«ما ينبغي قوله»، بعد عشرين سنة على اتفاق أوسلو

العدد الثاني - حزيران ٢٠١٢
الدولة: 
فلسطين
تاريخ النشر: 
حزيران (يونيو), 2012

في الخامس من نيسان/أبريل الماضي2012، دعا كبير مهندسي اتفاقية أوسلو، يوسي بيلين، المفاوضَ الرئيسيَّ، من الجانب الفلسطيني، في فترة انعقاد الاتفاق المذكور، رئيسَ السلطة، حالياً، ومنذ وفاة ياسر عرفات، السيد محمود عباس، إلى حل السلطة الفلسطينية، وتسليم مفاتيحها لإسرائيل، قائلاً له، بالحرف:

«لا تقبَلْ طلب الرئيس أوباما، الذي يريد فقط عدم إزعاجه، قبل يوم الانتخابات، ولا تدَعْ رئيس الوزراء نتنياهو يتخَفَّى وراء ورقة التين للسلطة الفلسطينية. وافرض عليه، مرة أخرى، مسؤولية مصير أربعة ملايين فلسطيني، ومن أجل شعبك، ومن أجل السلام، لا يمكن ان تدع هذه المهزلة تستمر».
وأضاف: «خصوم أوسلو حولوا الاتفاق المؤقت، الذي كان من المفترض ألا يدوم أكثر من ست سنوات، ويخدم فقط كممر لحل نهائي، إلى ساحة يستطيعون فيها مواصلة بناء المستوطنات...».
وختم بيلين بأن اتفاق أوسلو غدا «مجرد ستار لفئة من الفلسطينيين ترتزق من وجود السلطة، وللحكومة الإسرائيلية، التي تتنصل من مسؤوليتها عن اوضاع الفلسطينيين، ولا تحقق السلام معهم».

وبالطبع، فنحن لا نستشهد بأحد المسؤولين الأساسيين عن إخراج الاتفاق المشار إليه، في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، من مواقع الأسف على مصير هذا الاتفاق، ولا من الخلفية الاساسية، التي ينطلق منها السياسي الصهيوني، في نقده لذلك المصير. إننا نفعل ذلك، فقط، لأجل إبراز مدى بؤس، لا بل كارثية النتائج التي أوصل إليها اتفاق أوسلو، علماً بأننا لم نكن لنتوهم يوماً بأنه قد ينسجم، ولو من بعيد، مع المنظور التحرري للكفاح الفلسطيني، لا بل اعتبرناه، دائماً، يتناقض جذرياً مع مصالح الشعب الفلسطيني، سواء منها الآنية، او المستقبلية، ويشكل واحدةً خطيرةً من كبوات ذلك الكفاح، لا بل خيانةً فعلية للتضحيات التاريخية للشعب المذكور، ولتطلعاته المشروعة لاستعادة أبسط حقوقه التاريخية، في أرضه ووطنه.

هذا ومن الضروري التشديد على أنه إذا كان جزءٌ وازنٌ من المنظمات الفلسطينية، ذات الحضور الفعلي في الداخل الفلسطيني، قد رفض هذا الاتفاق، في فترة انعقاده، ولا سيما الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وحركة حماس، ومنظمة الجهاد الإسلامي، فلقد نجحت حركة فتح، المسؤولة الاساسية عن توقيعه مع الكيان الصهيوني، في فرضه، عملياً، كأمر واقع، ومن ذلك إحدى نتائجه الأهم، المتمثلة بقيام ما بات معروفاً بالسلطة الفلسطينية. وهي السلطة التي تشارك فيها، منذ سنوات عديدة، إحدى المنظمات الاساسية، التي سبق أن رفضت اتفاقية أوسلو، ونحن نقصد بذلك حركة حماس. حتى أنها باتت تشارك في شتى أنواع الانتخابات، التي تشكل نقطة العبور إلى مواقع المسؤولية في السلطة المشار إليها، وتتنافس مع حركة فتح، بوجه أخص، على تلك المواقع. وهي المنافسة التي وصلت، في إحدى مراحلها، إلى حدود مأسوية حقاً، بحيث اتخذت الطابع الدموي المعروف، لأجل السيطرة الأحادية على غزة، بعد الانسحاب الإسرائيلي منها، قبل سنوات.

