روجافا، وحزب الاتحاد الديموقراطي PYD، وتقرير المصير الكردي، في سوريا

العدد السابع - شباط ٢٠١٧
الدولة: 
سوريا
الملف: 
المسألة الوطنية والقومية
تاريخ النشر: 
شباط (فبراير), 2017

 

بات أكراد سوريا، أي كردستان الغربية (روجافا) فاعلين لا يمكن تجاهلهم في سيرورة الثورة - الثورة المضادة، الحرب الأهلية - تقرير المصير، المركَّبة، الجارية في سوريا. فحزب الاتحاد الديمقراطي سبق أن سيطر، فعلياً، على المناطق المحاصرة، في كوباني/عين العرب، أولاً، ثم عفرين والجزيرة، بعد انسحاب قوات نظام الاسد، في تموز/يوليو 2012، وأعلن الحكم الذاتي في تلك المنطقة، في يناير/ك2 2014، كرد على عدم دعوته إلى مؤتمر جنيف الثاني. ولكن مع حصار داعش لكوباني، بصورة رئيسية، والمقاومة الجريئة التي أبدتها وحدات الحماية الشعبية (و.ح.ش.)، ولا سيما من جانب النساء المقاتلات في صفوف هذه الوحدات، حصلت القوات المرتبطة بالحزب الديمقراطي، وتجربة الحكم الذاتي في روجافا، على الشرعية، وباتت تتمتع بالدعم على المستوى العالمي. وكما نعلم، جرى كسر حصار كوباني، في الأخير، بإسنادٍ من مناضلين أكراد واتراك تجاوزوا الحدود التركية- السورية بالقوة، ومن قوات البيشماركه العراقية، وبالتأكيد من الضربات الجوية بواسطة الطيران الحربي الأميركي. ومذاك، فإن قوات سوريا الديمقراطية (ق.س.د.)، التي تعتبر وحدات الحماية الشعبية، ضمنها، القوة العسكرية الرئيسية، والتي تحظى بدعم الولايات المتحدة، وإلى حد ما بدعم روسيا، تلعب دوراً أساسياً في الحرب ضد داعش.

وسوف نحاول أن نعرض باختصار، في هذا المقال، جذور حزب الاتحاد الديمقراطي السياسية، ومكانته في الحركة الوطنية الكردية، في سوريا، وخطه الإديولوجي، ومواقفه في الثورة، فضلاً عن الترتيبات الرئيسية لسيرورة تقرير المصير الجارية في روجافا، وصعوباتها.

الحركة القومية الكردية، في ظل البعث

تمثل الحركة القومية الكردية، في سوريا، مشهداً مشرذماً، بشدة. فكثرة الأحزاب تتخطى من بعيد ما تمكن رؤيته، في سائر أجزاء كردستان. وإذا كان من الصعب أن نلاحق التجمعات والانشقاقات الدائمة، يمكننا، بلا ريب، أن نؤكد وجود حوالى 15 حزباً كردياً ناشطاً، حالياً. ومعظم هذه الاحزاب متحدرة من الحزب الديمقراطي لكردستان سوريا PDKS، الذي تأسس في 1957، وسرعان ما ظهرت فيه اتجاهات إلى اليمين، وإلى اليسار، انشقت عنه لتشكل احزاباً متمايزة، في حوالى العام 1965. إن التطورات التكتلية في أحزاب العراق الكردية- مأخوذة ً كـأمثلة -، وظروف النشاطات السرية، والاتهامات بالتعاون مع النظام، والاختراقات والتدخلات من جانب أجهزة الاستخبارات، جعلت الانشقاقات تتواصل. وكانت الاختلافات الاساسية تأتي بشكل رئيسي من اللهجة المستخدمة حيال النظام، ومن المطالب السياسية، التي كانت تتراوح بين الاعتراف بالحقوق الثقافية، واللغوية، والحصول على المواطنية، من جهة، والاعتراف الدستوري بالاكراد كأقلية، من جهة أخرى. غير أنه من المهم ان نشير إلى أنه لم تتم المطالبة يوماً بالحكم الذاتي، قبل العام 2011( إذا استثنينا حزب ييكيتي). فلنشر مع ذلك إلى أن المواطنية هي مسألة أساسية، بما انه، بعد الإحصاء الاستثنائي الذي جرى في 1962، تم سحب الجنسية من أكثر من 120 ألف كردي، وتصنيفهم كـ«أجانب» جرى إعطاؤهم بطاقة أحوال شخصية خاصة، كـ«مكتومين» غير مسجلين، ومن دون بطاقة هوية، ومن دون حقوق...

