مشكلة العنصرية في المغرب، وضرورة مواجهتها

العدد السابع - شباط ٢٠١٧
الدولة: 
المغرب
الملف: 
مناهضة العنصرية
تاريخ النشر: 
شباط (فبراير), 2017

ها أنا أمامك، بلوني، بشَعْري،

وقصائدي، مع أفكاري الغريبة

أنا لا أخاف منكم. . أنا لا أخاف من اختلافاتكم عني

لأنني منكم، وأنتم مني.

دعونا نخلق الفن. . دعونا ننغمس في الأحلام

لبناء ثقافة في مأمن من السخرية

لغرس التطور في نفوسنا،

في حالاتها الأسمى.

دعونا نبدِّدُ التقاليد والأعراق والأوهام،

والأفكار والألوان والأديان

لكي لا نرى، إلا الإنسان (1).

المغرب، موروكو - يعني الغرب أو غروب الشمس - هو الزاوية إلى أقصى جهة الغرب، بالنسبة لأفريقيا وبالتالي للعالم العربي-الإسلامي. هو البوابة الرئيسية لقارة أوروبا. وفي يوم صافٍ يمكن للمرء أن يرى سواحل اسبانيا من مدنه الشمالية، مثل الحسيمة وتطوان وطنجة. أحياناً خلال الليل، هناك شرارات صغيرة في المياه الخافتة. أصبحت هذه الأضواء توحي بأشياء مختلفة عن قوارب الصيادين أو سفن السياحة الغريبة. يعرف العالم كله الآن عن هذا المسعى القاتل، بفضل لقطات تذكرنا بالقوارب المليئة بالركاب التي غرقت قرب لامبيدوزا أو مالطا، وتحمل في الحالة الواحدة 1000 مهاجر من الرجال والنساء والأطفال والرضع، ممَّن ذهبوا إلى أشداق أسماك القرش، ولكنها على الأرجح محفورة إلى الأبد في الذاكرة الجماعية العالمية، من خلال تلك الصورة للصبي السوري الذي طفا على شاطئ تركي. كثيراً ما تساءلت عما إذا كانت الأضواء التي أراها من شاطئ مالاباطا تعلن انتصاراً، أو رحلة لم تتم لأولئك الذين يحاولون العبور. أملت أن تكون المحطة الاخيرة في المغرب على الأقل مؤنِسة للمهاجر الأسود في أحد القوارب الصغيرة الخطيرة، حيث الإقامة في مدينة الميناء الرئيسي في أوروبا ليست تجربة مرحباً بها لدى الكثيرين. مع الزيادة في تدفق المهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى في السنوات الأخيرة، أطلت بشاعة العنصرية برأسها، بنسب غير مسبوقة أيضاً. إن تكليف الأوروبيين للمغرب بمراقبة الحدود يشير إلى أنهم أقل مسؤولية تجاه المخاوف الدولية على حقوق الإنسان. ولكن لم يبدأ التنميط العنصري ضد «الغير» فقط مع تزايد أعداد ذوي البشرة السوداء من غير المغاربة، في الفضاء العام، فالعنصرية ليست مجرد مفهوم خارجي. ولفهم الديناميات المعقدة للعنصرية المعادية للمهاجرين، التي تتعلق بكون المغرب الممر الرئيسي إلى أوروبا، يجب علينا أن نبدأ بمعالجة العنصرية المحلية، كظاهرة تاريخية بحد ذاتها، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعبودية المحلية.

ليست الافكار النمطية العنصرية سلوكاً خاصاً بالفقراء أو غير المتعلمين، كما يشرح الكثيرون، في محاولة ضعيفة لعزلها، بدلاً من محاربتها، كما توضح العديد من أغلفة المجلات (2) وردود الفعل الحكومية. ويرجع هذا جزئياً إلى حقيقة أن المثقفين المغاربة غير مبالين إلى حد كبير بالعنصرية، ويميلون عموماً إلى الاعتقاد بأن التنوع العرقي الخاص هو بمثابة الحصن ضد هذه الظواهر«الغربية». وقد تطورت العنصرية بشكل مختلف في جميع أنحاء العالم، نتيجة ارتباطها العميق بالنمو الاقتصادي، وعلاقات العمل، والعلاقات الطبقية، والسعي نحو التوسع الإقليمي. وقد كان إضفاء الشرعية على العبودية والاستعمار عنصراً حاسماً. هذه مكونات واضحة من القارات اليورو-أميركية، وكذلك المستوطنات والمستعمرات، ومن أستراليا، ونيوزلندا وجنوب أفريقيا، وكذلك العنصرية المرتبطة بها – سواء كانت العنصرية سبباً أو نتيجة، فهذا نقاش خارج نطاق هذا المقال، ولكن يعتمد بشكل واضح على وجهات النظر السياسية، حول الرأسمالية. والمغرب يتحدى الصور النمطية الجيدة والسيئة، والثنائيات الاجتماعية: كان العديد من العبيد أنفسهم مسلمين، وبعض الذين قاموا بشراء العبيد كانوا من الأمازيغ (في الجنوب مثلاً)، فيما لا يزال الكثير من الأمازيغ مقهورين (على سبيل المثال، في الشمال).

بما أن أفريقيا والشرق الأوسط في الغالب من ضحاياها، غالباً ما يُعتَقد أن العنصرية خارجية. هذا ليس صحيحاً، ولكن عوامل الكثافة والمحلية والتوقيت أحدثت فرقاً. إن السياق التاريخي والمادي للعنصرية الإمبريالية والاستعمارية (والمقاومة السوداء أو حركات إلغاء الرق) صقلت خطاباً معيناً، مجموعةً من الكلمات والارتباطات والمعاني، غائبةً إلى حد كبير عن أماكن، كالمغرب مثلاً. في حين أن كلمات مثل الأسود أو الخال (الأسود) و«عزّي» (تترجم بشكل عام زنجي) هي رموز متقاطعة، فلا توجد أدوات لغوية ملائمة للعنصرية في المغرب (3). والتمييز بمعنى «العنصرية»، لا يكفي. هذا التناقض المحلّي يضعف النضال ضد العنصرية. ومثل هذا الإنكار ينتج الحجة التبريرية أن العنصرية هي، أولاً وقبل كل شيء، ظاهرة غربية، وبالتالي يُشرعِن علاقات القوة على أساس العرق، في اللحظة المناسبة.

