لا تحرر للمغرب، من دون الانعتاق من التبعية للامبريالية

العدد الثاني - حزيران ٢٠١٢
الدولة: 
المغرب
تاريخ النشر: 
حزيران (يونيو), 2012

‫نمو اقتصادي ضعيف ومتقلب، وبطالة جماهيرية ودائمة، وفساد مزمن واسع النطاق، وتفاوت اجتماعي مهول، واستبداد سياسي مستحكم يعامل المواطنين كرعايا أذلاء. ضحايا كثر على مر السنين، منذ الاستقلال الشكلي لرأسمالية تابعة ومتخلفة. حقوق سياسية مصادرة وتشريعات قمعية وعنف دائم لدولة في خدمة الأغنياء. ولكن، أيضاً، حقوق اجتماعية تاريخية منتزعة، بتضحيات هائلة، يتم تفكيكها شيئاً فشيئاً، وأملاك ومؤسسات عمومية وضعت تحت رحمة نهب الرأسمال الخاص. إنه تركيب لعوامل متفجرة عديدة. وهذا ما يدفع طبقات وشرائح اجتماعية متنوعة لساحة النضال والاحتجاج.‬
‫ ‬
‫استبداد يبحث عن مخرج بطرق متنوعة: إدامة التبعية للامبريالية، 
ودوام التخلف‬
‫لقد نشأت رأسمالية المغرب، منذ البدء، كتابعة لرأسمالية المركز الامبريالي، وكان نصيبها من قسمة العمل الدولية إنتاج مواد أولية وأخرى شبه مصنعة، صناعات معتمدة أساساً على وفرة اليد العاملة بخسة الثمن، مقابل استيراد مواد عالية القيمة المضافة، في ظل تبادل غير متكافئ يديم تخلف البلد. فالاقتصاد المحلي مرتهن تماماً بالسوق العالمية، سواء تمويلاً، أو تجهيزاً، أو استثماراً، فتصريفاً للسلع المنتجة محلياً. ‬

‫هذه التبعية، المتعددة الأوجه، لازمتها تبعية سياسية ترعى مصالح رأس المال الامبريالي وشريكه التابع المحلي، تبعية تتجسد أقصى أشكالها في ما يسمى تعاوناً أمنياً، حيت تجعل الامبريالية من النظام السياسي القائم دركياً لحدودها، سواء ضد الهجرة، أو ما يعتبرونه «الإرهاب»، كما تلجأ الامبريالية عبر حلف الأطلسي لخدمات النظام، في المناطق «المتوترة»، التي تسعى لاستعادة استقرار مصالحها فيها. ‬

‫إن دمج اقتصاد البلد في الاقتصاد الرأسمالي العالمي يبقيه هشاً للغاية، ويبقى إيقاعه مضبوطاً، وفق تطورات الأوضاع في المراكز الامبريالية. فالسياحة مثلاً شديدة التأثر بتنامي الخوف من هشاشة الأوضاع الأمنية في المنطقة، وهذا يحصل باستمرار، كما الحال، على سبيل المثال، خلال حرب الخليج، ومع «إرهاب» 16 ماي/أيار بالدار البيضاء، ومؤخراً مع تفجير مقهى، في مدينة مراكش. ‬

‫هذا وينطبق الأمر على كل القطاعات الموجهة للتصدير، التي تضررت بشدة، بفعل تقلبات السوق العالمية، وبخاصة السوق الأوربية، ويفقد المصدرون حصص السوق لأنهم يصدرون منتجات ضعيفة المضمون الصناعي والتكنولوجي. والمشكل بنيوي، لأن التجارة المغربية تبقى مرتكزة على قلة من المنتجات وقلة من الأسواق، فضلاً عن وجود منافسة شرسة من جانب مصدرين آخرين لنفس الأسواق، من مثل الصين والهند وتركيا... والشيء نفسه يقال بالنسبة للتمويل عبر القروض، أو الاستثمار الأجنبي المباشر، أو عائدات عمال المهجر، أو تقلب أسعار صرف العملةالخ...‬

‫إن سمة الوضع العالمي الراهن هي الغموض، وحتى التحاليل المتفائلة تقر بأن الأزمة مستفحلة في قلب الرأسمالية العالمية، وأنها ستدوم أطول من المتوقع. فثمة تباطؤ اقتصادي، وبطالة جماهيرية، وفقر أشبه بالحال في زمن الأزمة الاقتصادية العالمية الكبرى لسنوات 1930. لا أحد يدري متى وكيف سيهدأ بحر الأزمة الهائج؟ وكيف و متى وهل سينجو المركب الأوروبي؟ أزمة شديدة في اليونان وإسبانيا وأيسلندا، والبرتغال، وتطول فرنسا وإيطاليا... مشهد عالمي مضطرب، يشهد انبثاق قوى صاعدة، مثل الصين، بوجه أخص، مع معدلات نمو سنوية لا تقل عن 10 بالمائة، والهند بمعدلات تفوق 7 بالمائة، إضافة إلى البرازيل وجنوب إفريقيا... ‬

‫هذا ولم تقف الطبقة العاملة في البلدان الامبريالية، موقفاً سلبياً، وتقبل بأن تساق إلى محرقة الأزمة الرأسمالية، بطواعية، بل خاضت وتخوض نضالات هامة، مثل الإضرابات العامة باليونان واسبانيا والبرتغال، واحتلال وول ستريت، ومسيرات الشباب البريطاني، وحركة الغاضبين، كلها مؤشرات على رفض دفع فاتورة الأزمة، ولكن؟ ولكن الأمر يتعلق برفض أهوال الأزمة الراهنة، من دون امتلاك بديل إجمالي، فما من مشروع نقيض يحظى بدعم الملايين المحتجة. يمكن توصيف المزاج الراهن على أنه رفض متزايد للرأسمالية الاحتكارية، وتوجسٌ من بديل اشتراكي ناتجٌ من فقدان المصداقية، الذي ألحقته الستالينية والاشتراكية الديمقراطية الخائنة بهذه الراية. وبالطبع، ليس بنفس صورة بداية التسعينيات، حيث من المؤكد أننا في المراحل النهائية، أو قبل النهائية، للمناخ الذي نتج من انهيار التجربة السوفييتية، ومثيلاتها في ما كان يعرف بالمعسكر «الاشتراكي» .‬

