القطيف: بين ابواق البلاط و رصاص الشبّيحة

العدد الثاني - حزيران ٢٠١٢
الدولة: 
السعودية
تاريخ النشر: 
تموز (يوليو), 2012

لم تتناول الصحف المحليّة خبر اعتقال الشيخ نمر النمر بمهنيّة، بل اكتفت بأصدار الاحكام و ترويج حملة اعلاميّة بقيادة وزارة الداخلية التي تنتهج ابشع الاساليب في تخوين الحقوقيين و الناشطين و اعتبارهم «مثيري الشغب و الفتنة» و «اساؤوا لمجتمعهم و وطنهم» و «ادوات في يد اعداء الوطن»!، كل تلك اكاذيب لا تنتقم من الشيخ نمر النمر فحسب، بل هي تخوين للحراك الثوري بمجمله في المنطقة، واعتباره مؤامرة من الخارج و ليس عبارة عن ردة فعل ضد الانتهاكات الصارخة والتي تحدث بشكل يومي في الداخل.

يجب علينا في البداية ان نستعرض بعض اقوال الشيخ نمر النمر و نحاول ان نفهم ما اذا كان مُخطئاً او مصيباً، بدلاً من التبعيّة الساذجة للسلطات الرسمية التي تنتهجها ابواق السلطة من اعلاميين و صحفيين في اصدار الأحكام من دون البحث والتحليل الدقيق للأحداث. واودّ ان احدد مجال البحث، لأنه لا يعنينا هنا ان نعرض خلاصة جميع المقالات والتصريحات التي القاها نمر النمر، بل سأتحدّث على وجه الخصوص عن الخطبة الاخيرة التي اعتقل على اثرها بسبب نقده للامير نايف، ولآل سعود بمجملهم. هناك عدة نقاط مهمة في خطبة النمر، فسأكتفي بعرض التصريحات السياسية. اولاً: انتقد الشيخ نمر النمر النظام الوراثي وانتقال الوزارة من نايف الى سلمان، و انتقد النظام الملكي بأسره، واعتبره نظاماً غير شرعي، حيث قال: «لماذا لا يُحال الملك الى التقاعد، لازم يجي ملك الموت وياخذ روحه، لماذا لم يُحَلْ نايف الى التقاعد .. لازم يجي ملك الموت و ياخذ روحه ..؟!» . ثانياً، انتقد سياسة وزير الداخلية الاسبق الامير نايف في القتل والاعتقال، و قال ان الفرح و البهجة لوفاته هو شيء طبيعي، بل اننا نفرح لان الشخص الذي اعتقل و قتل ابناءنا فارق الحياة. ثالثاً: صرّح النمر في خطبته منتقداً عقود الاسلحة ونهب الاراضي التي من خلالها تم نهب ثروات الوطن وموارده على يد الامراء والطبقة البرجوازية، وانتقد سياسة الاستحواذ والبذخ وبناء القصور. رابعاً: استمر الشيخ في انتقاداته للنظام، بحديثه عن علاقته بأمريكا، من جهة، ودور السلطات السعودية في العمليات التخريبيّة في البحرين و محاولاتها دحر الحركة الثورية فيها، بدلاً من مجابهة الصهيونية والامبريالية. خامساً: انتقد نمر النمر كل الطغاة والحكّام المستبدين، ابتداءً بالسعودية، ووصولاً الى البحرين وسوريا، حيث انتقد عائلة آل سعود وآل خليفة وآل الاسد، وقال: «الانسان يموت كريماً، افضل من ان يبايع طاغية من امثال آل سعود وآل خليفة والاسد .. هؤلاء يرهبون الناس ويقتلون الناس ويستعبدون الناس .. يقاتلون للبقاء على كرسي الحكم!!»، واخيراً: فَضح المروجين للشائعة الحكوميّة التي تتحدث عن صلة الحراك الثوري في القطيف بأيران، وقال ان هذه الاكذوبة لا اساس لها من الصحّة، بل هي من الشائعات التي يروّج لها ابواق النظام.

