المغرب: اليسار المنتسب للماركسية والمسألة النقابية (قسم أول)

العدد السابع - شباط ٢٠١٧
الدولة: 
المغرب
الملف: 
اليسار
تاريخ النشر: 
شباط (فبراير), 2017

ظلت الحركة النقابية المغربية، منذ قيام نقابة الاتحاد المغربي للشغل سنة 1955، تحت هيمنة قوى سياسية غير عمالية. حيث أن ذلك التأسيس ذاته مثل انقلابا على القيادة التاريخية للنقابة العمالية بالمغرب، وكانت شيوعية.

كان للشيوعيين بالمغرب ( أجانب، فرنسيون واسبانيون، ومغاربة) دور اساسي في بناء النقابة العمالية. وكانت القيادة البرجوازية لحركة النضال ضد الاستعمار (حزب الاستقلال) وقفت ضد انخراط العمال المغاربة في فرع النقابة الفرنسية (س-ج-ت الاتحاد العام للعمل) بالمغرب، خوفاً من التأثير الشيوعي فيهم. بيد ان انضمام العمال دفع تلك القيادة الى تغيير موقفها، والسعي الى السيطرة على قيادة النقابة، وذلك ما تم لها بتأسيس الاتحاد المغربي للشغل. فقد هيمن النقابيون الموالون لحزب الاستقلال، بالتعجيل بتأسيس الاتحاد المغربي للشغل، وحاول الشيوعيون المغاربة تأسيس اتحاد نقابي آخر، لكن سرعان ما ادركوا خطأ تلك المجازفة، وانضووا تحت لواء النقابة المستظلة بحزب الاستقلال. وقد تدخلت قيادة هذا الحزب، في شخص المهدي بنبركة، لفرض المحجوب بن الصديق اميناً عاماً، مكان من انتخبه مؤتمر التأسيس (الطيب بن بوعزة). لم يكن هذا التدخل حدثاً معزولاً بل تعبيراً عن وصاية سياسية على النقابة العمالية، استمرت إلى ان استقلت القيادة النقابية عن عرابيها، بضغطٍ من الملكية، التي اغدقت عليها امتيازات ورعاية سرَّعت تبقرطها.

لم يكتمل عامان بعد تأسيس النقابة، حتى أُعلن استقلال المغرب الشكلي. هذا الاستقلال وضع الملكية بمواجهة قسم من الحركة الوطنية البرجوازية، جناحها اليساري بقيادة المهدي بنبركة، وثيق الصلة بقسم من حركة المقاومة المسلحة وجيش التحرير، و الساعي الى تقاسم السلطة مع الملكية. سارع النظام الى استمالة قيادة النقابة ، ونجح في جرها إلى حضنه (وصف النقابي عمر بنجلون سيرورة هذا الانتقال بدقة في وثيقته، بعنوان: النزعة العمالية الانحرافية). هذا وقد أحكم المحجوب بن الصديق سطوة بيروقراطية على المنظمة العمالية، مدمرا نقابات قطاعية عديدة غير ممتثلة، ومسبباً هزائم في معارك عمالية لا تحصى، وطرد من النقابة كل مستاء من سياسته، وحتى بعض خدامه الذين جعلهم كبش فداء، لطي صفحات من سجل البيروقراطية الأسود ( لعل طرد نائبه محمد عبد الرزاق عام 2006 ابرز مثال، إذ تخلص منه بعد شيوع فضائح نهب صندوق الضمان الاجتماعي، الذي كان قادة النقابة ضالعين فيه).

لم يفلت من سطوة البيروقراطية، بعد وضعها النقابة على سكة التعاون مع النظام (مع الابقاء على لغة معارضة)، سوى قطاعي التعليم والبريد، اللذين كانا بقيادة مناضلين من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (المنشق يساراً عن حزب الاستقلال). بيد أن هذا الحزب الوطني الشعبوي كان منقسماً إلى جناح جذري جرَّب حتى النضال المسلح، وجناح ساع الى مساومة مع الملكية يرى في سنوات الاستقلال الاولى عصراً ذهبياً، بما اتاح من مشاركة ليسار حزب الاستقلال في الحكومة. هذا فيما ظل نقابيوه يصارعون البيروقراطية النقابية، لانتزاع مواقع قيادية، من دون خط نضال طبقي عمالي، في الساحة النقابية.

