نقاش في طبيعة الحركات الأصولية الاسلامية، ودينامياتها، وفي الهيمنة والثورات المضادة

العدد السابع - شباط ٢٠١٧
الملف: 
الحركات الاسلامية
تاريخ النشر: 
شباط (فبراير), 2017

تمر السيرورة الثورية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأوقات صعبة، فضلاً عن أن القوى التقدمية والديمقراطية يتم قمعها من قبل أعداء مختلفين. والنقاشات والجدال لفهم المشاكل التي تواجه القوى التقدمية في المنطقة وكيفية التعامل معها، مسألة مهمة لتكييف تكتيكاتنا واستراتيجياتنا. لهذا السبب، فإن النقاش حول مقال الرفيق سامح نجيب، في العدد السادس من مجلة الثورة الدائمة1، أمرٌ هام، وهو النقاش الذي أعتقد أنه أثار مسائل هامَّة لليسار. وسأتناول في هذا المقال قضيتين أساسيتين: طبيعة الحركات السياسية المرتبطة بـ»الإسلام السياسي»، وهل إن قوة واحدة تقف وراء الثورة المضادة، أم عدة قوى. وفي نفس الوقت، سأطور أفكاراً حول «الهيمنة»، ومهام اليسار.

الأصولية الإسلامية، أو المزيد من الارتباك؟

أتفق تماما مع الرفيق سامح نجيب أن داعش والإخوان المسلمين أو حزب الله يختلفون في سياقهم السياسي، وتطوراتهم ومكوناتهم، تماماً كالاختلاف بين جماعات الإخوان المسلمين في مصر، وعلى سبيل المثال في البحرين أو سوريا. ولكن هذا لا يمنع، في أي وقت، من استخدام الأصولية الإسلامية كأداة تحليل، لمجرد وجود بعض الاختلافات بين هذه الجماعات. فالحركات السياسية الأصولية الإسلامية موجودة في جميع أنحاء العالم. وفي كل هذه الحالات، قُدِم الإسلام بوصفه مبدأ مطلقاً، بحيث تكون كل المطالب والنضالات والإصلاحات تابعة له. والقاسم المشترك بين هذه المجموعات، كما أوضح الرفيق جلبير الأشقر، إنما هو «إرادة العودة إلى الإسلام، والتطلع إلى يوتوبيا اسلامية لا تقتصر على أمة واحدة، وينبغي أن تشمل كل الشعوب المسلمة، إن لم يكن كل العالم»2. وفي الواقع، لقد انعكس هذا التعريف في كلمات نائب المرشد السابق لجماعة الإخوان المسلمين المصرية، محمد خيرت الشاطر، في شهر آذار/مارس عام 2011، بعد إسقاط مبارك:

«الإخوان يعملون على إعادة الإسلام بمفهومه الشامل إلى حياة الناس، وذلك لن يحصل إلا من خلال مجتمع قوي. وهكذا تكون المهمة واضحة: إقامة إسلام بتصوره الشامل؛ خضوع الناس لله؛ إقامة دين الله؛ أسلمة الحياة، تعزيز دين الله؛ بناء نهضة الأمة على أساس الإسلام… هكذا تعلمنا »على سبيل الاستهلال» بناء الفرد المسلم، والعائلة المسلمة، والمجتمع المسلم، والحكومة الإسلامية، ودولة الإسلام العالمية…»3

وبالطبع، فالأصولية الدينية، لا تقتصر على الدين الإسلامي، ويمكننا أن نرى عدة عناصر مشتركة بين مختلف الحركات الأصولية الدينية، في جميع أنحاء العالم. ومن المهم أن نلاحظ، مع ذلك، أنه على الرغم من دعوةٍ للعودة إلى عصر سابق، لا ينبغي النظر إلى الأصوليات كعناصر متحجرة من الماضي. ففي حين تستخدم الأصوليات الرموز والروايات من فترات سابقة، هي موجودة بيننا، حية وديناميكية وتمثل الاتجاهات الكبرى المعاصرة، وتهدف إلى تلبية الاحتياجات الثقافية4. إن انتشار هذه المجموعات يجب أن يُفهَم بشكل كامل في السياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي للفترة المعاصرة. ومن المثير للاهتمام أن نلاحظ كذلك أن الحركات الأصولية والمحافظة، في جميع أنحاء العالم، قد دعمت فعلياً السياسات النيوليبرالية، بالتلازم مع دعوتها لزيادة العمل الخيري، الأمر الذي دفع بعض الأكاديميين إلى الحديث عن «تحالف سلس بين النيوليبراليين والأصوليين الدينيين»، أوما يمكن وصفه بـ»النيوليبرالية الدينية»5. وفي إطار الشرق الأوسط، جمعت الحركات الأصولية الإسلامية أيضاً بين السياسات النيوليبرالية والأخلاق المحافظة6. فجماعة الإخوان المسلمين المصرية، على سبيل المثال، دعمت زيادة الامتثال الديني وعمل المنظمات الخيرية، مع الدعوة إلى اعتماد سياسات نيوليبرالية، حيث يمكن للقطاع الخاص أن يلعب دوراً رائداً في الاقتصاد7. وقد ذهب حسن مالك، وهو رجل أعمال، وقيادي في جماعة الإخوان المسلمين، إلى حد القول عام 2012 إن المبادئ التوجيهية للسياسات الاقتصادية، في ظل مبارك، كانت سليمة وعلى الطريق الصحيح، ولكن الفساد والمحسوبية أضرا في تنفيذها8.

والحركات الأصولية الإسلامية تشجع وحدة المجتمع، وترى أنه لا ينبغي للعمال أن يطالبوا بأكثر مما تعطيه البرجوازية، والأخيرة تلتزم القيام بأعمال خيرية تجاه الفقراء. أما بالنسبة لحركات أصولية إسلامية أخرى، فإنها تنظر للصراع الطبقي كعامل سلبي، لأنه يشظي المجتمع أو الأمة. والحل للفقر يمكن العثور عليه في العودة إلى القيم الإسلامية والتقاليد، أو، وبحسب كلمات الزعيم الإسلامي التونسي راشد الغنوشي: «نحن بحاجة إلى التأكيد على أن الفقر، في نظر الإسلام، يرتبط بالكفر»9، في حين يشير إلى «أننا (الحركات السياسية الإسلامية) الضمانة لنظام اجتماعي خاص ولنظام اقتصادي ليبرالي»10. ومؤخرا، أعلن الغنوشي أن «الاستثمار الأجنبي مرحب به في تونس، ويجب على الشركات تحقيق الأرباح، وأحياناً تكون النقابات مفرطة في مطالبها، ومن بينها الاتحاد العام التونسي للشغل». بالفعل، فقد اتهم الغنوشي الاتحاد العام التونسي للشغل بأنه من تركة الاستعمار الفرنسي، وليس مؤسسة طبيعية للمجتمع الإسلامي11. وفي كل من مصر وتونس، خلال السيرورة الثورية، هاجمت جماعة الإخوان المسلمين العمال والنقابات العمالية خلال نضالهم.

