العراق ومخاض تشكيل دولة تقدمية حديثة

العدد الثاني - حزيران ٢٠١٢
الدولة: 
العراق
تاريخ النشر: 
حزيران (يونيو), 2012

جئت، لا أعلم من أين، ولكنّي أتيتُ ولقد أبصرت قدّامي طريقا فمشيتُ وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيتُ كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري!
-- من قصيدة الطلاسم إيليا ابو ماضي

جاء العراق الى الوجود من حيث لايدري، طوال سبع سنوات عجاف عانى مخاض الولادة، الصراع مع الذات ومع الآخر، ثوراتٍ ودماراً وجوعاً وتمرداً. واخيراً، وقبل حوالى قرن تقريباً، ولد مشوهاً مقطوع الاوصال، مفروضة عليه الوصاية من قبل مستر كوكس وامثاله. اخترعوا له ملكاً وحاشية، وباشاوات وآغاوات، واسياداً واشرافاً، من كل شاكلة ولون. أبصر قدامه طريقاً فاستقام، فمشى، على الرغم من انهم لم يكونوا يريدون له ان يستقيم. أرادوا له ان يمشي بعكازة، ولكنه بقي ماشياً، شاؤوا أم أبوا، وأبصر طريقه.

صارع الموت والحياة، تحدى الوصاية والانتداب، وثار على الذل والمهانة، انتزع الكينونة ونال الاعتراف به، ثم الاستقلال السياسي، والى حد ما استقلاله الاقتصادي، أبصر طريقه بتأرجح، تارة يسقط، وطوراً ينطلق ويحوم، ولكنه في النهاية لايدري، بالضرورة، إلى أين يجري.
في رحلة البحث عن الوجود والماهية والهوية - رغم انقطاعها بين فترة واخرى، وسقوطه في الهاوية - حافظ على استمراريته، وظل يتقدم ويتأخر، يتعرب ويتعرق (من العراق)، يتسنن ويتشيع، يتكرد ويتنصر... عانى كثيراً وظل يعاني تناقضاً بين شكله ومحتواه، يشتد التناقض ويتفاقم ويتفجر، ولكن نزعة البقاء والتصارع، في اطار الهوية العراقية المشتركة، تنبعث في كل مرة وتمد كيانه بالطاقة والحيوية والقوة، تعطيه الارادة والامل بالحياة والبقاء، ولكن ذلك لايكفي، حيث انه ما زال لايدري. تعرض لافتراس الاسود (الامبريالية)، وقبضة الدب ‪)‬الروسي))، وعضة الذئاب (في الاقليم)، ومخلب الثعالب وعضة الثعابين، في الداخل، وفي كل مرة ينجو بأعجوبة مابعدها اعجوبة. ينجو وينفد بجلده، ويواصل طريقه، ولكنه لايدري!

هذا هو العراق الحديث، كدولة وكيان. يمشي ويبصر طريقه، ولكنه لا يتعرف إلى نفسه، ولا الى اين يجري، فهو لا يدري!

أما خالقه فهو يعرفه جيداً، يستغله ويسترقه ويحتله، ويريد له أن يعاني! يثنيه عن أن يأكل من تفاحة «شجرة المعرفة»، والا فسيطرد ويلعن، ومصير أبنائه المصارعة - كـ«الإخوة الأعداء»، او مثل قابيل وهابيل- على موارد الرزق والحياة، وأن يقتل بعضهم البعض الآخر، والتباكي على جثة القتيل! ولايلوح في الافق حل الصراع – على رغم توفر الموارد، وإمكانية تحقيق نوع من الرخاء الاقتصادي- بل تنقلب معادلة الصراع، بين قابيل وهابيل، بالطريقة السومرية، بدلاً من الطريقة التوراتية، أوالقرآنية.

العراق: بالوجع يلد دولاً!
«بالوجع تلدين اولادا» (العهد القديم: سفر التكوين 16:3): هذه هي العقوبة الازلية التي فرضت على المرأة، جراء إغوائها آدم في الجنة، للأكل من الشجرة المحرمة. وهي العقوبة التي يعانيها العراق، منذ ولادته. وها هو، مرة اخرى، يصارع الحياة من اجل ولادة اخرى. فبعد ثماني سنوات عجاف، ومقاومة للمحتل الامريكي - أسوة بـ «البريطاني» - نَفَذ بجلده، ويريد ان يرفع رأسه ليمشي، ولكنه مثقل بجراح الاحتلال، وآثار حرب أهلية ضروس، ومبتلى بصراعات طائفية ومذهبية وعرقية عديدة، ومتلاحقة، تنهك قواه وتهز كيانه وتقوض وجوده. وكل تفجر جديد للصراعات، بين الكتل الطائفية والمذهبية والقومية، وتفاقمٍ لها، يثيران سلسلة من التساؤلات الشائكة، تتعلق اجمالاً بمصير البلد، وكيانه، وإمكانات بقائه.

لقد بينت الاحداث، التي تلت الانسحاب الامريكي، أن البلد لم يخرج من المحنة، ولم يتجاوز بعدُ مخاضَ مرحلة ولادة دولة ثانية، بعد أن فشل في الأولى. ذلك أنه يَصْعبُ الاتفاق في الرؤى، بين مختلف الاطراف الرئيسية، في المعادلة السياسية الراهنة، حول مرحلة مابعد الاحتلال، وطبيعة الدولة العراقية الجديدة، وكيفية بنائها... وغير ذلك من الامور الجوهرية، في حدوده الدنيا. والاسوأ من ذلك أن ثمة انعدامَ مسؤولية تاماً، في ما يتعلق بتناول تلكم القضايا المصيرية، والكف عن مواصلة السير نحو الهاوية.

وقد اتسعت دائرة الازمة السياسية بين أطراف ما يسمى بـ «العملية السياسية»، لتشمل التحالف الكردستاني، وبخاصة الحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة مسعود بارزاني، رئيس اقليم كردستان، حالياً، مع رئيس الوزراء، نوري المالكي، زعيم ائتلاف دولة القانون، وتجاوز الصراع تبادل الاتهامات والنقد بين الطرفين، ليصل إلى التهديد – من قبل البارزاني- بفك الارتباط وإقامة دولة كردية، في اقليم كردستان، في إثر فشل بناء الدولة العراقية المشتركة.

