من صادق الجهد، ليكون أهلاً لعطف فخامتكم وحسن تقديرها، ارجوكم أن تتفضلوا فتحوطوه بتأييدكم (...)، ولا سيما إن كان لي الشرف بأن اعرب لفخامتكم عما أتمناه لشخصكم من السعادة ولبلادكم من الرغد (كذا!)». ولم ينس كاتب الرسالة أن يذيلها بعبارة «صديقكم الوفي»، قبل توقيع اسمه!...

وأخيراَ، وليس آخراً، في ما يتعلق بالسياسة الاقتصادية – الاجتماعية، فالرئيس الذي كانت جماعته تنتقد بشدة سياسة الاستدانة التي جرت عليها إدارة سلفه المخلوع، لم يكتفِ باعتماد السياسة نفسها، بعد وصول تلك الجماعة إلى السلطة، بل عمد فور تسلمه هذه الأخيرة إلى تأكيد التزام مصر، في ظله، بكامل توجيهات المؤسسات المالية العالمية، ولا سيما البنك وصندوق النقد الدوليين، وبالتالي بالنيوليبرالية، كطريق للتعامل مع تسير الاقتصاد والمال في مصر، مع العواقب الوخيمة المترتبة على ذلك، في ما يتعلق بحياة الغالبية الساحقة من الشعب المصري، الذي ازدادت مشكلاته المعيشية بوضوح، في ظل سلطة الجماعة، التي طالما رفعت شعار «الإسلام هو الحل»، في وعودها للمصريين، على أساس ذلك، بـ«المن والسلوى»، قبل استلام الحكم! بمعنى آخر، إذا كان بين ما رفعته جماهير ٢٥ يناير، وما بعده، في أعلى مطالبها - خلال الحراك الهائل الذي انخرطت فيه، في تلك الايام التاريخية، التي جرى خلالها إجبار حسني مبارك على الرحيل - مسألتا «العيش»، والعدالة الاجتماعية، فالإدارة الإخوانية فشلت بصورة ذريعة في استجابة هذين المطلبين الحاسمين، بالنسبة لفقراء مصر، وهم غالبية الشعب الكبرى، تماماً مثلما يحصل، حالياً، في ظل دكتاتورية عبد الفتاح السيسي العسكرية، المقنَّعة، في الواقع، بمشهد حكومة الببلاوي، المدنية المفترضة، والرئيس - الواجهة، عدلي منصور، وسيظل يحصل، حتماً، في ظل أي حكومة لا تصبح الغالبية الشعبية المصرية، من عمال وفلاحين، وطلبة، وصغار منتجين، ومعطَّلين عن العمل، ومهمشين، رجالاً ونساءً، في الموقع الأساسي من السلطة التي ستتولى زمام الأمور فيها.  

الأوهام الطويلة الأمد حول الجيش

لقد شهدت المرحلة، الحافلة بالأحداث الجسام، التي بدأت في الثلاثين من يونيو/حزيران الماضي، الكثير من الجدل حول حقيقة ما جرى، آنذاك، وهل كان انقلاباً أم ثورة شعبية. وفي الحقيقة أنها كانت مرحلة بالغة التعقيد تلاحَقَت خلالها، بالضبط، في أيام قلائل، كلتا الحالتين: انتفاضةٌ ثورية، بادىء ذي بدء (في٣٠ يونيو ٢٠١٣)،  تلاها انقلاب العسكر، بقيادة الفريق عبد الفتاح السيسي، بعد أيام قلائل (مع بدء تدخُّل الجيش، في الثالث من يوليو/تموز ٢٠١٣). وهو انقلاب سرعان ما انبجس على ضفافه، وفي حناياه، دمٌ كثير. حيث أن التقديرات حول عدد الضحايا المدنيين الذين سقطوا بنيران القوات المسلحة، في ميدان رابعة العدوية، بوجه خاص، وباقي المناطق التي تظاهر فيها «الإخوان» ومناصروهم، بلغت حدوداً مقلقة للغاية. فلقد تراوح هذا العدد بين المئات، بحسب المراجع الرسمية، والآلاف، بحسب روايات الإخوان. علماً بأن هؤلاء الأخيرين لم يكونوا في وضع الضحايا، على وجه الحصر، بل انغمسوا هم أيضاً في اللعبة الدموية هذه، حتى آذانهم، ولم يكتفوا بالرد على ضربات القوات المسلحة لهم، بشتى الأشكال، وبإيقاع خسائر مؤلمة في صفوف هذه الأخيرة – وإن يكن من دون أدنى تناسب مع خسائرهم هم بالذات -،  بل استهدفوا بضرباتهم، في آنٍ، عدداً لا بأس به من مواطنيهم، الذين لم يكن لهم أي دخل في الصراع الناشب بينهم وبين الجيش والشرطة ورجال المخابرات، ولا سيما في ما يتعلق بالأقباط، وقد تعرضوا لاعتداءات بشعة من جانب «الإخوان» وأنصارهم، ذات أبعاد وحوافز طائفية، بصورة أساسية، وذلك في أماكن عديدة، على امتداد البلد، ومن القاهرة بالذات وصولاً إلى صعيد مصر. 