تميل الحركات الأصولية الإسلامية إلى تبني خطاب مهتم بالعدالة الاجتماعية (التي ينبغي تأمينها، إلى حد كبير، من خلال الأعمال الخيرية)، إلا أن ذلك لا يمنعها من مهاجمة النقابات والعمال والحركات الاجتماعية الأخرى، في حين تدافع، من ناحية أخرى، عن المبادئ التي تسيّر السوق، وعن سياسة التحرير الاقتصادي.

ولكن كيف يمكن التوفيق بين المصالح المتناقضة لقيادات جماعة الإخوان المسلمين، المتشكلة من البرجوازية والطبقة الوسطى العليا من ممارسي المهن الحرة، ومصالح قاعدتهم المكونة من الطبقات الشعبية؟ هنا بالذات يلعب فكر جماعة الإخوان المسلمين الرجعي دوره في فرض الهيمنة على أجزاء من الطبقات الشعبية، لكسبهم لصالح خطابهم السياسي. ولا ينبغي التقليل من ضرورة مواجهة هيمنة الحركات الأصولية الإسلامية الأيديولوجية على أجزاء من الطبقات الشعبية. فهذا الأمر هو جزء أساسي من الصراع الطبقي وليس صراعاً فرعيا.

إن مفهوم الهيمنة إنما يجب فهمه هنا بالمعنى الغرامشي، بوصفه «مجموعة كاملة من القيم والمواقف والمعتقدات والأعراف الثقافية والمبادئ القانونية، المتأصلة في نسيج العلاقات الاجتماعية»12. وبحسب غرامشي، هذه العناصر هي جزء حيوي من قدرة أي فريق لكي يصبح مهيمنا. تتأسس الهيمنة ليس بمجرد انتهاج طريق القوة إنما عبر، «مزيج من القوة والقبول، بحيث يتوازنان بشكل متبادل»13. والقدرة على الهيمنة لا تنطبق ببساطة على أولئك الذين يسيطرون على مجتمع معين، ولكن هي عنصر هام لأي مجموعة تطمح لتشغل هذا الموقع. وفي حالة جماعة الإخوان المسلمين المصرية وبقية الحركات الأصولية الإسلامية، تحاول أيديولوجيتهم التعتيم على الاستغلال الأساسي الكامن في الرأسمالية، والتضليل بشأنه؛ هي «شكل من الهيمنة التي من شأنها ان تفضي إلى موافقة متلاعب بها، ونقصد هنا موافقة الحلفاء الأدْنين (الطبقات الشعبية)»14. هي تسعى لإبقاء «الطبقات الدنيا في وضعها التابع، بالتغطية على طبيعة الحاضر الحقيقية، المهشَّمة، أو التعتيم عليها، عن طريق تبرير هذا الحاضر، نظرياً، على اساس انه الحاضر الوحيد الممكن، وكما لو كان ذلك أمراً أبدياً»15.

إن الحركات الأصولية الإسلامية تسعى للوصول إلى الهيمنة وترتكز على نظرتها الدينية، التي تبرز مجموعة محددة من القواعد السلوكية الجماعية والفردية. وتشكل هذه المعايير السلوكية جوهر الخطاب الأصولي الإسلامي، وتستند بقوة إلى فكرة «عودة الإسلام»، كحل للمشاكل التي يتخبط فيها السكان المسلمون. والأهم من ذلك، أن هذه الحركات تشجع على انقياد اجتماعي عميق، إن لم يكن- وهو ما ينبغي التشديد عليه - على أي نوع من السلبية الاجتماعية، وعلى الخضوع لقيادة الحزب نفسها كأداة مؤسساتية لتحقيق الخلاص الديني. وهي تعمل من خلال وسائل توافقية أو قسرية؛ هناك العديد من المكافآت (مادية ومعنوية، على حد سواء) لأولئك الذين ينصاعون لهذه القواعد، في حين من يرفضها يتعرض للنبذ الاجتماعي، وفي بعض الحالات، يتعرض لأشكال مختلفة من العنف. تنتشر هذه القواعد وتتقوى عن طريق ما وصفه غرامشي باسم «هيمنة جهاز» الحزب، أي شبكة من المنظمات والخدمات داخل المجتمع المدني، وتشمل: التسهيلات التعليمية، والنقابات المهنية، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الدينية والثقافية16. بهذا المعنى، ليست الأصولية الإسلامية، ومن ضمنها جماعة الإخوان المسلمين، مجرد مجموعة من المعتقدات، إنما هي أيديولوجيا تعيد انتاج تصور للعالم، محدِدَةً كيف على المسلمين أن يفكروا ويتصرفوا، وتنتشر بوعي عبر البنى الاجتماعية المتعددة17.

لقد روَّجت الحركات الأصولية الإسلامية، مثل جماعة الإخوان المسلمين، لسياسات الأسلمة في كثير من الأحيان، بموافقة من الدولة، أو دفعت الدولة لتنفيذها، بين القطاعات الشعبية من المجتمع، في مصر وفي أماكن أخرى، وبطرق متعددة، بما في ذلك الاستثمار في الأعمال التجارية المتوافقة مع المبادئ الإسلامية، ومارست الضغط الاجتماعي من خلال لجان التحقق في مطابقة المؤسسات مع هذه المبادىء. وفي مصر، وفرت جماعة الإخوان المسلمين الخدمات الاجتماعية، من خلال شبكة واسعة من المنظمات، وكان ذلك وسيلة لنشر المبادئ الإسلامية على نطاق واسع بين السكان. حاولت جماعة الإخوان المسلمين الحصول على قبول الطبقات الشعبية عبر آليات الأسلمة، ومن خلال تقديم نفسها كالحزب المعارض الوحيد للدولة المصرية، وربط مصالح الطبقات الدنيا ببنى الجماعة ومصالحها.