«العملية السياسية» تتحول الى نقيضها
ان مايسمى بـ «العملية السياسية» التي بدأت مع الاحتلال ورافقت وجوده تحولت – بعد تراكم عناصرها المتضادة - الى نقيضها. وعوامل تحللها وتفككها وموتها السريري اختمرت خلال السنوات المنصرمة، وبخاصة منذ الانتخابات المحلية لعام 2009 ومابعدها. حيث تبين أنها لم تكن عملية بناء دولة، وان الجمع، الى النهاية، بين متضادات وكيانات متعارضة في اطار مشترك، مهما تكن تسميتها، ضرب من المستحيل. وان السلطة المشكلة برئاسة نوري المالكي لاتعدو كونها سلطة توافقية وثمرة لتوازن المحورين الامريكي- الايراني، في مرحلة سابقة.

الا ان التطور الملفت للنظر هو ان المالكي (وائتلافه) استثمر من جانبه الوضع بعناية وحنكة، وقام - قبل غيره - بفك عقدة «العملية السياسية»، ونهجُه وممارسته، بواسطة حزب الدعوة، المهيمن في اطار الائتلاف والمتحكم بالحكومة المنبثقة من التوافق المشار إليه، ساهما في التعجيل بسقوطها. وكانت قضية الهاشمي بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، وخطاب البارزاني في عيد نوروز طلقة رحمة عليها.

ويبدو أن «ائتلاف دولة القانون» برئاسة المالكي، ودعامة حزب الدعوة، تقدم كثيراً على غيره في المسابقة السلطوية، وغيَّر الكثير من معادلة السلطة السياسية - اثر انسحاب القوات العسكرية الامريكية - لصالحه، وقد تصرف في الآونة الاخيرة مثل الاله مردوخ السومري، حيث إنه يطارد الآلهة التقليدية الاخرى، ويجعل من نفسه الاله الاوحد، ويجمع كل السلطات في يده، ولا يدخر جهدا لإلغاء الاقتسام السلطوي، وملء الفراغ، والاستحواذ على ما تبقّى من تلك السلطة، واحتكارها بيد شلة من انصاره – وهم كثيرون - واقربائه.

تلك الجهود تركزت في مسارين:
الاول: سعي المالكي المحموم لقلب معادلة المحاصصة الطائفية والقومية السابقة، باتجاه هيمنة حزبية –حزب الدعوة- وطائفية شيعية، وتصفية الحسابات مع الاحزاب والاطراف الطائفية الاخرى، امثال القائمة العراقية والهاشمي والمطلك وغيره، واقصاء وتهميش الاطراف الاخرى من نفس طائفته.

الثاني: تعزيز سلطات الدولة المركزية بمختلف اشكالها وتوسيع صلاحياتها، عسكرة الفضاء السياسي والحكومي، وازدياد مفرط لدور القوى الامنية والاستخباراتية، في التحكم بالامور السياسية والداخلية، على حساب الاجهزة الحكومية الاخرى والخ...، والعمل على هيمنة تلك القوى على الشعب العراقي، اسوة بما كان سائداً، في السابق.

في الظاهر، يبدو أن المالكي كسب الرهان وقطف الرؤوس اليانعة، واستقطب الدعم اللازم من اللهاثين، وهم كثر، وراء المناصب الرابحة، وأحكم كذلك قبضته في حزب الدعوة، وجعله اداة طيعة بيده، في طبع المؤسسات الحكومية بطابع الحزب الواحد، الا ان الوقائع والمعطيات والدلائل تحثنا على القاء نظرة اعمق، لفهم التغييرات التي تتراكم وتغلي، والتي تهز البنية السياسية والاجتماعية، عبر تلاطم امواج خفيفة لم تبلغ السطح بعد.

على مستوى ائتلاف دولة القانون وحزب الدعوة بذاته، نرى أن الائتلاف يضم قوى وشخصيات غير متجانسة، اهمها حزب الدعوة، الظهير الاكبر له، وهذا الحزب، بدوره، على رغم نهوضه من كبوته في السنوات المنصرمة، وانشقاقاته العديدة، وتحوله الى اكبر حزب سياسي، مقارنة مع غيره، في البلد - الا انه تحول الى حزب سلطوي، فاقد للكثير من قاعدته في اوساط الطبقة المتوسطة، التي انبثق منها، وفاقد للشعبية وسيىء السمعة، بسبب تعاونه مع المحتل الامريكي، من دون نسيان سجله الحافل بممارسات سلطوية وقحة، وارتباطه بملفات الفساد والمحسوبية والقمع الدموي. وقد تحول الحزب الى مهزلة، بيد امينه العام، الذي يلتهم، مثل الثقوب السوداء، كل سلطة، ما حدا بعض قيادييه على مطالبته بالتنحي، وترك الشؤون الحزبية لغيره. كما انه يعاني التصدع والانشقاق، بسبب تلك الممارسات، وضغوط الفئات الشعبية الكادحة. كما أن شرعيته الدينية موضع تساؤل، بسبب تردي علاقته بالمرجعية الدينية الشيعية.

اما على مستوى صراع الائتلاف مع الاطراف الطائفية والمذهبية والعرقية الاخرى، فهو نار قد تشعل هشيم العراق، حيث ان الاطراف الاخرى تعودت على المناصب والامتيازات والرواتب الدسمة، وان قطع ارزاقها خطوة لقطع اعناقها. ولذلك فهي لن تستسلم بسهولة لسلطة المالكي، ولايمكن حرمانها بكل بساطة مما تصبو اليه.

وفي حال تمكن المالكي وحزب الدعوة وشركاؤه، من كسب معركة السلطة، وهي مهمة بالغة الصعوبة، إذا لم تكن مستحيلة، فإن ذلك يبقى نجاحاً مؤقتاً، وغير مستقر، ومسعىً لمحاكاة الماضي بشكل درامي. وإن اعادة بناء سلطة سياسية مركزية واحدة، او موحدة، بعيد كل البعد عما يطمح اليه الشعب العراقي، بكل اطيافه ومكوناته وطوائفه. فلايمكن بناء دولة الطوائف والمكونات، حيث ان طبيعة المجتمع العراقي، ودينامية صراعه السياسي والاجتماعي، وانقسامه إلى طبقات وفئات وجماعات ومكونات مختلفة، وبيئته السياسية والديموغرافية المتشابكة، وعدد سكانه، الذي يقارب 30 مليون نسمة، واقتصاده المتمركز حول انتاج النفط والغاز، والكثير من العوامل الاخرى، تجعل الرهان على كسب المعارك الطائفية والمذهبية والعرقية ضرباً من المستحيل، وبنفس الدرجة تجعل كل اتفاق بين الطوائف والاقوام والمذاهب يفشل بسهولة، حيث لايمكن لبننة الوضع العراقي، وبناء دولة طائفية وعرقية في الجزيرة الخضراء، وسط الامواج الهائجة، التي تتلاطم بقوة في المجتمع، وفي ظل تصاعد الاحتجاجات الشبابية والشعبية والعمالية، عقب احداث الربيع العربي، التي تمزق تلك الخيوط العنكبوتية الهشة، والتي تطالب بإحداث تغيير حقيقي.