من خلال هذه المحاور والنقاط، يمكننا ان نقف على ارضيّة واضحة .. حيث ان من يخرجون الى الشارع في القطيف والعوامية اليوم يعارضون سياسة الاعتقال والقتل، التي تقوم بها قوات قمع الشغب، وهي القوات التي تنتزع الامن انتزاعاً من المدنيين الذين يعارضون سياسة التوريث و الاستحواذ على السلطة والثروة،، وأحد اكثر نُظم الحكم رجعيّة - النظام الملكي في السعوديّة. ان شباب القطيف يريدون تمثيلاً سياسياً حقيقياً، و لا يريدون المزيد من عقود الاسلحة التي لا نراها تستخدم الا ضد الاحتجاجات الجماهيرية، او كوسيلة لنهب ثروات البلاد بحجة التسلّح الاستراتيجي لمجابهة ايران!! ان مؤيدي نمر النمر، هم ضد نهب الاراضي، و ضد سياسة الاستحواذ التي تنتهجها العائلة المالكة منذ عقود طويلة، فتُبنى القصور، من جهة، و يزداد عدد المشردين و الفقراء، من جهة اخرى،وحيث حفنة من الرجال تسكن القصور والاغلبية الكادحة تسكن العشش و البيوت الآيلة للسقوط، ووصل تعداد المواطنين تحت حدّ الفقر الى 4 مليون مواطن، و 70% من السكان لا يملكون منزلاً، وثمة 3 ملايين عاطل عن العمل و 30 الف معتقل لدى السلطات .. ان بناء القصور و نهب الاراضي هي لعبة الاثرياء والامراء الذين يخونون اوطانهم، اما المشاركون في الحراك الثوري فهم يعبّرون عن غضبهم ضد هؤلاء الخونة، و لهم حرية التعبير التي هي عُرفٌ دولي في ميثاق حقوق الانسان، والتي تشمل تحت نفس البند: حق التنظيم و حق الاحتجاج. اذن نحن هنا لا نتعامل مع عميل مزدوج يُدعى نمر النمر، بل نتعامل مع شخصيّة بارزة في المطالبة بالحقوق المدنيّة التي منها حقّ التمثيل السياسي و حق التعبير و حقّ الاحتجاج و حقّ كل مواطن في ثروات الوطن و موارده.

ابواق البلاط الملكي:
إن تصريحات المتحدث باسم وزارة الداخليّة، اللواء منصور سلطان التركي، كانت في قمّة التدليس والهشاشة والضعف، حيث تناولنا اقتباسات من هذا التصريح في بداية المقال، عندما وصف النمر بأنه من مثيري الفتنة! و هل يوجد فتنة اكبر من هذه الفتنة التي نعيشها اليوم في ظلّ مأجورين يهيمنون على السلطة الدينية، ومرتزقة يرفعون السلاح في وجه كل من حاول ان يجهر بكلمة حقّ امام سلطان جائر؟! بل ان الكبت وتكميم الافواه والاستغلال والنهب والارهاب البوليسي، كلها اخطر من اي فتنة مزعومة، وان من يمارس الشغب المنظّم هم ليسوا الابرياء و العزّل الذين يتم قتلهم في شوارع القطيف والعوامية، بل هم قوات الامن التي تقوم فعلياً بزعزعة الامن وارهاب المواطنين في نقاط التفتيش، والهجوم بالمدرعات التي تعترض المتظاهرين، وهم القناصة الذين يستهدفون الشباب المناضل في الحراك الثوري .. هذا هو الشغب الحقيقي .. الشغب الممنهج الذي تنتهجه وزارة الداخلية ضد المدنيين، ولا غرابة في ان قوات الامن تلعب هذا الدور الهمجي، فلقد كان كارل ماركس محقاً عندما وصف القطاعات المسلّحة في المجتمعات الرأسماليّة بأنها قطاعات القتل والذبح، فهي تنتج المجازر وترهب الآمنين، و تستغلها الطبقة الحاكمة لبسط نفوذها عندما تفقد السيطرة، او عندما تفشل في الهيمنة على الوعي العام بالوسائل السلميّة.