وفيما يتعلق بالمرأة، تنشر الحركات الأصولية الإسلامية رؤية رجعية تمنح الرجال الهيمنة، وتلصق بالمرأة أدواراً محددة داخل المجتمع، أولها وأهمها دور «الأمومة»، من أجل تربية الأجيال المقبلة على مبادئ الشريعة الإسلامية. وملابس النساء وسلوكهن يجب أن تتوافق مع المعايير الخاصة، التي يدعون أنها تحافظ على شرفها وشرف عائلتها. ويُعتبر النموذج الإسلامي هو المسار الصحيح الوحيد للنساء، وإلا فإنهن يعتبرن شاذات عن مجتمعهن، وواقعات تحت تأثير الثقافة الامبريالية الغربية. وكما لاحظ آدم هنية: «البنى المحافظة المفروضة على دور النساء هي جزء لا يتجزأ من الأهداف الأساسية المناهضة للثورة»18. والسجل السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، خلال فترة توليها السلطة، أو خارجها، بشأن هذه المسألة، رجعي للغاية. فعلى سبيل المثال، وصفَ بيانٌ صدَر عن جماعة الإخوان المسلمين ونُشر على الانترنت تقريراً صادراً عن الأمم المتحدة، حول المرأة، يدعو إلى تحقيق المساواة الجندرية، بأنه «مخادع»؛ مضيفاً أن دعوة الدولة إلى اعتبار الاغتصاب الزوجي جريمة؛ وإلى تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة في الزواج والطلاق ومسائل الإرث؛ وكذلك إلى وضع حد لتعدد الزوجات والمهر، كل ذلك إنما يؤدي إلى «تقويض الأخلاق الإسلامية، وتدمير الأسرة»19.

بالإضافة إلى ذلك، يتحدث الرفيق سامح عن وجود «اختلافات ضخمة» بين مختلف الحركات الأصولية الدينية؛ وهناك بالفعل اختلافات، ولكن هناك العديد من القواسم المشتركة. فخلال السيروة الثورية رأينا تعاوناً هاماً، واتفاقات بين الإخوان المسلمين والسلفيين، وحتى مع السلفية الجهادية، في مصر كما في أماكن أخرى. أصبح الخطاب الإعلامي لجماعة الإخوان المسلمين طائفياً ومتعصباً، على نحو متزايد، خلال فترة حكم مرسي، وقدموا منبراً للمتطرفين، مثل صفوت حجازي، وعاصم عبد الماجد، وغيرهما، لنشر خطاب الكراهية. ولا يستند هذا التعاون وتلك الاتفاقات الأيديولوجية إلى الأحداث المؤقتة والتكتيكية، كما فعلت الجماعة مع القوى الليبرالية واليسارية القومية في الماضي، ولكن وفق برنامج سياسي مشترك للأصولية الدينية مع الرغبة في أسلمة المجتمع وإقامة دولة إسلامية، على الرغم من وجود طرق مختلفة لتحقيق ذلك. إن جماعة الإخوان المسلمين والأصولية الشيعية، مثل حزب الله في لبنان وحزب الدعوة في العراق، على سبيل المثال، ليس لديهم مشكلة في المشاركة بالانتخابات والتواجد ضمن مؤسسات الدولة، على العكس من جبهة النصرة وداعش. وعلى سبيل المثال، رحبت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا ببيان جبهة النصرة الذي أعلنت فيه فك ارتباطها عن تنظيم القاعدة، ولكن من دون أي انتقاد لبرنامج جبهة النصرة السياسي أو ممارساتها الطائفية والرجعية20. وفي تونس، باستثناء جماعة أنصار الإسلام الأكثر تطرفاً، التي تسامحت معها النهضة حتى عام 2012، نجد معظم التيارات السلفية داخل حزب النهضة، الذي احتواها أو تعاون معها.

في الوقت عينه، إن الاختلافات بين جماعة الإخوان المسلمين وحزب النور السلفي في مصر جاءت، خاصة، بسبب خوف الأخير من محاولة هيمنة جماعة الإخوان المسلمين على الإسلام السياسي المصري، إضافة إلى وجود روابط بين حزب النور والسعودية. والقضية الأساسية هي أن الاختلافات لم تنشب على البرنامج السياسي - ما عدا بعض القضايا الاجتماعية والاقتصادية، كما تجلى ذلك، عدة مرات، ولا سيما مع الاحتجاجات المشتركة الداعية إلى إقامة حكم الشريعة الإسلامية والهوية الإسلامية لمصر - إنما بسبب التنافس على المشهد السياسي نفسه. فالبرنامج السياسي لحزب الحرية والعدالة، الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، كان في الحقيقة واضحاً تماماً في إرادته أسلمة المجتمع: ربط السياسة بالمبادئ والقيم الإسلامية؛ مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع؛ في حين يتم إعطاء الأقلية غير المسلمة حق اللجوء إلى تنظيمها الديني، فيما يتعلق بالشؤون العائلية والدينية، دعا إلى أسلمة قوانين الأسرة على حساب حقوق المرأة… وقد أدرجت العديد من هذه الأفكار في دستور تشرين الثاني/نوفمبر عام 2012 الذي كتبت مسودته خلال تولي مرسي الحكم. فشل الدستور في حماية حقوق الإنسان، وتجاهل حقوق المرأة على وجه الخصوص، وقيَّد حرية التعبير باسم حماية الدين، وسمح بمحاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، في حين لم يتم الحد من نفوذ الجيش، إنما العكس.

المشكلة هي في أن تعتبر فقط أن الأفكار السياسية للأصولية الدينية هي مجرد «راية وقناع»، أو مجرد وسيلة خطابية، كما لو أن ذلك يخفي تطرف أعضاء هذه المنظمات الكبير، وحتى شعبيتها الكبيرة، بسبب تمسكها بمبادئ الأصولية الإسلامية.