كذلك واصل شيوعيو المغرب النضال في الاتحاد المغربي للشغل، غير راضين عن تبقرطه، لكنهم لم يستقلوا قط، بل هادنوا البيروقراطية، صوناً لمواقعهم، لا سيما مع الانحطاط الاصلاحي وحتى الملكي للحزب الشيوعي المغربي.(اتخذ لاحقاً اسم حزب التحرر والاشتراكية، ثم حزب التقدم والاشتراكية)

ظهور اليسار الشبابي الجديد

في سياق موجة التجذر منذ منتصف الستينيات (بفعل عوامل داخلية، في مقدمتها انتفاضة مارس 1965 الشبابية، وتأثيرات الوضع العربي والعالمي : تجذر قوى يسارية قومية بالمشرق العربي بعد هزيمة 1967، وصدى الثورات بالبلدان المستعمرة، والثورة الثقافية في الصين، ومايو 1968، في فرنسا ...)، انشق عن الحزب الشيوعي قسم من كوادره وقسم أكبر من طلابه، مفضياً الى تأسيس منظمة الى الامام. والامر عينه حدث بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية، مشكلاً منظمة 23 مارس. إن طبيعة هذا اليسار الجديد الشبابية، ومناخ التجذر العالمي الذي جعل الثورة تبدو على الأبواب، أبقيا النشاط الرئيسي لمنظمتي الحركة الماركسية اللينينية هاته على مسافة كبيرة من النضال النقابي العمالي، حيث لم تكن سياسة الحزبين النقابية (هذين الحزبين اللذين شهدا الانشقاق على يسارهما) موضوعاً للصراع. ويشهد ريمون بنعيم، وهو من مؤسسي الى الامام، كيف كانت مزاعم ابراهام السرفاتي وعبد اللطيف اللعبي (وهما ايضاً من المؤسسين)، حول وجود فروع عمالية وفلاحين، في المنظمة، مجرد خديعة. [كتاب كنزة صفريوي عن مجلة انفاس، ص 408 منشورات سيروكو- الدار البيضاء 2014].

ومع أن تدخل المنظمتين الفعلي في النضالات كان في الجامعة والثانويات، كان من قضايا الخلافات عند محاولة توحيد منظمتي « إلى الأمام» و «23 مارس» الموقف من العمل النقابي، إذ كانت الأولى تدعو إلى لجان نضال سرية لتنظيم العمال خارج النقابة المبقرطة، فيما تجنح الثانية إلى النضال داخل الاتحاد المغربي للشغل والسعي لتغيير قيادته.

ومن المفارقات انه كان للحركة الماركسية اللينينية قاعدة في المدرِّسين، واساساً في الطلاب الذين اصبح قسم هام منهم مدرسين، إذ بحسب الباحث المصطفى بوعزيز كانت نسبة 63 بالمائة من كوادر الحركة تتدخل في أوساط الشباب المتعلم ( طلاب وتلاميذ) و 15% في نقابات المدرسين [اليسار المغربي الجديد النشأة و المسار 1965-1979]، من دون ان ينعكس ذلك نقابياً، إذ ظل الاتحادان (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ثم الاتحاد الاشتراكي) باسطين تاريخياً هيمنتهما السياسية، في نقابات التعليم. هذا ولم يبرز نفس الباحث تجليات ما سماه اكتساح اليسار الثوري نقابة التعليم الثانوي في 1972-1973.

وقد كانت الحركة الماركسية اللينينية (هي بالأحرى ماوية أكثر مما هي لينينية) تصنف المدرسين وعامة موظفي الدولة ضمن الطبقة البرجوازية الصغيرة (اعتبار البروليتاريا مقتصرة على عامل الصناعة المنتج مباشرة لفائض القيمة)، فيما كان هؤلاء في طليعة كفاح النقابات العمالية. وقد أظهر الاتحاديون، لاحقاً، عند تأسيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، نجاحاً حقيقياً، في بناء منظمة نقابية عمالية، اعتماداً على كادر من المدرسين، إذ تفوقت نقابتهم في عز نموها على الاتحاد المغربي للشغل، في قطاعات اساسية، كالمناجم وسكك الحديد وبعض كبريات المقاولات الصناعية العمومية، فضلاً عن أُجَراء الصحة والبلديات ، الخ.