اما من حيث دور الصحف ووسائل الاعلام، فيصعب التمييز بينها و بين بيانات الداخليّة، فهناك تشابه في اللغة والمعنى، ولكن المساحة المتاحة للصحف المحليّة تستوجب الثرثرة و الاسهاب. حيث كانت سياسة التخوين هي ذاتها سياسة الصحف المحليّة، ولا غرابة في ذلك ايضاً ..! ان العلاقات الاجتماعية المتناقضة في ظل الملكيّة الخاصة تفسّر دور الصحف المتخاذلة، فالذي يمتلك الثروة والقرار السياسي والاقتصادي هو ايضا من يمتلك الاعلام و يهيمن على الرأي العام. و الكل يعرف من يمتلك هذه الصحف ومصالح المُلاك مع العائلة الحاكمة . فعلى سبيل المثال .. احمد العطّار كان يمتلك صحيفة عكاظ وفي نفس الوقت كان مستشاراً بارزا في الديوان الملكي. تركي السديري هو رئيس تحرير جريدة الرياض وتربطه قرابة وثيقة في النسب وعلاقة تاريخية قديمة مع العائلة المالكة. احياناً تكون ملكيّة الصحف نتيجة حتمية لتحالفات بين رؤس الاموال والعائلة المالكة، و في حين آخر تتحوّل الى ملكيّة مباشرة من قبل العائلة المالكة التي استحوذت على جزء كبير من رؤوس الاموال . فعلى سبيل المثال الامير خالد الفيصل يمتلك صحيفة الوطن والوليد بن طلال يمتلك قنوات اعلامية بالتلفاز والراديو و الامير سلمان والامير خالد بن سلطان يستحوذون على بقية الصحف السعودية. لذلك .. نرى تشابهاً واضحاً في الطرح بين السلطة السياسية والمؤسسات الاعلامية، كما لو ان الصحفي هو موظّف في الداخلية وليس موظفاً في مؤسسة اعلامية!، و ظهر في وثيقة في الوكيليكس تبرهن على صحّة ما نقول: « الأسرة المالكة تسيطر بشكل شبه كليّ على ملكية وسائل الاعلام وبدوافع ربحية وسياسية، ولأجل هذا ثمة رقابة ذاتية كاملة عليها». وكشفت الوثيقة أن وزارة الداخلية تضطلع بمهمة مراقبة الصحافيين السعوديين ومعاقبة الذين لا يمتثلون لتوجهات الحكومة وسياساتها، وأن موافقتها تعتبر شرطاً أساسياً لتسلم المواقع التحريرية الرئيسية في الصحف. وقالت الوثيقة إن الصحافيين السعوديين لديهم الحرية في كتابة ما يشاؤون بشرط عدم “نقد العائلة المالكة، أو الكشف عن فساد الحكومة “، وأن الصحافيين المتمردين يتم استدعاؤهم من قبل لجان تتبع وزارة الداخلية في مختلف المناطق، ومن ثم التحقيق معهم لمعرفة مسببات ودوافع كتاباتهم.»

وكالعادة، لم يثر استغرابنا كتّاب الصحّف المحليّة بآرائهم، فقد لعبوا دوراً رجعياً في الصراع، هم ابواق مأجورة لدى بلطجيّة النظام، وعلى رأسهم انور عشقي - رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية – حيث صرّح للاقتصادية قائلاً: « إن نمر النمر كان يعمل بأجندة خارجية طوال الفترة الماضية وما يتحدث به خلال خطبه في المساجد يعد مخالفاً لكل القوانين ... والدولة صبرت عليه كثيراً، إلا أنه استثمر هذه المعاملة الحسنة في التعدي على سيادة السعودية»، مضيفاً بأن النمر ليس معتقل رأي، وإنما هو معتقل أمني وخطير» . وهذه اكذوبة اعتدنا سماعها، فأي مناضل او اي حقوقي في المنطقة يتم وصفه بأنه يعمل بأجندة خارجيّة ! لكن احب ان اطمئن انور عشقي ومن هم على شاكلته، بأن الاحرار لن يخرجوا من الوطن ولن يبحثوا عن وطن آخر، والذين لهم علاقات مشبوهة بدول اجنبية هم اصحاب المناصب والامراء والوزراء الذين يبيعون براميل النفط الى القوى الامبريالية لبناء القصور، اما الاحياء الفقيرة فلا تعرف احداً في الخارج، بل تعرف ظلم و طغيان الداخل. وان من يستغلّ المنابر ابشع استغلال هي السلطات الحكوميّة التي تلقّن الائمة بيانات الداخلية في كل يوم جمعة: في الحثّ على طاعة ولي الامر وعدم الخروج على الحاكم حتى ولو كان ظالماً. في المقابل يعتبرون استخدام المساجد من قبل الثوّار جريمة علنيّة تستوجب العقاب، اذن كما هو معلوم .. القانون الذي يتحدث عنه انور عشقي هو قانون لا يمثلنا جميعاً ولسنا بسواسية امام القضاء، فالعلاقات الاجتماعية المتباينة بين من يستحوذ على السلطة ومن هو خاضع لها تؤدي حتمياً الى نشوء قوانين تحمي السلطة ولا تحمي المواطن الاعزل – لذا لا وجود لقانون محايد في دولة لا تقوم اساساً على الحياد. لذلك لا غرابة في قطع يد سارق نيجيري و التشهير فيه، بينما احد المجرمين الذين نهبوا الملايين وتسببوا في كوارث سيول جدة لا تتم معاقبته الا بفصله من العمل، ولم تُفصح السلطات عن اسمه ولم تُصادر امواله.