هذه التعددية الحزبية أدت إلى حالات إعادة تجمع، في ثمانينيات القرن الماضي. هكذا، أعادت الاحزاب القريبة من تيار جلال الطالباني العراقي-الكردي التجمع في التحالف الديمقراطي الكردي، في سوريا، («هيفبندي»)، في حين شكلت تلك المرتبطة بمسعود البرازاني الجبهة الديمقراطية الكردية، في سوريا («إينيا»). وبين الأحزاب غير المتحدرة في الأصل من الحزب الديمقراطي لكردستان سوريا، علينا، بالطبع، بادىء ذي بدء، أن نذكر الPKK، أو حزب العمال الكردستاني، وشقيقه حزب الاتحاد الديمقراطي PYD، الذي تأسس في العام 2003. وكان قائد الPKK، عبد الله أوجلان، وكامل تنظيمه، قد استفادا من دعم حافظ الأسد – في إطار خصومته مع جاره التركي -، حتى نهاية تسعينيات القرن الماضي، إذ كانت معسكرات حزب العمال الكردستاني قد أقيمت في سوريا منذ بداية الثمانينيات. هكذا لم تكن المسألة الكردية في سوريا على جدول أعمال الPKK، وفقط بعد أن كفَّ  النظام السوري عن إيواء أوجلان، وتأسيس ال PYD، بدأ هذا الأخير يهتم بالسياسة السورية. وكان هناك حزب هام آخر هو حزب مشعل تمّو، حزب المستقبل الكردي، الذي تأسس في العام 2005، وأعطى الاولوية للتعاون مع المعارضة العربية، في مطلع الثورة السورية، ولكن اغتياله وجَّه ضربة صارمة لحركته، التي تعرضت للانشقاقات. أما حزب الوحدة الكردي السوري، المعروف باسم ييكيتي، والمنبثق من اندماج عدة مجموعات – من بينها تيار تروتسكي صغير كان ينسب نفسه إلى الاممية الرابعة في الثمانينيات، ويقوده الشاعر مروان عثمان (1)- فتنبغي الإشارة إليه، أيضاً، كقوة يسارية في المروحة السياسية الكردية. وتدخُّل ييكيتي السياسي، الاكثر انفتاحاً، والاكثر جذرية، الهادف لتعبئة الجماعة الكردية، ليس فقط في روجافا، بل بصورة مباشرة في العاصمة – مع برنامج «صراع طبقي» – انطلاقاً من 2002، غداة ربيع دمشق القصير، كان هاماً على مستوى المواجهة مع النظام، والتسيُّس الذي أفضى إلى تمرد القامشلي (2).

من الانتفاضة الكردية إلى الثورة السورية

كان تمرد القامشلي، في العام 2004، حدثاً أساسياً، إذاً، وقد جرت الإشارة إليه ايضاً على انه الانتفاضة الكردية، حيث خرج، للمرة الاولى، بعد مواجهات مع مناصرين قوميين عرب، خلال مباراة بكرة القدم، وقمعٍ صارم من جانب رجال الشرطة، آلافُ الاكراد إلى الشارع، ليؤكدوا هويتهم الكردية، ويطالبوا بحقوق المواطنية. ولم تقتصر الانتفاضة على القامشلي، أو منطقة روجافا، بل سرعان ما بلغت احياء حلب ودمشق الكردية. وقد جرى قلب تماثيل للأسد الاب، وهوجمت مفوضيات للامن، ومؤسسات عامة، ومراكز لحزب البعث.

وخلال ذلك التمرد، بالضبط، شهدنا، للمرة الاولى، على امتداد عشرة ايام، تعبئة شبيبة كردية جذرية ومستقلة عن الاحزاب القومية الكردية التقليدية، وهي التعبئة التي سنراها في اوائل ايام الثورة. وبجانب هذه الشبيبة المتجذرة، ينبغي أن نوضح أن ييكيتي والPYD هما اللذان كانا رأس حربة التحركات، (كانت قناة التلفزيون المرتبطة بال PKK، روج TV ، تدعو للانتفاضة بشكل مكشوف). ولكن قمع النظام كان شرساً. وقد تشكلت منظمات شبيبة غداة التمرد، وأخذت مسافة من النزعة السلمية لدى الأحزاب التقليدية، مع اتخاذها أحياناً توجهاً نحو الكفاح المسلح، من دون الانتقال مع ذلك إلى التنفيذ. كما أن منظور الاستقلال الذاتي انتشر وتقدم في الضمائر، بمواجهة مطلبي المساواة في الحقوق، والمواطنية، اللذين كان يدافع عنهما التحالف والجبهة (3).