تدفقت جائحة القمع، لاجتثاث الحركة الماركسية اللينينية الفتية (فُتُوَّة سياسية وبشرية)، في موجات متتالية القت خلالها بمعظم اعضائها في السجون، مثقلين بمدد سجن مديدة . وإن كان طور عزلة الاقليات الثورية يوصف بـ«مرحلة عبور الصحراء»، فإنه كان بالنسبة للحركة الماركسية اللينينية «مرحلة عبور الجحيم»، في المعتقلات السرية، ونضالات السجون. وفي مطلع العام 1976، تمكن البوليس من تفكيك شبه كلي لمنظمة «الى الأمام»..

ولما بات معظم مناضليها في السجون، تشظت بفعل خلافات سياسية، حول تقييم تجربة الحركة، خلافات تمت معالجتها، بصورة غير ديمقراطية، بنتيجة الثقافة التنظيمية الستالينية. وقد انعكس هذا على الوسط الاجتماعي الحاضن للحركة، ونحن نقصد الجامعة، في تطور تيارها الطلابي نحو الاستقلال، والانغماس عميقاً في سياسة طلابية شبه فوضوية، ثم الانقسام الى شلل متناحرة.

وبوجه الإجمال، لم تتمكن «إلى الأمام» من بناء مواقع راسخة فاعلة في الحركة النقابية، نتيجة انعدام الرؤية لعمل الثوريين في النقابات (لا أثر لها في الادبيات المنشورة)، وبفعل القمع المتواتر. هذا فضلاً عن إساءة تقدير أهمية تأسيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، في العام 1978. فآنذاك كان تواطؤ قيادة الاتحاد المغربي للشغل قد بلغ مستوى متقدماً جداً. حيث فاوض النظامُ، سرّاً، قادتَه، بدءاً من منتصف سنوات 1970، لتمكينهم من استعمال قسم من اموال الضمان الاجتماعي في مشاريع اجتماعية (صحة، سكن...)، اي فتح باب عريض للاغتناء. وهو ما حصل بتحول محمد عبد الرزاق (نائب الزعيم الاول) الى برجوازي تعد ثروته بالمليارات. ومن جانب آخر أدت متاجرات البيروقراطية بالنضالات العمالية، ومساعدة ارباب العمل والدولة على إخمادها، إلى نشوء حالة استياء وتوق عارم للتحرر من السطوة البيروقراطية. هذا التوق العارم هو ما استثمره الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، لتأسيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، تحت شعار «إعادة ربط الحركة العمالية بحركة التحرر الوطني»، أي ربط نقابة العمال بيسار حركة وطنية برجوازية. أطلق تأسيس الكونفدرالية طاقة نضال الشغيلة المغاربة من عقالها، وانتعشت ساحة النضال النقابي بإضرابات وطنية في قطاعات عديدة، بدءاً بوجه خاص من العام 1979، مع اضراب عام تضامناً مع الشعب الفلسطيني في 30 مارس من ذلك العام، و إضراب عام ضد رفع الاسعار في 20 يونيو 1981 فتح الباب لتدفق الغضب الشعبي في المدينة العمالية الاولى -الدار البيضاء-، في عصيان لم يخمده الحسن الثاني إلا بالرصاص. وقد تمسك مناضلو منظمة إلى الأمام إزاء هذه الدينامية بموقف «وحدة الطبقة العاملة في إطار الاتحاد المغربي للشغل»، ولم يتم تدارك الموقف إلا بعد سنوات كانت فرصة لأنصار الاتحاد الاشتراكي، لإحكام قبضتهم على النقابة الجديدة.