إن الصياغة الأدبية المشتركة، مثل العبيد، والحراطين (العبيد المتحرّرين)، والسودان (الأفارقة السود)، والكناوة (سود غرب أفريقيا)، وصحراوا (من الصحراء)، تشير إلى التناقضات نفسها التي ترمز إلى أنواع مختلفة من الوصمات العنصرية. تاريخٌ محددٌ للعبودية في المغرب، هو عبارة عن واقع سحيق كان موجوداً في القرن العشرين، يظهر أن المغاربة السود قد تم تهميشهم لعدة قرون. كما يناقش، إلى جانب ذلك، شوقي الهامل، في كتاب «المغرب الأسود: تاريخ الرق والعرق والإسلام»، الأساطير حول المساواة بين متعددي الأعراق (4). ولا ينبغي فصل العبودية في المغرب بشكل مصطنع عن الممارسات العالمية للعبودية، ولكن للثقافة المحلية والدين تداعيات معينة. من ناحية، توجد مرونة الدين حين تم تفسير القرآن والحديث من قبل الفقهاء، بما يتلاءم مع احتياجات وامتيازات معينة، بتبرير العبودية بطرق متناقضة، أو حتى بالتفسير الازدواجي الطابع للنصوص المقدسة الواضحة. إن الخطاب القانوني والقوالب النمطية العنصرية التي كانت سائدة في المجتمع المغربي، أثناء وبعد عهد مولاي إسماعيل (1727-1672)، وحالة جيش السلطان الأسود الفريدة، هي مثال على الخلط بين الاقتصاد السياسي والسلطة الإقطاعية (:188). من ناحية أخرى، كان هناك على نحو فعال نظامان للعبودية في المغرب – واحد للنساء (كانت أكثرية العبيد من النساء - الإماء) والآخر للرجال. وترتبط شرعية العرق جزئياً بدور الإماء (المحظيات). فالشريعة الإسلامية تقر للعبدة الأنثى التي تحمل طفل مالِكِها بعض الحقوق القانونية، وتكون الطفلة حرة، وفي بعض الحالات تتزوج المحظية سيدها، أو كما في حالة زيدانة، الزوجة الرئيسية لمولاي اسماعيل (:8). إن وراثة مكانة الأب لها عواقب اجتماعية هائلة في المجتمع العربي/الإسلامي. في هذه الحالة (أم الولد)، يصبح الاختلاط المستمر للشعوب السوداء بعد مئات السنين في نهاية المطاف جزءاً من النسيج الاجتماعي. وهكذا، بينما لم يضمن الإسلام حرية العبيد السود المغاربة في المجتمع فإنه نظم أوضاعهم. وكان التفاعل ما بين التنميط العنصري والموقع الاجتماعي يُعقّد الترتيب العرقي، ويفسر بعض المفارقات في المغرب. هذا هو الاختلاف القانوني والاجتماعي، وحقيقة أنه في أفريقيا كان المغرب دائما أكثر «قتامة» من المشرق، وبذلك لا يمكن الخلط بينه وبين القومي العربي المثالي، أو الأمة المسلمة التي تدعي المساواة بين جميع العرب أو كل المسلمين، سواء كانوا من السود أو الأمازيغ أو الصحراويين، هذا إسقاط يموّه الطبقة المسيطرة والتراتبية الهرمية العرقية (5). ولكن حين يشار إلى أصحاب البشرة السوداء باسم «عوازا» (عزي للذكر، عزية للأنثى)، يُقصد بهم المغاربة السود.

الوجود الجديد نسبياً للأفارقة المهاجرين يتطلب تغييراً، ويتطلب أدوات إضافية لـ «أخرنة الآخر». ضمن البارومتر السياسي في المغرب يؤدي مصطلح «أفريكانوس» هذه الوظيفة. والعنصرية ضد الأفريكانوس تشير إلى التحول غير الخفي تماماً من العنصرية المعتادة تجاه المواطنين المغاربة إلى العنصرية المتواطئة تجاه الآخرين من غير المواطنين. على الرغم من أن تناسب عمليات «الأخرنة» المحلية القائمة، والوطنية والشعبوية الرخيصة، تعطي سمات لدلالة مختلفة؛ تولد نوعاً مختلفاً من العنف، الذي من المرجح أن يحدث مع تساهل الدولة، بفرض عقوبات على سبيل المثال كقوانين جيم كرو في العصر الحديث، حيث يحدث «رهاب الأجانب»، بأسلوب عنصري كلاسيكي، كمنعهم مثلاً من الاستئجار وتصاريح العمل، والتمييز العام من خلال منعهم من دخول المقاهي والمراقبة العدوانية للباعة المتجولين وعاملات الجنس والمتسولين. هذا النعت سخيف - كما لو أن المغاربة ليسوا أفارقة - ويدل على فقدان الذاكرة والجهل بالواقع الجغرافي المنتمين إليه. ربما هذا الارتباك هو أيضاً جزء من مفارقة أن هذه العبارة تقال في بلد يشكل جسراً بين أوروبا وأفريقيا.