إن تطور الصراع المقبل سيتمحور، بقوة، حول الدولة العراقية ذاتها وصلاحياتها، وكيفية اعادة بنائها. ولكنه يدور مرة اخرى في وادي السلطة (الباحة الخضراء)، بعيداً من وادي الشعب العراقي ومعاناته، وليس حول ما يصبو اليه الشعب العراقي، من بناء دولة مدنية وديمقراطية معاصرة، ومجتمع متحضر معاصر، ومنسجم، ذي هوية عراقية مشتركة، ومبنية على العيش المشترك، والعدالة، والمساوة والحريات.

ان الاطراف البرجوازية المهيمنة المذكورة ليست مؤهلة، من حيث طبيعتها، لمهمة كهذه. ان تلك الاطراف رغم قاسمها المشترك، اي الايمان بالملكية الخاصة والدولة والعائلة والنظام، فهي تحمل قيماً ومفاهيم وعقائد وهوياتٍ طائفيةً وقوميةً ومذهبيةً متعصبةً، يصعب جمعها والالتقاء في ما بينها، وهي تستخدمها كأدوات واسلحة في صراعها الاجتماعي والسلطوي.



الدولة: صراع البدائل والاصفار
ان القوة الرئيسية الوحيدة التي تسعى لأن تطرح نفسها كبديل في الواقع الراهن، اي حزب الدعوة الحاكم، بزعامة المالكي، تفتقر لأي نظرية متماسكة حول الدولة، ناهيك عن الجهود لبنائها او وضع لبناتها. حيث تبنى الحزب نظرية «ولاية الأمة»، وشكلاً للحكم الاسلامي، في «عصر الغيبة»، يقوم على قاعدة الشورى (القاعدة التي اقتبستها الحركة الشيعية العراقية من الاخوان المسلمين). وهذا التبني يمثل تخلياً عن «نظرية الانتظار» (اي انتظار الامام المهدي المنتظر)، من دون ان يعني، في الوقت نفسه، أنه اصبح يملك مفهوماً بديلاً للدولة، وأنه بصدد تطبيقه، والاستفادة منه، لرسم خارطتها واستخدامها كأداة لتنفيذ برنامجه.

وقد عانى حزب الدعوة، بسبب افتقاره لنظرية دولة خاصة به - شأنه شأن الكثير من التيارات الاسلامية الاخرى-، وزاد من شدة خلافاته مع الجانب الايراني، الذي تبنى رسمياً نظرية «ولاية الفقيه»، كشكل اسلامي للحكم، طبقه بعد الثورة الايرانية عام 1979. ومع ان الحزب لم يقبل بـ «ولاية الفقيه» الايرانية، واشتدت خلافاته السياسية بشأن ذلك مع ايران، ومع غريمه المحلي، اي «المجلس الاعلى للثورة الاسلامية»، بقيادة الحكيم، وتعرض لانشقاقات عديدة بسببه، الا انه لم يوضح يوما قصده بمبدأ الشورى، وكيفية تطبيقه، كأسلوب للحكم الاسلامي. وقد دلت تجربة حكمه، في السنوات المنصرمة، على المزيد من التخبط، ما انعكس سلباً على موقعه ونهجه وممارساته، وجعله يتشبث بالمفاهيم والقيم القديمة، والنهج القومي والسلطوي العتيق، عبر دمج الحزب بمؤسسات الدولة والقائد الاوحد، وبناء الميليشيات الحزبية والاذرع العسكرية والامن والمخابرات، وغيرها من الممارسات، التي اعتاد عليها العراقيون، طوال العقود الفائتة، مع ادخاله لبعض الترميمات والاضافات الجديدة، مثل نبذ الطائفية (اللفظي، بالمناسبة)، والهوية الوطنية والديمقراطية، وتعايش المكونات - مع هيمنة المكون الشيعي! -، وغيرها من التجريدات والاسقاطات على الديكور السياسي.

وعلى الرغم من ان الحزب ابتعد اشواطاً عن السلفية الدينية المتزمتة، ونبذ نظرية السلطنة الاسلامية العثمانية القديمة، وتبنى مبدأ الشورى، الا انه لم يحسم امره بعد فيقرر ما إذا كان يود التأكيد على هويته ونهجه الاسلاميين، وتطبيقهما في العراق، بغية بناء دولة اسلامية، او ينتظر اقرانه من السنة الاخوانيين في مصر وغيرها، لانارة الطريق له.

اما الاطراف الاخرى فانها تعاني من نفس المعضلة، ولكن باشكال والوان مختلفة. فبالنسبة للتيار الصدري – الذي يتمتع بنفوذ وشعبية في المناطق الشيعية الرئيسية - فحدث ولاحرج. لقد قال لينين، في معرض وصفه لحزب الاشتراكيين الثوريين في روسيا – اثر تحولهم، في خضم ثورة شباط/فبراير 1917 الى اكبر حزب جماهيري في البلد - وفي اشارة الى انعدام البديل لديه، إن الحزب عبارة عن «صفر ضخم»! ويبدو أن التيار الصدري، مع جلاء القوات العسكرية الامريكية، بدأ نجمه بالافول، ويقترب به العد التنازلي من «صفر ضخم»! وانشقاق التيار واختلافاته ماهي الا نتيجة لانعدام بديله، وليست سبباً لضعفه! وتدني شعبيته وابتعاد الشبيبة عنه يفسران تصرفاته الهستيرية، وتصرفات عصاباته حيال التطلعات الحديثة للشبيبة العراقية المعاصرة، كما الحال حيال شباب الايمو في العراق.

وبالنسبة للتيارات الطائفية السنية فانها لازالت تحن للماضي وتملك اصفارا لابدائل.
ويعاني التحالف الكردستاني، رغم تهديد رئيس الاقليم باقامة دولة كردية مستقلة، انعدامَ رؤيةٍ، وغيابَ استراتيجية بناء دولة على صعيد العراق ككل، او في الاقليم بحد ذاته، حيث لم تكن لدى التحالف رؤية لبناء الدولة العراقية على انقاض النظام الطاغي، واختار الذهاب مع التيار، ومع ما تشتهيه الاطراف الاخرى، وبخاصة الامريكية، لتشكيل سلطة المحاصصة الطائفية والقومية والمذهبية.