أما مكوِّن الحركة الماركسية اللينينية الآخر، منظمة 23 مارس، فقد تطور قسمه الاعظم نحو مراجعات يمينية، ثم انحطاط اصلاحي تمَّ تتويجه بتأسيس منظمة العمل الديمقراطي الشعبي، التي أضحت، بعد التخلي عن راية الماركسية العمالية، ملحقاً صغيراً للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ما يجعلها خارج موضوعنا.

تجربة جديدة في الاتحاد المغربي للشغل: رفاق عبد الحميد أمين...

شهد اليسار المغربي المنتسب الى الماركسية تيهاً غير مسبوق في مطلع سنوات 1990، بفعل واقع تفتُّتِه الى مجموعات سقط عليها جدار برلين، بمعنى افتقارها الى فهم ماركسي لتبقرط الدول والحركة العمالية، والانحطاط الاصلاحي لقسم كبير من الحركة الشيوعية. عند انطلاق نقاشات ما سمي بـ»تجميع اليساريين»، لم يكن قط العمل في النقابات موضوع نقاش، ما يلقي دوراً ساطعاً على الطبيعة غير العمالية (فكرياً بالأقل) لما تبقى من الحركة الماركسية اللينينية.

قبل هذا، كان عبد الحميد أمين، المهندس الزراعي ومن مؤسسي منظمة إلى الامام وقادتها، قد بدأ العمل النقابي في الاتحاد المغربي للشغل، بعد مغادرته السجن سنة 1984. انكب مع فريق من رفاقه خريجي مدارس المهندسين على بناء نقابة أجراء القطاع الفلاحي، في الاتحاد المغربي للشغل. اثمرت جهودهم عقد مؤتمر وطني أول للجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي، سنة 1991. اعتمد بناء هذه النقابة على طاقم من كوادر وزارة الفلاحة [معظم اعضاء لجنتها الادارية مهندسون وكوادر فنية]. كما عمل رفاق عبد الحميد امين في الجهاز النقابي للاتحاد المغربي للشغل بمدينة الرباط. وفيما بعد، وفي سياق ازمة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، لا سيما بعد مؤتمرها الثالث (1997)، ومشاركة الحزب المهيمن عليها سياسياً (الاتحاد الاشتراكي)، في حكومة الواجهة في 1998، بدأت بالنمو نقابتا الاتحاد المغربي للشغل، في التعليم و البلديات، بحفز ايضاً من رفاق عبد الحميد أمين، الذي اصطف إبان نقاشات «تجميع اليساريين» مع النهج الديمقراطي، وقد ضم هذا الأخير معظم كوادر «إلى الأمام»، الذين واصلوا العمل السياسي.

على هذا النحو تشكلت تجربة جديدة ليسار منتسب الى الماركسية، داخل الاتحاد المغربي للشغل. وكانت مغايرة حجماً لما سبقها، لكن ماذا كان مضمونها، من وجهة نظر مهام الماركسيين في النقابات العمالية؟

... في سياق قمع بيروقراطي بالغ الشدة

اكتسبت بيروقراطية الاتحاد المغربي للشغل، بقيادة ديكتاتور بمعنى الكلمة الحرفي، خبرة كبيرة في محاربة تأثير اليسار في النقابة، ولم تتردد في استعمال عصابات مسلحة بقضبان الحديد والسلاسل، ولا في التعذيب في أقبية عمارة النقابة بشارع الجيش الملكي بالدار البيضاء. كما لم تتردد البيروقراطية في تدمير اجهزة نقابات قطاعية، وحتى حل نقابات بكاملها، وفق مشيئة الأمين العام. كل من أغضب هذا الاخير، حتى في أمور ثانوية، تنهال عليه آلة القمع والإزاحة النهائية من اي موقع تنظيمي. وقد تخلص بن الصديق من 27 قيادياً مروا من المكتب الوطني منذ 1955 (بزوي، سلسلة مقالات من 16 اكتوبر إلى 14 نوفمبر 2004 بجريدة الاحداث المغربية)، وغادر (او ُطرد) المئات، وحتى الآلاف من الكوادر، الاتحاد المغربي للشغل، وقد أحبطهم سلوك الامين العام (علي مريمي، مقال النضال النقابي والفضيلة بيان الفرنسية 19 و20 مارس/آذار 1993 ). وبلغ العسف البيروقراطي مستوى تنظيم انقلابات لإطاحة هيئات عمالية منتخبة من القاعدة النقابية، بسحب الصفة التمثيلية عنها، وهذا من دون قرار من اي هيئة تنظيمية، بل تنفيذاً لإرادة الفرد الحاكم في النقابة.