مع ما ولَّده ذلك من قطيعة عملية بين المنظمتين الأهم، في الساحة الفلسطينية، وتبادل للاضطهاد والقمع، كلّ في «الإقطاعة» التي باتت تنفرد في الهيمنة عليها: الضفة الغربية، تحت سيطرة فتح، وغزة، تحت سيطرة حماس! علماً بأن هذه السيطرة السلطوية تترافق، في الحالتين، مع تفشّي درجة عالية جداً من الفساد، في الجهازين اللذين تمارس الحركتان بواسطتهما سلطتيهما (وهو ما تم إيضاحه بخصوص حركة حماس، بوجه خاص، في المقال الوارد في مكان آخر (ص. 51) من هذا العدد من «الثورة الدائمة»). وهو الفساد، الذي يتلازم مع ظهور مصالح مادية هامة جداً، بالتأكيد، تفسر حرص الحركتين، في آنٍ، على عدم إعادة النظر، عملياً، في استمرار هذه النتيجة الأساسية لاتفاق أوسلو، المتمثلة بـ «السلطة الفلسطينية»، وبالتالي، وعملياً أيضاً، في استمرار اتفاقية أوسلو بالذات. ومن هذا المنطلق، بالتأكيد، يمكن أن نفهم، وإنْ فهماً متناقضاً، انخراط الحركتين، منذ بدء احتدام الصراع بينهما، في المساعي العربية (المصرية، كما الخليجية) لرأب الصدع بينهما، ومن ذلك قبولهما باتفاق الدوحة للصيف الماضي، ثم باتفاق القاهرة الجديد، في شهر أيار الحالي، اللذين ينظمان آلية عودة المياه إلى مجاريها، في ما بينهما، بما فيه مسألة الانتخابات المخطط لإجرائها، لاحقاً، كما مسألة قيام حكومة وحدة وطنية ذات طابع انتقالي، في القريب العاجل، وإعادة إعمار قطاع غزة. وهو الأمر الذي يبدو أقرب إلى التصور، وإن بصورة نسبية، ولكن غير مضمونة، أيّاً يكن، بعد أن خرجت قيادة حماس من تحت الوصاية السورية، بخروجها المادي من البلد المذكور، إثْرَ بدء الحراك الثوري في سوريا، في ربيع العام 2011، ورفضها الانحياز إلى النظام القائم في دمشق، بمواجهة الحراك المشار إليه.

هل يمكن «رأب الصدع»، وعلى أي أساس؟
من الواضح أن المطلب الحيوي جداً، الذي طالما عبَّر أبناء الشعب الفلسطيني عن تعلقهم به، وحرصهم الشديد عليه، كان دائماً الوحدة الوطنية، أي بوجه خاص الحيلولة دون الاقتتال. وبهذا المعنى، فنحن نعتبر أنه ضرورة قصوى، ولا سيما بمواجهة احتلالٍ حاقد وخطير. غير أننا نعتقد، في الوقت عينه، ان مفهوم الوحدة الوطنية، مأخوذاً على إطلاقه، يصبح سلبياً للغاية، حين يعني التلاقي العملي، بين أصحاب البرنامج الوطني التحرري السليم، من جهة، في حال وجودهم، والمتعاونين مع الاحتلال، والمتواطئين معه، من جهة أخرى، ولا سيما حين يكون هؤلاء يدخلون في تنسيق أمني وثيق مع أجهزته الأمنية، ومخابراته.
وعلى هذا الأساس، ننظر إلى أي مشروع مصالحة، وبخاصة حين يكون مدخلاً إلى التخلي عن ثوابت تتعلق بالموقف من الدولة الصهيونية، وقضية استمرارها بما هي أداة احتلال، واغتصاب، واضطهاد، وقمع، وحرمان من أبسط الحقوق الوطنية.