‫إن تطورات الأزمة العالمية، ونتيجة المنافسة بين القوى الرأسمالية العالمية، سيكون لها وقع ملموس على أوضاع البلدان الرأسمالية التابعة، والمغرب جزء هش من هذه السلسلة، وبالتالي يتأثر بتطوراتها بعمق، ولا سيما بتطوراتها في بلدان الاتحاد الأوروبي.‬

‫الارتباط القوي بأوروبا يعيق تنمية البلد‬
‫سبق أن أكدت تقارير رسمية عديدة، في السنوات السابقة، أن ضعف مردودية الاقتصاد المغربي مرتبط بفترات الانحسار والازدهار الاقتصاديين، اللذين يمر بهما الاقتصاد العالمي، وخصوصاً على صعيد دول الاتحاد الأوروبي.‬

‫فأوروبا هي السوق الرئيسية للاقتصاد المغربي، حيث تتلقى 60% من صادراته، وما يقارب 59% من النفقات مقوَّمة باليورو، لذا فلأزمة الرأسمالية الأوروبية انعكاسات كبيرة على اقتصاد المغرب. ويرى اقتصاديون أن خسارة نقطة مئوية في نمو منطقة اليورو قد يقلّص النمو في المغرب ما بين 0،2 و0،3 في المائة عام 2012، بسبب اعتماد الاقتصاد المحلي، في إيراداته الخارجية، على أوروبا، بما نسبته 70 في المائة، خصوصاً في مجال الصادرات الصناعية والزراعية والسياحة والتحويلات والاستثمارات الأجنبية المباشرة، إضافة إلى ارتباط الدرهم المغربي بالعملة الأوروبية الموحدة، منذ عام 2004. والخطير في الأمر أن أي انتكاسة لعضو من أعضاء الاتحاد الأوروبي، مهما كانت قوته ومساهمته الاقتصادية، سيخلف آثاراً على حجم التدفقات المغربية الخارجية للسلع والخدمات.‬

‫القوتان الاستعماريتان القديمتان تواصلان ريادة الهيمنة على البلد‬
‫لقدكشف لقاء لاقتصاديين فرنسيين، في الغرفة التجارية الفرنسية بالدار البيضاء، يوم الثلاثاء 27 دجنبر/كانون الأول 2011 حول «العلاقات الاقتصادية الفرنسية مع المغرب، في ضوء التحولات الجارية في المنطقة العربية» وجود وضع هش، على صعيد هذه العلاقات، حين أشاروا إلى أن المغرب سجل في سنة 2010 عجزاً في مبادلاته التجارية مع فرنسا قُدِّرت قيمته بـ90 مليار درهم. كما بينوا أن فرنسا حافظت على مرتبتها الأولى كأول مستثمر في المغرب، حيث بلغ متوسط الاستثمارات الفرنسية المباشرة، خلال الفترة 2001 - 2009، حوالى 12 مليار درهم سنوياً. ويتجاوز عدد الشركات الفرنسية التي لها فروع في المغرب 750 شركة، إضافة إلى 340 شركة يحضر فيها الرأسمال الفرنسي كمساهم، وتُشغِّل تلك الشركات الفرنسية ما يزيد على 115 ألف شخص. وتوجد في المغرب 36 شركة فرنسية متعددة الجنسية من أصل 40. ‬

‫كما أن الوضعية المالية العمومية، الإسبانية والبرتغالية والأيرلندية والإيطالية، تدفع إلى تراجع قيمة اليورو مقابل الدولار الأميركي. ونظراً لارتباط الدرهم المغربي أكثر باليورو، وبنسبة 80%، مقارنة مع الدولار الأميركي، الذي يرتبط به بنسبة 20%، ارتفعت قيمة الدرهم المغربي مقارنة باليورو، وتراجعت مقارنة مع الدولار الأميركي، منذ 2009.‬

معدل الصرف والتبادل اللامتساوي يستنزفان مقدرات البلد ‬
‫قبل زهاء السنتين كان اليورو يحوز 49 في المائة من مبادلات المغرب الخارجية، وأظهرت دراسة أنجزها مكتب الصرف، المشرف على التجارة والعملات الأجنبية، أن التجارة الخارجية للمغرب ازداد اعتمادها على الدولار، مقابل اليورو الذي يرتبط به الدرهم المغربي، أكثر، منذ عام 2004: «باتت تعتمد على الدولار بنسبة 52 في المائة في مبادلاتها التجارية، في مقابل 45 في المائة لليورو ونحو 3 في المائة لبقية العملات الدولية». ويرجع ذلك لارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية والزراعية، في السوق الدولية، والأزمة المالية والاقتصادية الأوروبية.‬

‫وقد استورد المغرب ب143 مليار درهم من السلع المقومة بالدولار، سنة 2011، وبلغت قيمة السلع المقومة باليورو نحو 121 مليار درهم. وهو سدد بالدولار مشتريات البتــرول الخام والغاز وزيوت الطاقة والقمح والذرة والمواد الغذائية، والحديد والصلب، وسدد واردات السيارات والآليات ومواد التجهيز والطب والصيدلة والورق باليورو. وصدّر الفوسفات ومواد أولية بالدولار، ومواد غذائية وأسماكاً وملابس باليورو.‬