يجب ألا ننسى كذلك دعم النظام القطري الاستراتيجي، وليس التكتيكي، لجماعة الإخوان المسلمين في مختلف البلدان، بهدف توسيع نفوذهم في المنطقة من خلال البرجوازية الجديدة والطبقة الحاكمة الطائفية، لحلول جماعة الإخوان المسلمين مكان النظام القديم أو اجتذاب قسمٍ منه، بتأييد عام من السعودية والإمارات، تماماً كما حصل حين حاولت جماعة الإخوان المسلمين العمل مع رجال الأعمال المقربين من مبارك. فقطر لن تدعم استراتيجيا حركة تريد مواجهة النظام الرأسمالي والامبريالي في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، كانت الولايات المتحدة مرحبة بوصول الإخوان إلى الحكم في مصر وتونس وغيرهما من البلدان. وتمثل جماعة الإخوان المسلمين إمكانية لتجديد البنى المتحللة للأنظمة القديمة، من خلال الحفاظ على السياسات النيوليبرالية، والحد من الانجازات الديمقراطية وفي مجال العدالة الاجتماعية، ومعارضتها، وتحقيق الاستقرار للنظام الامبريالي في المنطقة. كما ذكر كتاب جيوزيبي توماسي دي لامبيدوزا، «الفهد»: «إذا أردنا أن تبقى الأوضاع كما هي، يجب أن تتغير». وقد كانت جماعة الإخوان المسلمين ضمانة لذلك. كان هدف الولايات المتحدة تكرار نموذج حزب العدالة والتنمية في تركيا، الدولة الرأسمالية، والعضو في حلف شمال الأطلسي وغير المعادية للامبريالية، ولكن كانوا أمام مشكلتين تجاه هذا الحل. الأولى، وهي ان حزب العدالة والتنمية يختلف بأيديولوجيته عن الحركات الأصولية الإسلامية، وهو أقرب إلى حزب سلطوي قومي محافظ، واستطاع في السنوات الأولى من حكمه جمع تأييد واسع حتى من بين الليبراليين وبعض اليساريين في المجتمع، بفضل سياسته المواجهة لنفوذ العسكر في البلاد، من أجل تعزيز قوته، وليس لتحقيق الديمقراطية في المجتمع، كما رأينا اليوم [عقب محاولة الانقلاب]، وخلال السنوات القليلة الماضية. والثانية، وهي الأكثر أهمية، هي أن حزب العدالة والتنمية لم يصل إلى السلطة، خلال حالة ثورية، ومستوى مرتفع من النضالات، إنما على العكس تماماً، وهذا بالضبط ما عزز هيمنته.

هذا يقودنا إلى وصف الإخوان المسلمين، كحركة إصلاحية، على رغم اختلافها عن الدول الغربية، لعدة أسباب جرى شرحها في المقال. المشكلة هي أن الرفيق سامح، وبشكل عام التيار الاشتراكي الأممي، وصف بالطريقة عينها الناصري حمدين صباحي21. فالحزب السياسي يتم تحليله وفقاً للأصول الاقتصادية والاجتماعية للأفراد الذين يشكلون قيادته، وبرنامجه السياسي وسياساته. لقد أشرنا إلى أن قيادة جماعة الإخوان المسلمين وكوادر الجماعة هم من الطبقة الوسطى العليا، المتبعة سياسة نيوليبرالية، وسياسة محافظة طائفية، وبرنامجاً سياسياً معادياً للمرأة، في وقت كان يمثل حمدين صباحي - مع كل حدود حركته وأخطائه، خاصة دعمه لجرائم الجيش ضد جماعة الإخوان المسلمين، وفشله في تشكيل قطب تقدمي منفصل ومستقل عن الجيش والإخوان - كان يمثل، في مكان ما، التطلعات الديمقراطية والاجتماعية، كما تمظهرت في الانتخابات الرئاسية لعام 2012. وذلك حين وعد بتنفيذ إصلاحات اجتماعية كتحديد الحد الأدنى والأقصى للأجور، وزيادة فرص العمل في القطاع العام، واسترجاع المؤسسات إلى الدولة، وفرض ضريبة بنسبة 20 بالمئة على ثروات الأغنياء الذين يشكلون 1 بالمئة من السكان22. كما أنه لم يروج لأي مشروع طائفي أو مناهض لحقوق المرأة. وقد تشكَّل حزبه، الكرامة، بشكل عام، من الطبقة الوسطى، في وقت تمتع صباحي بدعم واسع من الحركة العمالية، والنقابيين المستقلين والناشطين أكثر بكثير من الإخوان. والفرق في البرنامج السياسي والأصول الاجتماعية لكوادر حزب الكرامة ومؤيديه واضح تماماً مع جماعة الإخوان المسلمين. ولم يكن غريباً أن يتهم الإخوان صباحي خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2014 بأنه أكثر خطورة من السيسي، لأنهم أدركوا أنه يستطيع اجتذاب قطاعات واسعة من الطبقات الشعبية. للأسف، النقص في الوضوح السياسي عند صباحي، وأوهامه حول دور الجيش، كانت كفيلة بتراجع شعبيته السابقة.

ضمن السياق نفسه، أقامت الرفيقة آن ألكسندر المقارنة التالية بين الرئيس الاشتراكي السابق ألليندي ومرسي: «بالطبع، كرر مرسي خطأ سلفادور ألليندي الذي عيَّن الرجل الذي سيطيحه. والاشتراكيون الديمقراطيون الإصلاحيون يكررون هذه الأشياء، والأسوأ من ذلك، [أن ذلك يحصل] خلال ذروة الاستقطاب الطبقي والنضال»23. وهذه المقارنة هي إشكالية على عدة مستويات. المستوى الأول، لكونها تتجاهل الفجوة الأيديولوجية الضخمة والسياسات التي كانت تنفذها هاتان الجهتان في السلطة. بالإضافة إلى ذلك، جاء تعيين ألليندي لبينوشيه بعد محاولة انقلاب عسكرية، وقد جاء تعيينه ضمن مقاربة تعتبر أن بينوشيه «يحترم الشرعية»، وسيحترم حيادية الجيش وعدم تدخله في السياسة. وهذا الأمر يمكن وصفه بالسذاجة السياسية بحدها الأقصى. مع ذلك، لم يكن للجيش التشيلي الوزن نفسه الذي يتمتع به الجيش المصري في الحياة السياسية، وهو السلطة الحاكمة الفعلية. من جهة أخرى، سعى مرسي والإخوان إلى عقد تحالف مباشر مع الجيش، وذلك بدأ مع الأيام الأولى لثورة 25 يناير عام 2011، مدركين تماماً ثقله السياسي وحكمه القمعي لعقود خلت. والإخوان كانوا، منذ الأيام الأولى للثورة، حصناً منيعا ضد كل النضالات المناهضة للعسكر، حتى شهر تموز/يوليو عام 2013، حيث كانوا يتهمون المتظاهرين ضد الجيش بمناهضة الثورة ونشر الفتنة. وجاء تعيين السيسي مع معرفتهم الكاملة بأنه مارس التعذيب والإذلال بحق المتظاهرين، وأن تعيينه مَكَّنَ الجيش مرة أخرى مع جيل جديد من الضباط، بدلاً من الفريق طنطاوي. وبذلك، لا يوجد أي تشابه، وإذا كان للإخوان الإرادة في التخلص من الجيش، أو على الأقل إخضاعه للسلطة السياسية، فإنهم كانوا سيقومون بذلك من دون مساعدة، وفي غياب الثوار والنضال الشعبي الديمقراطي.