في كل حال، ما الذي يمكن أن يَنْتُجَ من اتفاقات مصالحة تتم برعاية أنظمة عربية، بالغة الرجعية، إما هي داخلة في علاقات عادية مع الدولة الصهيونية، قائمة على الاعتراف المتبادل، والتمثيل الدبلوماسي، وغير ذلك من أشكال التطبيع مع إسرائيل (كالنظام المصري)، أو هي تقيم أشكالاً أخرى من التطبيع معه، وترتبط بصلات التبعية شبه المطلقة للإمبريالية الأميركية، الحامية لهذا الكيان الغاصب ولعدوانه الدائم على الشعوب العربية (كدويلة قطر، وإلى حد أقل قليلاً، المملكة السعودية)! علماً بأن إسرائيل تفضل، في شتى الاحوال، منع أي تلاقٍ جدي بين كل من حماس وفتح، إلا إذا عنى ذلك انجرار الأولى إلى تبني موقف الثانية، جملةً وتفصيلاً.

من هذا المنظار، نرى إلى اتفاق الدوحة، الذي بقي من دون تطبيق (وكان يلحظ تشكيل حكومة وحدة وطنية، برئاسة محمود عباس، في مهلة لا تتعدى شهر شباط/فبراير الماضي، وإجراء انتخابات، في أيار الحالي)، فاتفاق القاهرة الأخير، وهو ينص على أن تبدأ لجنة الانتخابات المركزية عملها في قطاع غزة، اعتباراً من 27 أيار الحالي، بالتلازم مع بدء وفدي الحركتين مشاورات لتأليف الحكومة الجديدة، وتنهيها في عشرة أيام. ويتم تحديد موعد الانتخابات، بالتوافق مع كل الفصائل والقوى الفلسطينية. وتتحدد مدة عمل الحكومة بفترة لا تزيد على ستة أشهر، لتنفيذ المهام الموكلة إليها، ومنها إجراء الانتخابات، وبدء إعمار القطاع، الذي أصيب بدمار واسع، خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة عليه. أما في حال تعذر إجراء الانتخابات في الموعد الذي يتم الاتفاق عليه، فيلتقي الطرفان (أي فتح وحماس) لبحث تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة برئاسة شخصية مستقلة يتم التوافق عليها. وتقوم الحكومة المصرية بالمراقبة والإشراف على تقيُّد كل طرف بالتزاماته.

لقد أعطى الانسداد الذي تعرض له اتفاق الدوحة، في كل حال، انطباعاً بأن أي اتفاق مشابه لاحق قد يتعرض للمشكلة عينها. والأسابيع القليلة القادمة ستكشف مدى صحة هذا التوقع، أو خطَئه. علماً بأن صعوبات جمة لا تزال ترجِّح الفشل في إحداث التقارب الجاري السعي لإنجازه. وهي صعوبات لا تقتصر على مواقف كل من فتح وحماس، والمصالح التي نشأت بنتيجة تفردهما بالسلطة، كلٍّ في المنطقة التي تسيطر عليها، بل ترتبط أيضاً بمواقف كل من إسرائيل، من جهة، والإمبرياليات الغربية، من جهة أخرى، ولا سيما الإدارة الاميركية، وهي مواقف سلبية، إلى الآن، حيال تقارب من هذا النوع، إلا إذا عبَّر ذلك عن تغيرات جذرية في مواقف حماس، حيال التسوية مع الدولة الصهيونية، ولصالح هذه الأخيرة. وهو أمر ليس مستبعداً، بالكامل، إذا اخذنا بالاعتبار تصريحات سابقة، في السنتين الاخيرتين، لبعض قادة الحركة، تبدو اكثر تساهلاً حيال تسوية لا تطرح، صراحةً، زوال الدولة الصهيونية، وإن كانت دونه، إلى هذه اللحظة، عوائق جمة، سواء من داخل الحركة، بالذات، او بنتيجة تحالفها مع إيران، أو بسبب وجود مواقف صارمة، على هذا الصعيد، تقفها منظمات هامة، على يسار الحركة، حيال الكيان الغاصب، كالجبهة الشعبية، ومنظمة الجهاد الإسلامي، بوجه اخص.
بَيْدَ أن ثمة عاملاً آخر ربما يشكِّل العائق الأكثر جدية دون هذا المنظور، ألا وهو موقف أقصى اليمين الصهيوني، المسيطر، حتى الوقت الراهن، على الحياة السياسية، في إسرائيل، حيال التسوية مع الفلسطينيين.