 ولقد كان بين أسوأ ما تلازم مع الانقلاب المشار إليه موقفُ الدعم، المفرط في البؤس والانحطاط (الذي كانت منظمة الاشتراكيين الثوريين الطرف الوحيد، تقريباً، في صفوف اليسار المصري، الذي لم يتورط في وحوله، وشرَّف، بذلك، انتسابه اليساري الثوري)، هذا الدعم الذي اتخذه الجزء الأكبر من اليسارَيْن، الماركسي والقومي، حيال الانقلاب المعني، وبالتالي حيال الدكتاتورية العسكرية، بذريعة الخطر الاستثنائي، الذي يمثله الإسلاميون، والإخوان المسلمون، بوجه أخص، في السلطة، بما هم حالة بالغة النفوذ في الوسط الجماهيري. ونحن نقصد، في هذا المجال، وليس بصورة حصرية، كلاً من حزب التجمع، بقيادة رفعت السعيد، والحزب الشيوعي المصري، والحزب الاشتراكي، والتيار الشعبي المصري، بقيادة حمدين صباحي، ويمكن أن نضيف حتى، وإلى هذا الحد أو ذاك، التحالف الشعبي الاشتراكي، بقيادة عبد الغفار شكر، عدا قوى أخرى عديدة تنسب نفسها، هي الأخرى، إلى اليسار، بصورة عامة. وهو الموقف ذاته، أيضاً، الذي وقفته مختلف القوى الليبرالية البرجوازية، والبرجوازية الصغيرة، التي سبق أن انخرطت مع قسم وازن من هذا اليسار، المنوه به أعلاه، في ما بات يعرف بجبهة الإنقاذ الوطني، بقيادة الثلاثي، عمرو موسى، وحمدين صباحي ومحمد البرادعي. 

وبالطبع لا يعنينا بالضرورة كيف يكون اصطفاف جبهة من هذا النوع، في المنعطفات التاريخية لهذا البلد أو ذاك، من مثل ذلك الذي شكَّل، في بدايات الصيف الماضي، مدخلاً إلى إعادة تشكيل صورة الواقع السياسي المصري، بصورة جذرية. ولكن يعنينا جداً أن لا تتورط قوى تنسب نفسها إلى اليسار في مواقف وتوجهات تشكل خيانة حقيقية لكل نضالات الشعب المصري، وتضحياته، وتطلعاته المشروعة جداً إلى التحرر، والعدالة، والحياة الكريمة، وال... فرح! ولا سيما، منذ ٢٥ يناير ٢٠١١. أي كل تلك الأمور التي تتناقض، بصورة تناحرية، مع التصفيق لمسعى واضح وصريح من جانب القوات المسلحة المصرية، بقيادة الفريق السيسي (الذي شغل، ويشغل، منصب  وزير الدفاع، سواء في الحكومة الإخوانية السابقة، أو في حكومة الببلاوي الحالية!)، للالتفاف على حراك شعبي حقيقي، يُفترض أن يحقق نقلات لاحقة نحو استكمال الثورة المصرية، في اتجاه تغيير كامل البنية الاقتصادية – الاجتماعية لبلد في أهمية مصر، وتمكين كادحيه، وفقرائه، وسائر منتجيه الفعليين، فضلاً عن معطَّليه، ومهمشيه، ومن ضمنهم عشرات الألوف، إذا لم يكن أكثر، من خريجي الجامعات، رجالاً ونساءً، من امتلاك زمام أمورهم/ن (وبالتالي كامل السلطة، في بلدهم/ن).  