اما ادعاء البارزاني الراهن عزمه إعلان دولة كردية، فما هو الا مشروع تحويل السلطة الموجودة في الاقليم الى دولة، وهو لايمثل بديلاً او مشروعاً يمتلك حظوظاً، بل هو رد فعل وخيبة امل من مسارات بغداد السياسية. وبعيداً من سوق المزايدات، لاتشبه السلطة الاقليمية في كردستان، رغم منجزاتها، دولة، ولاتحمل مقوماتها. إن تجربة ال 20 سنة الماضية اثبتت أن الاقليم كان باستطاعته تشكيل دولة أمر واقع، في كردستان، ولكن السياسات التسلطية للحزبين، والمسابقة السلطوية بينهما، لاقتسام مناطق النفوذ، والسيطرة على الموارد والكمارك (وما سمي بالحكومة الكمركية)، حرمت الشعبين، الكردي والعربي، على السواء، من فرصة ثمينة لبناء تجربة ديمقراطية حديثة، تكون سندا وظهيراً، ومعبراً لبناء عراق ديمقراطي حديث.

امريكا والدولة العراقية: بوش لم يمت في بابل!
بسبب الحروب المتكررة (الحروب الثلاث الكبرى في ظرف 20 سنة) وعوامل كثيرة اخرى، تحول مشروع الدولة العراقية - مع مر الزمن - الى سلطة بعثية دكتاتورية شمولية، فاقدة لكل ملامح ومقومات دولة حديثة. ومع بدء الغزو الامريكي، سقطت بغير رجعة، وبسقوطها دخل المجتمع العراقي في مرحلة تعد من اكثر مراحله - سياسيا واجتماعيا- خطورة ودموية.

بالاضافة الى أن المجتمع العراقي لم يكن مهيَأ بعد لخوض سيرورة اصلاح الدولة البعثية، او اسقاطها وبلورة بديلها، جاءت قرارات وممارسات المحتل الامريكي سنة 2003، ومابعدها، لتزيد الطين بلة. حيث انه - بخلاف المحتل البريطاني الذي قام ببناء دولة حديثة تحت مظلة الانتداب والوصاية - دمر الدولة كاملة وادخل المجتمع في حالة من الاحتراب والفوضى. المحتل الاول اشرف على مخاض ولادة اول دولة عراقية حديثة - بعد قرون من سقوط بغداد بيد المغول البرابرة - اما الثاني فأشرف على احتضارها واطلق عليها، مع النزول العسكري في بغداد، طلقة الرحمة. وبعد ان قرر بوش أن لايموت في بابل - مثل الاسكندر الكبير- غادرت القوات الأمريكية الاراضي العراقية، وترك المحتل المغادر الحبل على الغارب للقوى المحلية نابذة المركز، من دون ان يتحمل اية مسؤولية، جراء تدميره للدولة والمجتمع العراقيين، بل حتى لم يتحمل عناء إخراج العراق من طائلة البند السابع، رغم ان سفارته الاخطبوطية جاثمة على صدر البلد.

ولدى مراجعة سير الاحداث، التي تلت السقوط، يتبين أن امريكا لم تكن مهيأة لمرحلة مابعد السقوط. فتجربة مجلس الحكم البريمري، أو السعي لبناء سلطة الطوائف والقوميات والاعراق والقبائل، شبيهة بـتجربة لوياجورغا – اي المجلس القبلي المسمى جزافاً بالبرلمان الافغاني-، والخطوات اللاحقة المتمثلة بحل الجيش وكافة المؤسسات الامنية، ووضع مسودة دستور طائفي ومذهبي وعرقي، واعادة هيكلة الاقتصاد العراقي، بموجب رزمة كاملة من القوانين البريمرية، التي تثبت هيمنة الدول الامبريالية الكبرى وشركاتها على الدول الصغرى واقتصادياتها، والخ...، إن كل ذلك، وغيره من الخطوات، لم تكن تمت بصلة لسيرورة اعادة بناء الدولة في العراق، وتشكلها المدني والديمقراطي الحديث.

بالاضافة الى كل ذلك، فقد سار الاحتلال والسلطة المتعاونة معه، نحو فرض وصفات صندوق النقد والبنك الدوليين، جملة وتفصيلاً، والاتجاه إلى بناء سلطة نيوليبرالية، في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، وقمعية وعسكرية، في المجالين السياسي والامني. والنتيجة المنطقية لكل ذلك هي دمار مابعده دمار، وحالة من الاحتراب والفوضى، ومئات الآلاف من الضحايا البشرية. وهي أمور معروفة للجميع.

اما السفينة العراقية فلم تجر كما يشتهي المحتل الامريكي، حيث اجبرت على الرسو، بغية الاتفاق على تسليم السلطة. ومع تشغيل الماكنة القديمة للدولة، فرضت الديناميات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الداخلية نفسها، مرة اخرى، واملت الضرورة اعادة المياه الى مجاريها، ووضعت بعض الاتفاقيات المبرمة سابقاً، في مجال سحب يد الدولة من توفير الخدمات الاجتماعية ودعم المحروقات والخ...، المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي، على الرف! (ما اثار حفيظة صندوق النقد الدولي، الذي هدد بإلغاء اتفاقيات خفض الديون مع العراق). والالتزام الرسمي بتبني اقتصاد السوق لم يمنع العراق من العودة الى تدخل الدولة في المجال الاقتصادي، وتحولها الى اخطبوط اقتصادي، بشكل فعلي. وتشير أرقام أوائل 2010 إلى أن القوات الأمنية والمسلحة فقط تضم 640،000 عنصر، فضلاً عن 127،000 عنصر من قوات البيشمركة، وحوالى 70،000 من أبناء الصحوات. بالاضافة الى تطبيق برامج للرعاية الاجتماعية وشبكات الضمان الاجتماعي وخدمات اجتماعية اخرى، والسعي لمعالجة ظاهرة البطالة التي سجلت نسبة مئوية عالية جداً (بحسب تصريح وزير التخطيط الاسبق، الدكتور مهدي الحافظ، الذي قال إن البنك الدولي يقدر نسبة البطالة في العراق بحوالى 39 بالمئة من القوى العاملة).

إذاً فإن تخلي البلد عن السياسات التي فرضها الاحتلال، في بعض المجالات، وتملصه منها، أديا الى توفير قَدْر من الأمن، ونوع من الرعاية الاجتماعية، وعودة الامور الى نصابها، وستتحسن الحالة في حال استمرار احتجاج الشعب العراقي ضد ممارسات الاحتلال والقطيعة التامة مع الاتفاقيات التي نتجت من سلطته.

ولاشك بأن سيرورة اعادة بناء الدولة العراقية، وفق اسس علمانية وديمقراطية حديثة، ايضاً، ترتبط بشكل او بآخر بنبذ السياسات التي فرضها الاحتلال فرضاً. إن تجربة السنوات الثلاث المنصرمة خير دليل على ذلك.

