لأجل يسار ثوري مستقل، حقاً، ولبنان ديمقراطي علماني جذري

العدد السابع - شباط ٢٠١٧
الدولة: 
لبنان
الملف: 
اليسار
تاريخ النشر: 
شباط (فبراير), 2017

قبل وقت طويل من توافق جناحي السلطة البرجوازية اللبنانية على انتخاب ميشال عون رئيساً للبلد، وما تلا ذلك من قيام حكومة جديدة برئاسة سعد الحريري، أنيطت بها مهمة أساسية هي الإعداد لانتخاب مجلس نيابي جديد، على اساس قانون انتخابي غير قانون ستينيات القرن الماضي، وفي العدد الخامس من مجلة «الثورة الدائمة»، الصادر في آذار/مارس من العام 2015، جاء في مقال بعنوان «أي لبنان ينبغي أن يظهر في نهاية النفق المديد الراهن؟» ما يلي:

“(...)على الرغم من عدم تعويلنا الجوهري، بتاتاً، على صفة تمثيلية حقيقية قد تكون تتميز بها المؤسسات البرجوازية المرتكزة على الانتخابات الشكلية، سواء منها الانتخابات النيابية، أو الرئاسية، أو البلدية، التي تتم بصورة دورية، كل عدد محدد من السنوات، فنحن نعتقد انه إلى حين يصبح وارداً اعتماد أشكال أخرى من الانتخابات تعكس تمثيلاً حقيقياً واعياً للغالبية الشعبية المنتجة، ويرتهن استمرار الهيئات المتولدة منها، او المنتخَبين/ات، الذين يصلون/ن إلى مواقع السلطة، بواسطتها، بمدى استمرار ثقة الناخبين/ات بمن سبق أن انتخبوهم/ن، ثمة فائدة جدية، لا بل ضرورة، لحدوث تلك الانتخابات، بصورة دورية منتظمة، ومن دون الإخلال بدوريتها الدقيقة، إلا في الحالات الاضطرارية القصوى. وهو ما يتكرر، لدينا، تجاهله، من جانب القوى الطبقية الحاكمة، والضرب به عرض الحائط، انطلاقاً من مصالحها الاجتماعية، والسياسية الضيقة، أو مصالح قوىً إقليمية أو دولية مؤثرة في الحياة السياسية، لدينا، وذلك في ازدراء صريح لإرادة المواطنين/ات”.

وبعد أن أوضح المقال ذلك، بالملموس، عبر عرض المماطلة المديدة في انتخاب رئيس للجمهورية، ومن ثم التأجيل غير الدستوري وغير القانوني للانتخابات النيابية، والتمديد، بالتالي، لمجلس فاقد لشرعيته، كما لتمثيله الشعبي، وذلك مرتين اثنتين، ورَدَ فيه المقطعُ التالي:

“ وفي الحالتين، الرئاسية، كما النيابية، بات من الواضح مدى الاستهتار بالأصول الدستورية، والقانونية، التي يتم التعامل معها بالكثير من الازدراء والإساءة إلى أبسط قواعد الديمقراطية، بفهمها الليبرالي الغربي”.

وفيما بعد، في كانون الثاني/يناير 2016، وبالتحديد في العدد السادس من المجلة نفسها، عاد فورد، في مقال بعنوان “المخاض العسير لثورة لبنانية قد تتأخر...”، ما يلي:

“ ليس ما يحصل منذ أيار/مايو 2014، من تأجيل متمادٍ لانتخاب رئيس للجمهورية، إنما يتم للمرة الأولى. بل هذه هي المرة الثالثة التي يتكرر فيها هذا الواقع، على امتداد الـ 27 سنة الأخيرة، مع انعكاسات ذلك السيئة جداً، ليس فقط على مشاعر جزء هام من سكان البلد، ووعيهم، بوجه أخص، في بلد لا يزال يتقاسم فيه الناس مواقع السلطة على أسس طائفية ومذهبية، بل كذلك على انتظام الحياة الدستورية والقانونية فيه، كما على استمرار الدولة، وتماسكها، في مرحلة من الفوضى القاتلة التي تعم المنطقة العربية، وتدفع بها إلى النزاعات المسلحة والحروب الاهلية، وتتهددها بالتشرذم والتمزق والتقسيم، ولا سيما في ظروف تتفاقم فيها شتى أشكال التدخل الخارجي، الإقليمي منه، كما الامبريالي العالمي، في مسعىً شرسٍ للحيلولة دون انتصار السيرورة الثورية التي بدأت في منطقتنا، منذ شتاء العام 2011. 