في وقت كان مرسي والإخوان يسيطرون فيه على الرئاسة والبرلمان، سعوا إلى التعامل مع الحركات الأصولية الإسلامية الأخرى، ومن بينهم البعض من السلفيين والجهاديين الأكثر تطرفاً، لبناء قاعدة صلبة من الدعم لمواجهة تزايد المعارضة في المجتمع. في الوقت عينه، انصاع الإخوان من خلال المراسيم التنفيذية والقرارات ومشاريع القوانين لمطالب الدولة القديمة، والعسكر والنخبة من رجال الأعمال. في حين لم يخطىء ألليندي في الدعم الكامل والمراكمة على التعبئة العمالية الشعبية في التشيلي، والإضرابات والمقاومة ضد البرجوازية، من أجل تحدي سلطتها بشكل حقيقي، ومواجهة تخريبها للاقتصاد، عارض مرسي والإخوان و/أو قمعوا النضالات الشعبية والعمالية في مصر، ودافعوا عن الجيش. ومرسي لم يوفر أي شيء للشعب، كالتقديمات الاجتماعية والديمقراطية، على العكس من ألليندي. وقول سان جوست المشهور لا يمكن أن ينطبق على الإخوان «إن الذين يصنعون نصف ثورة يحفرون قبورهم بأيديهم»، إنما ينطبق القول التالي: «إن الذين يتعاونون مع الأنظمة القديمة، يحفرون قبورهم بأيديهم»…

بشكل عام، تختلف رؤية العالم بين الحركة الأصولية الإسلامية وحركات العالم الثالث. فالحركات الإسلامية تولي أهمية كبيرة لفهم ديني للعالم، وخاصة بهدف العودة إلى «العصر الذهبي» للإسلام، كوسيلة لشرح السياسات المعاصرة. يجب أن نكون نقديين لفكرة أن تحرير وتطوير الدول العربية يعتمد على التأكيد على هوية اسلامية تُقدَم على أنها «أبدية» و«دائمة». لقد عارضت القوى القومية والاشتراكية في الماضي البنى الاقتصادية والاجتماعية للقمع والهيمنة، في حين تؤطر اليوم الحركات الإسلامية النضال وكأنه معركة بين الثقافات. حتى تصوُّر الامبريالية جرى تغييره ضمن الخطاب الإسلامي، منتقلين من تحليل الاقتصاد السياسي الذي ينظر إلى العالم العربي كجزء من العالم الثالث، ويخضع لعلاقات استغلال متشابهة مع تلك التي يخضع لها هذا الأخير، إلى فهم المسائل وفق نظرية «الشيطان الأكبر والأصغر»، والتعارض بين قوى الإيمان والكفر. بهذا المعنى، يكرر خطاب الحركات الأصولية الإسلامية خطاب «صراع الحضارات» لصموئيل هنتنغتون، حيث النضال ضد الغرب الرأسمالي يقوم على رفض قيمه ونظامه الديني، بدلاً من العلاقات الاستغلالية العالمية، التي هي جزء منه وتحافظ عليه. بشكل عام، كل الأحزاب والأشخاص الذين عارضوا الإخوان، وهم في السلطة في مصر، اتهمهم هؤلاء بأنهم أعداء للإسلام وكفرة… فعلى سبيل المثال، وخلال مؤتمر «دعم سوريا» في ملعب القاهرة، في منتصف شهر حزيران/يونيو عام 2013، بقي مرسي صامتاً عن بعض أتباعه الإسلاميين، وأبرزهم الشيخ السلفي محمد عبد المقصود، الذي أدلى بخطاب تكفيري بحق معارضي مرسي، متهماً إياهم بالردة. وقد وقعت هجمات مماثلة ضد مناضلي المعارضة من أعضاء حزب النهضة في تونس، مثل الصادق شورو، القيادي في حزب النهضة والقريب من التيارات السلفية، الذي قال في كانون الثاني/يناير عام 2012 أن المضربين هم «أعداء الله» ويجب أن يلقوا مصير المرتدين نفسه24.

بالإضافة إلى ذلك، علينا لفهم طبيعة الحركات الأصولية الإسلامية، أن نتذكر أيضاً وقت توسعها، وعلى حساب أية مجموعات. ففي الشرق الأوسط، حصل صعود الإسلام السياسي الشيعي والسني، في الثمانينيات والتسعينيات، في وقت ضعفت فيه الحركات اليسارية والقومية، لعدة أسباب: انتكاسة القومية العربية؛ والدعم الأميركي للسعودية، التي بدورها دعمت عدة حركات أصولية اسلامية، وخاصة الإخوان المسلمين، كثقل موازٍ ضد القومية العربية؛ والأحداث الإقليمية، بدءاً من الطفرة النفطية عام 1973، التي سمحت لدول الخليج بزيادة تمويلها الإقليمي؛ وإضعاف كل القوى التقدمية في بداية السبعينيات، مع تزايد القمع ضدها من قبل الأنظمة العربية، مثل مصر وسوريا والعراق، التي تخلت عن السياسات الاجتماعية الجذرية السابقة، واعتمدت بشكل متزايد على التقارب مع الدول الغربية وممالك الخليج؛ وإضعاف القوى التقدمية العربية والفلسطينية، عبر عدة هجمات ضد الحركة الوطنية الفلسطينية من قبل الدول العربية والاحتلال الإسرائيلي على حد سواء؛ وتأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979.

إن الفراغ السياسي لا يترك بالضرورة مساحة لمنظمة إصلاحية، كما رأينا في مناطق أخرى من العالم، أيضاً، إنما يمكن للحركات الرجعية أن تحتلها.