«وصياغة قانون مكافحة الارهاب الجديد علامة واضحة اخرى على ان السلطات ستستخدمه في اسكات المعارضة»، وهو قانون يعطي السلطة كامل الصلاحيّة لاعتقال اي شخص مشتبه فيه لمدة غير محددة و بلا محاكمة. فالعدالة لا اثر لها في القانون السعودي، بل هو مجرد انعكاس لهمجيّة السلطة في تعاملها مع المواطنين، و يتعامل عشقي مع القانون كما لو هو كتاب مقدّس غير خاضع للتغيير، بل ان اكثر القوانين قمعيّة تم الغاؤها عبر الحركة الجماهيرية في تاريخ الثورات، ومنها قانون جيم كرو الذي يشرعن التمييز العرقي في امريكا. و لقد اخطأ انور عشقي في وصف الشيخ نمر النمر بأنه ليس من سجناء الرأي، لأنه لم يتم اعتقاله الا على خلفيّة الخطبة التي ذكرناها سابقاً والتي تعد تعبيراً عن الرأي، والنمر لم ينفذ عملية مسلحة ضد المؤسسة الحاكمة، بل عبّر عن افكاره في خطبة الجمعة في العوامية. و يجب ان يتذكّر عشقي بأن من يخرجون الى الشارع في الحراك الثوري في القطيف و العواميّة هم يطالبون بسيادة الشعب وليس بسيادة طائفة معينة او حاكم معين او عائلة ملكيّة محددة، بل يطالبون بالتغيير الشامل .. و انهاء حقبة الجرائم المنظمة التي تشنها السلطات عليهم يومياً.

لقد نشرت صحيفة الوطن بعض الادعاءات الكاذبة و غير القابلة للتصديق، في حديثها عن ان الشيخ نمر النمر كان مع مجموعة من المسلحين اثناء القبض عليه، وبادر بإطلاق النار على قوات الامن وردوا عليه باحتراف، ومن طلقة واحدة اصيب وتم اعتقاله. لكن ما يثير تساؤلنا، اين المسلحون ؟؟ اين السلاح الذي مع النمر .. لو كان الشيخ مسلحاً لظهرت الاسلحة مع الصور حين تم اعتقاله، و لو انه بالفعل كان مع مجموعة من المسلحين لماذا لم يتم اعتقالهم، من هم بالضبط؟! من المؤكّد بأن لا صحيفة الوطن ولا باقي الصحف المحليّة ولا حتى المتحدّث الرسمي لوزارة الداخليّة يملكون اجوبة عن هذه التساؤلات، بل هي ليست اول اكذوبة اعلاميّة ولن تكون الاكذوبة الاخيرة. و لكن لم تكتف الصحيفة بهذه الاكاذيب، بل اكتظّت الصحف بأبواق البلطجيّة الذين لا يمثّلون لا الوطن ولا المواطن، و يريدون نشر اكبر كمّ من الشائعات والاوهام و الخرافات لتبرير الاعمال التخريبية التي تقوم بها السلطات . كتب احدهم بأن النمر كان لديه لقاءات مع احد المطلوبين امنياً من قائمة ال 23 مطلوباً، و هي قائمة اصدرتها الداخليّة للتحقيق مع مجموعة من المناضلين الذين لهم دور بارز في الحراك الثوري في القطيف. وبدلاً من التساؤل عن ماهية التهم الموجهة لهم وعلى اي اساس يخضعون للاعتقال والتحقيق والملاحقة، اصبح الصحفيون يطبّلون للداخليّة ويعتبرونها مركزاً للتشريع وحفظ الامن، واصبحت الداخليّة سلطة لا تخضع للمساءلة او التشكيك. فإن كان الشيخ النمر على علاقة مع المطلوبين ال 23، فإن ذلك لا يعتبر انتقاصاً يحرّض الكتّاب على سياسة التخوين .

