على سبيل المقارنة، بين سفاحَيْن: بشار الأسد وسالوث سار، المعروف أكثر ببول بوت!

العدد الرابع - كانون الثاني ٢٠١٤
الدولة: 
سوريا
تاريخ النشر: 
كانون الثاني (يناير), 2014

على مدى العصور، ومنذ القِدَم، أمكن أن تشهد البشرية عدداً غير قليل من الطغاة والسفاحين، الذين تركوا صورة بالغة القتامة عنهم، في اذهان الناس. وهي صورة قد تتفاوت حدَّةً، وقساوة، وعنفاً، بين الواحد والآخر، سواء من حيث عدد الضحايا، او مقدار فظاعة العنف الممارَس، أو مستوى بشاعة الوسائل المستخدمة، وما إلى ذلك.

غيرأن التاريخ ليس عادلاً ودقيقاً، على الدوام. إذ في وسعِنا القول، من دون مبالغة، إنه يمر على كثيرين تنطبق عليهم كل مواصفات هؤلاء الطغاة، او معظمها، ولكنه لا يصنفهم، بالضرورة، في الخانة نفسها، ويترك لهم ان يستريحوا، في قبورهم، كما في أذهان البشر، من عناء تواجدهم، في موقع مشابه. كما لو كان يغالي في تساهله معهم، فيما التساهل حيالهم ينطوي على الكثير من الظلم، حيال الضحايا، وعلى الكثير، ايضاً، من التغابي، عموماً، وحتى ال...غباء. 

هكذا يحدثنا (التاريخ - لا أحدٌ غيره - أو من يكتبونه، تحديداً) عن أمثال نيرون، وتيمورلنك، وهولاكو، وهتلر، ويصمت، في معظم الاحيان ، عن آخرين لا تقلُّ شرورهم وفعائلهم فداحة عن تلك المنسوبة إلى هؤلاء، وربما تزيد عليها هولاً. وذلك سواء كانت مقترفةً ضد شعوبهم، او ضد شعوبٍ أخرى.

وبين من نقصد سلسلة واسعة، وطويلة جداً، ليس فقط من حكام العالم البعيد، في المكان كما الزمان، او الاقل بعداً، بل أيضاً ممن حكموا او يحكمون، حتى الساعة، العديد من شعوب منطقتنا. أكان اسم السفاح، والطاغية (مع بعض الاختلافات، من حيث الكم، لا النوعية، حتماً)، هو صدام حسين ، او معمر القذافي، أو عمر البشير، او ...بشار، بن حافظ، الاسد!

ونحن سنتوقف، حُكْماً، وبالضرورة، عند احد أكثرهم  فظاعة، وأشدهم بطشاً وإجراماً، وبالأحرى لأن إجرامه وبشاعته يحصدان كل يوم مئات الشهداء والمصابين، فضلاً عن أرتال طويلة جداً من المهجرين والمشردين، والمعذبين، الذين لا ينفكون يتكاثرون، ويزدادون مرارة وبؤساً، فيما يُفاقم  وضعُهم هذا الكارثة، ويعظِّم المأساة: عنَيْنا هذا الأخير!

وإذ نقف إزاء ظاهرته، نعرف تماماً أنه لا فائدة تُرجى من المقارنة بينه وبين أمثالٍ له، ذلك أننا نشعر بذلك، بعمقٍ لا عمقَ بعده، كلما قفز إلى ذاكرتنا مشهد القتل اليومي الشامل، بقرارٍ منه، وبشتى انواع الاسلحة، وأكثرها تخريباً وتعذيباً، وإيلاماً، ومشهدُ الدمار الزاحف، الذي لا يترك قرية، او مدينة، او مَعْلَماً تاريخياً، أو..أو..أو..إلا ويمعن فيه محواً، وتشويهاً، وإزالةً من الوجود، فضلاً عن كل تلك الأحزان التي يستثيرها لدى الأطفال، والنساء ، والعُجَّز، (والرجال، أيضاً، لِمَ لا؟)، وباقي الباقين على قيد الحياة، سواء في أحيائهم المدمَّرة، أو في ملاجىء الذل والقهر، داخل الارض السورية بالذات، أو، بوجه أخص، خارجها، وبصورة أكثر خصوصيةً، وسط البرد القارس، وتحت المطر الجارف، وفي ظروفٍ لا علاقة لها بأي شيء يمكن ان يتخذ صفة الإنسانية، ومع الضريبة اليومية من الهالكين، والهالكات، وإن يكنْ بعيداً عن ساحة القتال، ومن شتى الاعمار، ولكن، كذلك، وبخاصةٍ، من الأطفال، برداً، ومرضاً، وجوعاً.