وقد أعقبت ذلك فقرة ثانية جاء فيها: « أما بخصوص الجانب الآخر المتعلق بالمجلس النيابي، وغياب أي صفة تمثيلية له، في ظل واقع تمديده غير المبرَّر لنفسه، مرتين، على امتداد السنوات القليلة الاخيرة، فهو أيضاً إنما يرتبط بواقع الدولة الرأسمالية اللبنانية المشوهة، في ظل العوامل التي أشرنا إليها أعلاه، ولكن  بوجه أخص في ظل التقاسم المستمر للسلطة السياسية فيه، على أساس طائفي. وهو ما سيبقى يعبر عن نفسه بمسعى البرجوازية المحلية لإنتاج قوانين انتخابية تؤبد هذا الواقع، بانتظار حدوث انتفاضة شعبية لاحقة، أكثر عمقاً وجماهيرية وشمولاً من تجارب سابقة كان آخرها ما حدث على امتداد الصيف الماضي (المقصود صيف العام 2015، خلال شبه الانتفاضة التي شهدها البلد، رداً على ما عُرف بأزمة النفايات)”. 

ولقد وجدنا أن هناك ضرورة للاستشهاد بما قرأناه أعلاه، لكونه يشكل مدخلاً مفيداً للتعامل مع تطورات المرحلة المستجدة من الحياة السياسية اللبنانية، بعد ما حدث في نهاية تشرين الأول/أكتوبر الماضي، على صعيد المنصب الأول، ضمن مؤسسات الدولة البرجوازية، وما تلا ذلك من أحداث يفترض ان تمهد لاستكمال «تجديد» تلك المؤسسات، عبر انتخاب برلمان يحل محل المجلس النيابي الحالي، الفاقد شرعيته، منذ العام 2009 بالذات. علماً بأن كل ما جرى، على صعيد الاستحقاق الدستوري الرئاسي بالغ الأهمية، بدت تفوح منه، بعمق، رائحة الألاعيب، والمناورات، والممارسات الفوقية، ذات البعد الطائفي والمذهبي، وذلك مذ «رعى» البطريرك الماروني، بشارة الراعي، في الفترة التي تلت بدء سريان مهلة انتخاب رئيس للجمهورية، العملية َ التوافقية، التي تم بموجبها حصر إمكانية مجيء مرشح ماروني للرئاسة الاولى بواحد من أربعة هم: ميشال عون، وسمير جعجع، وسليمان فرنجية، وامين الجميل، على أساس ان أياً من هؤلاء، دون سواه، يتمتع بالمواصفات الضرورية لتمثيل الموارنة.

اما الخطوة الثانية، وشبه الحاسمة، على الطريق إلى ما جرى في 31 تشرين الاول الماضي، فتمثلت بانسحاب أحد هؤلاء الأربعة، سمير جعجع، من المعركة الرئاسية، لصالح غريمه الماروني الاساسي، ميشال عون، وذلك في أواسط كانون الثاني 2016، في إطار تفاهمٍ – من الواضح أن الجانب الاهم فيه يتعلق بالحصص، والمصالح الحزبية، ذات الأبعاد الطائفية-المذهبية.  وهو تفاهم حمل تسمية المكان الذي تم إعلانه منه، ألا وهو مقر إقامة جعجع في قرية معراب الكسروانية، مثلما حصل بخصوص  الاستعانة برمزية مار مخايل، فيما بين حسن نصر الله وميشال عون، خلال توقيعهما تفاهم كنيسة مار مخايل- الشياح، قبل إحدى عشرة سنة. وقد شكل ذلك مقدمة بالغة التأثير للتطورات اللاحقة، التي حسمت، تقريباً، وبصورة إيجابية، حظوظ عون، وكان على رأسها انضمام الزعيم البرجوازي السني الأهم، سعد الحريري، إلى سيرورة مساندة معركة هذا الاخير الرئاسية، وضمان نجاحه فيها، مع ما عناه ذلك من تضافر دعم إقليمي بالغ الأهمية، هو ذلك القادم من الرياض، مع الدعم الحريري، في تعزيز فرص فوز عون. وفي كل تلك التطورات ، كان يذرُّ القرن َ عاملٌ بدا حاسماً، تقريباً، حتى الآن، في الحياة السياسية اللبنانية، ألا وهو العامل الطائفي.