هكذا، ربما يكون البيان الذي أصدرته اللجنة المركزية، في الحزب الشيوعي المصري، في الثالث من أغسطس/آب ٢٠١٣ الماضي، يعبر بدقة عن الموقف الفعلي البائس لمختلف الأحزاب والتيارات، اليسارية المدجَّنة، المشار إليها أعلاه، حيال التدخل السافر للقوات المسلحة، بقيادة الفريق السيسي، حالياً، في الحياة السياسية للشعب المصري، من مواقع التسلط والقمع، والهيمنة. يتحدث البيان، في معرض وصف الحراك الشعبي الذي شهدته ميادين مصر، في ٣٠ يونيو الماضي، وما بعده، عما يرى فيه «انحياز القوات المسلحة المصرية للإرادة الشعبية وتبني مطالب الشعب (كذا)، وإعلان خارطة الطريق بإسقاط نظام الإخوان وحلفائهم من قوى اليمين الديني، مما وضع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في أزمة حقيقية» (؟؟!). ويضيف : «فهذه هي المرة الأولى التي يتوحد فيها الشعب المصري بكل أطيافه وقواه السياسية ومؤسساته لتصحيح مسار ثورته....». فيا لها من وحدة شعبية تتولى تصحيح مسار الثورة المصرية (كذا)، فيما يشكل الجيش رمزها الضارب الأهم، هذا الجيش بالذات الذي يمتلك نسبة عالية جداً من الأموال النقدية، والمصانع والأراضي، ووسائل إنتاج أخرى، ثمة تقديرات تعتبر أنها قد تكون تمثل ما بين٢٠ و٣٠ بالمئة من الاقتصاد المصري، ويعمل فيها عشرات الألوف، بل أكثر، من الجنود البسطاء، بما يشبه السخرة، لأجل رفاه الشريحة العليا من المؤسسة العسكرية، ولصالحها، على وجه الحصر. وهو الأمر الذي يجعل بين مهام الثوريين، في البلد المعني، العمل على إدخال صراع الطبقات بشدة إلى داخل المؤسسة العسكرية، وذلك على الطريق إلى كسب معظم أبناء الطبقات الدنيا والقادمين من قيعان البؤس الاجتماعية، إلى فكرة التغيير الجذري للواقع المعيشي للغالبية الساحقة من المصريين، وبالتالي لكامل النظام القائم. بمعنى آخر، تشكل المؤسسة المذكورة إمبراطورية اقتصادية هائلة لم يخطىء القيادي في منظمة الاشتراكيين الثوريين، في مصر، الرفيق سامح نجيب، حين اعتبرها، في الافتتاحية التي كتبها للعدد 24 من مجلتهم، «أوراق اشتراكية»، «القلب الصلب للدولة الرأسمالية المصرية، دولة حسني مبارك وفلوله، دولة كبار رجال الأعمال، ومن ورائهم الإمبريالية الأميركية». في كل حال ثمة حاجة، بالتأكيد، لإضافة حقيقة أخرى، بخصوص هذه المؤسسة، تتمثل في حصولها، منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد، في العام ١٩٧٨، على معونة أميركية مقدارها مليار وثلاثمئة مليون دولار، كل سنة، وفي واقع أن نسبة هامة من ضباطها مروا في معاهد وأكاديميات عسكرية أميركية.