وخلافاً لما يعتقد البعض، فإن التحركات العفوية الأولى في 2011، في الكردستان السوري، تمت في وقت مبكر، في نهاية آذار/ مارس، ولاسيما في مدينة عامودا، ثم في سيريكانيه.وإذا كان حاول بشار الأسد تهدئة الوضع، بقبوله إعطاء الجنسية للأكراد الذين يحوزون وضع «الأجانب» (وليس اولئك الحائزون وضع «المكتومين»)، فذلك لم يكن كافياً لإرجاع الشبيبة الكردية إلى بيوتها. وكما حصل في باقي انحاء البلد، تشكلت لجان تنسيق، ولعبت حركة الشبيبة الكردية ، التي تأسست في عز احداث 2004، دوراً تعبوياً هاماً.

على مستوى الاحزاب، كانت تلك التي شاركت في المظاهرات، منذ البدء، وبصورة رئيسية، حركة المستقبل، وييكيتي، وحزب الحرية الكردي («أزادي»). وكان مشعل تمو، زعيم حركة المستقبل، الوحيد الذي شارك في المجلس الوطني السوري، الذي تأسس خلال مؤتمر اسطمبول، في شهر تموز/يوليو. وقد كان من شأن هذا الموقف ربط علاقات بين المعارضتين السورية والكردية، لولا اغتيال تمو في ت1/أكتوبر 2011. وقد تحولت جنازته إلى مظاهرات هائلة في القامشلي، وسرَّعت تلك التعبئات إعادة تجمع الاحزاب الكردية المتحدرة من الحزب الديمقراطي الكردي السوري (ح د ك س)، التي التحقت اخيراً بالتمرد، وشكلت، تحت رعاية مسعود البرازاني، المجلس الوطني الكردي السوري(م و ك س)، الذي انضمت إليه كذلك ييكيتي، وأزادي. هكذا كان ذلك اوسع إعادة تجمع للحركة الوطنية الكردية في سوريا.

وقد بقي حزبان فقط خارج ذلك، وهما حزب تمو، الذي استمر عضواً في المجلس الوطني السوري، وحزب الاتحاد الديمقراطي. وهذا الاخير، الذي كان يقف خارج الانتفاضة التي كانت تهز البلد بكامله، والمنطقة الكردية ايضاً، كان قد أسس منذ شهر أيلول/سبتمبر، تنسيقاً لمختلف الأحزاب العربية البعثية اليسارية («الماركسية»، «الشيوعية»، «اللينينية») وحزب أرامي- مسيحي. وكان توجهها بالأحرى هو للتفاوض مع النظام بهدف الحصول على مكاسب ديمقراطية، ومن دون وجود منظور لإسقاط النظام، ومن دون المخاطرة، وفقاً لها، بفتح الباب امام حرب أهلية. وهكذا خرج من السجن مئات من مناضلي حزب الاتحاد الديمقراطي ، في الوقت ذاته الذي تم فيه الإفراج، أيضاً، عن المناضلين الجهاديين.

وفي حين اتهم حزب الاتحاد الديمقراطي المجلسَ الوطنيَّ الكردي السوري بأنه يلعب لعبة تركيا، (بسبب العلاقات بين البرازاني وانقرة)، والمجلسَ الوطني السوري الذي لم يعط أي ضمانة لحقوق الشعب الكردي، اختار هكذا «طريقاً ثالثاً». وعبر حركته لمجتمع ديمقراطي(تيف-ديم) يضم الأحزاب وجمعيات المجتمع المدني، المرتبطة به، اعلن تأسيس المجلس الشعبي لغربي كردستان(روجافا)، الذي سوف يشكل البنية الإدارية الوحيدة، في روجافا، بعد أن فرض إشرافه عليها كل من حزب الاتحاد الديمقراطي (ح ا د) ووحدات حماية الشعب(و ح ش ) بعد انسحاب قوات النظام (4).