بما ان الاختلافات العرقية والثقافية (المتخيلة) الموجودة مسبقاً، أو عقدة التفوق، متوفرة بسهولة للحث على التمييز العنصري في سياقات أخرى، فالأوامر الاجتماعية العرقية تولد شريعة الألوان. إن عنادها واضح في حقيقة أنها ترتكب أيضاً من قبل أولئك الذين يسمون أنفسهم «عزي». وهذا أمر غريب من حيث أن الإشارة إلى إرث العبودية يحصل على صعيد يومي وضمن الثقافة الشعبية. تمس موسيقى الكناوة بشكل خاص الوتر العاطفي لإرث العبودية والتمرد. جذورها المتمردة جعلتها مصدر إلهام منطقي للموسيقى المنشقة الشهيرة لـ «ناس الغيوان». ونظرة أعمق إلى هذا النوع من الموسيقى تساعد على فهم تاريخ المغرب الأسود، كما يلاحظ الهامل. تعمل موسيقى الترانس على الشفاء من «الأمراض» الاجتماعية، وتخدم غرضاً مزدوجاً هو العلاج والاحتجاج، ويشير أسلوبها إلى تكرار الجرح الأول الذي لا يُمحى. حيث العبودية نفسها هي الجرح الأول، الذي لم يتم الاعتراف به رسمياً ولم يُشفَ منه (:284). كأعمالٍ تذكيرية، تجسد الكناوة كيف يعيد الناس بناء هويتهم ضد استمرارية ثقافية معطّلة (:289). وثمة أمر مذهل بشكل مضاعف هو أن كناوة تَستَخدِم صور الموسيقيين السود المبتسمين كدرع وقاية من النقد حول العنصرية في المغرب. وغياب معاداة العنصرية هذا هو جزء عضوي من الخطاب المغربي، ما يساعدنا على تفسير الفجوة المتزايدة فيما يتعلق بالمهاجرين السود الجدد.

عندما بدأت البحث عام 2013 بدأت أرى المغرب، بلد أهلي، من خلال زاوية مختلفة. بعد أن كان البلد، في معظم زياراتي، وجهةً لقضاء العطلة مع الأسرة وتجنب السياسة قدر الإمكان، كان هذا الارتباط الجديد مختلفاً جداً. بدأت أفهم الديناميات المحلية للمقاومة والقمع السياسيين ، ولكنني رأيتُ العنصرية أيضاً بطريقة جديدة. وكانت هذه الظاهرة مختلفة عن الكليشيهات حول ريافة، شلوح، جبالة أو أغابيان، التي عرفتها من زملائي المغاربة، بما في ذلك الأمازيغ الذين يعرفون بعض الأشياء حول التعرض للتمييز. سمعت تعليقات في غرف الجلوس، والشوارع، وسيارات الأجرة، والمحلات التجارية، كانت مألوفة بشكل مخيف، مع الأحكام المسبقة ولوم الضحايا التي ترعرعت وأنا أسمعها مصادفةً في هولندا. وكانت أيضاً بمثابة الصدى لكراهية الأجانب وكراهية المغاربة من قبل السياسيين الهولنديين، مثل غيرت فيلدرز. والتشابه الذي شعرت به عززته بشكل واضح أنماط التماثل الكلية التي تميل إلى الحدوث عموماً: تمزق التشكيلات الاجتماعية القائمة بعد التحولات الاقتصادية الكبرى، التي غالباً ما تأتي مع محدودية فرص الحصول على مساكن بأسعار معقولة، والعمل في أوقات الأزمات، وما يتلو ذلك من نشوء العنصرية من الأعلى للأسفل، عبر سياسة فرق تسد، وبالتالي تنتج العنصرية القائمة على المنافسة على الأرضية الأعمق لكراهية الأجانب. إلى جانب هذه التشابهات، هناك شيء محرج عن المهاجرين في المغرب. فوجودهم فيه ليس وجهة، في حين لجميع النوايا والأغراض، من المفترض أن يكون المغرب مجرد مرحلة على الطريق. يُحضر هذا الدافع تشابهاً آخر: سبق هؤلاء المهاجرين الجدد العديدُ من المغاربة الذين (لا يزالون) يفعلون نفس الشيء بالضبط.

تكمن المفارقة السخيفة في كون العديد من المغاربة مرتبطين شخصياً بهذه المحن، قبل فترة طويلة من مجيء عشرات «الأفريكانوس» في محاولات للهجرة. لم تكن تتم الهجرة المغربية دائماً (ثاني أكبر مجموعة أقلية عرقية في أوروبا)، عبر طرق تهريب خطيرة. حصلت أولاً من خلال استيراد أعداد كبيرة من اليد العاملة المغربية «الرخيصة»، في عقد الستينيات المزدهر- ما بعد الحرب العالمية الثانية، ورحب بها الملك حسن الثاني وقتها ترحيباً حاراً، باعتبارها وسيلة للتخلص من آلاف الشباب من الشمال المتمرد المحروم، حيث كانوا يتعرضون لقمع دموي (لا يزال صادماً) خلال تمرد الريف (6). ثم حدث ذلك من خلال لم شمل العائلات بين الحين والآخر، وعبر تصاريح العمل في السبعينيات والثمانينيات. وعندما لم يكن ذلك ممكناً بسبب قوانين الهجرة الصارمة (في أوروبا التي تواجه الركود الاقتصادي)، تم ذلك من خلال التهريب عن طريق البر، أو اتباع خيارات خطرة جداً عبر البحر. وقد سمي هذا الأخير حراقة، يمكن قراءتها كـ «احتراق» ولكن تفهم باللغة العامية «الهروب» (من خلال الهجرة غير الشرعية)، مع إشارة رمزية للتغلب على شيء غير مرغوب فيه. وهذا لا يعني فقط حياة هشة «غير شرعية»، ولكن أيضا غربة وحنيناً إلى الوطن. من وصل منهم لم يكن قادراً على العودة مرة أخرى، من دون أن يتم القبض عليه. وحالة الغربة هي موضوع العديد من الأغاني والقصص. فالحياة التي تدفع باتجاه سلوك تلك المعابر الخطيرة تم تسجيلها في أغنية جميلة بعنوان «يا سفينة» (القارب). بالمناسبة، غالباً ما يتم ذكر أغنية جيل جيلالة هذه في نفس الوقت الذي تذكر فيه أغنية «ناس الغيوان»، بسبب المسارات الاجتماعية المتشاركة. ورغم تأثر جيل جيلالة بالملحون التقليدي والصوفية، إذا كانت الكناوة تقترح الاعتراف بالهوية السوداء، فإن صوفية أغنية السفينة الروحانية تلائم معضلات الحراقة، والبؤس الذي تفرضه الغربة.