الوحش الطائفي، متى يغادر مقدمة المسرح؟

صحيحٌ أن الفترة التي استغرقتها عملية إنتاج الحكومة الجديدة، التي كان لا بد من ان تحل محل حكومة تمام سلام، بعد النجاح في انتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية، لم تكن بالغة الطول، على غرار حكومات سابقة استغرق تشكيلها، أحياناً، خمسة أشهر، من مثل حكومة الحريري الاولى، قبل سنوات، أو ستة أشهر، كحكومة الميقاتي الثانية، أو اكثر من ذلك بكثير، كما الحال مع حكومة تمام سلام الأخيرة. ولكنها، على غرار سابقاتها، شهدت مداً وجزراً مثيرين للغثيان، خلال عملية الشد والإرخاء التي واكبت مسألة تقاسم الحصص الوزارية، فيما بين القوى والكتل والاحزاب، وكان العامل الطائفي والمذهبي، على امتداد كل ذلك، يلعب دوراً طاغياً، كما الحال، بوجه اخص، خلال تضافر ضغطي كل من حزب الله وحركة أمل، لاجل فرض حصول الحركة، مجدداً، على وزارة المال، من ضمن مسعاها لامتلاك مركز حاسم في السيطرة، داخل الحكومة، على موقع مهيمن، في قرارات صرف الاموال، كما في ممارسة أقصى ما يمكن من النهب، على الرغم من استحداث ما سمي وزارة دولة لمكافحة الفساد، ضمن حكومة سعد الحريري الثانية. وهي وزارة من المرجح أن يكون مصيرها مثيراً للشفقة، والإحباط، في الوقت عينه، على الرغم من النوايا الإصلاحية المعلنة للرئيس عون وتياره، وكتلته النيابية، التي تحمل تسمية “ التغيير والإصلاح!!”. وهي نوايا لا تبشرنا بقدرتها على الانتقال للتنفيذ، إذا ما أخذنا، بالحسبان، أولاً، تلازم أي إصلاح حقيقي يقضي بين ما يقضي عليه، على الفساد وأسسه، وجذوره الضاربة في عمق الحياة السياسية اللبنانية، مع ضرورة التخلص جذرياً من العقلية الطائفية المسيطرة، وما تقوم عليه من بنى سياسية واجتماعية، واقتصادية، في النظام اللبناني (وهو ما لا تبدو ثمة اي بشائر بخصوصه)، وثانياً، تجربة التيار والكتلة المشار إليهما، في الحكم، على امتداد السنوات الإحدى عشرة الأخيرة، وهي لا تختلف، لا من حيث الكم ولا من حيث النوعية عن تجارب باقي الكتل الطائفية والمذهبية الموجودة في السلطة السياسية لدينا، ولا سيما بعد ان حسم عون أمره، بعد عودته من المنفى الباريسي، في ايار/مايو 2005، لصلح الانخراط في التركيبة المحلية المهترئة، وبالتالي لغير صالح ادعاءاته العلمانية القديمة، التي لم يقيض لها ان تكون أكثر من حلم « نصف صيف»، بحيث لن نكون ظالمين، في حساب التوقعات، إذا كنا يائسين حقاً من ان تحدث معجزة ليس لها إلى الآن اي مقدمات على هذا القدر أو ذاك من الجدية والإقناع، ونحن نعني معجزة انسحاب الوحش الطائفي عن مقدمة المسرح.

في كل حال، سيكون معبراَ جداً عما تبقَّى من ذلك «الحلم» ما ستؤول إليه المساعي الحالية لإنتاج قانون للانتخابات النيابية من الواضح أنه العمل الأهم الذي تضعه على جدول الاعمال حكومة من المفترض ألا يزيد عمرها على أشهر قلائل. فلقد وردت في البيان الوزاري سلسلة واسعة من المهام التي تزعم حكومة الحريري الإبن أنها ستتنطح للتعامل الجدي معها – وهو ما سنتطرق إليه ولو ببعض العجلة، بعد قليل -، ولكن عملها الجدي الأساسي سيكون القانون المنوه به، قبل كل شيء، وفوق كل شيء. وهو ما  عبر عنه الرئيس عون بوضوح، في اجتماع الحكومة الحالية، قبل عيد الميلاد مباشرة، حين أكد على هذا الامر بالضبط، وفي الوقت ذاته، على مسألة الالتزام بحصول الانتخابات في موعدها.