حزب الاتحاد الديمقراطي (ح ا د) والكونفدرالية الديمقراطية

إن تأسيس (ح ا د) نتج من ميل إلى نزع مركزة حزب العمال الكردستاني، بالتوازي مع تغيير جذري في المنظور السياسي من جانب أوجلان. فقبل توقيف زعيم الحزب، في العام 1999 بقليل، كان قد تخلى عن الهدف المتمثل بكردستان مستقلة وموحدة(الذي بات ينطوي، بالنسبة إليه، مذاك، على «نزعة محافظة»)، واقترح هدفاً استراتيجياً جديداَ يقوم على اطروحته المتعلقة بقيام «جمهورية ديمقراطية». وهذه الاطروحة، التي صاغها اوجلان، على الأرجح، بهدف بدء مفاوضات، كان يقترح فيها حل المسألة الكردية عن طريق دمقرطة تركيا، من دون تغيير في الحدود. هكذا اقتصرت الأهداف على الاعتراف بالأكراد من جانب الدولة، واحترام حقوقهم الثقافية (فضلاً عن الإفراج عن المساجين والسماح للمقاتلين بالعودة إلى الحياة المدنية).

مع ذلك، لقد بدا سريعاً أن الأمر لا يتعلق بمسألة التفاوض من جانب الدولة. زد على ذلك أنه مع توطيد وضع المنطقة الكردية ذات الحكم الذاتي في العراق، بعد التدخل الأميركي، باتت كردستان الجنوبية (الخاصة بالعراق) والحزب الديمقراطي الكردستاني، الخاص بالبرازاني – الخصم التاريخي للPKK (ح ع ك) - قطباً جاذباً للشعب الكردي. كان منظور حل للمسألة الكردية يقتصر على دمقرطة النظام التركي ينطوي على مخاطرة سياسية فعلية ل(ح ع ك). لذا كان على اوجلان ان يعيد إحداث تغيير في الاستراتيجية، آخذاً بالحسبان كل أجزاء كردستان (5). إن تأسيس (ح ا د)، في سوريا (2003)، وتأسيس حزب الحياة الحرة الكردستاني، في إيران(ح ح ح ك)، في العام 2004، فضلاً عن المشروع السياسي الذي كان سيتخذ لاحقاً اسم الكونفدرلية الديمقراطية، يَنتُج من هذه المقاربة. فهذا المشروع، ومشروع الحكم الذاتي الديمقراطي المكمل له، على المستوى المحلي، يستلهم كثيراً دراسات المنظِّر الاشتراكي التحرري، موراي بوكشين (الذي انتمى إلى الحركة التروتسكية في ثلاثينيات القرن الماضي، في الولايات المتحدة الأميركية). فبعد إعادة بوكشين النظر في الماركسية، أحلَّ محلَّ التناقض بين رأس المال والعمل التناقض بين رأس المال والإيكولوجيا، واقترح خوض معركة مناهضة للرأسمالية تهدف إلى فرض اللامركزية في المدن، وإنتاجاً محلياً للغذاء، واستخدام مصادر طاقة متجددة. وفي مشروع بوكشين البلدي communaliste، هذه المدن الصغيرة المحكومة ذاتياً، والتي تديرها مجالس ديمقراطية، قد تشكل فيما بينها وحدات كونفدرالية لحل المشكلات التي تتجاوز حدود كومونتها (6). بيد انه في كل النصوص البرنامجية التي وضعها الPKK، وكتابات اوجلان، فإن ما قد تتناسب معه هذه الفِكَر في التطبيق، يبقى غير محدد كفاية ً: هل سوف يتعلق الأمر باتحاد الأحزاب والتجمعات، وغيرها من المنظمات المرتبطة بالPKK، أو أنه مشروع اشد اتساعاً وشمولاً؟ هل هو مشروع متعدد الإتنية لكل شعوب الشرق الاوسط، أو هو مشروع لكردستان بطلُه الشعب الكردي؟ هل يعني الحكم الذاتي تعزيزاً للإدارات المحلية الموجودة، أو المقصود حزب سياسي اكثر هدماً؟ (7) ويمكن مضاعفة الأسئلة، لا سيما على صعيد الوسائل التي ينبغي استعمالها للفوز بالحكم الذاتي، والعلاقات مع الدول المعنية، ناهيكم عن العلاقات بنمط الإنتاج الرأسمالي...