هذا في حين اعتبر مسعد حسن، أمين حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، في الاسماعيلية، أن ما حدث يوم ٣٠ يونيو، وما بعده، «ثورة شعبية استجاب فيها الجيش لنداء الشعب بالخلاص من حكم الإخوان (...)». أما الأمين العام  للحزب المذكور، عبد الغفار شكر، فرأى في مقابلة أجرتها معه جريدة التحرير المصرية، في ١٢ ديسمبر/ك١ الجاري، أن مصر «تحتاج للفريق السيسي» (!!)، «كقائد عام للقوات المسلحة، خلال السنوات الأربع القادمة»، ولاحظ «وجود فراغ سياسي في مصر، والأحزاب السياسية لا تملك القدرة لحسم اي امر في اي أزمة، ومرتين في ٢٥ يناير و٣٠ يونيو عندما تأزم الوضع لجأنا إلى المؤسسة الوحيدة المتماسكة»، وهو يقصد بالطبع الجيش. هكذا في حين يفتح الشعب المصري، هو بالذات، طريق ثورة حقيقية أمام الجميع، بمن فيهم كل هؤلاء، في الحركات التي تزعم الانتماء إلى اليسار، المفترض أن يلعبوا دوراً أساسياً، إذا لم يكن الدور الأساسي، في  بلورة برنامج الثورة المصرية الحاسمة، وقيادة الجماهير المصرية الواسعة نحو وضعه موضع التطبيق، يميل الجزء الاكبر منهم إلى شد الشعب المذكور إلى الخلف، وثنيه عن الانخراط في مشروع من هذا النوع، بحجة عدم الجاهزية، أو وجود « فراغ سياسي»، أو اي شيء آخر يعكس رغبتهم في الهرب من كل ما له علاقة بالتجاوز الثوري للواقع القائم، وبأيٍّ من عمليات التغيير الجذرية، كما بكل ما يمت بصلة إلى الإبداع الشعبي الجماهيري.

وجدير بالذكر ان «خريطة الطريق»، التي يتحدث عنها بيان اللجنة المركزية لأحد أحزاب اليسار المصري، المشار إليه أعلاه، كانت تتضمن، بين ما تتضمن، مسألة تعديل الدستور المصري الإخواني، لا وضع دستور مصري جديد يستجيب تطلعات الشعب المصري، التي عبَّر عنها منذ ٢٥ يناير، ولا يزال. ولقد كان واضحاً مذ وقع الخيار، في ظل السلطة الكرتونية التي حلت محل سلطة الإخوان، والتي يحرك خيوطها الفريق السيسي، على أن تكون هناك لجنة معينة هي التي تتولى وضع مشروعه، لا جمعية تأسيسية منتخبة، أن هذا المشروع سيعكس، حتماً، التصورات والافكار والمصالح، التي تمتلكها القوى التي يقف على رأسها الرجل القوي، الآن، في السلطة المشار إليها، قبل قليل، وزير الدفاع الحالي، وإلى حين صعود موجة ثورية جديدة تعجز القوات المسلحة عن احتوائها، او الالتفاف عليها.

حول مشروع الدستور الجديد

منذ الأيام الأولى لهذا الشهر، ديسمبر/كانون الاول٢٠١٣، الأخيرمن العام الثالث لبدء السيرورة الثورية الجديدة، في مصر، جرى تسليم الرئيس المؤقت، عدلي منصور، مشروع الدستور الجديد، الذي وضعته لجنة الخمسين، بحيث يحدد تاريخ الاستفتاء الشعبي بهدف إقراره. وقبل استعراض بعض النقاط العلًامة فيه، يجدر التنبيه إلى مسألتين معبرتين تتيحان تسليط الضوء على جوهره العميق، بما هو مخيِّبٌ لآمال الغالبية الكبرى من الشعب:

- أما الأولى فهي تتعلق بالمعنى الرمزي، على الأقل، لحمل إحدى الشخصيات الأساسية للمرحلة المباركية، السيد عمرو موسى، إلى رأس اللجنة المنوه بها، بما من شأنه أن يثلج صدور كل عتاة النظام القديم – الجديد (سواء جرت تسميتهم بالفلول، أو تمت الاستعانة بتعابير أخرى لوصفهم، بما هم أركان نافذون للغاية للثورة المضادة)، أكان في الحياة السياسية الصرفة، أو في الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.