‫ويرتبط المغرب مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة باتفاقات تبادل حر. وتمثل التجارة مع هذه الأسواق 72 في المائة من مبادلات السلع والخدمات، وتحديداً مواد التكنولوجيا والطائرات والسيارات، إضافة إلى القمح الذي يستورده المغرب. ويُصدر إلى هذه البلدان مواد أولية (فوسفات) وزراعية وصناعية (سيارات وقطع غيار وملابس وأحذية).‬

‫وقد حلّت الصين، ثم الولايات المتحدة والسعودية، في أعلى قائمة موردي المغرب بالدولار، فيما جاءت فرنسا وإسبانيا وإيطاليا ثم ألمانيا في صدارة زبائنه باليورو.‬
‫وانعكس تغيّر خريطة التجارة الخارجية على احتياطي المغرب من العملة الصعبة، إذ بدأ الاتجاه نحو تعزيز الدولار على حساب اليورو، الذي تراجعت قيمته أمام الدرهم، ما دفع المصرف المركزي إلى زيادة الودائع من الذهب وحقوق السحب الخاصة. وفقد الاحتياطي أكثر من ملياري دولار بسبب ارتفاع عجز الميزان التجاري، وتراجع عائدات السياحة، وتقلّب أسعار صرف العملات الرئيسة.‬

‫هذا وسجلت تجارة المغرب الخارجية عجزاً بلغ 800 مليون دولار (7 بلايين درهم)، في الشهر الأول من العام الحالي، بعدما تجاوز 20 بليون دولار العام الماضي. وكلما ارتفعت أسعار الطاقة والقمح بات الميزان التجاري مهدداً بمزيد من العجز، إذ تراجع مخزون تمويل السلع من 11 شهراً قبل سنوات إلى 5 أشهر حاليا.‬

‫ويمكن أن يكون لاستمرار تراجع قيمة اليورو تأثير سلبي على العجز في الميزان التجاري المغربي. فالصادرات المغربية نحو أوروبا ستتأثر قيمتها سلباً، بينما تزداد قيمة الواردات المقومة بالدولار، ما قد يؤدي إلى ارتفاع فاحش في فاتورة المحروقات. كما أن تراجع اليورو أمام الدولار من شأنه أن يعمق موجة التضخم على مستوى منطقة اليورو، ما سينعكس على الأسعار في المغرب، من خلال قناة التضخم المستورد. كما يقلّص استمرار ضعف اليورو من قيمة الاحتياط النقدي، ويزيد من قيمة الديون الخارجية، المقومة بالدولار، وبقية المشتريات التي تتم بالعملة الأميركية، بخاصة من آسيا والصين.‬

عائدات المهاجرين تحت عنف الأزمة وتنامي البطالة وسط المهاجرين‬
‫ويُذكَر أن اسبانيا تمر في أزمة خانقة، بنتيجة تراجع بعض القطاعات، كقطاع العقارات الذي تسبب في تراجع مختلف المهن المرتبطة به، مثل النجارة وإنتاج مواد البناء والنقل وبيع المعدات المنزلية، وهي المهن التي كانت تستوعب أعداداُ كبيرة من المهاجرين المغاربة. وحالة اسبانيا تنطبق على مجموع أوروبا، فجميع الدول الأوروبية تتحدث عن الأزمة الاقتصادية، وعن وتيرة تسريح العمال، وفشل الشركات الكبرى، وخسائر البنوك.‬

‫فالأزمة الحالية تعني انتهاء دورة من الاقتصاد العالمي والأوروبي، وهو اقتصاد لم يعد قادراً على خلق مناصب الشغل، وهذا يعني أن الدول المتقدمة لم تعد قادرة على استيعاب مزيد من المهاجرين، واللافت أنه بدأت عمليات الطرد الممنهجة، وعمليات الترحيل، وحدث توقف شبه نهائي للهجرة من المغرب نحو أوروبا. كما يسجل إقبال مواطني الدول الأوروبية على الأعمال التي كانوا يرفضونها في الماضي وكان يقوم بها المهاجرون.علماً بأن نسبة ليست بالهينة من المغاربة، الآن، في مجموع أوروبا، تعيش في وضع غير قانوني، وأساساً في اسبانيا وإيطاليا، وهم مهددون بالترحيل والطرد إلى المغرب. وبالفعل بدأت عمليات الترحيل، خاصة للذين يفقدون بطاقة الإقامة، طالما أن تجديد بطاقة الإقامة مرتبط بتقديم عقد عمل، والحصول على عقد عمل يعتبر صعباً، إن لم يكن مستحيلاً، في الظروف الحالية.‬

‫وتحول الجالية المغربية في المتوسط نحو خمسة مليارات يورو، بينما كانت تقدر إيرادات السياحة بـ 6 مليارات يورو (قبل الأزمة)، وتستخدم الرباط هذه العائدات في تمويل عجز التجارة الخارجية، الذي ارتفع بدوره، بسبب ضعف الطلب الأوروبي على الواردات، وضعف اليورو والقدرة الشرائية لمجموع السوق الأوروبية. ‬

‫اقتصاد عرّت الأزمة مكامن هشاشته ‬
‫لقد عانى اقتصاد المغرب التابع انخفاضاً في الطلب الأوروبي، وارتفاع أسعار النفط والمنتجات الغذائية، وأنقذته الأمطار، التي سمحت بمحاصيل فلاحية جيدة، وارتفاع أسعار الفوسفات، وأيضا حيوية الاستهلاك الداخلي، وكلها عوامل ظرفية وشديدة التقلب. فالمغرب شهد فترات قصيرة للفورة الفوسفاتية، أشهرها في السبعينيات من القرن الماضي، الأمر الذي شجع الدولة على الاستدانة المفرطة... ‬