وكما يذكر أليكس دو جونغ في مقاله الممتاز حول التطورات الإديولوجية التي عرفها (ح ع ك )، تنطوي كتابات اوجلان ونصوص (ح ع ك)، الذي يضطلع اوجلان بدور «لسان حاله النظري- الإديولوجي الأعلى»، بحسب أنظمته - على «احتمال الغموض»، وهكذا يمكن ان نعثر على اي نوع من الأجوبة عن هذه الأسئلة، مع كل ما قد يترتب على ذلك من اضرار. إن طابع مشروعه السياسي، الملتبس وغير المكتمل، يمكن ان يتكشف عن فائدة، وان ينفتح على تأويلات أشد اتساعاً (8). ولكن خارج ذلك، نستخلص من هذه النصوص(ومن ممارسة المنظمات المرتبطة بالPKK)، نقطتين اساسيتين، هما رفض الدولة- الامة (التي تحل محلها «الامة الديمقراطية»، وهي مفهوم ملتبس، مرة اخرى)، واهمية الحفاظ على البيئة وتحرر المرأة (الذي يستند احياناً إلى مماهاة المرأة والطبيعة والحياة)، وهو ما نجده في ميثاق روجافا.

روجافا، إمكانيات وتناقضات

إن نموذج الإدارة الوارد في الميثاق، أو «العقد الاجتماعي» الخاص بروجافا (2014) – الذي بات اسمه، من الآن وصاعداً، نظام شمال سوريا وروجافا الفدرالي الديمقراطي – يذهلنا بسبب تشديده على أهمية الديمقراطية («تقرير المصير»)، وحقوق النساء والأطفال، وحماية البيئة، والعلمانية، وبالتأكيد طابع المنطقة متعددة الإتنية. ففي إقليم تتحكم بأجزائه المختلفة داعش، وعصابتا النصرة وأحرار الشام الجهاديتان، ونظام الاسد الدموي، ليس ذلك امراً تافهاً. والعقد الذي يزعم أنه يلقى القبول من كل من الشعوب، الكردي، والعربي، والأرمني، والسرياني (الأشوري والكلداني والارامي)، والتركي، والشيشاني، يرفض الدولة-الأمة، والدولة الدينية، والعسكرية، والإدارة المركزية، ويعلن عن نفسه كجزء من سوريا برلمانية، واتحادية، وتعددية، وديمقراطية.

إن بُعد نظام روجافا، متعدد الإتنية، الذي أفضى إلى تعديل اسمه (كان اوجلان اقترح أن يكون، بالضبط، «فدرالية سوريا الشمالية») (9)، تعرض للانتقاد من جانب تيارات قومية موجودة في المجلس الوطني الكردي السوري (م و ك س).هكذا اعتبر الامين العام للحزب التقدمي الديمقراطي، أحمد سليمان، في مقابلة اجريت معه في ك2/يناير 2015، ان الامر لا يتعلق بـ«مشروع للاكراد. فالحكم الذاتي الديمقراطي تأسس مع العرب، والسريان والشيشانيين. لا يمكننا حل المسألة الكردية، بهذه الطريقة. على شعبنا ان يفهم ان ما أسسوه لن يكون ملكاً للأكراد». وضد هذا المنظور، المتمثل في إدراج مختلف الإتنيات في سيرورة بناء الحكم الذاتي، دافعت بعض احزاب الم و ك س، على سبيل المثال، عن نقل السكان العرب الذين سبق ان جرى جعلهم يستقرون، في ستينيات القرن الماضي، في روجافا، في إطار سياسة «الحزام العربي»، آنذاك (10).

هذا العقد، إذا كان مقتصراً بشكل رئيسي على البنية الإدارية، فالميثاق الذي تبنته، سابقاً، تيف ديم، في 2013، وهو اكثر تفصيلاً، كان يعكس أكثر الروح التحررية البوكشينية الخاصة بأفكار أوجلان، التي الهمت بشدة نموذج الكونفدرالية الديمقراطية. فمثلاً، جرى تعريف الكومونات على انها أصغر وحدات المجتمع واكثرها فعالية. وهي تتشكل، وفقاً لمثال المجتمع الذي تسود فيه قيم حرية المرأة والديمقراطية البيئية، على قاعدة الديمقراطية المباشرة». والمنظومة الاقتصادية الكومونية يتم اعتبار أن ما يسود فيها إنما هو فكرة العدل الاجتماعي، وانها تهدف لإلغاء كل اشكال الاستغلال. ف»بيوت الشعب» تعمل على « ولادة ثقافة الديمقراطية الكومونية».