موقف أقصى اليمين الحاكم في إسرائيل
لقد كانت سياسة الحكومات الإسرائيلية، على امتداد المرحلة التي تلت أوسلو، تقوم على مبدأ اليد الغليظة، والقمع الدائم، والاعتداءات، والاعتقالات. وقد شهدت السنوات الأخيرة، إلى ذلك، خوض حربين عدوانيتين كبريين، إحداهما خارج الاراضي الفلسطينية (الحرب على لبنان، صيف العام2006)، ولكن الثانية داخلها، وبالتحديد الحرب على غزة، في أواخر العام 2008. تضاف إلى ذلك أعمال القصف الممارسة ضد القطاع المحاصر، منذ الانسحاب منه، والذي يتعرض، بين الحين والآخر، للغارات الجوية، والقصف المدفعي، والرمايات بالرشاشات الثقيلة، مع حصيلة ذلك من الشهداء والجرحى والمعوقين. هذا من دون أن ننسى الأعمال العدوانية التي تطول أيضاً سكان الضفة الغربية، والقدس الشرقية، ومن ضمنها، وفي إطارها، الاقتطاعات المتوالية للأراضي، وهدم البيوت، وتجريف الأرض، فضلاً عن الجدار الحاجز، الذي يقام،على امتداد مئات الكيلومترات، داخل أراضي الضفة، ويفصل بين القرى والمدن الفلسطينية والأراضي التي يمتلكونها بينه وبين الخط الأخضر، مع نتائج ذلك الوخيمة على حياتهم ومستوى معيشتهم، وظروفها، وما يعنيه ذلك من اقتطاع أجزاء أساسية من المساحة الإجمالية للضفة الغربية، وضمها عملياً إلى المستوطنات الجاري بناؤها، على قدم وساق، بصورة متسارعة، بما يتناقض مع أبسط القوانين الدولية.

إن سياسة الاستيطان التي تلجأ إليها إسرائيل، والتي باتت تتسارع، بصورة جنونية، في السنوات الأخيرة، في ظل الحكومات المتعاقبة لأقصى اليمين الصهيوني، بقيادة نتانياهو، تظهر إلى أي حد كان أنصار التسوية مع إسرائيل، في الوسط الفلسطيني، مصابين بقصر النظر، في رهانهم على إقامة دولة فلسطينية، على الأراضي المحتلة في العام 1967. وهي سياسة تستهدف، بوجه أخص، مدينة القدس الشرقية، والبلدات والقرى المجاورة لها (بات 50,6% من المستوطنين يسكنون في محافظة القدس)، وإن كانت تستهدف أيضاً مناطق أخرى على امتداد الضفة، ومن ضمن ذلك في الخليل، وغيرها من المدن والبلدات، وصولاً إلى منطقة الأغوار، على طول نهر الاردن. ومن العام 2000 حتى العام 2011، تم هدم 1059 مبنى في القدس الشرقية، وتشريد 4856 شخصاً، علماً بان المئات منهم أجبروا على هدم بيوتهم بأنفسهم، تحت طائلة هدم البلدية لها، وتدفيعهم مبالغ طائلة لقاء ذلك. أما عدد المساكن التي هدمت، على امتداد المدن والقرى الفلسطينية، منذ العام 1967، فبلغت 25 ألفاً، وبات عدد المستوطنين الإسرائيليين، في الضفة الغربية، 518،974 مستوطناً، في نهاية العام 2010، والحبل على الجرَّار.