‫هذا وقد توقعت مؤسسة التصنيف الأميركية، «ستندار آند بورز»، أن ينمو الاقتصاد المغربي ب 4،8 في المائة سنتي 2011 و2012، وهي تقريباً النسبة ذاتها التي توقعها صندوق النقد الدولي، توقعات تمت مراجعتها مراراً من طرف الحكومة الحالية، ومؤسسات رسمية أخرى تتوقع نمواً أقل من 3 في المائة، في السنة الجارية. لكن الاقتصاد المحلي يحتاج إلى نمو نسبته نحو سبعة في المائة لامتصاص بطالة الشباب المتعلم، وزيادة حجم الاستثمارات العمومية... ولتحسين الأجور ورفع مستوى معيشة الفئات الفقيرة وسكان القرى، وتجنب الاستدانة الخارجية. ولتحقيق ذلك، يجب توفر محيط إقليمي مساعد، أقلّه عودة الانتعاش إلى الاقتصاد الأوروبي، واستقرار الأوضاع في شمال المنطقة المغاربية والعربية. ‬

‫وبالتالي، يبقى الترقب سيد الموقف. والمقصود انتظار مآل عمليات إنقاذ الاقتصاديات المتعثرة بأوروبا، وتطورات السيرورات الثورية الجارية، من جهة، والتعلق بإمكان تحقيق موسم فلاحي إضافي جيد، من جهة أخرى. هذا علماً بأن عجز الاقتصاد المغربي عن الاندماج في السوق الرأسمالية العالمية دليل على تخلفه، حتى بمنطق السوق نفسه، أي عجز عن بناء اقتصاد قوي يفرض مكانة جيدة على منافسيه، وهم كثر. هذا العجز، بالإضافة لضعف الاستثمار الأجنبي، وعدم ارتباط القطاع المالي بالخارج، سمح بالحفاظ على التوازنات الكبرى، قبل أن تبدأ الأزمة في إحداث أثرها المدمر، في البنية الإنتاجية المحلية.‬

‫ويرتكز الاقتصاد المغربي بالأساس على السياحة، وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، ومداخيل صادرات الفوسفات وبعض المواد الغذائية والنسيج. بالإضافة إلى المداخيل الجبائية التي سجلت في 2007 نسبة نمو استثنائية، لتصل إلى ما يفوق 150 مليار درهم، أي ما يعادل 89،4 % من مجموع المداخيل (من دون احتساب مداخيل الخوصصة). وتمثل بذلك 25% من الناتج الداخلي الإجمالي. هذا بالرغم من الإعفاءات الضريبية التي تُضَيِّع على الدولة مداخيل هامة بلغت 23،6 مليار درهم، في 2007. وكلفت الدولة منذ 2006 حتى الآن أزيد من 150 مليار درهم. ‬

‫وقد أكدت مديرية الدراسات والتوقعات المالية ارتفاع مداخيل الدولة، خلال 10 أشهر من 2011، حيث بلغت 159 مليار درهم، منها 135 مليار درهم مداخيل ضريبية. و سجل تقرير للمديرية تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة بأزيد من 16 في المائة، بالإضافة إلى تراجع الموجودات الخارجية، بحسب هذه المديرية التابعة لوزارة المالية. و بلغ العجز التجاري خلال 10 أشهر من سنة 2011 حوالى 152 مليار درهم، بالإضافة إلى تراجع مؤشرات البورصة. فقد شهدت البورصة سنة 2011 ثاني أزمة خطيرة، بعد أزمة 2009، بفعل الأزمة العالمية، من جهة، وعدم الاستقرار السياسي بالمنطقة، من جهة أخرى. ما أدى لسحب المؤسسات المالية، خاصة الأجنبية منها، أموالها، واضطرار المساهمين الصغار لبيع أسهمهم، في انتظار ما ستؤول إليه الأوضاع. كما انعكس اضطراب البورصة على حجم الاستثمارات، خاصة الخارجية منها. ‬

‫الفوسفات والفلاحة والسياحة وعائدات الهجرة مرتكزات سهلة العطب
‫بلغت مبيعات الفوسفات ومشتقاته في غشت/آب 2008 مبلغ 37،5 مليار درهم، محققةً ارتفاعاً بنسبة 167،4%، أي ما قدره 23،5 مليار درهم. وقد تأتى ذلك بفضل ارتفاع أثمان المواد الأولية في الأسواق العالمية، بحيث تضاعف سعر الفوسفات ثلاث مرات في ظرف 6 أشهر. مع ذلك فصادرات الفوسفات ومشتقاته، التي تتراوح مساهمتها في مجموع الصادرات بين 15 و 18 في المائة، وتساهم في تغطية قيمة واردات النفط الخام، مرتبطةٌ بتقلبات أسعار الطاقة في السوق الدولية، وأيضاً بتقلب أسعار المواد الأولية، ومن بينها الفوسفات نفسه، وأسعار الغذاء. فالمغرب مستورد للطاقة ولنسبة هامة من المواد الغذائية... ‬

‫وعلى رغم استفادة المغرب من الأسعار الدولية، في مجال الفوسفات والمعادن، التي تمثل ثالث أهم مصدر للدخل، بعد السياحة والتحويلات، إلا أن السوق الأوروبية تبقى المستورد الأكبر للسلع المغربية، وعلى رأسها قطاع النسيج والملابس، الذي يعمل فيه نحو نصف مليون شخص. لذا تقدم أزمة اليونان نموذجاً لما يمكن أن يلحق بالاقتصاد المحلي جراء استفحال الأزمة الاقتصادية الأوروبية، التي لا يبدو أنها قالت كلمتها بعد.‬