ولكننا، مع ذلك، نجدنا مدعوين، إزاء هول العبث الذي بلغته جرائم الحاكم السوري، المستمر، أياً يكن، في حكمه، لاستحضار من يمكن ان يذهب التفكير إليه، في هذا العصر بالذات، كلما رأينا إلى مدى العبث الذي كانت تنطوي عليه جرائمه، هو أيضاً، ونحن نعني طاغية كامبوديا، سالوث سار، المعروف أكثر باسمه المستعار، بول بوت، وبواحد من ألقابه الأُخرى، «الأخ رقم واحد»!... مع توضيح ضروري، الا وهو أن عدد القتلى، في ظل حكم الخمير الحمر، بقيادة بول بوت، يزيد بلا ريب على عددهم، في سوريا، حتى الآن، وبصورة فاضحة. حيث ان من سقطوا من الكمبوديين، على يدي الطرف المشار إليه، وصلوا إلى ما بين المليون والنصف والثلاثة ملايين، بحسب إحصاءات محلية، أو دولية، أي  ما يقارب عشرين بالمئة من عدد سكان كمبوديا! وقد سقطوا، إما إعداماً، اوبالتعذيب، أو بالعمل الإجباري الوحشي، او بالمرض غيرالمعالَج، أو بالمجاعة...الخ، علماً بأن الجزء الأكبر من هؤلاء سقطوا في إعدامات جماعية قضت، في الكثير من الاحيان، على عائلات بكاملها، ولا سيما في الأيام الاولى لدخول الخمير الظافر إلى العاصمة فنوم بنه، بعد هرب الدكتاتور العسكري، الجنرال لون نول، وبدء تنفيذ قرار الطاغية الجديد تصفية المناطق المدينية، ومن ضمنها العاصمة المذكورة، التي كانت تضم حوالى المليونين من المواطنين والمواطنات، ونقل كل السكان إلى الارياف، طوعاً، إذا امكن، وبقوة السلاح، حين يمتنعون، وذلك لبناء القاعدة التحتية «لاشتراكية زراعية» مزعومة تفتَّق عنها خياله المريض! وهو امرٌ تلازم مع قراراتٍ معتوهة اخرى، بين اهمها الإلغاء الفوري للنقد، والعائلة، والدين، وكل شكل من أشكال الملكية الخاصة!!!

وبالطبع، تُمكن الإشارة إلى وسائل متشابهة، في حالتي الطاغيتين، السوري والكمبودي، في مقدمتها السجون، التي عمَّت البلد، وزُجَّ فيها، بوجه أخص، سكان المدن، والمثقفون. وكان بين أشهرها السجن س-21، في فنوم بنه، وقد مر فيه أكثر من عشرين ألف معتقل، خلال السنوات الأربع من حكم الخمير الحمر (١٩٧٥-١٩٧٩)، بينهم الكثير من الاولاد والاطفال. وبحسب المعلومات، لم يبْقَ على قيد الحياة من كل هؤلاء إلا سبعة أشخاص وحسب، حيث أن المعتقلين كانوا يُرسلون تباعاً، إلى حيث تنتظرهم، من دون  أي محاكمة، مفارز الإعدام!

بَيْدَ أن ثمة فرقاً وازناً وشديد الاهمية، في حالتي كلٍّ من بول بوت وبشار الأسد، ألا وهو أن الاول فعل ما فعله، هو ورفاقه، انطلاقاً من لوثةٍ نظرية بحتة، كانت شكلاً من أشكال «استيعاب» الدكتاتور الأسيوي، المعكوس، والبشع، للرؤية الستالينية، التي لا تقل بشاعة، وتم تطبيقها، في الثلاثينيات من القرن الماضي، في الاتحاد السوفييتي، السابق، فأدت إلى تصفية أعداد هائلة من الناس، معظمهم من الفلاحين، على العكس، خلال خطط التصنيع الأولى. هذا في حين ان السفاح السوري يمارس أعمال الإبادة الجماعية المرعبة، لأجل تأبيد سلطة عصابة من اللصوص والقَتَلَة مشروعها الوحيد هو المزيد من نهب قوت الشعب، والسطو على الثروة القومية، وإذلال ملايين المواطنات والمواطنين!