هذا وقد ردت الحكومة الإسرائيلية على إعلان المجلس الدولي لحقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة، تشكيل لجنة تحقيق دولية بشأن المستوطنات، لأجل التحقيق في آثار البناء فيها على الحقوق المدنية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، للفلسطينيين، في الأرض المحتلة، بقطع العلاقة بالمجلس، في أواخر آذار/مارس الماضي.

أكثر من ذلك، فإن حكومة نتنياهو درجت، أيضاً، على قمع كل أشكال التضامن الاممي مع الشعب الفلسطيني، وناشطي السلام من شتى البلدان، عبر العالم، كما ظهر خلال محاولة المئات من هؤلاء الدخول إلى فلسطين المحتلة، قبل اسابيع، للمشاركة في حملة «أهلاً بكم في فلسطين». وكلنا نذكر اغتيال السلطات الصهيونية، قبل سنوات، الناشطة الأميركية، راشيل كوري، التي كانت تحاول منع جرافة إسرائيلية من تجريف الارض في قطاع غزة، وصولاً إلى الهجوم على السفينة التركية مافي مرمرة، في 31 أيار/مايو 2010، خلال محاولتها كسر الحصار المفروض على غزة، ومقتل تسعة أتراك، وجرح آخرين، وما أفضى إليه ذلك من توترات في العلاقة بين الدولة التركية والكيان الصهيوني.

كما أن محاولات السلطة الفلسطينية، في أيلول /سبتمبر2011 الماضي، الحصول على اعتراف الأمم المتحدة بدولة فلسطين، باءت بالفشل، بسبب التواطؤ الدولي، في مجلس الأمن، ضد هذا المسعى، ولا سيما بنتيجة الدور الاميركي الحاسم لإحباطه، واستجابة من واشنطن للضغوط الإسرائيلية. علماً بأنه كان في استطاعة حكومة عباس اللجوء إلى الجمعية العامة، لتحقيق هذا المطلب، على أساس صيغة «الاتحاد من اجل السلام». ولكنها امتنعت عن ذلك، من ضمن حرصها على عدم إغضاب الإدارة الأميركية. هذا وإن حالة اليأس التي وصل إليها الرئيس الفلسطيني جعلته «يهدد»، مراراً، بحل السلطة، استنكاراً لبلوغ المفاوضات مع الحكومة الإسرائيلية الجدار المسدود، واضطراره لوقفها، ولا سيما بعد أن رفض نتانياهو رفضاً قاطعاً وقف الاستيطان، وشتى مطالب عباس الأخرى، التي اعتبرها شروطاً لاستئناف المفاوضات.

في كل حال، لقد كان رئيس الحكومة الإسرائيلية حاسماً في بيان مواقفه، ضد استئنافٍ مشروطٍ للمفاوضات، وأعلن، في أوائل نيسان/أبريل الماضي، أن رؤيته للسلام واضحة، وقد أفصح عنها، في خطابيه، أمام الكنيست، وأمام الكونغرس الأميركي، قائلاً:

«نريد أولاً المحافظة على الكتل الاستيطانية الكبيرة. وفضلاً عن ذلك، لدينا مصلحة واضحة في أماكن ذات معنى ديني قومي لشعبنا، وأيضاً اماكن ذات مصلحة أمنية. وهذا أمر يفهمه الجميع. والعودة إلى حدود1967 تعني أن حائط البراق يعتبر أرضاً محتلة، وأننا سنضطر لتفكيك 40% من سكان القدس. هل ثمة من يؤمن بهذا؟ هذا المبدأ لن يتحقق.» وأضاف:
«يمكن القول إننا من أجل أن يسلِّم العرب بإسرائيل، ينبغي أن تكون إسرائيل قوية بما فيه الكفاية، لحرمانهم من كل وهم (...) وكلما كنا ضعفاء، فإن قسماً منهم، على الأقل، سيتمسك بالوهم. على أي حال، نحن نقف أمام وضع مثير جداً للتحدي».