‫لقد مكنت الثلاثة أعوام الماضية، بفضل الظروف المناخية الملائمة، من تحقيق محاصيل زراعية قياسية، ما ساعد على تحمل الصدمات الخارجية. ومع انطلاق موسم الحرث الجديد، في سبتمبر/أيلول من العام الماضي، اتخذت الحكومة مجموعة من التدابير لإنجاح الموسم الزراعي، منها وضع 1،3 مليون قنطار من البذور المختارة، رهن إشارة المزارعين، مع زيادة الدعم الحكومي (حكومة الفاسي) للمزارعين مقارنة مع 2010، وكل ذلك طلباً لموسم فلاحي جيد لا تبدو مقدماته مبشرة، بفعل شح الأمطار. ليس تأثير المواسم الفلاحية في المغرب شبيهاً بتأثيرها في الاتحاد الأوروبي. فكلما كانت السنة الفلاحية جيدة في المغرب، يسجل الاقتصاد المغربي معدلات نمو تفوق 6 أو 7%، لتصل أحـيـانـاً إلـى 10 أو 11%. وفي المقابل، كلما كانت السنة جافة تتراجع هذه المعدلات إلى نسب ضعيفة، قد تتدنَّى أحيانا تحت الصفر.‬

‫ولا يزال القطاع الزراعي في المغرب، الذي يمثّل 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، و40 في المائة من فرص العمل، متقلّباً للغاية، ومرتبطاً ارتباطاً شديداً بالظروف المناخية. فنسبة 15 في المائة فقط من الأراضي، في المملكة، مرويّة، فيما تعتمد النسبة الباقية على مياه الأمطار. ويُخَصَّص نحو ثلاثة أرباع الأراضي الصالحة للزراعة لزراعة الحبوب، كما أن غالبية المزارعين يملكون مساحات محدودة لا تكفي للاستثمار في التقنيات الحديثة. فسبعة من أصل 10 مزارعين لا يملكون أكثر من 2،1 هكتار من الأراضي، في المتوسط، ويتعرّضون إلى موجات جفاف متكرّرة، في ظلّ عدم استفادتهم من أي آليات دعم حكومي مناسبة للحماية.‬

‫المغرب بلد شبه قاحل يبقى معرضاً للتقلبات المناخية، التي تؤثر بسرعة في الناتج الداخلي الخام، مثل الإنتاج الزراعي، الذي يتأثر بها مباشرة، كما تتأثر بذلك قطاعات أخرى، كالجلد والصناعة الغذائية. ومنذ سنوات عدة لم يصل المغرب لتبني إصلاح زراعي حقيقي، ولتطوير سقي اصطناعي فعلي، والقطع نهائياً مع هذا الخضوع للتقلبات المناخية، التي أصبحت شبه اعتيادية. وهذه سياسة إرادية رهنت السيادة الغذائية للبلد بالخارج، وتدعم فلاحة رأسمالية كثيفة موجهة للتصدير، وتترك غالبية الفلاحين الفقراء لرحمة الطبيعة. ‬

‫وللتراجع المُتوَقَّع لمساهمة القطاع الزراعي في مستوى النمو، في المغرب، تبعات متعددة اقتصادياً واجتماعياً. فالجفاف يؤثِّر مباشرة في مستوى إنتاج الحبوب، التي تُعَدّ المكوّن الأساسي في النظام الغذائي للأُسَر المغربية، خصوصاً الأُسَر ذات الدخل المتوسط والضعيف. بيد أن اللجوء إلى استيراد كميات ضخمة من الحبوب، لتغطية الطلب الاستهلاكي المحلي، سيؤدي إلى تفاقم العجز التجاري، الذي وصل إلى مستويات قياسية خلال السنوات الأخيرة، وإلى استنزاف احتياط العملة الصعبة الذي لم يَعُد كافياً لتغطية أكثر من خمسة أشهر من الواردات، في مقابل تسعة شهور قبل سنتين.‬

‫ونظراً إلى استمرار ارتفاع الأسعار العالمية لهذه المادة الحيوية، ستجد الدولة ذاتها مرغمةً على زيادة الموازنة المُخَصَّصة للدعم، من أجل تفادي إرهاق القدرة الشرائية، المتدهورة أصلاً، ما سيفاقم عجز الموازنة الذي تجاوز عتبة سبعة في المائة، خلال السنة الماضية. وتزيد المستويات المرتفعة لأسعار النفط في الأسواق العالمية من احتمال حدوث هذا الأمر، خصوصاً أن إعداد قانون المالية اعتمد على متوسط 95 دولاراً للبرميل، في حين يتجاوز السعر حالياً 105 دولارات.‬

‫كل ذلك والحكومة ليست جادة في تحسين مستوى تنمية البلد الاجتماعية والاقتصادية، المتدنية جداً (المرتبة 130، بحسب مؤشر الأمم المتحدة التنموي)، فهي ماضية في وضع سياسة زراعية مضادة للإصلاح الزراعي الجذري الضروري لوضع أسس صلبة لازدهار البلد. والسياسة التي وضعت أراضي المعمرين، في السبعينيات من القرن الماضي، بين أيدي حواريي النظام، تتم مواصلتها حالياً، بوضع أيديهم على ما تبقى منها بيد الدولة.‬

‫وبدون شك، فإن معظم هذه التراجعات تعزى إلى تناقص الطلب الأوروبي على المنتجات الصناعية المغربية، وهو ما تترجمه أرقام مكتب الصرف دائماً، والتي تشير إلى أن نصيب الأوروبيين من منتجات السوق المغربية انحدر إلى 63،1% في يناير/كانون الثاني 2011، ثم إلى 62,4% شهر فبراير/شباط، بعدما كان يتجاوز هذه النسب من قبل.‬

‫إن استفحال التبعية، بكل أشكالها السياسية والتجارية والمالية والاقتصادية والتقنية والعسكرية، هو الذي يرهن اقتصاد البلد، ويجعله عرضة للصدمات الاقتصادية، التي تهز الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وبخاصة تلك التي تضرب الاتحاد الأوروبي. ويوجد المغرب في قلب العاصفة لأنه قام بتحرير مبادلاته، وبفتح حدوده، ويخضع كلياً للإملاءات الامبريالية. ‬