وقد شهد النصف الثاني من العام 1993 حملة على صعيد وطني، لاجتثاث حزب التقدم والاشتراكية (الشيوعي سابقاً) من النقابة. فبعد نشر حسن بزوي ، القيادي المطرود من طرف بن الصديق، كتاباً تضمن اشارات الى بعض من جرائم البيروقراطية النقابية، لا سيما فسادها المالي، نشرت جريدة حزب التقدم والاشتراكية مقالاً يعرض الكتاب، فانهال غضب البيروقراطية بإحراق الجريدة، في تظاهرة الفاتح من مايو 1993، وشنت حملة «تطهيرية» استهدفت مناضلي الحزب في الفروع النقابية، افضت عملياً الى وضعهم خارج النقابة. وكان من ابشع اطوار حملة التطهير ذلك الهجوم الذي نظم، بقيادة الميلودي موخاريق، الامين العام الحالي للاتحاد المغربي للشغل، ضد فرع مدينة الجديدة، يوم 12 مايو 1993، لخلع هيئة تسييره المنتخبة، وتنصيب اخرى؛ وقد أسفر الهجوم عن سقوط جرحى، ومصابين بكسور.

في هذه الشروط، عمل رفاق عبد الحميد أمين على بناء نقابات وطنية وفروع محلية، مكتفين بحدود دنيا نقابية، مستنكفين عن التعبير عن رأي معارض في اي من قضايا النضال النقابي، وأي من مواقف القيادة. هذه القيادة التي تعتمد خطاب رفض وتظاهر بالمعارضة، فيما هي تساير غارات ارباب العمل ودولتهم على مكاسب الشغيلة وحرياتهم. فكل السياسة النيوليبرالية طبقت من دون اي اعتراض فعلي من جانب الاتحاد المغربي للشغل.

لم يقتصر مناضلو النهج الديمقراطي على خفض الجناح امام البيروقراطية، والتزام الصمت إزاء جرائمها وخياناتها، لا بل سقطوا في تبني لغة البيروقراطية وكلامها الكاذب على استقلال الاتحاد المغربي للشغل، ونضاله من اجل الديمقراطية وحتى الاشتراكية (مثال على ذلك مقال عبد الحميد أمين: العمل النقابي : أهداف ومبادئ - الحوار المتمدن-العدد: 2210 ).

هذا وتضيِّق البيروقراطية الخناق، بقصد جعل المناضلين اليساريين يقتصرون على عمل نقابي ضيق، في الحدود التي تريدها هي. فتراها تشغلهم في لجان قد تنشئها الدولة، مثل ما سمي اللجنة التقنية لأنظمة التقاعد، او تسند لهم مهمة تمثيل النقابة في صندوق الضمان الاجتماعي، او ما شابه من وظائف، لكن كمنفذين في الحدود المرسومة. ما يجعلهم في آخر المطاف في حالة امِّحاء سياسي تام.

هذا الضعف كان موضوع نقد ذاتي جزئي، في المؤتمر الوطني الأول لحزب النهج الديمقراطي (يوليو/تموز، 2004)، حيث أقر أن «المناضلين يعملون في النقابات بدون أفق، ويستهلكون كل طاقتهم في العمل النقابي الصرف، ويعتبرون عملهم الأساسي، إن لم يكن الوحيد، هو العمل النقابي غير المرتبط بأهداف سياسية واضحة ومحددة». و أنهم « غالباُ ما يكتفون بالنضال بإخلاص وتفانٍ، داخل الإطارات الجماهيرية، من دون الصراع المستميت ضد التوجهات المعلنة او المضمرة، السائدة وسطها، والتي غالباً ما تكون لصالح البيروقراطيات والنظام القائم.». وتضيف وثيقة «الوضع الراهن ومهامنا» (ص 42 من وثائق المؤتمر):» هذا التعامل يجعل نضال رفاقنا يراوح مكانه بل قد يؤدي ببعضهم إلى التحول، من دون أن يحسوا، إلى بيروقراطيين». وتكرر نفس الاعتراف بمقررات المؤتمر الثاني في العام 2008.