إن السلطات المغربية هي الأكثر نشاطاً في منع الهجرة، لأنه لا يشمل في الدرجة الأولى مهاجرين مغاربة كما كان يحصل من قبل، ولأن المنع يترافق مع الحصول على امتيازات خاصة. انخرط المغرب مع الاتحاد الأوروبي في تصميم ممارسات تنفيذية مشتركة تستهدف الوقاية من خلال التثبيط؛ وذلك بإعادة المهاجرين إلى الحدود الجنوبية البعيدة، أو حتى إلى بلد المصدر، حيث تتضاءل فرصة إعادة المحاولة من جديد. وكنت قد سمعت قصصاً عام 2013 حول الترحيل بالطائرة، لكن لم أكن متأكدة من صحتها، فإذا كانت صحيحة فمن هو الطرف الذي سيتكفل بدفع ثمن تذكرة الطائرة؟ وقد تم ذلك الاتفاق كرد على الغضب الدولي على الانتهاكات الجسيمة من قبل شرطة الحدود المغربية (وزملائهم من الحرس المدني الاسباني)، مثل نقل المهاجرين إلى أماكن نائية من الصحراء، حيث تعرضوا للضرب بوحشية، وتركوا للتعفن تحت أشعة الشمس الحارقة؛ أو عبر الحرائق المدبرة للمخيمات المؤقتة في الجبال. وقد دُفِعَ ثمن تعاون السلطات المغربية مع الاتحاد الأوروبي لتحسين «إدارة الحدود» كما رأينا، عبر زيادة تمويل هذا البلد، بحسب شبكة حقوق الإنسان الأوروبية المتوسطية. ويجب أن يكون هناك أكثر من ذلك بالنسبة للمملكة، فتصدير المنتجات والناس (نظام التأشيرة) هو جزء من اللوحة الكاملة. وتشيرالمقابلات في عملي الميداني مع النقابيين من مختلف القطاعات إلى وجود شبكة معقدة من الاتفاقيات المغربية مع الاتحاد الأوروبي (وخاصة مع اسبانيا وفرنسا).

إلا أن أياً من الذين قابلتهم لم تستوقفهم عمليات التوقيف أو النقل المحتمل إلى مدينة أخرى داخل المغرب، ويعتبرون الإساءة الجسدية جزءاً من المعاناة. وقال البعض انهم سيعودون حتى ولو رُحِلوا. هذه الروح وجدتها أيضاً لدى أخيل وسعيد وجورج، عند مقابلتي إياهم. وفي رحلتي الميدانية الثالثة في طنجة، منتصف 2015، لمست تغييراً في الموقف عن ذلك الذي لاحظته عام 2013، عندما وقعت حوادث مروعة في بوخالف. واستمر الموقف عام 2014، ولكن عندما عدت مرة أخرى عام 2015 بدا أنهم أكثر تنظيماً، والأهم من ذلك: أكثر ترابطاً مع المجتمع المدني.

التقيت الأصدقاء الثلاثة في مسيرة يوم العمال العالمي في 1 أيار/مايو. أثناء مروري على المجموعات المكونة للمسيرة، لاحظت أن اتحاد العمال نظم مجموعة من العمال المهاجرين للمشاركة فيها. وقد تخوفت في البداية - معظمهم لم يكن ليملك تصريحاً للعمل، ناهيك عن عقد العمل والتمثيل النقابي الصحيح - هل كانوا هناك أساساً لملء الفراغ، هل كان لذلك علاقة بمقاطعة النقابات الرئيسية للمسيرة؟ كنت آمل أنهم على الأقل حصلوا على بعض المال مقابل ذلك. إذا ما قمت بوضع تحفظاتي الخاصة جانباً، فقد كانت المؤثرات البصرية لهذا الجزء من المسيرة – «البيض والسود اتحدوا» – قويةً، والعمال السود والسود/البنيون، كان اتحادهم في مطالبتهم بحقوقهم كطبقة، تغييراً ايجابياً. كانت مجموعتهم الصغيرة تقابَل بالترحيب، بسبب إحاطتها بمزيج من المخبرين والشرطة على الجانب الآخر من الطريق. ومن ثم، التقيت بهم في وقت لاحق خلال عودتي من المسيرة، بعد ظهيرة مثيرة للقلق.

تمت مهاجمة التجمع اليساري الذي كنت أحاول زيارته من قبل الشرطة الخاصة، بطريقة همجية؛ كانوا محاصرين وتم استهدافهم للتوقف عن الهتاف وطي لافتاتهم. حدث هذا في وقتٍ كان اليسار يتعرض فيه للقمع على الصعيد الوطني، كما كان يتم اعتقال أعضاء من منظمات حقوق الإنسان والنقابات.

كانت هناك مجموعة من شباب 20 شباط/فبراير، الذين كنت أعمل معهم على تحضير اليافطات، والذين كنت في طريقي للقائهم (لم أتمكن من الوصول إليهم في الوقت المحدد لأن سيارات أجرة المدينة كانت مضربة أيضاً)، ولكن اتضح فيما بعد أنه تم فض اعتصامهم بالهراوات، وبعض الناشطين كانوا يرجفون أثناء هربهم. نظر لي أحدهم بغضب في عيني وهمس: «أين كنتِ؟ كنا نتعرض للضرب!»، موحياً بأنني قد تخليت عنهم. حاولت أن أقول إنني كنت عالقة مع اليساريين الآخرين الذين تعرضوا للضرب بدورهم، لكنهم كانوا قد رحلوا.