‫المغرب وخدمة المصالح الامبريالية بالمنطقة‬
‫لا ريب في أن لتطورات المنطقة العربية والمغاربية، والشرق الأوسط عموماً، تأثيراً في الوضع السياسي بالمغرب. فأي تطور محتمل في التصعيد مع إيران ستكون له نفس مفاعيل تجارب الحرب على العراق، والهجمات الصهيونية علي لبنان وغزة. وهي تجارب أكدت تفاعل الشعب المغربي، ليس للتضامن فقط بل على صعيد مطالب محلية، على رغم تلك اللجان الوطنية (الرسمية) للتضامن مع الشعوب المعنية، التي اعتادت تحويل الأمر إلي مجرد استعراض جماهيري لتنفيس الغضب، من دون أي مطالب عمالية وشعبية واضحة، لا بل يجري تجاهلها قصدًا.‬

‫إلى ذلك، لسنا في نهاية المسار الذي فتحته الثورة التونسية، والحصيلة، حتى الآن، هامة ونوعية. فما اعتبر استثناءً «عربيا» أصبح طي الماضي، وتزعزعت بقوة قرون الاستبداد. وبالطبع ما زالت أمهات القضايا عالقة، ولم تحلها السيرورات الثورية الجارية، بفعل أزمة القيادة السياسية وانعدام مشروع إجمالي بديل. ولكن أهم المكاسب هو الاقتحام الشعبي للنضال السياسي، وبأساليب عالية الجذرية. علماً بانه ما زالت قوى الاستبداد تناور لاستعادة مواقعها، وما زالت الشعوب تترقب النتائج التي قاتلت من أجلها. ‬

‫ويراهن النظام المغربي على إطلاق دينامية الاتحاد المغربي، كصمام أمان، أمام مخاطر الأزمة التي تعصف بمنافذه الأوربية التقليدية، معزَّزاً، من جهة، برغبة الامبريالية الأوروبية في تشكل سوق كبيرة على ضفتها الجنوبية، ومن جهة أخرى بتجربة برجوازية محلية قوية قارياً، ومتلهفة لاقتناص فرص سانحة، في المنطقة المغاربية. إن اقتحام السوق الجزائرية المتخمة بعائدات المحروقات، والتي توفر فرص مشاريع ضخمة، في البنية التحية، وتعد سوقاً استهلاكية هامة، إلى جانب مشاريع إعادة بناء ما دمرته سياسة إجرام القذافي، بميزانية تقارب 150 مليار دولار، كلها مبررات تفسر الإلحاح المستمر لإطلاق السوق المغاربية، وفتح الحدود بين المغرب والجزائر، التي تمثل حجر زاوية المشروع. ‬

‫كلا النظامين، الجزائري والمغربي، مطوقان بصعود الأخطار السياسية والأمنية والاقتصادية بالمنطقة، ومجبران، رغم بعض الاختلاف، على الخضوع لمشاريع الامبريالية، في عموم المنطقة، وشمال إفريقيا خاصة. علماً بأن هناك تنافساً امبريالياً حاداً بين الامبرياليات التقليدية، فرنسا وأمريكا وغيرهما، على تشكيل المنطقة، وفق مصالحها الإستراتيجية، ولكنها صارت تلقى منافسة شديدة من قبل قوى صاعدة أخرى، على رأسها الصين، بشكل خاص. هذا كله يجعل التقارب بين النظامين مرتقباً، في مواجهة تلك التحديات. ومن شأن ذلك تخفيف الأزمة الاقتصادية، وتلطيف السخط الشعبي، كأهم رهانين يشكلان تهديداً للأنظمة.‬
‫وتبقى قضية الصحراء الغربية، التي لا يبدو أنها ستحل قريباً، عائقاً أمام الاتحاد المغاربي، وتساهم في توتر العلاقات بين النظامين. غير أن الامبرياليات الأمريكية والفرنسية والاسبانية حسمت أمرها بضرورة حسم الصراع في الصحراء الغربية، على أرضية مفاوضات سياسية لن تتيح بناء دولة مستقلة. وطبعاً، تمارس الامبريالية ضغطاً خفيفاً على المغرب لتقديم تنازلات إضافية، ولكن من دون المساس بسيادته على الإقليم. ‬

‫ذلك ما يجعل من المرجح خضوع جبهة البوليساريو لمسار الوقائع، وستسعى للتوصل إلى تسوية مع النظام المغربي، وسيكون ذلك، إن تحقق، انتصاراً كبيراً للنظام سيستثمره لتعزيز قوته.‬

‫يضاف لكل ذلك تمتين العلاقات مع تحالف الملكيات الخليجية، فهذه الأخيرة شكلت دوماً منقذاً للنظام المغربي. لقد تحملت السعودية قسطاً وافراً من نفقات تسليح النظام ودعمه، في حرب الصحراء، و تزوده بالنفط، مقابل سعر يقل عن سعر السوق العالمية، ومحت جزءاً من الديون المستحقة عليه... طبعاً كل ذلك مقابل أدوار تعاون وخدمات يقدمها النظام. لذا ستقدم الدول الخليجية خدمة عظيمة للنظام إن ضخت أموالها الوفيرة في خزينته، وان استوعبت جزءاً من عمالته العاطلة...‬

‫كل ما جئنا على ذكره، عوامل خلخلة للوضع السياسي المحلي تجعله مفتوحاً على احتمالات عدة، وهذا يلقي على عاتق اليسار، عموماً، والثوري بخاصة، أدواراً هامة، في رفع درجة الكفاح والوعي والتنظيم، وهي أدوار ينبغي الاضطلاع بها، لتأمين شروط قطيعة عميقة مع نظام الاستغلال والاستبداد.‬