وفاة بن الصديق، والمؤتمر العاشر

انعقد المؤتمر العاشر، يومي 11و 12 ديسمبر/كانون الاول 2010، أي بعد ثلاثة اشهر من وفاة المحجوب بن الصديق، الذي قضى 55 سنة أميناً عاماً للمنظمة. وهي المنظمة التي ظلت طيلة عقود بلا اشتغال وطني، حيث باتت مفككة الأوصال، تفصل أسوار صينية بين قطاعاتها، وما من خطة عمل لديها، بوجه ما يستهدف الشغيلة، ولا صحافة، ولا هياكل مختصة مشتغلة فعلاً، بل تسلط بيروقراطي مفرط، وترك الكفاحات العمالية لمصيرها، في عزلة.. هذا فضلاً عن تفجر فضائح تورط نقابي في تصرف غير سليم بأموال مؤسسات عمالية، مثل تعاضدية التعليم، والضمان الاجتماعي، والأعمال الاجتماعية لقطاع الطاقة، وقد كان أبرز متورط فيها نائب الأمين العام المتوفى عام 2006.

فرضت وفاة المحجوب بن الصديق الإسراع بإضفاء الشرعية التنظيمية على خلفائه، بعد مرور زهاء 16 سنة على آخر مؤتمر، و بوجه خاص الشخص الذي رفعه إلى جانبه مهيئاً له الخلافة، الميلودي موخاريق. تم تحضير المؤتمر دون مراعاة أي مقاييس تنظيمية، وبلغ عدد المشاركين فيه 1700، فيما كانت لجنة تحضيره ارتقبت 1200 مشارك.

عقد عبد الحميد أمين مساومة مع ورثة بن الصديق بتجنب انتخاب المؤتمرين، وبتقاسم نسب المنتدبين بالتفاهم، وبتفادي نقاش حقيقي لخط النقابة، وبالتغاضي عن كل المشاكل العالقة، منذ سنوات عديدة. وطبعاً، حرص ورثة بن الصديق على إبقاء وزن شركائهم في المساومة، في حدود لا تعطيهم المقدرة على التأثير الفعلي في مسار النقابة، وفي الآن ذاته تفوز عبر تمثيلهم في الأجهزة بتزكية لنتائج المؤتمر، لا سيما شرعية القيادة الجديدة، التي ظل أغلبها في موقع المسؤولية من 1999 (السنة المفترضة لعقد المؤتمر، بحسب أنظمة النقابة) حتى سنة 2010، بلا وجه حق، وبلا شرعية تنظيمية، وطي صفحة فضائح الفساد المهولة والتحطيم الفعلي للنقابة.

وتركت البيروقراطية صياغة أدبيات المؤتمر لرفاق عبد الحميد امين، في نوع من التفاهم حول المؤتمر ينال فيه كل طرف ما يعتبره أولوية: كلام على هوية مناضلة للنقابة، وحد أدنى من قواعد اشتغال منظم منتظم ، مقابل ضمان البيروقراطية إمساكها بمفاتيح المنظمة، التنظيمية والمالية.

ولأول مرة في تاريخ النقابة، اصبح في قيادتها ثلاثة من المنتسبين الى اليسار الجذري. لم يكن الامر تعبيراً عن وجود سياسي، براية ماركسية، بوجه الخط السياسي للبيروقراطية، القائم على خدمة النظام، بل كان تنازلاً ظرفياً اضطرت اليه البيروقراطية، لتأمين انتقال سلس الى مرحلة ما بعد المحجوب بن الصديق. فلم يمض سوى 144 شهراً حتى انهارت نتائج المساومة، بطرد فريق عبد الحميد امين، وبعد ذلك عقد مؤتمر وطني طوى صفحة ما جرى اعتباره مكاسب في أدبيات المنظمة.

(سنتناول هذا الطور، في القسم الثاني، مع استنتاجات عامة ودروس).