مع ملاحظةٍ جوهرية، إضافية، بالتأكيد، هي أن سلطة الخمير الحمر، بقيادة بول بوت، لم يُقيَّض لها أن تدوم أكثر من سنواتٍ اربع (في حين لا تزال عائلة الاسد تحكم، عبر بشار، كامتداد لحكم أبيه، الطاغية السابق، حافظ، منذ أكثر من أربعين عاماً!). ولكن للأسف، لم يكن ذلك بانتفاضة شعبية للشعب الكمبودي، بالذات، بل بهجومٍ كاسح للجيش الفيتنامي على مواقع هؤلاء، داخل كمبوديا، عقب اعتداءات متكررة من جانب ميليشياتهم، ومفارز من جيشهم، داخل أراضي فيتنام المحاذية. وهو هجوم سرعان ما أدى إلى انسحاب عاجل، وغير منظَّم، خلال أيام معدودات، لقوات بول بوت، إلى الغابات، في أقصى الحدود مع تايلاندا، وقيام حكم جديد معظم عناصره من ضحايا التطهيرات داخل الحزب الشيوعي الكمبودي، بالذات، على يد الطاغية الذي نحن بصدده، حكمٍ موالٍ حتماً للسلطة الفيتنامية، التي بررت فعلها، ليس فقط بالعدوان على اراضيها، بل أيضاً بأعمال الإبادة المقترفة، التي كان يمارسها الحكم السابق ضد شعبه. 

بول بوت، الذي بقي لسنوات طويلة، مع فلول جيشه السابق، في الغابات، تم اعتقاله، على يد رفاقه السابقين، في تموز/يوليو ١٩٩٧، وقد أضعفته الملاريا، ومشاكل صحية غيرها، وحوكم، وحُكم عليه بالسجن مدى الحياة. ولكنه سرعان ما توفي، في ١٥ نيسان/أبريل ١٩٩٨، فأُحرق جثمانه، كما يقال، مع دواليب سيارات، ونفايات أُخرى.

أما بشار الأسد فمستمر في الحكم، حتى إشعار آخر، ولو على انقاض جزء هام من سوريا، ومستمر كذلك في القتل والإبادة والتدمير المنظَّم لكل اشكال الحضارة والحياة في بلد عمره آلاف السنين. ذلك أنه، وأجهزة مخابراته، بدعمٍ كثيف من حلفائه الخارجيين، ولا سيما إيران الخامنئية، وروسيا بوتين، وحزب الله اللبناني، والنظام العراقي الطائفي، عملوا على تشويه انتفاضة سلمية رائعة كان أبدعها الشعب الثائر على عقود من الإذلال والقمع والاستغلال، عبر تسهيل صعود عصابات أصولية مسلحة تحمل برامج ظلامية دينية، وتمارس القتل والقهر، بالطريقة عينها التي يستخدمها النظام القائم، حاظيةً، من جانبها، بدعم رجعيات  قروسطية، ومالية عديدة، في الخليج، ومناطق اخرى. هذا فضلاً عن وقوف العالم، إلى الآن، مكتوف اليدين أمام جرائم هذا الاخير.  وثمة أسبابٌ وجيهة للغاية للخشية، إذا لم ينجح الشعب السوري  - البطل والضحية، في آن - في إعادة إنتاج شروط انتصار انتفاضته، في مدىً معقول، من أن ينجح  بشار الأسد وعصابته في رفع عدد قتلى الشعب المنوَّه به، وشهدائه، إلى ما يضارع عدد ضحايا حكم الخمير الحمر، في كمبوديا، لا بل أكثر!

ولكننا على يقين من أن الشعب السوري لا بد من أن يحرز النصر، غداً، أو بعد غد. وباختصار، في مدىً معروف. ليس فقط لأنه لا يزال يمتلك الكثير من مقومات التغيير الثوري، في مواجهة طغاة مجرمين تافهين، بل أيضاً لأن العالم العربي يتغير، باستمرار، وسط الحراك الجماهيري شبه الشامل، وما قد ينتجه من مفاجآت، في الزمن القريب القادم. وهو حراك لن تسلم من نتائجه وارتداداته الثورية مختلف الأنظمة الداعمة للنظام السوري، وفي مقدمتها نظام إيران الحالي، في ظل حكم الملالي، والمخلفات الظلامية للقرون البعيدة!