وعلى رغم هذه الصفاقة في الإعلان عن موقف يتنافى مع أبسط القوانين الدولية، يقوم على تحدي كل ما هنالك من مبادىء يتعارف عليها الناس، والأمم، وهذا الاستهزاء بالمفاوض الفلسطيني، الذي لا يزال مصرأً على التفاوض لتنفيذ اتفاق كان يجب الانتهاء منه، في مهلة لا تتعدى الست سنوات، فيما عمره الآن 20 عاماً، بحسب من بات يُعرف بكبير مهندسي أوسلو، يوسي بيلين، بدا السيد عباس مصراً، هو وإدارته، على ابتداع أشكال جديدة من التواصل مع الحكومة الصهيونية، من مثل ما سمِّيَ بدبلوماسية الرسائل. وفي الرسالة، التي بعث بها إلى رأس الحكومة الإسرائيلية، نتانياهو، في السابع عشر من نيسان الماضي، يقول، كما لو كان يستعطف محاوره:

«آمل تفهمك بأن استمرار الاستيطان ينزع ثقة الفلسطينيين بالتزامك بتحقيق حل الدولتين». وهو يعود إلى معزوفته الدائمة، منذ بدء مسيرة اتفاقية أوسلو، القاضية بالتنصل من العنف، حيث يقول: «ندرك أن العنف، والإرهاب، سواء ارتكبه الفلسطينيون، أوالإسرائيليون، لا يشكل الطريق (لتحقيق السلام). لذلك أعود وأؤكد التزامنا بسياسة عدم التسامح مع العنف».

بمعنى آخر، هو كما لو كان يطَمْئن الرئيس الصهيوني إلى أنه لن يتسامح مع أي تفكير في ممارسة العنف ضد إسرائيل، وبالتالي لن يشجع بتاتاً على انتفاضة ثالثة...

هذا ولم يجد موفدو الرئيس الفلسطيني أيَّ غضاضة في الخروج مع الإسرائيلي ببيان مشترك ورد فيه أن الطرفين «لا يزالان ملتزمين عملية السلام، ويأملان أن يساعد تبادل الرسائل في تعبيد الطرق أمام المفاوضات.» كل ذلك، في حين تتغيرالظروف بعمق، لصالح الخروج من دوامة لا يستفيد منها، بحسب يوسي بيلين، غير «فئة 
(ضئيلة) من الفلسطينيين ترتزق من وجود السلطة، والحكومة الإسرائيلية، التي تتنصل من مسؤوليتها عن أوضاع الفلسطينيين، ولا تحقق السلام معهم».

عالم يتغير، وظروف تتعدل، وثمة خيار!
هذا الموقف الهزيل والبائس، الذي تُلزم السلطة نفسها به، يجيء في ظروف مستجدة بالغة الأهمية، وقد لا تتكرر، في أوقات متقاربة، وفي مدَيات منظورة، وإن كانت هنالك مؤشرات إلى أن التغيير في موازين القوى وارد، لا محالة، وذلك لأسباب عدة، بينها:
- الدعم الدولي الشعبي، وقد رأينا أعلاه بعض تجلياته...
- الحملة العالمية لمقاطعة إسرائيل، ونزع الاستثمارات فيها، وإنزال العقوبات بها، المعروفة بأحرفها الأولى، BDS،
- الثورات العربية، التي قد تقلب، في مدى زمني غير بعيد، موازين القوى، لغير صالح إسرائيل، وحُماتها الدوليين،
- التراجع في وزن الدولة الصهيونية، والأوهام الأخلاقية التي كانت معلقة عليها لدى كثيرين، (في الأوساط الشعبية، كما على صعيد الإنتليجنسيا)، في أوروبا وأميركا، وبلدان شتى، عبر العالم، بحيث بات كثيرون يعتبرونها تشكل تهديداً جدياً للسلام العالمي، ومن ضمن هؤلاء الكاتب الالماني، ذو الشهرة العالمية، والحائز جائزة نوبل للآداب، غونترغراس، في قصيدته: «ما ينبغي أن يقال».

وبالطبع، ليس لدى جماعة أوسلو من بديل من المفاوضات إلا المفاوضات، فيما تنتج إسرائيل، يوماً بعد يوم، أمراً واقعاً جديداً يتناقض بالكامل مع هذا المنظور، ويحبط كل رهانات الأوسلويين على دولة فلسطينية، قابلة للحياة، بجانب إسرائيل.