بيد أنه لمن دواعي الأسف انه ليس كافياً ان نكرر عبارة الديمقراطية لكي تعمل هذه الاخيرة من دون عوائق. لأن الامر يتعلق الآن بديمقراطية ... من دون انتخابات. وإذا كان المديح يكال للتعددية، على مستوى شتى الجماعات الإتنية، فبُعدها السياسي غائبٌ، بالأحرى. وان يكون العقد الاجتماعي يحدد وحدات حماية الشعب على انها قوات روجافا المسلحة، إنما يعكس تماماً واقع أن (ح ا د) ليس ميالاً لتقاسم الإشراف على الاراضي التي يديرها. وفرض إديولوجية أوجلان مرئي ايضاً، على صعيد التربية. فكل مُدَرِّسي المدارس الابتدائية، أو غيرها، يجب ان يمروا سلفاً بتكوين يستند إلى نصوص اوجلان، ومثلاً، في محافظة الجزيرة، إلى كتب مدرسية ابتدائية حيث توجد كلمات لأوجلان، وكتابات عن حياة شهداء حزب العمال الكردستاني (11). ولكن إذا استثنينا هذه الامثلة على فرض إديولوجية رسمية، منذ سن الطفولة (وهو واقع شبيه، بصورة غريبة، بالتجربة الكمالية، في تركيا)، لقد جرى مراراً فضح الممارسات التسلطية حيال الاحزاب الكردية الاخرى والجماعات الإتنية الرافضة لسيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي. ولقد حصلت حركات احتجاج ضد ح ا د، وممارساته، ولا سيما في عامودا ودرابيسيات، في 2013، ولم تتردد قوات الامن المرتبطة بح ا د («الأسايش») في إطلاق النار على الجمهور، متسببة بوفاة العديد من المتظاهرين (12). وفي تاريخ أقرب إلينا، في آب/أغسطس 2016، كان توقيف حسن صالح، زعيم حزب الييكيتي، عملاً مؤسفاً. وصالح كان قد اعتقل، في السابق، على مدى عام ونصف، في العام2003، على يد النظام السوري، مع مروان عثمان، وجمع إطلاق سراحهما موكباً سار لمسافة 4 كلم، بمشاركة عدة آلاف من الناس (13)... زد على ذلك أن واقع انسحاب النظام(جزئياً) من روجافا، من دون اي نزاع مسلح، مع تركه قسماً كبيراً من مدفعيته وذخائره، وانه يستمر في الإشراف على المطار، ومحطة القطارات، ومنشآت تابعة للدولة، ويسيطر على معسكر إلى الجنوب من القامشلي، ولا يزال موجوداً في الحسكة، وانه يدفع للآن رواتب المدرسين(ما عدا مدرسي صفوف اللغة الكردية)، كل ذلك إنما يتم اعتباره علامات تعاون من جانب المعارضة مع الدولة السورية. وإذا لم يكن يمكن استبعاد أطروحة نوع من المساومة حول انسحاب الجيش السوري، بين(ح ا د) والنظام، المهتم بعدم مضاعفة جبهات القتال، يبدو لنا من الصعب الكلام على تحالف بين الطرفين، كما تبيِّن ذلك النزاعات الاخيرة بين قوات روجافا(وحدات حماية الشعب، والاسايش) وقوات النظام، الحاظية بدعم الميليشيات الاسدية، فضلاً عن قصف الاحياء المدنية في الحسكة، بواسطة الطيران الحربي السوري.

هذا وإن الوضع من التعقيد بحيث حصل الPKK-PYD، للمرة الأولى، على فرصة منافسة خصمه التاريخي في شمالي العراق، عبر تشكيله «دولت»ه الخاصة به، وبنية إدارية سيدة، مع حدود لا تزال متغيرة، في الوقت الراهن. وقد اتاح واقع ظهور روجافا تحكم نفسها بنفسها، مع تعزيز هذه الصورة بمعركة كوباني/ عين العرب البطولية (التي باتت تشكل اسطورة مؤسِّسَة لحزب العمال الكردستاني)، أتاح للتنظيم، المبتور بأسر زعيمه، وبسنوات من التفاوض سدىً مع الدولة التركية، انتهت بحمام دم، أن يفتتح وصلة جديدة من تاريخه.