في الجهة المقابلة، امتلأت الصحف بالمقالات العديدة التي تتناول موضوع الدفاع عن الوطن، أو كما قال احدهم: « التعدي على امن الوطن و وحدته»، او كما ورد في مقال الكاتب سعود الثنيان في صحيفة الشرق: «فأمن الوطن خطّ احمر» . و هنا يجب ان نتساءل: أي وطن يتحدث عنه المرتزق سعود الثنيان؟! هل هو وطن الطبقة الحاكمة التي تروّج لنفسها اعلامياً كما لو هي فعلاً تمثّل الشعب بأكمله، بينما هي لا تمثّله على الاطلاق، على العكس هي تستحوذ على ثرواتنا و تمارس ابشع نُظم التجويع المسيّس، ولا نملك حق تقرير المصير او حق اتخاذ اي قرار يخصّ حياتنا المعيشية . اننا لا نعيش في مساواة في هذا الوطن، نخضع لنظام هرمي صارم .. نظام لا يعطي اعتباراً للمواطن. حتى الوطنية تم تشويهها واحتكارها . هم لا يعلمون بأن الوطن لا يمكن اختزاله في القصور الفاخرة التي تتم حمايتها بالجنود والمدرعات، ولا يمكن اختزاله في الصحف و البيانات الحكومية التي تبثّ الاكاذيب والخرافات، ولا يمكن اختزاله في طائفة واحدة، ولا يمكن اختزاله في صفقات فاسدة، ولا يمكن اختزاله في حدود جغرافية ضيقة، بل هو اكبر من ذلك بكثير .. اكبر من خيالاتهم البسيطة وكلماتهم الركيكة. اذن الوطن ليس للجميع، و لم يكن يوماً للجميع .. فالجميع يعيشون في ظروف متباينة تحت سيطرة الاقليّة بكل مؤسساتها القمعيّة، فقد تُسجن في هذا الوطن الجميل من دون محاكمة، و قد تُرمى بالرصاص اثناء مظاهرة، فعن اي وطن نتحدّث عنه ؟! هذا الوطن المتناقض ما بين القوى الهمجيّة والحشود المستضعفة لا يحتاج الى لملمة الطائفيّة او اجتنابها بشكل عائم، بل يحتاج الى مواجهتها والقضاء عليها في كل ساحات النضال وبكل الوسائل .. لابد من مواجهة الطبقة الحاكمة التي تعتاش على الطائفيّة و التفرقة العنصريّة والتمييز الجنسي . ان الطائفيّة ليست طبيعة او بنية اجتماعيّة، بل هي ظاهرة دخيلة على المجتمع وتلبي مصالح الطبقة الحاكمة وتسهّل عملية الاستغلال، وجذور الطائفيّة تكوّنت من مبدأ «فرّق تسد» .. الذي هو نظرية احرزت نجاحات باهرة على مرّ تاريخ الاستبداد، في حين قابلته مكاسب استثنائية للجماهير المعترِضة،والمقاوِمة، في مواجهة النُظم الاستغلالية والاستبدادية.

إن تغيير وتصحيح الوهم الوطني المتفشي في البيانات الحكومية يكمن في التضامن عبر مواجهات مباشرة،من جانب كل المضطهدين من ابناء هذا الوطن ضد الذين يتسببون لهم بالاضطهاد، وان الفرد لا يجد نفسه ولا يحصل على قوته الا من خلال التحرّك الجماعي و مواجهة النظام، اما الانتظار .. فلن يأتي بنتيجة، لأن التغيير الحقيقي لا يحدث الا بالقوة، ولكن هذه المرة نعني قوّة الاغلبية المضطهدة في مواجهة الاقليّة المستبدة، وليس العكس كما هو موجود الآن. الخلاصة: هناك فرق شاسع بين الوطن والعفن، بين المساومة والمقاومة - هناك عالم افضل وممكن.

الحراك الثوري في القطيف:
أن المطالبات الاصلاحيّة في القطيف هي مطالبات قديمة تعود الى خمسينيات القرن الماضي، ومع كل تلك السنين فشلت كل المطالب الاصلاحيّة، مروراً بالمعاريض التقليدية واللقاءات المتكررة مع المسؤولين ومشاريع اصلاحية موثقة ومبادرات ومحاولات لعقد مصالحة وطنيّة مع الطبقة الحاكمة، للوصول الى حل ينهي التمييز الطائفي. اما اليوم، فيعتبر كثيرون الملك عبدالله رمزاً اصلاحياً في تاريخ المملكة، و»الاصلاحيون» في عهده يعيشون حقبة ذهبيّة لم يحلموا بها في الماضي ولن يحلموا بها في المستقبل، ومع ذلك لا يوجد ادنى اصلاح حقيقي في حياة الكادحين، حيث كل المحاولات الاصلاحية هي قرارات وزارية لا تعني شيئاً بالنسبة للفقراء و لا توجد من ضمنها اي حلول جديّة لمواجهة التمييز الطائفي . ان الاصلاح الحقيقي يحتاج الى حركة جماهيرية ترغم السلطة على تنازلات للطبقات الاخرى، وان الحقوق تنتزع انتزاعاً .. و منها حقّ التعبير وحقّ الاحتجاج وحقّ التنظيم وحقّ العمل والمساواة، وحقوقنا في العيش في بيئة تعمها العدالة الاجتماعية بدون استغلال او استبداد. لكن الواقع الحالي مختلف كل الاختلاف عن طموحات الاصلاحيين .

