أزمة حكم بنيوية لن تحلها انتخابات

العدد السابع - شباط ٢٠١٧
الدولة: 
لبنان
تاريخ النشر: 
شباط (فبراير), 2017

بعد عامين ونصف، تقريباً، مما درج الاتفاق على وصفه، لدينا، طيلة تلك الفترة، بالفراغ الرئاسي، نجح الجنرال ميشال عون، أخيراً، في تحقيق حلم حياته، المتمثل بارتقائه سدة الرئاسة الأولى. ولا شكَّ في أنه تنفَّس، عند ذلك، الصُّعداء.

ولا ريب، كذلك، في ان مناصريه فعلوا الشيء نفسه. ولكن لم تكن تلك حال من عدا هؤلاء، وهم الغالبية الكبرى من اللبنانيين/ات، ومن القاطنين/ات الآخرين والأخريات لهذه البقعة من الارض، لبنان! وذلك لأسباب عدة، بين اهمها:

• أن الرجل الذي وصل، أخيراً، بعد استخدامه كل الوسائل، "الشرعية"، على الطريقة اللبنانية، وغيرالشرعية، إلى قصر بعبدا - وهو قد بات في أرذل العمر، كما يقولون- أعطى، على الدوام، صورة مجنون سلطة لا يقف، في طريقه إلى الهدف المنشود، وازعٌ أخلاقي، أو مبدأ إنساني، أو قانون، أو مواد دستورية. وفي تقدمه نحو هذا الهدف، ليس من مشكلة لديه إذا بدا شديد التناقض، في مواقفه، ومفرطاً في تقلباته، وجاهزاً لتسخير كل شيء، وتجاوز كل القيم، في خدمة الغاية التي وضعها نصب عينيه.

هكذا، إن الشخص ، الذي سيعلن، في عز صدامه العسكري مع الجيش السوري، في العام 1989، انه سيتولى" تكسير رأس (الدكتاتور السوري) حافظ الاسد"، هو نفسه من بعث إليه، في الفترة نفسها، كما يشاع، برسالة مؤداها ما يلي:

"إنني عسكري، وبهذه الصفة، أتمنى أن يعتبرني القائد الكبير حافظ الأسد ضابطاً صغيراً في جيشه. وأقدر كل التقدير ما قدمته دمشق للبنان عموماً وللمسيحيين خصوصاً، وواجبي إذا ما حظيت بتأييدها أن أرد لها الجميل ".

وإن نفيه، في ما بعد، لمضمون هذه الرسالة، يتعارض بوضوح مع كل سلوكه العلني، على امتداد المرحلة التي تلت عودته من منفاه الفرنسي، حيث أقام ما يقارب الخمسة عشر عاماً، بعد طرده الدموي المهين من القصر الجمهوري، بواسطة الجيش السوري، في 13 تشرين الاول 1990. وهو السلوك، الذي سلكه، على صعيد علاقته بدمشق، منذ تلك العودة، تقريباً، فضلاً عن الحلف الوثيق الذي يشده مذاك إلى حلفائها وازلامها، في لبنان.

• أن كل مزاعمه بخصوص كونه رجل "الإصلاح والتغيير"، كما توحي بذلك تسمية التكتل، التابع له، في المجلس النيابي، تتنافى كلياً مع الممارسة الفعلية لتياره الحزبي (الوطني الحر)، كما لكتلته النيابية، في السلطة السياسية، منذ العام 2005، ولا سيما من حيث الإفراط في الفساد، والتقاسم البائس والمثير للخجل لجبنة الحكم، مع باقي الكتل السياسية المشاركة في السلطة اللبنانية، ومحاباة الاقارب، والغرق في المستنقع الطائفي، على المستوى الداخلي. ناهيكم عن الاصطفاف اليميني الرجعي، بجانب انظمة الاستبداد والاستغلال، والاضطهاد والقهر، العربية، بخاصة، والخارجية، عموماً. وبالطبع، مع تخصيص نظام دمشق بالذكر، في مجازره الوحشية المريعة ضد شعبه، على امتداد السنوات الخمس الأخيرة، بوجه أخص، وتأييده لمشاركة حليفه، حزب الله، عن كثب، في تلك المجازر، أو على الاقل سكوته عنها.

• أن لبنان (الكبير)، الذي بات ميشال عون على رأسه، يغرق، مذ أعلن جنرال فرنسي، في العام 1920، قيامه، في مأزق عميق للغاية، مرتبط بالطبيعة الطائفية للسلطة السياسية فيه. وهو مُعَدٌّ، منذ البداية، بسبب توزع السلطة فيه، مذاك، بوجه خاص، ولكن كذلك منذ أيام لبنان المتصرفية، الصغير، على اساس طائفي، لكي يتعرض، باستمرار، لأزمة حكم جوهرية تخرب كل شيء، وتفسد كل نواحي الحياة، في المجتمع والدولة اللبنانيين.