ماذا عن القانون الموعود به؟

لقد راجت لبعض الوقت، خلال تشكيل الحكومة وبعده مباشرة، فكرة استحالة المجيء بقانون انتخابي جديد يتم بواسطته تجاوز قانون الستين، الذي تم اللجوء إليه، في الانتخابات الأخيرة، ولا سيما إذا كانت الحكومة الجديدة ستصر على عقد الانتخابات في موعدها الاصلي، في منتصف الربيع القادم. ولكن سرعان ما عاد الحديث، من جانب أطراف شتى في السلطة الراهنة، عن قانون جديد حقاً، تكثر الإشارة إلى انه سيكون مختلطاً، حسبما يدعو إلى ذلك كل من التيار الوطني الحر، ورئيس المجلس النيابي، نبيه بري، وبالتالي حركة أمل. ويعني الاختلاط انه من المرجح ان يجمع بين الشكل الاكثري - المعتمد للآن، في مختلف قوانين الانتخابات التي تم اعتمادها في لبنان، عبر حياته السياسية المعاصرة – والانتخاب على قاعدة النسبية، بحيث يكون عدد النواب  المنتخبين على القاعدة الاكثروية ثمانية وستين نائباً، وعدد اولئك المنتخبين على قاعدة النسبية ستين نائباً، بحسب واحد من الاقتراحات الاكثر تداولاً. هذا مع العلم بأن كلمة النسبية لم ترد بتاتاً في البيان الوزاري. وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام بهذا الخصوص.

ولكن من الواضح، إلى الآن، أنه أياً تكن طبيعة القانون الذي قد يفاجئنا به نواب لا يمتلكون اي شرعية تمثيلية، بعد ان مددوا لانفسهم، مرتين، في السنوات الاخيرة، من دون اي مبرر جدي (وهو ما تؤكده الانتخابات البلدية، في وقت سابق من السنة الماضية، التي لم تترافق مع اي مشاكل امنية جدية، وتمت بهدوء ملحوظ)، فسوف تتم الانتخابات، على اساسه، بحسب كل ما يرد على لسان الطاقم الموجود إلى الآن، في السلطة القائمة، وفق القيد الطائفي. وهذا يعني ان النسبية لن تخدم حتماً في تصحيح التمثيل النيابي، بقدر ما ستخدم استمرار البنى الطائفية، وهيمنة الانشطار الوطني، على اساسها. بمعنى آخر، سوف تساهم في تكريس الواقع البائس القائم، وبالتالي انعكاساته السلبية، لا بل المدمرة، على الحياة السياسية لدينا، وفي إعادة إنتاج البنى السائدة الموجودة، على بؤسها وتعارضها مع التطلعات المصيرية لجزء واسع من الشبيبة اللبنانية، المحكوم عليها بالبقاء في الإطار المؤسسي السائد، المفرط في العفونة والترهل، والذي يلزمها بالتفتيش عن مستقبل لها، خارج لبنان، وفي شتى بلدان الاغتراب، والهجرة، والمنفى، بدلاً من الحصول على شروط حياة كريمة في بلدهم الاصلي، حيث يكون في وسعهم المشاركة عن كثب في الحياة السياسية، والسعي لتغيير الواقع القائم، في اتجاه تقدمي، حقاً، على الطريق إلى لبنان ديمقراطي علماني ثوري.