العراق واستحالة الدولة!
يبدو أن ما شهده العراق من تطورات، في مجال بناء الدولة وتطورها وتفككها، وصعوبة اعادة بنائها، وكذلك تأزم علاقتها بالمجتمع العراقي، اجمالاً، وبمكوناته الطائفية والقومية والعرقية، يطرح تساؤلات اكثر جوهرية، في ما يتعلق بالتجربة العراقية، وتجليات الازمة السياسية فيه، وكذلك بمجمل عملية تشكيل الدولة، السياسية: ظهورها وافولها وبقائها، او سير تطورها ونموها.

بالاضافة الى ذلك فإن تطورات السودان (انقسامه الى دولتين) والصومال- خروجه من خانة الدول السياسية وتشكيل دويلات متنافرة، وافغانستان (مجتمع بلا دولة) ولبنان (الذي يعيش في ظل النظام الطائفي في دائرة ازمة مستمرة)، او سقوط بعض الرموز الدكتاتورية في الربيع العربي، بالاضافة الى افلاس بعض الدول الاخرى، في الحوض المتوسط، بتأثير تداعيات الازمة الاقتصادية العالمية، ثم بالعودة الى الوراء قليلاً، تفكك الاتحاد السوفييتي، وظهور دزينة من الدول الاخرى، في العالم والخ...، ان كل ذلك يطرح تساؤلات عديدة تتطلب اجابات، في ما يتعلق بتغيير خارطة الدول السياسية، ويجعلنا ندرك أن ماحصل في العراق ليس باستثناء او صدفة، او نتيجة للغزو والاحتلال الامريكي فقط، بل انه يشكل جزءاً من صورة اشمل في الاقتصاد السياسي الرأسمالي المعولم والمتوحش. على ضوء ذلك، وبقدر ما يتعلق الأمر بالتجربة العراقية، سنتناول الموضوع، في عدة محاور ونقاط رئيسة.

اولاً: الدولة والسياق الثقافي!
تعود استحالة تشكيل الدولة، في العقد الفائت - بالاضافة الى الاحتلال والغزو والدمار الذي لحق بالمجتمع العراقي، من النواحي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية - الى السياق الثقافي المتمثل بسيادة افكار ومفاهيم وممارسات سياسية نشأت وترسخت خلال القرن المنصرم – وبخاصة في النصف الثاني منه، اثر نيل الاستقلال وثورة تموز/يوليو عام 1958 - بسبب نشاط وهيمنة القوى القومية العربية، من جانب، واعتماد الدولة العراقية على الطائفية في بنيتها، من جانب آخر...

طوال عقود سعت الحركة القومية العربية، المتمثلة بالتيار البعثي القومي المتطرف، الى بناء دولة قومية، وفق مفاهيم وافكار ونظريات قومية تضرب بجذورها في منظومة افكار ونظريات المدرسة الالمانية – والى حد ما الإيطالية - التي تعتمد اللغة والدم في النظرة الى الامة والقومية، وتنطلق منهما لبناء دول قومية، لتكون اداة ورمزاً لتشكل الامة والقومية. ان المنظرين الاوائل للنزعة القومية العربية المتطرفة، امثال ساطع الحصري وميشيل عفلق وغيرهما، تأثروا بتلك المدرسة وبنسختها الشرقية اي «الطورانية التركية»، واعتمدوا عليها لبناء الاساس النظري للنزعة القومية البعثية وفرضها، كتقليد ثوري - بحسب تعبير 
هوبسباوم - في البيئة العربية. وما جدالات الحصري مع خصومه الفكريين، حول الهوية، وحول القطرية والاقليمية والوطنية، في اصقاع العالم العربي، الا لتزيد من تطرف الفكر القومي، وتبعده أشواطاً كبيرة عن نظريات المدرسة الفرنسية، التي تعتمد الانتماء الوطني والجغرافي...

وما زاد الامر صعوبة هو ان ظهور ونمو وتطور تلك الافكار والنزعات كان معقله العراق وسوريا، اللذان يتمتعان، كلاهما، بتنوع عرقي وديني وطائفي ومذهبي. وقد انتشرت تلك الأفكار، بشكل جنوني، حيث انها اصبحت دين الطبقة المتوسطة المدينية الصاعدة، التي افتقرت لكل تماسك. الا ان تلك النزعة لم تستطع، بشكل عام، ان تكون بديلاً لتماسك اجتماعي جديد يحل محل الانتماءات القبلية والاثنية والمذهبية القديمة. وبالتالي كلما تعرضت الدول القومية الناشئة الى ازمة تهدد كيانها او وجودها، كلما راحت تعتمد على الطائفية والقومية في بنيانها الاجتماعي، وتتمسك بهما، كهوية ثابتة، وتستقوي بهما. بل وصل الامر الى استخدام النزعة القومية العربية، بشكل شوفيني، يذكرنا بالممارسات الفاشية، كما الحال مع قصف صدام لمدينة حلبجة الكردية بالغازات السامة.

لازال الشعب العراقي متأثرا الى درجة كبيرة بتلك الافكار والنزعات والممارسات، التي تسود، في طروحات معظم التيارات القومية والدينية والمذهبية، وحتى اليسارية، أحياناً. وهي تقف حجر عثرة امام الاقرار بدولة المواطنة، والاعتراف بحقوق مواطنة متساوية، وقيم ثقافية مختلفة، وعائقاً بوجه سيرورة اندماج مختلف مكونات البلد في اطار عراقي مشترك. وازالة تلك العراقيل تتطلب اجراء تغييرات ثقافية وسياسية كبيرة، بغية خلق المستلزمات الاجتماعية والسياسية والثقافية الضرورية لبناء الدولة، وإلا تصبح المهمة مستحيلة.

ثانياً: الدولة والبنية الاقتصادية
بخلاف الدول الوطنية والقومية التي تشكلت في اوروبا، مع تطور علاقات الانتاج الرأسمالي والثورات السياسية والصناعية، وسيادة نمط انتاج جديد، وتطور السوق الداخلية، وصعود واستلام طبقة سياسية برجوازية ناشئة لهرم السلطة، فان الشرق الاوسط شهد تفكيك امبراطوريات – العثمانية تحديداً - ثم تشكيل دول ودويلات وكيانات سياسية مصطنعة، على انقاضها، البعض منها ليس قابلاً للحياة وبعضها الآخر لازال يعاني آثار التقسيم الاستعماري والامبريالي.

والدولة العراقية الحديثة او المعاصرة، تحديداً، لم تكن امتداداً لتطور القوى الانتاجية والسوق الداخلية، وتماسك وتشابك العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، في البلد، الذي يفترض بالضرورة علاقات سياسية واقتصادية ارقى، ودولة وطنية تنسق وتدفع العجلة الاقتصادية، وتعجل بالتماسك وإنشاء النسيج الاجتماعي المطلوب، بل ظهرت كاستحقاق تقسيمي بين الدول الامبريالية الكبرى (بريطانيا وفرنسا) آنذاك، وحملت معها بذور ضعفها وانقسامها.