تنفيس السخط الشعبي بالمناورة‬
‫هذا وتشير التقديرات الحالية إلى أن الاقتصاد العالمي سيواصل الركود، والأزمة المنطلقة قبل أزيد من سنتين لن تضع أوزارها بعد. وقد تكون البلدان التابعة، الحلقةُ الأكثر هشاشة في النظام الرأسمالي، مسرحاً لتداعيات خطيرة، فالتجربة على مر تاريخ الرأسمالية دلت على أن أزمات المراكز الامبريالية تنتج كوارث كبرى في دول المحيط. فالأزمة الحالية ستزيد من سوء أوضاع الفئات الشعبية، التي أنهكتها السياسات الإجرامية، المتمثلة في آلية الديون الناهبة، والمجاعة الناتجة من التبعية الغذائية، والبطالة الجماهيرية المستشرية بنتيجة تدمير القطاعات الإنتاجية، من جراء المنافسة الأجنبية، وخصخصة المؤسسات العمومية الكبرى.‬

‫لقد كلف صندوق المقاصة 150 مليار درهم مغربي، خلال خمس سنوات، 75 في المائة منها ذهبت للأغنياء، و20 في المائة من المعوزين استفادوا من 1 في المائة فقط من هذا المبلغ (بلغ حجم دعم صندوق المقاصة 5،7 مليار درهم سنة 2002، مقابل 1،8 مليار درهم سنة 1993). وتستعمل موارد الصندوق لدعم مواد موجهة للتصدير، ومقاولات تنتج للسوق المحلية ضاعفت أرباحها، لدرجة أنها أصبحت مكتفية باحتكار هذا الريع. وارتفع الدعم، في السنة الماضية، بشكل قياسي، لشراء السلم الاجتماعي، في سياق متسم بالهلع، على صعيد النظام القائم، من السيرورات الثورية، والحالة النضالية الاستثنائية، التي يشهدها المغرب، ما يظهر نفاق الدولة حول ندرة الموارد المالية لدعم القدرة الشرائية لأغلبية ساحقة مقهورة ومفقرة. طبعاً لم يصل للطبقات المحرومة من 50 ملياراً مخصصة للصندوق، سنة 2011، سوى الفتات، ما يطرح ضرورة إخضاع الأغنياء لضريبة تصاعدية تسترد قسماً هاماً من الأموال، لضخها في ميزانيات اجتماعية فعلية. ‬

‫إن الدولة تجيد الإلهاء، وهي تربط كل شيء بالنمو الاقتصادي، والكل يقر حالياً بأن النمو ليس كافياً، بل كيف يتم تحقيقه، ولخدمة من؟ قد يرتفع النمو لكنه لا يخلق تنمية فعلية تقضي على البطالة والفقر والتفاوت الاجتماعي، وعلى تدمير البيئة الخ...، وذلك ما حصل فعلاً، خلال السنوات العشر الأخيرة، التي شهدت نمواً لم يصل إلى مستوى السبعينيات، لكنه لم يترافق مع تراجع فعلي للبطالة الجماهيرية والفقر الواسع الانتشار. فمثلاً يجري هذه الأيام، في إطار التطبيل للمساعدة الطبية، الإقرار بوجود 8،5 مليون فقير بالمغرب، أي ما يمثل ثلث المغاربة تقريباً. ‬

‫ويظهر من مثال القطار فائق السرعة الضخم، الذي سيكلف 20 مليار درهم، نفاق إيلاء الأهمية للمسألة الاجتماعية، في رهانات الدولة السياسية، التي تخصص في المقابل زهاء 3 مليارات درهم للتعليم، و10 مليارات درهم، خلال 5 سنوات، للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية. علماً بأن النظام الصحي أيضاً يعاني عدة مشاكل، مثل الضغط على المنشآت الصحية، وسوء إدارة خدمات المستعجلات، والاختلال الصارخ بين الجهات وبين القرى والمدن...‬

‫ويبين مؤشر جيني، بحسب دراسة قام بها مهندسون من المعهد الوطني للإحصاء سنة 2008، لصالح البنك العالمي، حول نظام الدعم بالمغرب، أن ال10% المحظوظين جداً من بين السكان يتلقون 25% من الدعم، في حين يتلقى ال10% الأكثر حرماناً زهاء 2% فقط.‬
‫إنه دعم موزع بشكل سيىء جداً على السكان، ويثقل كثيراً ميزانية الدولة، وهو مرشح بارز للزوال، بحسب الدولة والمؤسسات المالية الدولية. غير أن هذا الدعم، على بؤسه، يقوم بوظيفة أساسية جداً، في دعم الأغلبية الساحقة المقهورة، ولولاه كانت نسبة هامة من السكان ستلقى إلى البؤس. وكل مساس بصندوق المقاصة من شأنه إلحاق بالغ الضرر بالبنية الاجتماعية للبلد، المهددة بمزيد من الهشاشة إذا تم تفكيكه. لهذا ينبغي تخليص صندوق دعم الأسعار من اختلاله، لأنه يساهم في ثبات أسعار الحبوب والسكر وغاز البوتان، كما يجب إعادة تغطيته لأسعار مواد واسعة الاستهلاك تمت إزالتها تدريجياً، منذ بداية سنوات ال80. كل ذلك مع تحميل تمويله للدولة والأغنياء، عبر ضرائب تصاعدية على الثروة وغيرها. ومن شأن ذلك إتاحة هامش أمام الدولة لاستبعاد اللجوء للاستدانة، وبيع ممتلكات الشعب المغربي، في المزاد العلني. ‬

‫وهذا ممكن لأن النظام الضريبي غير عادل بتاتاً، فهو مرتكز على تضريب (فرض ضريبة على) نفقات الاستهلاك، والأساسية أساساً، بدل تضريب تلك المرتبطة بمستوى عيش باذخ (مثلاً آلات ومعدات النقل، ولوازم القنص، ومواد الزينة، والأجهزة الإلكترونية، التي انخفض تضريبها كثيراً، بين 1984 و2008).‬