تماماً، كما حين يقول سامح نجيب إن القاعدة الشعبية لجماعة الإخوان المسلمين عارضت النظام على أساس ديمقراطي واجتماعي. ربما كانت هذه هي الحال، في فترة ما قبل حكم مبارك وبعده، خطابياً من خلال دعاية جماعة الإخوان المسلمين، ولكن إذا كانت هذه هي الحال، أين كانت القاعدة الشعبية للإخوان أو الأجزاء الأكثر «استنارة» بينهم، بعد سقوط مبارك وقمع الجيش؟ وعندما كانت البلاد تحت حكم مرسي؟ وفي الحالتين، وحتى تموز/يوليو عام 2013، هل دافع الإخوان عن النقابيين والناشطين والصحافيين والأقباط المدافعين عن حقوق الإنسان، المعتقلين والمسجونين؟ لا، بل على العكس تماماً، فأحيانا شارك الإخوان في قمع المتظاهرين والناشطين، في ما عدا مجموعات صغيرة جداً من شباب الإخوان، الذين تركوا الجماعة في بداية الثورة. لقد حصلت تعبئة أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، عقب دعوات صدرت عنها، خاصة لفرض الشريعة أو للمطالبة بعودة مرسي إلى سدة الرئاسة. وبعد الانقلاب على مرسي، استخدم الإخوان خطاباً طائفياً ضد الأقباط، لحشد قواعدهم الشعبية لمهاجمة الكنائس القبطية والمناطق المجاورة، في الوقت عينه الذي وصفوا فيه النضال ضد النظام كـ»حرب ضد الإسلام»، بقيادة المجلس العسكري ورعاته الدوليين.

المشكلة هي أن البعض قد أخذ على محمل الجد شعار «الإصلاحات» الذي رفعه الإخوان، وبعض أعضائهم، كدليل على تفانيهم من أجل الوصول إلى مشهد سياسي ديمقراطي أكثر انفتاحاً. هذا الأمر هو أبعد ما يكون عن الواقع، ففي كثير من الأحيان جرى رفع هذا الشعار، بهدف التفاوض مع الطبقات الحاكمة لزيادة حصتهم في الساحة السياسية، وحتى لتعيين أعضاء منهم في مقاعد وزارية، من دون تحدي الطبقات الحاكمة أو تغيير الأوضاع السياسية والاجتماعية للطبقات الشعبية. هذا الأمر لم يوقف القمع بحقهم في بعض الأحيان، ولكن من المهم عدم خلق أوهام للطبقات الشعبية، حول قدرات جماعة الإخوان المسلمين على تحدي الطبقات الحاكمة، أو حول كونهم سيقومون بذلك على أساس تقدمي، بهدف زيادة المساحة أمام تمكين القوى الديمقراطية والتقدمية من تنظيم نفسها. وهذا الأمر لا ينطلق من الثقة أو انعدامها بكلام قادة الإخوان المسلمين، إنما من تحليل مادي: خلال الأزمات الثورية وتزايد النضالات الديمقراطية والاجتماعية، وتكثفها في مصر، عمدت جماعة رأسمالية تمثل جزءاً من البرجوازية، وتقيم تحالفاً مع النظام القديم، أي العسكر، فيما كانت تحاول أن تضم إلى صفوفها رجال أعمال من عهد مبارك25، إلى استعمال العنف، لأنها لا تستطيع الرد على المشكلات الرئيسية التي أطلقت الانتفاضة، كتحقيق العدالة الاجتماعية والديمقراطية، أو حلها، فذلك يتعارض مع مصالح الجماعة. وفي تونس ومصر، قمع الإخوان، المسيطرون على السلطة أو الذين يتشاركونها مع أطراف أخرى، الحركات الديمقراطية والاجتماعية، وتابعوا تطبيق السياسات النيوليبرالية، على الرغم من تبنيهم قبل العام 2011، وحتى بعده، خطاباً إصلاحياً.

غالباً ما تتكون الحركات الشعبوية اليمينية والمتطرفة، في جميع أنحاء العالم، من الطبقات الشعبية المرتبطة بها والتي تقودها أيديولوجيا رجعية (عنصرية، طائفية، قائمة على التمييز الجنسي…الخ)، في حين يتزعمها رأسماليون وفئات من الطبقة الوسطى العليا، فهل ذلك يجعل من هؤلاء إصلاحيين؟ كلا. إن الطبيعة المتناقضة لجماعة الإخوان المسلمين واضحة، تماماً كأغلب الأجنحة اليمينية للحركات الشعبوية في العالم؛ ولكن مرة أخرى، يجب أن نميز بين الطبقات الشعبية ضمن الجناح اليميني لحركة شعبوية ترتبط بها بواسطة أيديولوجيا رجعية، والطبقات الشعبية ضمن حركة إصلاحية لديها بعض التطلعات الديمقراطية والاجتماعية الحقيقية، لأن هذا الأمر هام، في خيارنا الاستراتيجي والتكتيكي. إن المشاكل في التحليل، الذي يصف حركات مثل جماعة الإخوان المسلمين بأنها إصلاحية، تكمن في عدم التمييز بين «الطبقة في ذاتها» و»الطبقة لذاتها»: وهو فارق هام بالنسبة إلى ماركس، الذي كان يعرف الفرق بين الواقع الدقيق للموقع الطبقي- وهي مسألة وصف سوسيولوجي- والنضال الجماهيري الواعي من جانب العمال الذين يعملون لأجل أنفسهم، بهدف تغيير العالم، أو حتى يعرفون أنفسهم و/أو يناضلون، على أسس طبقية، من أجل المزيد من العدالة الاجتماعية.