أثناء مروري في شارع باستور عائدة إلى وسط طنجة، متلهفة لإيجاد بعض النقابيين المستقلين الذين فقدتهم بسبب الفوضى، توقفت لالتقاط أنفاسي وشاهدت الجزء الأخير من المسيرة وهي تمر. وهناك كانت بقايا المسيرة، إن صح القول. مشيت مع البعض منهم، أدردش معهم عن المسيرة، واسأل ماذا كانوا يهتفون. كنت فضولية بشكل خاص إزاء تصميم المسيرة، حيث أن كانسي الشوارع على بعد مسافة شارعين فعلوا شيئاً مذهلاً، عن طريق الخطأ، كما تسنى لي أن أعرف، بخيبة: عندما شجع منسق هذه المجموعة على «المضي قدماً، والهتاف أكثر»، كان هو قد ذهب للتحدث إلى شخص ما، فبدأ بعضهم بهتاف (الشعب يريد اسقاط النظام). وبعد الهتاف الثالث أدرك المنسق ما كانوا يرددون فاقترب منهم، وهو يلوح بيديه «لا لا! مش هيداك! صافي، بركة». كان ذلك المشهد مضحكاً، على الرغم من براءته الواضحة، لأن تلك كانت الصيحة الأكثر شهرة، والتي يعرفها كل شخص، في جميع أنحاء المنطقة. ولكن هذا التوقيت وهذا المكان بالتحديد جعلاها تبدو كردة الفعل الأكثر معنى. قال لي أصدقائي الجدد أنهم كانوا يرددون فقط ما كان الآخرون يهتفون به. لم أتمكن من الصعود إلى الشارع أكثر من ذلك، وطلبت منهم مقابلتي في مقهى فرنسا، بعد انتهائهم. على الرغم من أني تعلمت العام الماضي أن السود غير المغاربة بالكاد يجلسون في مقاهي وسط المدينة، ظننت أنهم، بعد يومهم الفخم في شوارع طنجة الرئيسية، سيستطيعون الانضمام لي دون أن يتعرضوا للمضايقة من عمال المقهى. التقيت بأخيل وسعيد وجورج، في وقت لاحق، حيث كانوا ما زالوا يرتدون قبعات اتحاد العمال الخاصة بهم. لقد أحبوا يوم العمال، «نعم! شيء جديد من أجل التغيير!». كان بعض عمال المقهى فضوليين، وقال لهم صديقي جمال، بفخر: «هم رفاقنا من النقابة». ولكن ذلك جعلهم أكثر حيرة على الرغم من أنهم لم يقولوا شيئاً. لقد «تسامحوا» مع وجودهم لأننا كنا معهم. على كل حال، هم يعرفون تاريخهم الاستعماري جيداً. قال سعيد: «حسناً، الكثير منهم (البيض والأوروبيون) يأتون إلى بلداننا أيضاً، ونحن نريد أيضاً أن نزورهم». هم لا يستجدون الرحمة، مثالاً لما كتبه سفيناندان «نحن هنا لأنك كنت هناك» (7).

في الأشهر التي تلت، عرفت عن محاولتين مختلفتين من أخيل وسعيد وجورج للعبور. المحاولة الأولى أُحبِطَت بسبب الأمواج العاتية الشرقية من المحيط الأطلسي/منحنى طنجة على البحر المتوسط. في المحاولة الثانية، رفض المهربون أن يأخذوا أخيل معهم، لأنه أصبح على المسافرين شراء وارتداء سترات النجاة الخاصة بهم، كشرط مسبق للسفر، بسبب زيادة حالات الغرق. وهذا يعني الطلب من الأصدقاء أو العائلة المزيد من المال للاقتراض، وقبل كل شيء: محاولة العثور على عمل إضافي. يمكن على سبيل المثال أن يكون الشخص حمّالاً في أكبر سوق في طنجة، كاساباراتا. على الرغم من أنه لا يتم الوثوق بهم، ويُدفَع لهم أقل من الكثيرين، كما رأيت خلال زياراتي الخاصة إلى السوق، فهذا العمل البدني هو خيار أفضل من التسول، الذي يعرضهم لعنف الشرطة، والعنصرية الواضحة من المارة. ويفسر بعضُ هذا المنافسة َ مع المحليين العاطلين عن العمل والفقراء، وأولئك الذين يسعون لنفس الوظائف كعمال نظافة، وخادمات وحمّالي حقائب. وتضطر النساء أحياناً لكسب قوتهن كعاملات جنس. لم تشكل اللياقة البدنية مشكلة لأخيل وسعيد وجورج، حيث كانوا لاعبي رجبي وكرة قدم محترفين. أظهروا بكل فخر لنا صورهم في ملابسهم وهم يلعبون مع فرقهم. تلقى جورج خبراً بأن يذهب لزيارة نادي الرجبي في مراكش، الذي بالفعل قدم له فرصة للعب في نهاية المطاف، ولكن بشكل سري. أرادوا الفوز بالمباريات، ولكن دون اعطائه وثائق عمل رسمية. جورج اكتفى بشكرهم. وبصرف النظر عن الظلم، مراكش بعيدة جداً عن أي من نقاط الخروج والعيش هناك، حيث لا تسمح المسافة بالمرونة اللازمة لترتيب العبور. والموقع الجغرافي لمدينة طنجة حاسم، سواء لسياسات التنسيق المشتركة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، أو لتطور العنصرية.