ولكن ثمة بديلاً شعبياً، بالضرورة، يُستحسن كسب الشعب الفلسطيني لصالحه، في الأراضي المحتلة، كما في بلدان الشتات، يتمثل بما يلي:

أ) التخلي النهائي عن منظور الدويلة الفلسطينية منزوعة السلاح، والفاقدة السيادة على نفسها، وعلى مواردها الطبيعية، ومياهها الجوفية، والمقطَّعة بالطرقات الاعتراضية، والمستوطنات الإسرائيلية، والمحرومة من السيطرة على عاصمتها التاريخية، القدس، والتي تشكل، في آنٍ، مدخلاً للتخلي النهائي عن حق العودة. على أن يكون ذلك لصالح منظور دولة لكل سكانها، على كامل فلسطين التاريخية، يعود إليها كل الفلسطينيين الموجودين في المنافي، الذين يريدون ذلك، ويتاح لهم أن يشاركوا، على قدم المساواة الفعلية مع سكانها الحاليين، في كل مناحي الحياة الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، وفي ممارسة كل الحقوق الديمقراطية، وذلك ضمن منظور دولة فلسطينية ديمقراطية شعبية، مندمجة في محيطها العربي، ومندفعة معه في منظور وحدوي، على طريق التحول الثوري نحو اشتراكية حقيقية، قائمة على التسيير الذاتي، والتطور الحر للإنسان والمجتمع، بعيداً من أي قهر، أو استغلال، أو استلاب.

ب) سحب الاعتراف، بالتالي، بالدولة الصهيونية، وباتفاقية أوسلو، وحل السلطة الناتجة منها، ووقف كل أشكال التعاون الأمني، مع العدو الصهيوني، وشتى أشكال التطبيع معه.

ج) استعادة مشروع المقاومة الشعبية والانخراط الحثيث، والمكثف، في انتفاضة ثالثة تقدم الثوراتُ العربية خلفيةً آمنة لها، ويقدم التضامن العالمي رافعة مؤثرة جداً لإمكانات تطورها ونموها، على أن تخلق هذه الانتفاضة أشكال التسيير الذاتي لحياة المنخرطين فيها، اي الغالبية العظمى من الشعب الكادح، والمظلوم، والمعرَّض للحرمان والإقصاء والعزل، ولشتى ضروب النفي، سواء داخل الوطن، أو خارجه، وذلك على الطريق لتحقيق المنظور المنوَّه به، في النقطة أ، الواردة آنفاً.

«هذا ما ينبغي أن يقال». إنه عنوان قصيدة غونترغراس، المنوَّه بها، في متن هذه المقالة. وهي القصيدة نفسها، التي يقول فيها: «لن أصمت بعد اليوم/لأني سئمت نفاق الغرب». وعلى غراره، يمكن، بعد 20 سنة على بدء مهزلة أوسلو الكارثية، أن نقول، نحن أيضاً، إننا لن نصمت بعد اليوم، ليس فقط لأننا سئمنا نفاق هذا الغرب عينه، الذي ساهم في إنتاج هذه المهزلة، وفي تقديم الغطاء لها، ومع هذا الغرب كل الأنظمة العربية، التي ارتاحت لإزاحة المسؤولية عن القضية الفلسطينية عن كاهلها، للتفرغ للمزيد من خياناتها، ومخازيها، والبرجوازية الفلسطينية الرثة الصاعدة، على أرضية ما قدمه لها اتفاق أوسلو من مجال للإثراء وممارسة أقصى الفساد، بل لأن مصير الشعب الفلسطيني، وباقي الشعوب العربية - وربما العالم بأسره – قد يكون يتوقف، أيضاً، على تجاوز الحلول الكاذبة من أمثال ذلك المتضمَّن في اتفاق أوسلو، في اتجاه ضمان إنجاز حل ثوري حقاً للمشكلة الفلسطينية، هو ذلك الذي أشرنا إلى جوهره، في النقاط الثلاث الواردة أعلاه.