وبالاضافة الى مشكلاتها العويصة، المتعلقة بالسيادة الوطنية (الوصاية والانتداب)، وحرمان الطبقة المتوسطة الجديدة من اية آلية للمشاركة السياسية، واحتكار مؤسساتها بيد البرجوازية الكبيرة الصاعدة، وكبار الملاكين الاقطاعيين، خلال الاحتلال البريطاني، فانها اعتمدت، في اساسها الاجتماعي، النهج القومي والطائفي، حيال سائر المكونات الاجتماعية الاخرى، وحرمت الكثير من رعاياها العراقيين من الجنسية، بموجب قانون الجنسية العراقية السيىء الصيت، وفشلت في تحقيق عملية التماسك الاجتماعي والاقتصادي المطلوب بين سكانها.

وجرى الاسوأ، عقب اكتشاف النفط والغاز الطبيعي. فبغية اشباع حاجة المجتمع الرأسمالي الصناعي المتطور لمنابع الطاقة، احتل البلد، بشكل تدريجي - في منظومة العلاقات الدولية الرأسمالية، وفي اطار نمط الانتاج الرأسمالي المعولم - موقعه ومكانته كقوة اقتصادية تابعة، منتجة للنفط والغاز الطبيعي، وباستثناء الفترة الخاصة بتشكيل مجلس الاعمار في العهد الملكي في الخسمينيات من القرن المنصرم، اتبع سياسات واستراتيجيات اقتصادية تعزز من موقعه هذا. وبقدر ما كان ينشد البلد استقلاله السياسي، راح يفقد، بشكل مطلق ومفرط، وبسبب السياسات الاقتصادية المذكورة، كل استقلال اقتصادي.

وداخلياً، راحت تنفصل الدولة، بشكل تدريجي، عن اساسها الاجتماعي، وتتشكل كسلطة فوقية خاصة، مستقلة بحد ذاتها، وراحت تنقلب العلاقة الى النقيض، ورأساً على عقب، بحيث بات يعتمد المجتمع، مذاك فصاعداً، على الدولة، في وجوده وحياته.

وفي الوقت الذي وفرت فيه العائدات النفطية الضخمة، بسبب ارتفاع اسعار النفط، في العقد السبعيني للقرن المنصرم، فرصة سانحة لتقويم العلاقة وتصحيحها، زادت تلك العلاقات استقطاباً وتفاقماً، ومع سيادة النهج القومي والشوفيني والطائفي المهيمن، تحولت الدولة الى ماكنة عسكرية، تشبه الى حد كبير الماكنة الفاشية، وتمت عسكرة المجتمع العراقي، و جرى سد طريق تحوله الى مجتمع ديمقراطي و علماني حديث.

ثالثاً: الدولة والهوية (الوطنية والقومية)
لقد شهد العراق طوال قرن كامل تطورات كبيرة، باتجاه التحضر والتمدن المعاصرين، ونتيجة لتغلغل نمط الانتاج الرأسمالي وتطور العلاقات الانتاجية الحديثة، وتفكك وتحلل الانماط الانتاجية الزراعية والمشاعية، والحياة البدوية القديمة، ثم ظهور النفط وتدفق العائدات النفطية على الدولة، نشأ مجتمع حضري حديث. وبنتيجة الهجرة الداخلية الواسعة من المناطق الزراعية والبدوية والجبلية إلى المدن، تطورت بوتيرة متسارعة غير مسبوقة تاريخيا مدنٌ كبيرة وضخمة. تغيرت ملامح المجتمع العراقي القديم بغير رجعة، وانهارت فيه الاسس القبلية والعشائرية والحياة البدائية الرتيبة للمدن الصغيرة، وتغيرت الهويات الاجتماعية التي لم يطَلْها تغيير اساسي لمدة قرون، واتجهت الى الاندماج، في اطار هوية عراقية مشتركة.
ويكفي ان نشير الى التطور والانفجار السكانيين، حيث ان سكان العراق، اوائل القرن العشرين، وغداة تشكيل اول دولة عراقية حديثة، كان اقل من 5 ملايين نسمة، والآن، ها هو يقارب الثلاثين مليون نسمة. وبالإشارة الى عدد سكان العاصمة بغداد، البالغ 7 ملايين نسمة، نلاحظ أنها قاب قوسين او ادنى من خانة المدن الحضرية العملاقة (mega city)، في العالم. ويمكن التذكير، أيضاً، بأن مساحة السفارة الامريكية في المنطقة الخضراء، التي احتلتها امريكا، توازي مساحة دولة «الفاتيكان».

وبالنظر الى علاقة الدولة بالمجتمع العراقي الناشىء، فقد اتسمت بالتناقض وبدينامية استقطابية، وكلما تطور المجتمع العراقي وزاد تحضره وتمدنه، وقع في تناقض مع الدولة، واصطدم بهويتها وطبيعتها ونهجها، وبالكثير من سياساتها، وترتبت عليه الكثير من التوترات والانفجارات الاجتماعية. وقد تداخلت عوامل عديدة في التغييرات والتحولات المذكورة، اهمها: الانقسام الطبقي المتزايد في المجتمع، وازدياد حجم ومكانة الطبقة العاملة ودورها النضالي، وكذلك تصاعد حدة التوترات الطائفية والمذهبية والعرقية، او تفاقم الخلافات الاقليمية والدولية، نتيجة لتجاوز العراق الحدود المرسومة له على الصعيدين الاقليمي والدولي (الحرب مع ايران واحتلال الكويت والسعي لامتلاك اسلحة الدمار الشامل وغيرها)، وبات الوصول الى حالة ارقى عبر نفي العلاقة المتناقضة بينهما، والدخول في طور اعادة استقطاب جديدة، إما بإصلاح تلك الدولة، او اسقاطها والتخلص منها، ضرورةً قصوى. ومع ازدياد حدته، لم يكن امام المجتمع والدولة العراقيين سوى أحد خيارين: رفع التناقض والبدء بإصلاح سياسي شامل، او ترك المجال لمنطق التناقض المحتدم يأخذ مساره.