المغرب بمثابة ممر
الحدود البرية الوحيدة مع أوروبا في أفريقيا تمر عبر سبتة ومليلة المغربيتين، المعروفتين باسم الجيوب المحتلة الاسبانية، سبتة (قرب طنجة)، ومليلة (قرب الناظور). نحتاج أيضاً إلى وضع هذه التغيرات في سياق أزمة الاتحاد الأوروبي، وهو ما يعني المزيد من الخطابات المعادية للمهاجرين، حيث يتم دفعهم أكثر فأكثر للعودة إلى الحدود الأفريقية (8). وتحاول أوروبا إبعاد المهاجرين عن حدودها، عن طريق التعاقد الباطني مع دول شمال افريقيا للتحكم بالحدود والمواجهة. يمكنهم القيام بهذه المهمة القذرة من خلال إلقاء القبض والاعتقال والترحيل. أكد صيف عام 2015 بشكل مؤلم هذا الوهم، حين قرر عدة آلاف من اللاجئين المضي قدماً في كل ركن من أركان الاتحاد الأوروبي. هناك ثنائية زائفة بين فكرة اللاجئين [السياسية] والمهاجرين (الاقتصادية)، في كل هذا. في حين أن هذا الرقص الدلالي يبقي الأكاديميين مشغولين جداً، لا معنى لذلك على أرض الواقع إلى حد كبير، وتستخدم كل المصطلحات لأن كل الدوافع تأتي معاً، حتى لو كانت بعض الحكومات تعطي الأولوية للاجئي الحرب، في حين أن المهاجرين لأسباب اقتصادية هم لاجئو الرأسمالية وتبعية ما بعد الاستعمار. إن الأخبار السيئة تنتقل بسرعة، والأحداث المروعة في لامبيدوزا، حيث غرق العديد، في محاولة منهم العبور عبر أجزاء أخرى أكثر خطورة، ولكن أقل مراقبة في شمال أفريقيا. وكرد فعل على ذلك يتجنب البعض البحر الذي ابتلع الآلاف بالفعل. وقد قرر الاتحاد الأوروبي دعم إقامة المزيد من التحصينات، عوضاً عن صرف أموال لتعزيز عمليات الإنقاذ. وبالنسبة لكثيرين، هي سياسة «دعهم يغرقون».

لأنهم يعتمدون على الانترنت، فهم أفضل تنظيماً وينسقون اجتماعياً بشكل أفضل، بحيث يجذبون المزيد من الدعم أيضاً. وقد نمت المنظمات المحلية. وتعمل مجموعة من المتطوعين الذين التقيت بهم في طنجة مع المهاجرين الأفارقة، من خلال المنظمات غير الحكومية المحلية، وتركز بعض الجماعات على تحسين العلاقات بين المغاربة والمهاجرين، والبعض الآخر يعمل على حقوق الإنسان (9). يترافق ذلك مع بعض التداعيات. ففي حزيران/يونيو عام 2015، طردت قوات الأمن موظفي منظمة العفو الدولية (حيث تحتقرهم السلطات لتقاريرهم المطولة إزاء التعذيب في السجون، وتقاريرهم العَرَضية عن الصحراء، وكانت تحقيقاتهم عن شرطة الحدود حادة بشكل واضح)، خلال أبحاثهم عن انتهاكات حقوق الإنسان للمهاجرين.

أصبحت طنجة المدينة التجارية الثانية في المغرب، وتجذب الناس من الطبقة العاملة من وسط المغرب وشرقه وجنوبه أيضاً. وكل هذا نوّع أيضا الطابع العرقي، فمغاربة من ألوان مختلفة يتحدثون العديد من اللغات، بكل ما فيها من الصور النمطية ضد الأمازيغ، ضد السواسة، ضد الداخلية... وبما أن لا أحد يحتكر ذلك، فإنه يبقى كامناً إلى حدٍ ما. خلال احتجاجات جماهيرية مركزة على أساس طبقي، تتقاطع طنجة مع كل ما فيها من تنوع، كما فعلوا في ذلك اليوم الملحمي في بني مكادة عام 2011 (10). ويجب أن تؤخذ هذه العوامل بعين الاعتبار إذا أردنا فهم التغيرات الديمغرافية والسياسية في طابع المدينة. في حين أن السواسة (السود من الجنوب) أو الريافة («البربر» من الشمال) كانوا «الآخر»، في العقود السابقة على الازدهار المناطقي، بات الـ«أفريكاونس» هم «الآخر» الحالي. وعلى الرغم من أنه لا يزال من الصعب تصوره بالنسبة للكثيرين، فإن الفئة التالية من المهاجرين التي قد تصير طنجوية يمكن أن تتكون من القادمين الجدد غير المغاربة. وطنجة مع الدار البيضاء والرباط، ربما هي المدن الوحيدة المناسبة للتحول بهذا الاتجاه. ويجري تأكيد هذا بالفعل، عبر عمليات التقنين وتصاريح الإقامة، وهي تجارب تعتبر فتحاً جديداً لأفريقيا والشرق الأوسط.

يمشي البعض ببطء لأنهم مرهَقون ومفلسون، والطبقة العاملة في طنجة هي الأكبر، ويغلب عليها الطابع الدولي والاقتصاد غير الرسمي، وكل ذلك يعطي فرصة أفضل للعثور على عمل مؤقت يمكن أن يمول الجزء المتبقي من الرحلة. زورق مستأجر بـ 1000 يورو لعبور جبل طارق أو 5000 يورو للتهريب عبر معابر السيارات، في هذه الأثناء يحتاج المرء إلى دفع الإيجار وتناول الطعام. وهكذا تصبح القرارات الاقتصادية هي العنصر الأكثر أهمية. وفي الوقت نفسه، سيحتاج الأطفال الصغار الذين وصلوا مع والديهم، أو المولودون عن طريق العلاقات التي حصلت حديثاً في المجتمعات المهاجرة، إلى التعليم والرعاية الصحية والسكن الملائم. ولفهم هذه التغيرات الهائلة، تحتاج العنصرية إلى أن تُفهَم من خلال ما يمكن استخلاصه من استطلاع أحوال ضاحية بوخالف الفقيرة.