لقد بلغت حصيلة الشهداء في القطيف 11 شهيداً، واعداد المعتقلين تتجاوز ال 500 معتقل، اطلقت السلطات سراح 345 معتقلاً و 155 معتقلاً مازالوا رهن الاعتقال. و من بينهم ناشطون امثال فاضل المناسف ونذير الماجد، وتم طرد 30 عاملاً من وظيفته بعد احتجازهم لأكثر من 4 اشهر في معتقلات السلطة الرجعيّة، و 150 مواطناً ممنوعون من السفر، من اهالي القطيف، بسبب المشاركة في المظاهرات. و احد الشهداء الذين استشهدوا على يد قوات مكافحة الشغب مؤخراً هو السيد اكبر الشاخوري الذي قٌتل على يد القناصة، وياللمفارقة الحزينة .. قُتل في نفس التاريخ الذي زفّ فيه عريساً قبل سنة، و السلطات تزعم بأنه مدعوم من قوى خارجيّة، بينما الشاخوري كادح وفقير من اهالي العوامية، اضطرّ لأن يذهب مشياً على الاقدام من العواميّة الى القطيف كي يتضامن مع مظاهرة في شارع الثورة، وتم اغتياله اثناء الاحتجاج، ولقد كتب مقالاً رائعاً قبل استشهاده عن الثورة التونسيّة وكان متأثراً بالثورات العربيّة.

ولكن السلطة في تشويهها للحراك الثوري في القطيف وتشكيكها بنزاهة ووطنية الثوار وممارستها لسياسة التخوين، هي تريد بذلك اختزال الحراك في حدود المنطقة الشرقية وقمعه لمنع تأثيراته من الوصول لمناطق اخرى.

هذا الصراع لا يمكن تقليصه الى مجرد صراع طائفي، بل هو صراع طبقي بين الكادحين و المهمّشين والمضطهدين وبين من يسبب لهم الظلم والاستغلال والاضطهاد. وعلينا ان نتعلّم من التجربة الشيعية الثورية، وخصوصا في حركة المنسيين، التي استطاعات ان تتخطّى كل العوائق الطائفية والاحتجاج والمطالبة بإطلاق سراح السنّة والشيعة المنسيين في السجون السياسية. يجب ان تتوسّع الحركة الحقوقيّة في المنطقة الشرقية وتنتشر من القطيف الى الاحساء والرياض والحجاز، والى الشمال والجنوب وكلّ مكان، لأن اختزال الاحتجاجات في القطيف قد يؤدي الى كارثة انسانية ويشكل نهاية للمسيرة الحقوقية في السعودية، اما اذا توسّع الحراك الثوري الى كل مناطق المملكة فهذا سيعطينا فرصة اقوى للانتصار على هذا النظام.
ان روح التضامن في الحراك الثوري في القطيف هي مسألة في غاية الاهميّة، ففي مظاهرة السجناء المنسيين التي حدثت قبل عدة اشهر تضامن الثوّار مع خالد الجهني الذي تم اعتقاله في الرياض في 11 مارس، وهو لا يمت للشيعة بصلة. وايضاً رفعوا صورة محمد الودعاني الذي تم اعتقاله اثناء مظاهرة امام مسجد الراجحي في الرياض، و طالبوا بالافراج عن كل المعتقلين، من كل الطوائف، وفي كل اقليم من اقاليم المملكة. و هذا بحدّ ذاته يفنّد اكاذيب السلطات التي تزعم أن المظاهرات هي مظهر من مظاهر التعصّب الطائفي. و عندما تهجّمت قوات الامن على عزة الزهراني وضربتها ضرباً مبرحاً لأنها ارادت ان ترى ابناءها في السجن، فيما رجال الامن يمنعون الزيارات عن السجناء، صرخت و قالت: «ابن علي في قصورهم و اولادنا في سجونهم»، فرفع اهل القطيف اللافتات والشعارات تضامناً معها وخرجوا في مظاهرات من اجل اطلاق سراح ابنائها، و انتشرت قصتها بين كل المناضلين في الحراك الثوري. وعندما قمعت السلطات الاحتجاجات في جامعة الملك خالد، خرج اهل القطيف في مظاهرة يتضامنون معهم ورفعوا الشعارات الثورية للوقوف مع كل مضطهد في ارجاء المملكة.