- وتتمثل الثانية في الطبيعة الطبقية والفكرية، وبالتالي البرنامجية، الغالبة على معظم أعضاء اللجنة المذكورة، الذين غاب عنهم أي ممثلين فعليين للثورة، ومُثُلِها واهدافها. هكذا وجدنا بجانب عمرو موسى، الغني عن التعريف، داخل لجنة الخمسين، على سبيل المثال لا الحصر، كلاً من: ١- سيد بدوي، وهو رجل أعمال مصري ورئيس حزب الوفد. وهو يرأس مجلس إدارة شبكة تلفزيون الحياة المصرية، ويتولى أيضًا منصب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة سيجما للصناعات الدوائية، ورئيس شعبة صناعة الدواء باتحاد الغرف الصناعية المصرية. ٢- سامح عاشور، وهو النقيب الحالي للمحامين، ونقيب سابق لدورتي ٢٠٠١-٢٠٠٥ و٢٠٠٥-٢٠٠٨ ، وعضو مستقل، بالغ الانتهازية، في مجلس الشعب المصري، منذ عام ١٩٩٥ حتى عام ٢٠٠٠. وقد ميزت سيرته أمور ملتبسة، وتترك العديد من علامات الاستفهام، بخصوص مدى اهتمامه بالنزاهة والنظافة الشخصية، من مثل اتهامه في قضايا فساد في النقابة، ورفضه الاشراف الدولي علي الانتخابات النيابية، ومحاولته نقل مقر اتحاد المحامين العرب في مقابل احتفاظه برئاسته، وهلم َّ جراً.  ٣- أحمد الوكيل، رئيس اتحاد الغرف التجارية المصرية، وهو رئيس، في الوقت عينه، لاتحاد الغرف التجارية الإفريقية. وهو يعلن أن اتحاد الغرف يسعى لجذب استثمارات سعودية جديدة في  المجالات الصناعية والخدمات الفندقية. ويغري الشركات الأجنبية بالاستثمار في مصر، معتبراً ان ذلك يؤمن لها أرباحاً مضمونة، لأسباب شتى من بينها «رخص العمالة المصرية» (!!!). بمعنى آخر، ليس ثمة اي اهتمام لديه بتحسين اوضاع مواطنيه من العمال، ورفع اجورهم، وتأمين الضمانات الاجتماعية والصحية لهم، ولا ادنى تطلع لديه لتحقيق ولو قدر بسيط من العدالة الاجتماعية، في المجتمع المصري، لا بل جاهر حتى برفضه تطبيق الحد الادنى للأجور، في القطاع الخاص. ٤- منى ذو الفقار، وهي إحدى اقوى سيدات الاعمال المئة الأولى، في المنطقة العربية. كما انها رئيسة مجلس إدارة المجموعة الاقتصادية هرميس. 

أما ممثل العمال في اللجنة فكان أحمد خيري، المعادي للحريات النقابية، والرافض تأسيس النقابات بالعلم والخبر، أو الإخطار. هذا ولم تتعدَّ نسبة تمثيل المرأة في اللجنة ال١٠٪، بما يتعارض بوضوح مع مقررات مؤتمر بيجنغ للعام ١٩٩٦، بخصوص حقوق النساء، والكوتا النسائية، ومسألة المساواة الحقيقية بين المرأة والرجل، في شتى الميادين.

وقد لخص د.رأفت فوده، رئيس قسم القانون العام في جامعة القاهرة، تصوره للجنة، بالقول: «هذا دستور بشاوات، وواضعوه أغلبهم من اصول برجوازية لا يمكن ان يشعروا بالمواطن البسيط».

ومن جهة أخرى، وحتى إذا كان المشروع الجديد أفضل من الدساتير السابقة، نسبياً، في بعض جوانبه، فهو يتضمن الكثير من البنود التي سنقتصر في هذا النص على تناول بعضها فقط، مما يسيء، في رأينا، أشد الإساءة إلى روح الثورة المصرية، ويجعله ابعد ما يكون عن تطلعات الشعب المصري إلى ديمقراطية شعبية جذرية، هي التي دفعت به إلى الشوارع والميادين، مراراً كثيرة، في السنوات الثلاث الاخيرة، تحت شعارات الحرية والعيش، والكرامة الإنسانية، والعدل الاجتماعي.

ولنترك منظمة العفو الدولية – أمنستي – تعبر، هي بالضبط، عن بعض انتقاداتها للمشروع الجديد للدستور المصري، حيث قالت إن هذا الدستور «يمنح الجيش قدراً كبيراً من الاستقلالية يثير قلقاً بشأن ما إذا كانت هذه المؤسسة ستتم محاسبتها على الانتهاكات، كما يلقي بالشكوك حول قدرة الحكومة على بدء الإصلاحات المطلوبة للتأكد من أن الجيش والشرطة والهيئات الأمنية الأخرى تحترم حقوق الإنسان وتخضع لرقابة مستقلة». 