والأدهى من كل ذلك ان ثمة تسريبات لافكار يجري تداولها في كواليس المجلس النيابي، والكتل النيابية، والاحزاب السياسية، عن إمكانية فرض قانون انتخابي يأخذ اشياء جوهرية من الاسوأ بين مشاريع القوانين الانتخابية التي سبق تداولها، إلى أيامنا هذه، أي مشروع القانون الأرثوذكسي. فهناك من يتحدث عن إمكانية إجراء الانتخابات على درجتين، فيتم انتخاب ابناء هذا المذهب او ذاك أكثر من مرشح للمقعد الواحد، في إحدى الدوائر، ليعاد انتخاب واحد من هؤلاء من جانب كل ابناء الدائرة المشار إليها، على اختلاف مذاهبهم. وهكذا دواليك. بمعنى آخر، إن ثمة حاجة قصوى لمتابعة ما يجري في تلك الكواليس، عن كثب، لاجل إعداد مواجهة مكثفة وقاسية حقاً لما قد يطلع علينا به نواب لا يمثلون أي حركة شعبية، واي جماهير فعلية، على المستوى الوطني، من قانون يتعارض في الجوهر مع مصالح هؤلاء، كما مع تطلعاتهم للخروج من المستنقع الطائفي- المذهبي، إلى رحاب مجتمع علماني ديمقراطي متقدم. وبالطبع، لا بد من إعادة الاعتبار للمطلب التاريخي المعروف الذي يتناسب مع هذا المنظور ويخدمه حقاً، أي الانتخاب على اساس لبنان دائرة واحدة ، خارج القيد الطائفي، وعلى اساس النسبية، بالضبط، بعيداً عن اي تصور، سواء لقانون على الأساس الاكثري، أو حتى لقانون على الأساس المختلط.

وبالطبع، فلقد ورد في البيان الوزاري أنه ستتم مناقشة اللجنة التي ستهتم بوضع مشروع القانون لموضوع اعتماد الكوتا النسائية، هذه المرة. ولكن ليس ثمة حتى هذا الحين أي تصور لنسبة هذه الكوتا، علماً بان ما اقدمت عليه الحكومة الحالية، حين تقرر إنشاء وزارة لشؤون المرأة، من تكليف رجل بتوَلِّي هذا المنصب (الوزير اوغاسبيان، بالمناسبة)، معبر جداً عن مدى استمرار الفكر الذكوري في الهيمنة، ضمنها. الامر الذي يتطلب اشد اشكال التعبئة ليس فقط في الوسط النسائي، بل ايضاً على الصعيد الوطني العام، لأجل فرض كوتا لا تقل عن 30 بالمئة من مقاعد المجلس (ويمكن ان تصل إلى النصف، كما في بلدان غربية شتى)، تماماً كما ورد في الاتفاقية العالمية التي تم إقرارها في المؤتمر النسائي العالمي المنعقد في العام 1996، في الصين، بهذا الخصوص، والتي وافق عليها لبنان.

حول التصور الغامض في البيان الوزاري لبعض المهام المستجدة

في كل حال، لقد ورد في البيان الوزاري، بالإضافة إلى إنشاء وزارة لشؤون المرأة، استحداث وزارات جديدة اخرى، كوزارة الدولة لحقوق الإنسان، ووزارة الدولة لشؤون مكافحة الفساد، وأخرى لشؤون النازحين. علماً انه ليس ثمة إلى الآن اي تصور علمي دقيق لدى الحكومة الراهنة للافكار التي سيتم على اساسها تنظيم عمل هذه الوزارات، وجهازها الإداري، واهدافها، ومبادئها. الامر الذي يستدعي النضال الشعبي لاجل الإسراع في جلاء هذه الامور، والقيام بما يلزم لتحويل هذه الوزارات إلى مؤسسات فعلية تخدم منظوراً متقدماً لما تم إنشاؤها لاجله. وهذا ما لا يمكن توقعه من الجهاز الحاكم الحالي، على الإطلاق، ومن ضمن هذا الجهاز الاِشخاص الذين تم تكليفهم بالحقائب الوزارية المستجدة، ويتطلب بلورة اليسار الثوري تصورات واضحة ومتقدمة حول هذه القضايا، والعمل على القيام بأوسع تعبئة شعبية من اجل وضع تلك التصورات موضع التنفيذ، من ضمن تعاطٍ جدي بشأنها مع الحكومة الحالية، والحكومات التي ستعقبها، في إطار تصور متقدم لبرنامج انتقالي يجب رفعه بمواجهتها، يكون في مقدمته موضوع التصفية النهائية للنظام الطائفي اللبناني، وإقامة دولة ومجتمع علمانيَّيْن ديمقراطيَّين متقدمَين.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، لا بد من الرفض المطلق لتصورات الحكومة الجديدة بخصوص اكتفائها بما تسميه مكافحة الفقر، والفقر المدقع، في حين ينبغي التركيز على المطلب الشعبي العالمي، واللبناني من ضمنه، بخصوص تحقيق العدالة الاجتماعية، على صعيد جملة من المطالب، بينها السلم المتحرك للاجور وساعات العمل، وذلك لكل الموجودين على الاراضي اللبنانية، بمن فيهم العمال والعاملات الاجانب، واللاجئون السوريون والفلسطينيون، نساءً ورجالاً. والضمانات الاجتماعية، ومنها الضمان الصحي وضمان الشيخوخة. والعمل الجاد لأجل القضاء على البطالة وتأمين العمل للجميع. وكل ذلك يطرح بالضرورة السعي الدؤوب لبناء القوى الشعبية، المنظمة في أحزابها ونقاباتها، وجبهاتها المتحدة، وذلك في النضال المواكب لأي حراك شعبي ينشأ بشكل عفوي، كما الحال في صيف العام 2015، او يتم حفز قيامه عبر النضال اليومي وسط حركة الجماهير.