الآن تخرج مظاهرات في المدينة المنورّة للتضامن مع اهالي القطيف، ومظاهرات في الرياض امام سجن الحاير للمطالبة بإطلاق سراح معتقلي الرأي، والمظاهرات في القطيف والعوامية يتم تنظيمها يومياً بالرغم من كل المخاطر والقمع البوليسي، ويتضامن الثوّار مع ثورة البحرين و يهتفون هتافات ثورية تم استخدام بعضها في الثورة المصرية، ومنها «القصاص القصاص مِمَن اطلق الرصاص»، وتجاوزت الهتافات كل معاريض الاصلاح ونصائح المساومين، حيث رفع المتظاهرون اللافتات وبأعلى اصواتهم ضد العائلة المالكة، ومنها: «الموت لـ آل سعود». وهم يهتفون لإسقاط النظام في كل مسيرة وكل مظاهرة وكل اعتصام، وتتعالى هتافاتهم ضد وزير الداخليّة الامير سلمان، وهذه كلها دلالات على تصعيد الحراك المضاد ضد السلطات الديكتاتورية.

ان الاحتقان الشعبي في المنطقة الشرقية، جعل الشباب يبحثون عن حلول جذرية، فقد سئموا من انصاف الحلول والمساومات البائسة والمعاريض غير المجدية، ما ادى الى اختيار الاحتجاج والثورة بدل الاصلاح والتهدئة. لأن مشروع الاصلاح يحمل في طيّاته محاولات بائسة لتغيير شروط العبودية ولكن لا مجال للتعويل على الغائها، بينما العلاقات الاجتماعية بين الحاكم و المحكوم تحتّم على السلطات ان تضع مصلحتها العليا كأولويّة، ومصلحة الجماهير المضطهدة لا تعيرها اهتماماً، وهذا لكون العلاقة ليست مبنيّة على المصالحة بل ان هذه العلاقة هي نتاج لتناقض المصالح بين الطبقة الحاكمة والطبقة الكادحة. ان مؤسسات الدولة بمجملها لا تقف على الحياد بين السلطة والمواطن، بل تقف مع السلطة ضد المواطن، لذا فكلّ مؤسسات الدولة غير قابلة للإصلاح لأنها مجرد انعكاس للعلاقات الاجتماعية المتباينة بين الفقراء المستغَلّين و الاثرياء الاستغلاليين. ان مشروع التغيير الجذري، لا يمكن ان يؤخذ بجدية من قبل السلطات التي لم تهتم يوماً بمطالب الجماهير وحقوقهم، بل اعتاشت على نهب ثرواتهم وقمعهم بكل السبل المتاحة. وان من يخرج اليوم الى الشارع فلأنه يرفض هذه العلاقة التي لن نخرج منها بالمساومة، بل سنخرج منها بالمقاومة وعبر الثورة على نُظم الاستبداد وسياسة الاستعباد بكل تبعاتها السياسية والاقتصادية.

الخلاصة:
إن الطائفيّة هي نتاج هذا النظام الذي يفرّق بين العمّال والموظفين ويختلق خرافات نمطيّة لدى كل فئة من فئات العمّال لتشتيت أي جهود نحو الاتحاد والعمل المباشر لمواجهة الطبقة التي تستغلهم و تضطهدهم – لذا يتم اختلاق صراع ضارٍ بين الطائفة السنيّة و الشيعية – بينما في الحقيقة لا يوجد علاقة استغلالية بين الفقراء السنة للفقراء الشيعة، انما العلاقة الاستغلالية المستبدّة هي بين الطبقة الحاكمة والطبقة الكادحة بمختلف طوائفها. وهذا ما يجعل العمّال الشيعة في منافسة دائمة مع اخوانهم السنة – و ايضا يعيشون في منافسة في ما بينهم: للحصول على الاسكان والحصول على العمل والحصول ايضا على الرعاية الصحيّة والتعليم والاحتياجات الاساسية، ولن نتمكّن من الخروج من هذه الفوضى المادية والاجتماعية الا باتحاد ابناء الطبقة الكادحة، سنةً و شيعةً، وعرباً واجانب، لمواجهة هذا النظام الفاسد واقتلاع جذوره وبناء مجتمع قائم على المساواة والعدالة الاجتماعية. وهذا ليس امراً مستحيلا، كما يبدو في ظاهره، وليس ابتكاراً جديداً غريباً عن التاريخ، انما نحن نستند إلى تجربة تاريخية من ذاكرة الصراع من اجل الحرية الحقيقية، ولا نحاول ان نختلق حلولا غريبة عن الطبقة الكادحة، بل نحاول ان نتعلّم من تجربة الكادحين في مواجهة النظام عبر التاريخ، ونستفيد من هذه التجربة في التعاطي مع الواقع والمستقبل. أن تجربة الكادحين السنة والشيعة والفلسطينيين والاجانب، على اختلاف انتماءاتهم هي تجربة تاريخية فريدة، ولها دلالات واضحة، حيث ان تجربة اضرابات واحتجاجات حقبة الاربعينات والخمسينات تبرهن بكل وضوح على أن بإمكان الكادحين والعمّال ان يحصلوا على حقوقهم عبر الحركة الجماهيرية، لأن بأمكان الاجهزة الامنيّة ان تعتقل أي شخص معارض لكن لن تستطيع اعتقال مئات الالاف من المنظّمين عبر الحركة العمّالية. و تعلّمنا ايضاً..