فمشروع الدستور، في تعامله مع خصوصية المؤسسة العسكرية المصرية، أعطى هذه حيزاً واسعاً من الاستقلال، لا بل ترك للمجلس الأعلى للقوات المسلحة الحق في عدم إعطاء الموافقة على تعيين وزير للدفاع لا يحوز رضاه، بما يعطي هذا الأخير نوعاً من الحصانة التي تتناقض مع مسألة حق الشعب في محاسبة كل المسؤولين في الدولة، المفترض أنها خادمة له، وعزلهم، وتعيينهم، بحسب ما يرى فيه المصلحة الوطنية. كما امتنع عن الاقتراب، ولو بحياء، مما سميناه الامبراطورية الاقتصادية، العسكرية، شبه المستقلة، إلا عن مصالح  كبار الضباط، وتطلعاتهم الشخصية، ورفاههم غير المحدود، وفي القمة منهم الفريق السيسي.

كما أن منظمة العفو الدولية انتقدت المواد التي تسمح بمحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكرى، وتترك الباب مفتوحاً أمام فرض قيود غير ضرورية على حرية التعبير والتجمع، مشيرة إلى أن «تعهد الدستور بحماية الحق فى حرية التجمع أصبح أجوف، بعد أن مررت الحكومة قانوناً في 24 نوفمبر الماضي، يسمح لقوات الأمن بحظر الاحتجاجات السلمية وتفريقها بالقوة».

وفي الواقع فإن هذا القانون، الذي يفرض الرخصة المسبقة، ويعاقب بصرامة على أي اتجاه للتظاهر، من دون ترخيص، إنما يستهدف ، قبل كل شيء،  روح الحراك الثوري، المتجددة، ويعمل على إعادة الامور إلى الستاتيكو السابق، في ظل القمع والاستغلال البشعين، ومصادرة الحريات الديمقراطية، بصورة أو بأخرى. كما يستهدف حق الإضراب الذي سبق أن انتزعه المصريون بدمائهم الزكية، ومواجهاتهم آلة السحق العاتية، ومع  كل ذلك، بلا ريب، يستهدف تحررهم من الخوف، في اعتراضهم الشجاع لآلة القمع، أياً تكن اشكاله، أي بالضبط، هذا الذي يتيح استمرار الحراك الشعبي حياً، والتجدد المتواصل لإرادة التغيير، والتعديل الدائم لموازين القوى لغير صالح الوضع القائم، وعلى العكس، تماماً، لصالح موجات ثورية غير منقطعة لا بد من أن تفرض نفسها، وتأتي أُكُلَها، في مدى زمني لم يعد غير معروف. بمعنى آخر ستكون انتفاضات متكررة، وغير متباعدة، هذه المرة، على جدول الاعمال. وهو ما تخشاه السلطة الحالية،  كأشد ما تكون الخشية، وتسعى للحيلولة دونه، وسحقه فيما لو حصل، على رغم كل ما تتخذه من احتياطات.

هذا وقد انتقدت منظمة أمنستي قصر حرية العقيدة على الديانات السماوية، فيما تجاهل الدستور حق ديانات أخرى، مثل البهائية، ولفتت إلى أن الدستور تجاهل حقوق الجنسيات الأجنبية فى العمل الإعلامى بحرية، وتأسيس منظمات، وقَصْر هذه الحقوق على المصريين، ما يعد خرقاً لمبدأ عدم التمييز، على حد قول المنظمة.

ولا شك في أن المشروع المذكور، في تحديده لصلاحيات رئيس الجمهورية، خفف نسبياً منها، وإن لم يكن ثمة نية لتحويل النظام المصري إلى البرلمانية، حيث تم الإبقاء بوضوح على طبيعته السابقة، منذ ثورة يوليو ١٩٥٢، كنظام رئاسي. وبالتالي لا تزال صلاحيات رئيس الدولة كبيرة  للغاية، ومن بينها حقه، عملياً، في تعيين ٥٪ من أعضاء مجلس الشعب، كما في حل البرلمان، والدعوة لانتخابات جديدة، إلى حد أن رئيس قسم القانون العام في جامعة القاهرة، د. رأفت فوده، اعتبر، وإن مع بعض المبالغة، أن النظام الذي يقرره مشروع الدستور «نظام رئاسي كامل فيه سلطات مطلقة، بحيث لم يترك للحكومة، بحسب رأيه، شيئاً غير اللوائح الإدارية».