المعسكرية والثورة الدائمة

ليس لدى الماركسيين الثوريين ترف الخضوع لتجربة تَبَنِّيهم ، وهم مرتاحون، تحليلاً معسكرياً، مع اتخاذٍ لموقفٍ ينبع منه. والمعسكرية، بمعناها الكلاسيكي، تشير إلى واقع إعطاء الدعم، في مراحل توترات ونزاعات جيوسياسية، لأحد المعسكرات المتواجهة، ضد المعسكر الثاني، المنظور إليه كشر مطلق، وذلك من دون أن تؤخذ في الحسبان علاقات السيطرة الطبقية ضمنه. والجدال حول المعسكرية يتناول بشكل رئيسي دعم قوى اليسار، خلال الحرب الباردة، الكتلة الشرقية أو الكتلة الغربية، وذلك على التوالي، باسم العداء للإمبريالية أو باسم الديمقراطية. وهكذا تقاطب يحصل اليوم بخصوص النزاع الأوكراني، وبوجه اخص المسألة السورية، بين الولايات المتحدة/الاتحاد الاوروبي وروسيا. والموضوع، في حالتنا، هو الدفاع، في إطار السيرورة المركبة في سوريا، وفقاً للذهنية المعسكرية نفسها، عن احد المعسكرين المتقابلين، أي عن الأكراد في مشروعهم للحكم الذاتي، أو عن الانتفاضة ضد النظام، من دون أن تؤخذ في الحسبان السيرورة الأخرى، عبر إيلائها اهمية ثانوية، أو وضعها في موقع معاكس. هكذا لا يمكننا ان نعزل سيرورة تقرير المصير الكردية عن ديناميات الانتفاضة السورية، والتوجه بنظرة غير نقدية إلى الPYD-PKK، عبر الحكم بثانوية الممارسات التسلطية، والإساءات للحقوق السياسية، التي تقوض أسس مشروعه الديمقراطي. ولكن لا يمكن كذلك ان نتصور رفضنا ان نأخذ بالاعتبار السيرورة الجارية في روجافا، مع ابعادها التقدمية حقاً- وهي ابعاد ليس لها نظير في كامل المنطقة – أو تقليلنا من اهمية الطاقات التحريرية التي تنطوي عليها، عبر الاحتجاج بالعلاقات (المتطورة باستمرار) مع النظام، أو العلاقات بالولايات المتحدة- التي تتضمن حصتها من المخاطر -، فضلاً عن التناقضات التي سبق ان اشرنا إليها. وإذا كانت قيادة روجافا مسؤولة، بالطبع، عن افعالها وتحالفاتها، يجب مقاربة كل تناقضاتها ايضاً في إطار النزاعات التاريخية البَيْ-إتنية، بين الكرد والعرب في المنطقة، والخصومة بين مختلف قيادات الشعب الكردي. ليس لدينا اي خيار غير النظر للمسألة بكل تعقيدها، والقيام بمقاربة نقدية وبناءة في الوقت عينه (14). وهي مقاربة ينبغي ان تقوم على رؤية وحدة المصالح لدى الطبقات الكادحة الكردية، والعربية، ومن باقي شعوب المنطقة، وبالتالي تراكب سيرورتي تقرير المصير والثورة.

ليس ثمة جديدٌ في ذلك، والحجة الرئيسية الخاصة بالمنظور الاستراتيجي للثورة الدائمة، كما صاغه ليون تروتسكي، غداة الثورة الروسية، في العام 1905، ولكن الذي حدد- لا سيما بغيابه – مجرى كل الانتفاضات الثورية، من الثورة الفرنسية إلى «الربيع العربي»، توضح هذه الضرورة. فالسيرورات الثورية التي يكون موضوعها هو التحرر الوطني وإقامة نظام ديمقراطي، تضعف وتفشل في الأخير، إذا لم تتخَذ تدابير تجميعية، ومعادية للرأسمالية، إذا لم تؤخذ بالاعتبار تطلعات الطبقات الشعبية- التي يكتسب دعمها الاولوية – وتم بالتالي تخييب آمالها. وكذلك حين لا تحترم حركات تهدف لإحداث تغيير جذري، مساواتي وتحرري، للمجتمع، المبادىء الديمقراطية، فوق الاراضي التي تسيطر عليها، ولا تعترف بحق تقرير المصير للشعوب الأخرى، ولا تعمل وفقاً لمنظور معاد للإمبريالية، أي باستقلال طبقي كلي عن القوى العالمية والإقليمية، فإن ثوراتها يكون محكوماً عليها بالابتعاد عن اهدافها الأصلية، وبالتالي بالفشل.