لهذا السبب، نعتبر أن الحركات الأصولية الإسلامية، مثل جماعة الإخوان المسلمين، جزء من الثورة المضادة، ليس فقط في مصر، ولكن أيضاً في أماكن أخرى. فبرنامجها السياسي، وممارساتها، وأيديولوجيتها، تتعارض تماما مع الأهداف الحقيقية للسيرورات الثورية: الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ومناهضة الطائفية، في حين أن سياساتها رافضة للقطاعات الأكثر وعياً، من العمال والأقليات الدينية، والنساء، والمثليين والمثليات، وثنائيي الجنس وثنائياته، والمتحولين والمتحولات جنسياً، إلخ... ويمكن أن تمثل عقبة أمام بناء جبهة ديمقراطية وتقدمية واسعة لإطاحة الطبقات الحاكمة في مصر، وأماكن أخرى. وبالفعل، إن التهديد ضد قطاعات من السكان هو تهديد حقيقي من قبل هذه الجماعات، ومخاوف هذه القطاعات يجب عدم تجاهلها أو اعتبارها من المشاعر البرجوازية الصغيرة. وبالطبع، لا تمثل الأنظمة القديمة ضمانة للنساء والأقليات الدينية والمثليين والمثليات، والثنائيين والثنائيات، والمتحولين والمتحولات جنسياً، والعمال، إلخ… بما أنها استمرت في قمعهم والاعتداء عليهم، ويجب علينا مواجهة هذه الأوهام، وعدم المحاجَّة بأن جماعة الإخوان المسلمين هي أهون الشرين، والسعي في كل وقت لوحدة العمل معها، وتجاهل الحاجة إلى بناء جبهة واسعة مستقلة ديمقراطية واجتماعية… وهذا يتطلب كذلك عدم اعتماد مقاربة «اقتصادوية». فالنضالات العمالية ليست كافية لتوحيد الطبقات العاملة. بالطبع، على التقدميين أن يكونوا في مقدمة النضال ضد التقشف والسياسات النيوليبرالية، ولكن عليهم أيضا أن يكونوا على رأس المدافعين عن الحقوق الديمقراطية، بشكل عام، سواء في مجال الدفاع عن حقوق المرأة وقضايا التحرر، والدفاع عن العلمانية (فصل الدين عن الدولة)، وعن الحق بممارسة الشعائر الدينية بكل حرية، وعن حرية التعبير، وعن الأقليات الدينية والعرقية، أو في مجال الدفاع عن المثليين والمثليات، والثنائيين والثنائيات، والمتحولين والمتحولات جنسياً، والنضال ضد العنصرية والطائفية. ولبناء حركة تقدمية، يجب علينا أن نفهم كيف، ما وراء الديناميات الرأسمالية، والقضايا الجندرية، يؤثر التمييز، القائم على أساس ديني و/أو عرقي، في البنى والديناميات في مجتمعاتنا وأماكن عملنا، وفي سيرورة تطور الوعي. ليس الأمر أن الطبقات تأتي قبل الجندر/العرق/الدين، أو العكس، إنما كيف أن هذه العناصر تجتمع معاً، في الانتاج وضمن علاقات القوة الرأسمالية، الناتجة من واقع معقد. إن التمييز على أساس عرقي، وجندري وديني… أمر يجب عدم الاستهانة به، تحت طائلة عدم رؤية تعقيد المهمة، عند بناء حركة تقدمية تشمل العمال وكل السكان المضطهدين، من كل الخلفيات. إن عدم أخذ هذه التقاطعات بعين الاعتبار سينعكس بشكل سلبي على إرادة توحيد الطبقة العاملة، وعلى المشروع السياسي للتغيير الثوري للمجتمع.

ثورة مضادة أو ثورات مضادة؟ ومهمة اليسار

لذلك، وعلى العكس من اعتقاد الرفيق سامح نجيب، نحن نقول إن الثورات المضادة تتشكل من جناحين أساسيين في المشهد السياسي المصري وفي المنطقة: الأنظمة القديمة والحركات الأصولية الإسلامية. هل هذا يعني أن الحركات الأصولية الإسلامية كجماعة الإخوان المسلمين هي فاشية؟ لا! هل يعني أنها تشكل خطراً مشابهاً لخطر الأنظمة القديمة؟ لا، لأنها بكل بساطة لا تملك نفس الوسائل المدمرة التي هي في حوزة هذه الأنظمة! هل هذا يعني وقوفنا جانباً أو صامتين عندما يقتل ويسجن نظام السيسي مؤيدي جماعة الإخوان المسلمين، ومحازبيهم ؟ لا، نحن نعارض الانتهاكات الجماعية لحقوق الإنسان والقمع ضدهم، وندين مجزرة رابعة، في شهر آب/أغسطس عام 2013، على يد دكتاتورية السيسي. من واجب التقدميين الدفاع عن الحقوق الديمقراطية في كل الأوقات. هل هذا يعني أننا نرفض أي نوع من وحدة العمل مع بعض أعضاء الإخوان المسلمين، في أماكن العمل أو الجامعات، على سبيل المثال، خلال نضالات محددة؟ لا، على الإطلاق، إذا كان ذلك تحت شعارات ديمقراطية وغير طائفية، وإذا كانت الطبقات الشعبية تستفيد من هذه النضالات. التحالفات التكتيكية القصيرة الأجل يمكن أن «تعقد مع الشيطان، ولكن لا ينبغي أبداً تصوير الشيطان كملاك»26.

ممثلو الأنظمة الاستبدادية السابقة والقوى الإسلامية الرجعية والأصولية هم أعداء الأهداف الأولى للسيرورة الثورية. إن الحركات الشعبية والناشطين والمجموعات، التي كانت وما زالت تحمل الأهداف الأولى لهذه السيرورة، تتعرض للقمع على يد هاتين القوتين. هما جناحان للثورة المضادة، وهذا على الرغم من الدعاية السياسية المختلفة. يقدم ممثلو الأنظمة السابقة أنفسهم كمدافعين عن الحداثة، وكمنقذي وحدة الدولة، وكأبطال في مكافحة «الإرهاب»، فيما تقدم القوى الإسلامية الرجعية والأصولية نفسها كضامنة للدين الإسلامي والأخلاق وأصالة الهوية الإسلامية والعربية، مقيمة الرابط مع «الأمة» الإسلامية.

هذان الخطابان يختلفان من ناحية الشكل، من دون شك، ولا ينبغي أن ينسينا ذلك أن هاتين القوتين تتشاركان في مشروع سياسي متشابه جداً: إرادة الحد من الحقوق الديمقراطية والاجتماعية، وقمعها؛ والسعي لضمان نظام الانتاج الرأسمالي، ومواصلة تطبيق السياسات النيوليبرالية، التي تؤدي إلى إفقار الطبقات الشعبية في المنطقة. كما أن هاتين القوتين المناهضتين للثورة لن تترددا في استعمال خطاب سياسي لتقسيم الطبقات العاملة، على أسس طائفية، وعرقية وجندرية ومناطقية، وخلق العداوات داخلها …

علينا أن نبني الهيمنة الخاصة بنا، التي تواجه هاتين القوتين المناهضتين للثورة؛ وهذا لا يمكن تحقيقه إلا من خلال بناء حركة شعبية مستقلة تنادي بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وتناهض الطائفية والعنصرية والتمييز الجنسي… وهذا هو الطريق الوحيد لاستقطاب الطبقات الشعبية المرتبطة بالأيديولوجيا الرجعية الخاصة بالحركات الأصولية الإسلامية، والطبقات الشعبية التي لا تزال تفضل الأنظمة القديمة، على الرغم من كل إخفاقاتها وتسلطها، خوفاَ من عدم وجود أي بديل تقدمي وديمقراطي.