‫إن السياسات الاقتصادية المنتهجة، والمفروضة منذ انتهاء الاستعمار المباشر، لم تؤد لتقليص الفوارق، بل عمقتها. لقد كان مؤشر جيني 0،340 سنة 1960، و0,408 سنة 1971، و0,392 في 1984-85، ثم 0,395 في 1998-99، وانتقل إلى 0,406 في2000-01، ثم 0,407 في 2006-07. ومؤشر جيني هو عدد متغير بين 0 و 1، حيث 0 يعني مساواة كاملة و1 يعني لا مساواة تامة. البلدان التي تنعم بالمساواة، على الاقل الشكلية منها، تاريخياً، لديها مؤشر يبلغ 0,2، وتلك غير العادلة لديها مؤشر يصل إلى 0،6. ‬

‫وفي سنة 2007، تبين أن الهوة بين متوسط النفقات السنوية لل10% الأكثر فقراً بالقرى، ومثيلتها الأكثر غنى بالمدن، بلغت حوالى 19 مرة. ومع هذه الأرقام والسياسات الليبرالية الجديدة، المعتمدة، ليس منتظراً انخفاض هذا التفاوت الصارخ في النفقات. ففي سنة 1960، كانت نفقات استهلاك الأسر، بحسب العشر الأكثر غنى، ومثيله الأكثر فقراً، 25%، و3,30% على التوالي. وسنة 1971 كانت 37% و1,20%، لتصبح 33,10% و2,60% في 2006 ـ 2007. ويصل التفاوت الاجتماعي بالمغرب، منذ الاستقلال الشكلي بين العشرة بالمئة الأكثر فقراً و10% الأكثر غنى، بحسب إحصاءات المندوبية السامية للتخطيط، حوالى 13 مرة. ‬

‫وهذا الواقع المتسم بالتدهور البالغ لأوضاع الأغلبية الساحقة هو ما تسعى الدولة لتنفيسه، عبر المناورة، بضخ أموال طائلة في صندوق الدعم، وزيادة استثنائية في حجمها في الأجور، وتشغيل قسم من المعطلين، وتخصيص أموال للتنمية البشرية، والتطبيل لتعديات على الحماية الاجتماعية، تحت مسمى المساعدة الطبية للمعوزين... ‬

‫أزمة لا تنفك تستفحل‬
‫يشهد المغرب في العمق أزمة اقتصادية واجتماعية قوية. يلج كل سنة أزيد من 300 ألف مغربي سوقَ الشغل، بعد تخرجهم من الجامعات والمعاهد العليا...، لكنهم لا يجدون فرص العمل التي يطمحون إليها. فالاقتصاد المحلي لا يخلق في أحسن الأحوال سوى زهاء 100 ألف منصب شغل فقط، ما يعني أن 2/3 المغاربة في سن الشغل لا يعثرون على فرص الشغل؛ وهم يُضافون إلى جحافل العاطلين الذين يزدادون عاما بعد عام.‬

‫بعد أكثر من نصف قرن من استقلال المغرب الناقص، ما تزال وتيرة النمو الاقتصادي هشة ومتقلبة، مرتهنة بشدة بتقلبات السوق العالمية والأوروبية، خصوصاً، وبضعف تصنيع البلد، وتجاهل تنمية مناطق بأكملها. وبشكل خاص غياب إصلاح زراعي جذري، ودعم فعلي لقدرات أغلبية الفلاحين الفقراء الإنتاجية. بدل ذلك، تقوم الدولة بتمويل المشاريع الكبرى والاستثمارات العمومية الضخمة من المال العام والاستدانة، وهي مشاريع لا يستفيد منها السواد الأعظم من المغاربة، بل أقلية فقط مستحوذة على الثروة والسلطة. ‬

‫لأجل ذلك، لا حل لمعضلة الاقتصاد الرأسمالي التابع المتخلف، من دون القطع مع ارتهانه بالامبريالية ومصالحها. وهذا ما يجعل مهمة فك الارتباط بالامبريالية وبناء اقتصاد وطني قوي، مرتكز على الذات، وعلى التصنيع أساساً، وإصلاح زراعي حقيقي، مهمة راهنة ومُلِحة. تلك مهمة أخذها على عاتقهم المناضلون ضد الاستعمار، ومن أجل التحرر الوطني والاجتماعي، وبتركيب من قمع الدولة الدموي، والخيانات التاريخية الكبرى للبرجوازية المسماة وطنية 
(الحركة الوطنية البرجوازية)، وعدم انبعاث قوى تحررية جديدة وجماهيرية، طيلة العقود الخمسة الأخيرة، وتعثر المحاولات الجدية في ذلك السبيل بفعل القمع، خاصة، تبقى تلك المهمة المركزية آنية وملقاة على عاتق قوى التحرر الحقيقية: الطبقة العاملة المستندة لفقراء الأرياف والمدن، ولطبقاتها الشعبية، ومنظماتها الكفاحية السياسية والاجتماعية والاقتصادية...‬

‫لقد انفتحت مرحلة جديدة من النضال من أجل التحرر الوطني والاجتماعي، ولن يكون باستطاعة النظام العودة إلى ما قبل 20 فبراير، مع أن بإمكانه، وفقاً للشروط النضالية الحالية، الصمود لوقت أطول. ذلك أنه لن يدوم مفعول المُسَكِّن «الإسلامي» طويلاً، وطبيعته تتكشف منذ الآن. ولكن الأهم من ذلك أن السياق الحالي يعد بانبعاث قوى جديدة، حاملة للتحرر الاجتماعي والثقافي والسياسي، ويمكنها أن تصير قادرة على تشكيل بديل ذي مصداقية، في وجه القوى الدينية. لذا تقع على عاتق اليسار الثوري مهمة النهوض بهذا البعد التحرري وتعميقه. على اليسار الثوري أن يكون جريئاً في عقلانيته وعلمانيته، وفي التزامه السياسي وصدقه النضالي.‬