هكذا، تتمثل المهمة الرئيسية لليسار الجذري، الذي يناضل خارج مكان النزاع - وعدا اعمال التضامن التي لا غنى عنها - بالعمل على نمو هذا الوعي في مجتمعات كل منا، الموبوءة بهذه الآفة الإديولوجية، الخارجة مجدداً من قبرها، الا وهي آفة المعسكرية، التي يبقى الترياق المضاد لها هو تراث الأممية البروليتارية، كما حافظت عليه الماركسية الثورية.

-

* أوراز أيدين مناضل في المسار الجديد لأجل الديمقراطية الاشتراكية، فرع الأممية الرابعة في تركيا. وهو محرر في مجلة التنظيم المذكور، واسمها “Sosyalist Demokrasi için Yeniyol”

الهوامش:

1) كريس دن هوند، مقابلة مع مروان عثمان: http://www.internationalviewpoint.org/spip.php?article53

2) انظر Jordi Tejel,Suriyé kurtleri. Tarih, Siaset ve toplum

أو (اكراد سوريا، التاريخ، والسياسة، والمجتمع).

Intifada yayinlari, Istanbul:2015

Sirwan Kajjo, Christian Sinclair,The evolution of Kurdish Politics in Syria(1927-2011).

3) Julie Gautier, “Les évènements de Quamichlo :L’irruption de la question kurde, en Syrie? », Études kurdes, no :7, Mai, 2005.

4) Voir Thomas Shmidinger, Suriye kurdistan’nda Savas ve Devrim (Guerre et revolution au Kurdistan de Syrie), yordam kitap, Istanbul:2015

5) Ergun Aydinoglu, Fis Köyünden Kobanê’ye Kürt Özgürlük Hareketi (Le Mouvement de libération kurde du village de Fis à Kobanê), Versus, İstanbul : 2014. Voir aussi le remarquable entretien avec Emre Ongun, «Turquie : panorama et perspectives – Sur la nature du nationalisme turc, les Kurdes, le PKK et la gauche turque »,  http://www.europe-solidaire.org/spip.php?article37297.

6) Murray Bookchin, Geleceğin Devrimi, Halk Meclisleri ve Doğrudan Demokrasi, Dipnot, Ankara:2015 La revolution de l’avenir, les conseils populaires et la démocratie directe –recueil d’articles)

7) كان اوجلان يقول، على سبيل المثال: « فلتفهمني تركيا جيداً. ليس لدي شيء ضد الدولة الاتحادية، وانا أحترم العلَم. وفي قبري، يمكن ان يتواجد ثلاثة اعلام، علم الاتحاد الاوروبي، وعلم الدولة الاتحادية، وعلم الكونفدرالية الذي يرمز إلى الديمقراطية Cengiz Kapmaz, Öcalan’ın İmralı Günleri (Les jours d’Imrali d’Öcalan), İthaki yayinlari, İstanbul : 2011.

8) Alex De Jong, “Métamorphoses idéologiques du PKK. Une chenille stalinienne transformée en papillon libértaire?” http://www.europe-solidaire.org/spip.php?article37298

9) http://www.demokrathaber.org/guncel/devlet-ocalan-la-en-son-25-haziran-d...

10) T. Schmidinger, ibid

11) Yasin Duman. Rojava, Bir Demokratik Özerklik Deneyimi (Rojava, une expérience d’autonomie démocratique).İletişim yayınları, İstanbul:2016.

12) Joseph Daher, “Le PKK et la question de l’autodétermination du peuple kurde”, http://www.europe-solidaire.org/spip.php?article34050

13) Tejel, ibid., p.250.

14 يمكن ان تشكل الوثيقة، المعنونة «دعماً لنضال الشعب الكردي، لاجل أن يحيا حراً وبكرامة»، والتي تبناها المكتب السياسي للاممية الرابعة، بتكليف من لجنتها الاممية، في مارس/آذار 2016، مثالاً على هذه الصياغة.

Voir http://www.europe-solidaire.org/spip.php?article37423