الا ان التدخل الدولي وبدء الغزو الامريكي للعراق قلبا المعادلة رأساً على عقب، حيث أنه تم رفع التناقض، شكلياً، بواسطة عامل خارجي، من دون ان يعني ذلك أنه حُلَّ، جوهرياً، وحيث ان السلطة التي حلت محل القديمة، بدلاً من أن تفهم ماهية التناقض وابعاده وجذوره، اكتفت بالتعامل مع تجلياته وعوارضه، واوجدت آليات توفيقية لكبحه وإدارته. إن اسلوب المحاصصة الطائفية والمذهبية، والقومية، لم يكن الا تحايلاً على المشكلة، وترقيعاً للتناقض الشائك، ليس الا. وكذلك، فإن اجراء سلسلة من الانتخابات، في السنوات الثماني الفائتة، اتسمت بالطائفية والصراع المذهبي والعرقي، لم يكن يمثل خطوة باتجاه البدء بسيروة بناء جديدة.
كما ان معظم النقاشات الهامة، التي ظهرت اثناء مناقشة مسودة الدستور العراقي، المتعلقة بتحديد هوية العراق - هل هو بلد عربي، أم إسلامي، أم عراقي، أوغير ذلك - تم حلها بواسطة آلية التوافق، السيىء الصيت! والنتيجة ان العراق ضائع بين مشاكل التعريف بالهوية.

وعلى رغم ان العراق كان مهيأ ً لذلك، وكان بالامكان التأكيد، من الناحية الدستورية والسياسية، على دولة المواطنة المتساوية، ثم التأكيد على الهوية العراقية المشتركة – حيث للبلد تاريخ نضالي مشرف، في هذا المجال، لعبت فيه الاحزاب اليسارية دوراً بالغ الاهمية، في تعزيز الهويات الاجتماعية الجامعة، في خضم محاربة الاستعمار البريطاني - والاقرار بالحقوق الثقافية لكل مكون من مكوناته. الا انه جرت تشظية الهوية العراقية الى هويات محلية وثانوية، وفي نهاية المطاف، إن ما بات يحمل اسم الدولة، في العراق، لم يعد يحمل اي هوية. فالمحتل الامريكي، والقوى الطائفية والمذهبية والقومية، المهيمنة، نزعوا عنها كل هوية، وسميت، بالتالي، بدولة المكونات، بحيث باتت مسخاً بعدة وجوه: اسلامي، وعلماني، واستبدادي ديمقراطي، وهلم جرا.

رابعاً: الدولة الاتحادية والدولة المركزية
ان وثيقة الدستور العراقي تحمل في طياتها الكثير من التناقضات المستعصية. وهذا الدستور لايقدم حلولاً محددة للعلاقة بين الدولة ومؤسساتها، وبينها وبين اقاليمها، ولايحدد صلاحياتها، واختصاصات كل منها. وبالتالي فالخارطة التي رسمها الدستور للدولة هلامي، وغامض، وبدون فائدة، ولن يعود اليه احد - وبخاصة من قبل القوى السياسية المتنفذة -، في غمرة صراعاتهم السياسية على السلطة والمال والنفوذ.

لقد أقر الدستور بطابع الدولة الاتحادي، من جهة، كرد فعل على السلطة المركزية المفرطة للدولة البعثية القديمة، ومن جهة اخرى، بمثابة حل للقضية الكردية في العراق، والاعتراف بإقليم كردستان. بينما بقيت السلطة الاتحادية مجرد حبر على الورق، حيث لم يجر، لحد الآن، بناءٌ فعلي للمؤسسات الاتحادية الدستورية (ولعل الاشارة الى المادة 68 من الدستور، المتعلقة بتشكيل مجلس اتحادي، خير دليل على ذلك).

وحل اشكالية مركزية الدولة من عدمها لم يطرأ عليه أي تغيير، حيث ان صراع البارزاني مع المالكي، في الآونة الاخيرة، فتح الباب على مصراعيه امام هذه المعضلة، التي تنذر بمزيد من الاستقطابات والتجاذبات الحادة حولها. ان ممارسات الدولة الراهنة، بقيادة المالكي، تأتي في مضمار التعزيز المتزايد للنزعة المركزية، وتحويل مجالس المحافظات ظلاً لها، وأذرعاً لسلطانها. بينما تزداد المطالبة بصلاحيات اوسع، على صعيد المحافظات، وصولاً الى المطالبة بإنشاء اقاليم جديدة (مطالبة محافظة صلاح الدين بإنشاء اقليم اتحادي)، او تزايد المطالبة بانفصال اقليم كردستان، تخوفا من تكرار التجربة البعثية القديمة. وعليه، لا يوجد اي توافق او انسجام، بين المسار الاقليمي - المحلي والمسار المركزي، او الاتحادي.
والصراع على اشده، في العراق، حول هذه النقطة، تحديداً، ومعظم الآراء لا زال يُبرِز ضعف السلطة المركزية، في العراق، ويعتبره تحفيزاً للانفلات الامني، وطريقة للمساعدة في نشوء إمارات واقاليم وسلطات محلية، وسلطة طوائف وجماعات مختلفة، تؤدي في نهاية المطاف الى تقوية روح اقليمية ومحلية وعشائرية، ونزعات طائفية، وإعادة انتاج قيمها، وتساعد على ترسيخها على حساب القيم والأعراف الحضرية والديمقراطية، وتقوض الولاء للدولة والوطن، بينما الآراء المناهضة له تتمسك بالهويات الطائفية او العرقية (الاكراد والسنة)، لمناهضة النزعة المركزية المتصاعدة، او تعتبره في ذاته مناهضة للديمقراطية وللتعهدات الدستورية القديمة، وتكراراً للماضي البعثي الغاشم. وبالنتيجة، لايعرف العراق اين يتجه: في المسار الاقليمي- الاتحادي ام في المسار المركزي الشمولي.

هذا ويبدو أن الاشكالية العراقية، وصعوبة حلها، والسعي الى ايجاد حلول توفيقية لها - مثلها مثل سائر المشاكل الاخرى - ناتجة من اسباب اعمق بكثير. إن سيرورة تشكل الدول الوطنية والاتحادية كانت امتداداً لتطور الصناعة الداخلية، وسيطرة نمط الانتاج الرأسمالي، في مناطق جغرافية وديموغرافية محددة، في الغرب. وهي أوجبت تطور العلاقة بين الممالك والامارات والسلطات المحلية الى حالة ارقى، ثم الاندماج والتشكل والتمثل في دول وطنية واتحادية. أما في العراق - شأنه شأن الدول الاخرى، في الشرق الاوسط - فالعملية توقفت بمجرد بناء الدولة المركزية، واتخذت مع صعود العساكر الى السلطة منحى اكثر شمولية واستبدادية، ولم تبدأ السيرورة المعاكسة لذلك، اي تجزئة وتفكيك السلطة المركزية، في وحدات سياسية وادارية اصغر حجماً (المحافظات، الاقاليم، الكومونات والخ...)، استناداً إلى القاعدة الديمقراطية، والانتخابات الحرة.