وإذا كان حاول عون، في اليوم الاول من عودته من المنفى، ان يظهر بمظهر العلماني الرافض للطابع الطائفي المقيت للسلطة السياسية، في لبنان، حين وقف وراء عازل زجاجي في ساحة الحرية (التسمية التي تم إطلاقها على ساحة الشهداء، خلال الحراك الشعبي الواسع، فيها، الذي تلا اغتيال رفيق الحريري)، وقال للجماهير الشبابية المحتشدة هناك ما مفاده أن "تنبذه فيما لو تفوَّه، في أي يوم من الايام، القادمة، بكلام طائفي"، فسرعان ما سيحنث بوعده، الذي اتخذ طابع التحدي الصريح، ولكنه لم ينتظر كثيراً ليكشف زيفه. ذلك أنه لم يمر شهران، أو ثلاثة، حتى عاد الرجل إلى الخطاب الطائفي، على المكشوف، مكرراً مذاك لازمته المعروفة حول تمثيله لمصالح مسيحيي لبنان، ومطالبته بضمانها، واحترامها، بالكامل.

في كل حال، لقد كان جنرال آخر سبق عون، قبل أكثر من خمسين سنة إلى قمة السلطة اللبنانية، محاولاً تطبيق برنامج إصلاحي، وادخل بالفعل بعض الإصلاحات الملموسة إلى النظام اللبناني البائس، ولكنه عاد، بعد ست سنوات من انتهاء ولايته، وحين انطرحت إمكانية ترشحه مجدداً لرئاسة البلاد، فأصدر ذلك البيان الذي يعلن فيه عزوفه، ليأسه من إمكان فعل شيء جدي لإصلاح الواقع السياسي للنظام اللبناني. كتب في اوائل آب 1970:

"... إن المؤسسات السياسية اللبنانية والأصول التقليدية المتبعة في العمل السياسي لم تعد في اعتقادي تشكل أداة صالحة للنهوض بلبنان... واضاف: "إن مؤسساتنا التي تجاوزتها الأنظمة الحديثة في كثير من النواحي، سعياً وراء فعالية الحكم، وقوانينها الانتخابية التي فرضتها أحداث عابرة ومؤقتة، ونظامنا الاقتصادي الذي يسهل سوء تطبيقه قيام الاحتكارات، كل ذلك لا يفسح في المجال للقيام بعمل جدي على الصعيد الوطني".

كان الجنرال شهاب صادقاً، ويثير الاحترام - على عكس الجنرال المقيم الآن في بعبدا - وإن كنا لا نشاركه الاعتقاد بأن مشكلة نظامنا الاقتصادي تقتصر على سوء التطبيق، فيما نحن متأكدون من ان هذا النظام عفن وظالم، وغير صالح للحياة، في عمق اعماقه، ويتطلب، تالياً، تغييراً جذرياً، لصالح العدل الاجتماعي، والملكية الجماعية للثروة العامة، والسلطة العلمانية الديمقراطية الحرة للمنتجين والمنتجات، في مواقع العمل، كما على شتى مستويات الدولة والمجتمع.

أما بخصوص الجنرال عون، الذي كان يسخر العديدون - خلال حربه على الجيش السوري، ومصادرته غير الشرعية لقصر بعبدا، بعد تعيين امين الجميل له رئيساً مؤقتاً للوزراء، قبل مغادرته القصر الجمهوري - بالإشارة إليه بتعبير نابولعون، على أساس مماهاته نفسه مع القنصل الكورسيكي، الذي توج نفسه ذات يوم (1801) إمبراطوراً على فرنسا، الخارجة، آنذاك، لتوِّها، تقريباً، من الثورة الفرنسية. ولكن الرجل لن يتمكن من لعب دور البونابرت، سواء بسبب افتقاره للصفات الشخصية لرأسٍ للسلطة من هذا النوع، أو لغياب الظروف الموضوعية المؤاتية لهذا المآل، في بلدنا، في هذه المرحلة من تاريخه، وبعد تطورات الاربعين سنة الاخيرة. وبالتالي، لن يكون حاكم لبنان المفترض، في السنوات الست القادمة (إذا تمكن من إكمالها، في بعبدا)، قائداَ يذكِّرنا بنابوليون الاول، وفي احسن ما قد تسمح به الاحوال، ربما سيذكرنا بنابوليون الثالث. عندئذ، سوف ينطبق عليه كلام ماركس في كتابه المشهور، "الثامن عشر من برومير"، على المأساة التي قد تتكرر، في التاريخ، ولكن على شكل ملهاة.