هذا وليس من نافل القول اعتبار إلغاء النص الدستوري على ضرورة تمثيل العمال والفلاحين بنسبة ٥٠٪ من أعضاء مجلس الشعب يشكل مزيداً من تكريس الطابع الرأسمالي الصرف للدولة المصرية (ولو بصورة رمزية، حيث أن تلك الكوتا كانت شكلية للغاية، ولم تنتج يوماً تمثيلاً طبقياً فعلياً  للفئتين المشار إليهما)، وبالتالي المزيد من الابتعاد، وبصورة جذرية، عن مرحلة التحرر الوطني، وإلى حد ما الاجتماعي، الناصرية، وما قدمته للطبقات المحرومة، في المجتمع المصري. وذلك، بالتأكيد، يُظهر مدى استخفاف لجنة ال٥٠، ومن يقف وراءها، بما رفعته جماهير ٢٥ يناير٢٠١١ و٣٠ يونيو ٢٠١٣، من مطالب، وعبرت عنه من تطلعات، ولا سيما في ما يتعلق بمطلبي العيش والعدل الاجتماعي. ولكنه يُظهر كذلك، وفي آنٍ، الحاجة القصوى لخوض معركة سياسية، واجتماعية، لأجل جعل الأيام والاسابيع، القادمة، مدخلاً لصراع طويلٍ، وقاسٍ، حقاً، ضد البرجوازية المصرية الحاكمة، وحلفائها، وأذنابها، وكل المتواطئين معها في غش الشعب المصري، والتحايل على استعداداته وتطلعاته الثورية، وذلك عن طريق «تجنيد» أوسع جبهة  من الديمقراطيين الجذريين، والثوريين الحقيقيين، نساءً ورجالاً، ومن شتى الاعمار، ولا سيما وسط الشبيبة، التي لعبت الدور الاساسي في الانتفاضات التي شهدتها مصر، على امتداد السنوات الثلاث الاخيرة، وبوجه اخص في ٢٥ يناير ٢٠١١ و٣٠ يونيو ٢٠١٣، لأجل فضح حقيقة مشروع الدستور الجديد، واللجنة التي صاغته، والدعوة لدستور شعبي مختلف تماماً تنتجه جمعية تأسيسية منتخبة، لا عصابة من ممثلي الطبقات السائدة، وكبار الرأسماليين، الذين راكموا ثرواتهم، عبر عملية نهب طويلة  للثروة العامة، ولعرق الشعب ودمه، ولا سيما منذ «انقلاب مايو»، الذي قاده أنور السادات، في ١٣ مايو/أيار من العام ١٩٧١.

لتكن معركة الدستور حلقة في سيرورة إنتاج البديل الثوري

يوم السبت الماضي، ١٤ ديسمبر/ك١، ٢٠٠٣، أعلن الرئيس المؤقت، عدلي منصور، يومي ١٤ و١٥ يناير/ك٢ القادم ٢٠١٤، موعداً للاستفتاء الشعبي على مشروع الدستور الذي نحن بصدده. وبالطبع، ومن دون تكوين أوهام حول قدرة الثوريين - على اساس حجمهم وفاعليتهم الحقيقيَّيْن، حالياً، وحتى إشعار آخر - على التغيير في المعادلات الفعلية الراهنة، والحيلولة دون مرور المشروع المشار إليه، فإننا نعتقد ان المطلوب، بصورة بالغة الإلحاح، إنما هوانخراط الشبيبة الثورية، وكل الأفراد والجماعات الطامحة إلى ولادة مصر معافاة، وسائرة في طريق التقدم، والتغيير العميق، والديمقراطية الجذرية، والاشتراكية الحقَّة، في المعركة لإسقاط مشروع الدستور الحالي، وتعيين موعد لاحق لانتخاب جمعية تأسيسية تكون مهمتها وضع دستور جديد، وذلك في إطار عملية انتخابية نزيهة تماماً يتاح فيها للجميع، ومن دون أي تمييز، استخدام كل المنابر العامة، ووسائل التواصل، العامة والخاصة، بحيث يتمكن الثوريون، على قدم المساواة، مع غيرهم، من طرح تصورهم لدستور يلبي، بدقة وصدق، كامل التطلعات، التي عبر عنها ثوار ٢٥ يناير و٣٠ يونيو، على الطريق إلى حياة حرة، وكريمة، وإنسانية، قائمة على أساس ضمان جدي للعدالة الاجتماعية للجميع، من دون أي تفرقة، سواء على صعيد المعتقد، او الجنس، او العرق، أو الأصول الاجتماعية، أو القناعات الفكرية، أوالسياسية، إلى ما هنالك... فضلاً عن الحاجة القصوى، ايضاً - وانطلاقاً من وعي المشكلات المؤلمة للغاية، الناجمة عن موقع الدين الطاغي، في الحياة السياسية والاجتماعية للجماهير المصرية الواسعة، مع تأثيرات ذلك السلبية جداً، بل المأسوية،  في احيان كثيرة، في حياة جمهرة كبيرة من المصريات والمصريين – إلى إدراك الاهمية الكبرى لفصل الدين عن الدولة، والانتقال بهذا الإدراك إلى التطبيق. كما يكون لهم، ايضاً ان يقدموا مرشحيهم ومرشحاتهم إلى عضوية الجمعية المشار إليها، وأن يخوضوا بحرية تامة، وبتكافؤ في وسائل الإيصال، معركةً يمتلكون خلالها  فرصاً قد تصبح حقيقية للنجاح. 