الآلاف من النساء والأطفال والرجال من الكاميرون والكونغو والسنغال وتوغو وغينيا وجيبوتي ومالي وبنين وساحل العاج وبوركينا فاسو، وحتى الصومال، يأتون إلى المغرب، والعديد منهم يكمل طريقه نحو طنجة. يعيشون في أربع مناطق رئيسية في طنجة: بوخالف، بلاساتورو، ومسنانا، وعدد قليل منهم في المدينة القديمة حول سوق براء. عام 2013، نقشت أسماء توسان، وموسى، وسيدريك في ذاكرتي. كانوا قد سافروا عبر وسط أفريقيا وغربها وشمالها، في نهاية المطاف، للوصول إلى منطقة العبور الأخيرة قبل أوروبا، ولكنهم عادوا إلى منازلهم في توابيت. كان ترف الدفن في الوطن ممكناً، مع مساعدات مالية من الكنائس المحلية لإعداد الجثث، وإرسالها جواً إلى بلادهم. عرفت بعضهم عن قرب خلال السنوات الثلاث الماضية. وآخر مرة، خلال مسيرة يوم العمال للمطالبة بالأجر العادل، ولكن لأول مرة، خلال زيارة لتقديم التعازي إلى أصدقاء، وعائلة رجل ميت: مناسبات اجتماعاتنا لم يكن من الممكن أن تكون أكثر اختلافاً.

كان موت سيدريك واحداً من تلك الحالات غير المبلغ عنها في طنجة، وكنت أعرف ذلك عن كثب، فقط لأن بعض أصدقائي يعيشون في بوخالف، ولأنني كنت محظوظة بلقاء مجموعة من المهاجرين الأفارقة في مظاهرة من أجل حقوق الإنسان. إن اجتماعاتي ومحادثاتي الأولية مع ساليف من الكاميرون، ولمينا من جمهورية الكونغو، خلال زياراتي لبوخالف، والاجتماع (غير العادي) في مقهى دافنشي، في شارع محمد الخامس، كل ذلك جعلني أعي أمراً جديداً.

أدت الوفاة المشبوهة إلى غليان ضاحية بوخالف. «جاء القنصل وقال لنا يجب أن نبقى هادئين حتى انتهاء التحقيق»، كما قال ساليف: «نحن الذين نعيش في الفقر بالمغرب لسنا من أولويات حكوماتنا». ولكن لماذا كان من الممكن أن تَقتل وتُفلت من العقاب، في المقام الأول، وليس مرة واحدة، بل مرتين، في نفس المكان، وليس فقط في طنجة ولكن في مدن أخرى أيضا (11) محاولاتي للتوغل في هذا الموضوع مع الآخرين غالباً ما كانت تؤدي إلى خلافات. بدأتُ معرفة المزيد عن الجوانب الاجتماعية للسود في المجال العام والخاص. ما صدمني أن هذه الجرائم لا تُذكَر في وسائل الإعلام الرئيسية، بل فقط عبر تقرير نشر على موقع طنجة 24 الالكتروني، بطريقة مضخمة، في حين لا يُبذل أي اهتمام لمقابلة أصدقاء سيدريك أو عائلته.

ربما، لو شعرت الشرطة بعبء مسؤوليتها، لم يكن سيدريك ليقتل. هذا ما فكرتُ به وأنا أشاهد أشرطة فيديو موته، أثناء زيارتي لمنزله. كان ملقى على بطنه على الرصيف، أمام مدخل الشقة، ورأسه يغرق في بركة من الدماء. لم يصدق أحد قصة انزلاقه وسقوطه عن السطح. الحقيقة التي تقول إن الشرطة طاردته، وكانت معه على السطح، تُلَمح إلى أنه قد تم دفعه. أعقبت تلك الجريمة مظاهرة غاضبة. حصل شيء ما، وكان «الحادث» الثالث المميت.

على الفور خرج المئات من الناس، وكانت بوخالف على وشك الانفجار. طاردوا سيارة الإسعاف التي تريد أخذ الجثة، لكن تأخروا قليلاً: أرادوا لطنجة أن تعرف ما حدث، قبل أن تكون هناك محاولة أخرى للتغطية. لذلك قرروا التظاهر. اللقطات قوية على وجه التحديد، لأن المتظاهرين لم يكونوا خائفين من الشرطة، وهم يعرفون أن الكثيرين يكرهونهم على أي حال: «أخذنا الجثة وبدأنا السير في بوخالف. وكانوا قد اقتلعوا باباً من مبنى، ووضعوا سيدريك عليه ملفوفاً ببطانية- صرخوا «الشرطة، قاتلة!». وساروا مسافات طويلة، هاتفين، متوقفين للحظات، متبادلين الباب المحمل بالجثة الثقيلة، واستمروا بالهتاف. عرقلت خطوط الشرطة مسيرتهم عدة مرات لكنهم اخترقوها؛ وفي نهاية المطاف، منعتهم الشرطة من الوصول لمدينا (المدينة القديمة). انتظرتهم الشرطة على دوار مسنانا. وقد استمرت الاشتباكات لعدة ساعات، وقرروا التراجع، وكانت أعدادهم غير متناسبة مع شرطة مكافحة الشغب، المجهزة بالأسلحة، ولم يكن بإمكانهم الاعتماد على المغاربة للحصول على الدعم. في الواقع، بدأت مجموعة من المارة بإلقاء الحجارة على المتظاهرين. في هذه اللحظة، انضم البعض لمسيرة المهاجرين لفترة وجيزة، قبل أن يخسروا المعركة. العديد من الناشطين المغاربة الذين قابلتهم في الفترة نفسها، اشتبهوا بأن المخزن حشد بلطجية لمواجهة المهاجرين، وقد انضم بعض هؤلاء الناشطين إلى مسيرة المهاجرين، وأشاروا أيضاً إلى أنهم حاولوا إبعاد الشرطة عبثا.