لم يتم تشظي السلطة المركزية للدولة، بشكل ديمقراطي حر، وفي اطار صراع مدني وحضاري، وبأسلوب سلمي، عبر مؤسسات الدولة. واليوم فإن الخوض في تجربة كهذه، في بلد اصابه الدمار والخراب، سيرورة بالغة الصعوبة، في بلد لا زال يعيش وسط تناقضات طائفية وعرقية متعددة. وعلى رغم ذلك، فإنها خطوة لامناص منها للعراق، لتعزيز البناء الديمقراطي للدولة الحديثة، بغية تجنب العودة الى الماضي الشمولي الدكتاتوري، والوقوع في الفوضى ومستنقع الدويلات المحلية، والسلطات الصغيرة. ان فشل هذه الدول في البناء الديمقراطي اللامركزي يمكن ان يدوم لفترة غير قصيرة، ما يعني أن مصيرها قد يتعرض للتشظي والصوملة، في أسوأ الاحوال!

وثمة نقطة اخرى نود الاشارة اليها، وهي أنه، بخلاف ما يذهب اليه البعض، من أن تقسيم السلطة المركزية (سواء بشكل اتحادي واسع، او ضيق) يحمل في ذاته بذور الانشقاق والانفصال. يكفي ان نشير الى تجربة الامبراطورية العثمانية، هذه الامبراطورية الكبيرة التي كانت تحكم العالم العربي لقرون، بل وصل سلطانها الى اوروبا الشرقية، لم تكن مركزية بما يكفي، وتركت لحكام كل بلد، وكل منطقة، سلطات واسعة لإدارة شؤون مقاطعاتهم، فلم يكونوا، في زمن العثمانيين، مقيدين بالحدود والاقفاص الجغرافية المصطنعة، كما هي حالنا الان. إن الاستفادة من تلك التجربة، في البناء الديمقراطي الحديث، كفيل ببناء دول ديمقراطية حديثة، ويهيىء مستلزمات وحدة الدول، من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مستقبلاً. إن الوحدة الحقيقية، لا تلك الموهومة، في العالم العربي، وحدة مرجوة، مثلما نشهد، حالياً، في الاتحاد الاوروبي. وثمة، بالضرورة، دور لليسار الفعلي، في بلورة برنامجها، ووضعها موضع لتنفيذ.

خامساً: اليسار ومفهوم الدولة العراقية
لا زال العراق يعيش، بسبب حماقات البرجوازية العراقية وافكارها وسياساتها وممارساتها السلطوية، في نفق مظلم. وإن الطبقة العاملة والكادحين والطبقات المحرومة الاخرى، تدفع، بشكل يومي، ضريبة حماقتها وبلادتها. اما القوى اليسارية والتحررية فإنها متأثرة، بدرجة او باخرى، بالسياق الثقافي المهيمن، وبالقيم والمفاهيم والممارسات الراسخة فيه، وهي تردد في احايين كثيرة افكار غيرها.

هذا ولاتوجد بين القوى اليسارية، بالاضافة الى الخلاف النظري، الذي نترك التطرق اليه لفرصة اخرى، في المرحلة الراهنة، رؤيةٌ وبرنامج مشتركان حول قضية الدولة، التي هي قضية لها ارتباط مباشر بقضية الاصلاح والثورة.. فبعضها (الحزب الشيوعي العراقي، وبعض الجماعات اليسارية الصغيرة) أيد، في البداية، سلطة المحاصصة الطائفية والقومية الجديدة، مع تحفظات بسيطة، ثم غير موقفه، في الآونة الاخيرة، ليطالب بدولة علمانية ديمقراطية، والبعض الآخر (الشيوعي العمالي) رفضها جملة وتفصيلاً، ليطالب بإقامة جمهورية اشتراكية، عبر الاستيلاء على السلطة، بقيادة الحزب الطليعي الواحد، اي الحزب الشيوعي العمالي (!!!)، لتكون سلطة الحزب الواحد، في اطار الجمهورية المنشودة.

وهناك آخرون، مثل اتحاد الشيوعيين في العراق، ايدوا، منذ سقوط النظام الطاغي الصدامي، قيام دولة علمانية وديمقراطية معاصرة، على ان تكون، أولاً: دولة اتحادية (فيدرالية) حقيقية تستند إلى الانتخابات الحرة. ثانياً: تقر بوجود الاقاليم والوحدات الادارية ذات الصلاحيات واسعة (اقليم كردستان، اقليم كركوك او فيدراليته، المحافظات) على ان يكون لكل اقليم حكومة اقليمية منتخبة من الاسفل الى الاعلى وله سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية ثلاث.

ولاشك بأن الطروحات المذكورة لازالت تتسم بالبدائية، حيث تتطلب نقاشاً معمقاً، بين مختلف الفصائل اليسارية والشيوعية، والهدف يتلخص بايجاد الخطوات الضرورية لاعادة بناء المجتمع العراقي، والدولة، بشكل حديث، أولاً، وبدء سيرورة ثورية، ثانياً، تضعف فيها السلطوية واستبداد الدولة، وتدمر قمعها، وتفكك هيمنتها، وتتيح توفر الفرص لبناء المجالس والسوفيتات والنقابات، وشتى المنظمات المدنية والتطوعية والمجالس البلدية والكومونات، لتضطلع بدورها في التغييرات الاجتماعية. وهي لا تقل أهمية، على الاطلاق، عن دور الاحزاب الثورية والتحررية، كما أنها لا بد من أن تحاول حماية كل التراث الذاتي، الذي يفترض أن يساهم بنشاط، في خلق الشروط والمستلزمات الضرورية لإلغاء الدولة، بما هي دولة، واضمحلالها، في المجتمع الاشتراكي.

المهمات المذكورة صعبة للغاية، ولكنها مطلوبة وممكنة، حيث اننا نشهد تطور المجتمعات البشرية، وتزايد وعي المطالبة بالديمقراطية والمساواة الحقة، وبحقوق مواطنة عالمية، والتغييرات العاصفة، في ثقافة التحرر والتطور، والمظاهرات المليونية في قلب المدن العملاقة، التي تتحدى السماء.

إن على الحركة اليسارية والتحررية في العراق، من خلال هذا المنظور الاممي، ان تعي حقيقة دورها المصيري، وهي اهل لذلك. حيث ان نضالها، كجزء من نضال وقوة الطبقة العاملة والكادحة، ساهم في إنتاج الثورات والمعجزات، في تاريخ سابق. ولكن المصيبة ان هذا الوعي لم ينشأ بعد. ويجبرنا ذلك على أن نرجع الى النقطة التي انطلقنا منها، ونتساءل: الى اين يسير العراق؟