بالنسبة لأولئك الذين يختارون دعم واحدة من هاتين القوتين المناهضتين للثورة، باعتبار أن ذلك يمثل الخيار «الأقل سوءاً»، فإنهم في الواقع اختاروا طريق الهزيمة والحفاظ على النظام الظالم، الذي تعيش في ظله الطبقات الشعبية في المنطقة. ودور الثوريين هو عدم اختيار طرف من أطراف البرجوازية، أو جزء من الثورات المضادة، التي تدعمها الامبرياليات العالمية وقوى الهيمنة الإقليمية. دورنا هو معارضة قوى الثورة المضادة المختلفة، وبناء جبهة مستقلة عن جناحي الثورة المضادة، على أساس ديمقراطي واجتماعي ومناهض للامبريالية، ومعارضة أي نوع من التمييز، والعمل على التغيير الثوري للمجتمع، من الأسفل، بحيث تكون الطبقات العاملة أداة هذا التغيير.

ونظراً للتصادمات، أو التعاون، فيما بين القوى الرجعية، دعونا لا نختار شكلاً من أشكال الرجعية، إنما دعم وتنظيم بديل شعبي وجذري، لتحقيق الأهداف الأصيلة للثورات: الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة. إن الفشل في بناء قطب ثوري مستقل سيسمح للأنظمة القديمة بأن تبقى حاكمة، أما أولئك الذين يسعون لبناء تحالف بأي ثمن مع الحركات الأصولية الإسلامية فسيقدمون فقط خدمة كلامية للممارسة الثورية، خاصة في حالة وجود تفاوت كبير في القوة لصالح القوى الأصولية الإسلامية، وسينفصلون عن القطاعات الاجتماعية الديمقراطية والتقدمية، التي تخوض النضال.

ترجمة وليد ضو

الهوامش:

1) سامح نجيب، حول اليسار والموقف من الإسلام السياسي والثورة المضادة في مصر (الجزء الأول)، الثورة الدائمة، العدد السادس، كانون الثاني/يناير 2016: http://permanentrevolution-journal.org/ar/node/144

2) Achcar, Gilbert (1981) “Onze thèses sur la résurgence actuelle de l’intégrisme islamique”, Europe Solidaire, <http://www.europe-solidaire.org/IMG/article_PDF/Onze-thses-sur-la-rsurge...,

3) أمل الأمة ,TV «مشروع النهضة الاسلامى .. خيرت الشاطر» 2011 , <https://www.youtube.com/watch?v=JnSshs2qzrM>,

4) Marty, Martin E. (1988), “Fundamentalism as a Social Phenomenon”, Bulletin of the American Academy of Arts and Sciences, Vol. 42, No. 2, pp. 17

5) Hackworth, Jason (2013), “Faith, Welfare and the Formation of the Modern American Right”, in Gauthier F. and Martikainen T. (eds.), Religion in the Neoliberal Age, Political Economy and Modes Of Governance, Surrey: Ashgate, pp. 100

6) Haenni, Patrick (2005), L’Islam de marché, l’autre révolution conservatrice, Paris: Seuil and République des Idées, p104;p 150-152

7) Freedom and Justice Party (2011), “Election Program The Freedom and Justice Party”,: <http://kurzman.unc.edu/files/2011/06/FJP_2011_English.pdf>, 9

8) Reuters (2011), “Egypt Brotherhood businessman: Manufacturing is key”, Ahram Online, (online). Available ate: <http://english.ahram.org.eg/~/NewsContent/3/12/25348/Business/Economy/Eg..., (accessed 20 December 2011)

9) Toscane, Luiza (1995), L’Islam un autre nationalisme?, Paris: L’Harmattan, 28

10) Toscane, Luiza (1995), L’Islam un autre nationalisme?, Paris: L’Harmattan, 98

11) Sereni, Jean Pierre (2014), “Le leader d’Ennahda explique ses ambitions pour la Tunisie, de la revolution à la réforme”, Orient XXI, <http://orientxxi.info/lu-vu-entendu/le-leader-d-ennahda-explique-ses,0629>,

12) Thomas, Peter D. (2009), The Gramscian Moment: Philosophy, Hegemony and Marxism, Leiden: Brill, 210

13) Roccu, Roberto (2012), Gramsci in Cairo: Neoliberal Authoritarianism, Passive Revolution and Failed Hegemony in Egypt under Mubarak, 1991-2010, (PhD), University of London, London School of Economics ,44,

14) Thomas, Peter D. (2009), The Gramscian Moment: Philosophy, Hegemony and Marxism, Leiden: Brill, ,227

15) Thomas, Peter D. (2009), The Gramscian Moment: Philosophy, Hegemony and Marxism, Leiden: Brill, 291

16) Thomas, Peter D. (2009), The Gramscian Moment: Philosophy, Hegemony and Marxism, Leiden: Brill, 291

17) Kandil, Hisham (2011), “Islamizing Egypt? Testing the limits of Gramscian counterhegemonic strategies”, Theory and Society, Vol. 40, Issue 1,46

18) Hanieh, A. (2013), Lineages of Revolt, Issues of Contemporary Capitalism in the Middle East, Chicago: Haymarket Books,172

19) IkhwanWeb (03/14/2013), Muslim Brotherhood Statement Denouncing UN Women Declaration for Violating, Sharia Principles, http://www.ikhwanweb.com/article.php?id=30731

20) جماعة الإخوان المسلمين ترحب بفك ارتباط النصرة بتنظيم القاعدة http://eldorar.com/node/101073

21) الانتخابات الرئاسية: مقاطعة أم مشاركة؟ http://revsoc.me/politics/25290/

22) Alexander A. and Bassiouny M. (2014), Bread, Freedom, social Justice, 20

23) http://socialistreview.org.uk/406/reformism-islamism-revolution

24) http://english.al-akhbar.com/content/tunisia-al-nahda’s-failures-lead-sidi-bouzid-rise-again

25) الأشقر، جلبير (2013)، «الرأسمالية المتطرفة» للإخوان المسلمين – مقتطف من كتاب «الشعب يريد» لجلبير الأشقر: http://al-manshour.org/node/3384

26) الأشقر، جلبير (2016)، انتكاسة الانتفاضة العربية- أعراض مرضية، ترجمة عمر الشافعي، دار الساقي، ص. 192