وبالطبع، سيكون من الضروري أن تندرج هذه التجربة في معركة أكبر وأغنى وأطول، بالتأكيد، لأجل إنتاج البديل الثوري من القوى المتصارعة، اليوم، على السلطة في مصر، والتي سستتنافس، بعد أشهر، على مقاعد مجلس الشعب، كما على موقع رئاسة الجمهورية. البديل الذي سيتم في سياق إنضاجه، وبنائه، إنتاج البرنامج الثوري الذي يمكن أن يلبي تطبيقه حاجات عشرات ملايين المصريات والمصريين إلى العمل المتناسب مع طاقاتهم وكفاءاتهم، كما إلى المسكن، والمدرسة، والجامعة، والعلاج  المجاني، وغير ذلك من أسباب ضمان مجتمع متوازن وسعيد؛ كما يلبي، في آنٍ، متطلبات السيادة الوطنية، والتحرر من كل اشكال الهيمنة الخارجية، والتضامن مع باقي الشعوب العربية، الطامحة، هي الاخرى، إلى ثلاثية الحرية والكرامة الإنسانية، والعدل الاجتماعي، مع ما يعنيه ذلك من إتاحة كل سبل التخلص من الدكتاتوريات الرابضة على صدورها؛ وذلك من دون نسيان الحاجة كذلك للانخراط في تضامن عملي  كامل مع الشعب الفلسطيني، وقضية تحرره من الاحتلال الطويل الامد لوطنه، وتمكينه من ممارسة حقه في العودة إليه. 

بمثابة خاتمة 

في المقابلة التي أجرتها المجلة المصرية، «أخبار الادب»، مع الاستاذ في جامعة لندن، الذي كان آخر كتاب صدر له  هو «الشعب يريد، بحث جذري في الانتفاضة العربية»، د. جلبير الاشقر، وإزاء سؤال المجلة: «هل تتصور إمكانية لجوء الإخوان للعمل المسلح؟ وأن تصبح مصر معرضة للسيناريو السوري؟»، أنهى الرجل جوابه، كالتالي:

«حتى الآن يتحرك الجميع ضمن حدود ضمنية، سواء الجيش أو الإخوان، فلا الإخوان يذهبون إلي حمل السلاح، ولا الجيش يلجأ إلى تصفية الجماعة. سيبقى الإخوان في انتظار الانفجار الشعبي القادم، في ظل ازمة اقتصادية واجتماعية لم تحل، مراهنين على أن من سوف يمثل المعارضة آنذاك سيكسب شعبية كبيرة.

وهنا مكمن الخطورة في أوضاعنا الراهنة، مع تأرجح التقدميين المستمر بين قطبي النظام القديم والإخوان المسلمين، والمطلوب للخروج من هذا الوضع هو بروز قطب ثالث يجسد الشعار الذي تم رفعه في نهاية فترة المجلس العسكري الأول: «لا فلول ولا إخوان...لسه الثورة في الميدان».