ان التكاتف بين ابناء الطوائف المختلفة ليس امراً غريباً، بل هو امر مهم، بعكس الخرافات والاكاذيب التي تبثّها السلطة بخصوص الخلافات العقائدية التي تفرّقنا عن الهدف الرئيسي. إن الاشكاليّة الطائفيّة ليست إشكالية دينية بحتة، بل هي إشكالية اجتماعية و سياسية لن تنتهي الا مع انهاء هذه الدولة الطائفية واستبدالها بدولة لا تقوم على اساس طائفي ولا على اساس طبقي، بل دولة تمثّل ديمقراطية الكادحين – فيها يتم اتخاذ القرارات بشكل جماعي وليس عن طريق ترشيح اشخاص لا يمثّلون الكادحين كما هو الحال في الانتخابات الغربية، وليس ايضاً عن طريق مجالس معدومة الصلاحيّات مثل المجلس البلدي ومجلس الشورى في السعودية. و لا يعني هذا أننا لا نطالب بالحريّة الدينيّة في ان يمارس كل اصحاب الطوائف والاديان المختلفة عباداتهم و طقوسهم الدينية. وايضاً لهم الاحقيّة في ان يُسمح لهم بالمجالس والندوات الدينيّة من دون تصاريح تعجيزيّة او مراقبة صارمة من قبل الاجهزة الامنيّة، وايضاً من حقّ الشيعة ان تبنى لهم الدولة مساجد وحسينيّات كما تتولى الدولة بناء المساجد السنيّة، لأنهم جزء من هذا المجتمع، فنحن نؤمن بأن الطائفيّة ليست مجرد أزمة تعايش بين الطوائف المختلفة، بل هي نتاج الدولة الطائفيّة التي تتحمّل المسؤولية عن هذه الازمة الاجتماعية، لأنها هي المسؤولة عن القانون الطائفي وهي المسؤولة عن الاعلام الطائفي، وهي ايضاً مسؤولة عن الاجهزة الامنية التي تعتقل المواطنين وتحقق معهم وتمنعهم من السفر على اساس طائفي، لذلك .. |إن التخلّص من الطائفيّة لن يتم الا بالتخلص من النظام الذي ينتج الطائفية ويغذيها ويستغلّ هذه الظروف للسيطرة على الثروة وعلى المجتمع بأسره. ان الخلاص من هذه المعضلة التي عجز الاصلاحيون عن حلها هو في الخروج الى الشارع وانتزاع الحقوق انتزاعاً من السلطة وتوسيع آفاق النضال عن طريق الاضراب والاحتجاج في كل قطاعات الدولة بما فيها القطاع النفطي.

على الناشطين في الحركة الثورية في القطيف والعوامية ان يواجهوا الدولة بطريقة منظمّة و ليس عن طريق اعتراضات فردية او عشوائية مسلّحة، بل عن طريق تنظيمات سلميّة تعمم التجربة النضالية لدى المضطهدين، و يحافظ التنظيم على ذاكرة المناضلين و يتحدى الاعلام الحكومي بكل اكاذيبه، و يدعو الى تحركات جدية ضد النظام الذي يضطهد المرأة والشيعة و الفقراء والعمال . لن نستطيع ان نتخلص من هذه الاغلال الا عبر التنظيم والخروج في الشارع و التضامن مع الحركة الجماهيرية.

المجد للشهداء، والنصر للثوار .. و يسقط نظام آل سعود!!