بناء يسار جذري مستقل مهمتنا الأساسية

وبالطبع، فإن كل ذلك لا يمكن تصوره من دون العمل اليومي المثابر لبناء يسار جذري يحمل برنامجاً متقدماً، ومواقف ثورية حقاً، ليس فقط على المستوى المحلي، بل ايضاً على المستوى الإقليمي العربي، وابعد منه، كما على الصعيد الاممي، ولا سيما في ظروف ما شهدته المنطقة العربية في السنوات الاخيرة من انتفاضات تلتها اندفاعة الثورات المضادة لتصفية انتفاضة شعوبها. وبالطبع، فمن ضمن ذلك مسألة الموقف ضد الحكومات الرجعية والاستبدادية العربية، وفي مقدمتها النظام السوري. كما يحمل تصوراً متقدماً عن التحالفات، بحيث لا يكرر المواقف البائسة والمدانة للاحزاب الستالينية، سواء في البلدان المحيطة، ومنها إيران وتركيا، أو على الصعيد العالمي، ومن ذلك مواقف هؤلاء البائسة والمخزية، تضامناً مع النظام القائم في دمشق.

ونحن سنختم هذا المقال بما يمكن ان يصلح لوضعنا في لبنان، كما في كامل المنطقة العربية، وابعد منها. وقد أورده صاحب كتابَي، «الشعب يريد»، و»انتكاسة الانتفاضة العربية»، جلبير الأشقر، في مقابلة قديمة أجريت معه في آذار 2011، أي “في صميم الأشهر الأولى التي استحقت تسمية «الربيع العربي»، وعندما كان الحراك في سورية في بدايته”. ومن بين ما جاء فيها، كشرط لبناء اليسار نفسه، وعدم ابتلاع قوى الثورة المضادة له:

“أن يكون اليسار وفياً حقاً لكامل القيم التقدّمية واليسارية [يعني] أن يكون أولاً وفياً بشكل  كامل وبلا تجزئة للديموقراطية، بما في ذلك نقد كافة الأنظمة الدكتاتورية، حتى تلك التي تقف في مواجهة الإمبريالية الأميركية أو الصهيونية، اذ كفانا سكوتاً عن الدكتاتورية بحجة الوطنية، وبالمقابل سكوتاً عن التبعية للإمبريالية بحجة الديموقراطية. وبالتالي أن يكون اليسار، ثانياً، جذرياً في تصدّيه للإمبريالية والصهيونية، وفي نضاله من أجل فك التبعية  الاقتصادية والعسكرية والسياسية، وقادراً على إعادة رفع راية التوحيد القومي العربي بعد سقوطها في العقود الأخيرة، وأن يكون كذلك مدافعاً بصرامة عن حقوق الأقليات القومية والإثنية الموجودة في المنطقة العربية. وأن يكون، ثالثاً، وفياً لمعركة تحرر النساء –وأشدّد  هنا على تعبير «تحرّر» (بالقوى الذاتية أولاً) بتمايزه عن «تحرير»– وكذلك وفياً للنضال من أجل العلمانية، بمعنى فصل الدين عن الدولة، وهي شرطٌ أساسيٌ لا ديموقراطية حقيقية بدون توفّره. وأن يقف، رابعاً، في طليعة النضال ضد الاستغلال، ومن أجل مصالح الجماهير  الكادحة الآنية في تحسين شروط عيشها، ومصالحها المستقبلية في تحقيق المساواة الاجتماعية. إن الوفاء لهذه الأبعاد مجتمعةً بلا إنقاص ولا إغفال تحت شتى الحجج «المرحلية»، هو الشرط الذي بدونه لا مجال لليسار ليبني نفسه بديلاً عن الأوضاع القائمة”.