عديدة هي أشرطة الفيديو التي التقطتها كاميرات الهواتف المحمولة والـ Ipad، والتي ينقل فيها الصراخ والهلع حزناً هائلاً وخسارة ومأساة. وقد تم تصوير ذلك فور وقوع الجريمة، لدرجة أنني رأيت الدم يتسرب من أذنيه، بعد أن تحطمت جثته من على سطح المبنى، الذي تعلوه أربعة طوابق. تقلبت معدتي عندما بحثت عن مكان وقوع الحادث، وتتبعت بقعة غامضة حمراء اللون، لكن واضحة: «هذا هو المكان الذي اصطدم به رأسه»، أوضح صديقه لي. كنا نظن أن الوضع في بوخالف سيِّىء، ولكني صدمت بشدة إزاء حالة أولئك الذين يعيشون في الغابة، على بعد ميل إلى الشمال، في ظروف شديدة الصعوبة. يقضون الليالي تحت الأشجار، أو أمام جدران الطرق الجانبية القديمة، مقرفصين تحت خيام البلاستيك، يأكلون من الطعام المرمي، يعدونه ويطهونه على الخشب وأوراق الشجر.

في بوخالف، تتجمع الأسر من بلد واحد أو من بلدان مجاورة، في مكان واحد. وهذا يعني في كثير من الأحيان شقة من غرفتي نوم يتشاركها 5 أو 6 أشخاص. بعد أن زرت منزل توسان السنغالي، قضيت بعض الوقت في منزل سيدريك الكاميروني. وكان واضحاً أن العديد من الرجال والنساء والأطفال يعانون عدم حملهم لوثائق تثبت هويتهم: الملل. لا يسمح لهم بالعمل، ولا للذهاب إلى المدرسة أو للروضة. وإذا كنت فقيراً ومنبوذاً، هناك فرصة ضئيلة لتمضية أوقات الفراغ حول المدينة، وشواطئها الجميلة والحدائق، ومدينا الساحرة. يشاهدون التلفزيون وينتظرون الفرصة «للعبور».

أتذكر أن المحادثات في كانون الأول/ديسمبر 2013 لم تكن تهدأ. شقيقة سيدريك البيولوجية و(صديقته) – ميشيل - بالكاد تحدثت؛ كان الآخرون محدقين في شيء ما على الأرض، مقطبين حواجبهم، عندما يذكر أحدهم تفصيلاً معيناً عن سيدريك. أسئلتي فتحت جروحهم، في نفس الوقت كانت لحظات الصمت في بعض الأحيان، شهادة عن الألم المشترك، تشكل فراغاً غير مرئي. ما عدا عائشة، التي كانت شديدة الغضب. في منتصف حديثها، أشارت إلى الباب، وقالت بمرارة: «ما هو هذا السلوك المجنون من الشرطة، أن تأتي إلى هنا وتركل بابنا؟ «. . . » «هم حيوانات». الإذلال أعمق بالنسبة لها، لأنها جاءت إلى المغرب بتأشيرة سفر عبر مطار الدار البيضاء، حتى أن عائلتها ترسل لها المال للمساعدة في دفع الإيجار. وقالت إنها أصبحت غير قانونية، لأن تأشيرتها انتهت قبل أن تتمكن من العثور على وظيفة، وأنها لن تجد وظيفة بسبب قانون «المغاربة أولاً» العنصري. لم تكن كتومة، ولقد قالت، معبرة عن اشمئزازها: «إنهم [المغاربة] يشبهون بعضهم» . لا يمكن للمرء أن يلومها. رأيت أشخاصاً يحملون صوراً كبيرة للملك، مرددين هتافات مؤيدة له. بقمع من هم «تحتهم»، يمكن للفقراء أن ينسوا مؤقتاً حياتهم المعدمة، ويشعروا بالقليل من الفوقية. مأساتهم هي أنهم بيادق ترمى جانباً، ما إن تصبح غير مفيدة.

في حين أن الجيرة قد تزيد من وقود كراهية الأجانب، من المهم تذكُّر أن تقاسم الفضاء في جزء مقيد من الحياة الحضرية، مثل بوخالف، قد يحفز التضامن أيضاً. قوات المخزن لها مصلحة في كراهيتهم المتبادلة. مع الغضب المتزايد على تخفيض الأجور والخصخصة، آخر شيء تريده الدولة هو موجة أخرى من الاحتجاجات، وخاصة موجة تلتحم فيها المشاعر المعادية للشرطة في الشمال الثائر بالفعل. العديد من الناشطين الذين أجريت معهم مقابلاتي وعملي الميداني يدعمون المهاجرين الأفارقة، كنشطاء تقدميين، ولكن أيضاً لأنهم سكان حديثون في طنجة. ومن المفارقة، أن التشققات المحتملة في الأفكار المحبطة عن “نحن وهم” قد تكمن في العنصرية المحلية المتكررة، والشوفينية الإقليمية المقسمة، التي يكرهها أيضاً العديد من النازحين الداخليين. كانت مؤثرةً مشاهدتهم في اعتصام العاشر من كانون الأول/ديسمبر السنوي، في ساحة الأمم، محتجين ومطالبين باحترام حقوق الإنسان، موطدين علاقاتهم مع الناشطين المحليين من طنجة.

علينا ألا نفسر كل ما سلف بجملة «المغاربة كلهم عنصريون»، بكل بساطة، ولكن قبل كل شيء، فإن التغيير يأتي من الداخل. الادعاءات أن سكان شمال أفريقيا هم قساة بطبيعتهم تسمح أيضاً للآخرين بالتشكيك في النقد الشرعي لرهاب الإسلام، الذي يواجهه الشمال-أفريقيون في أوروبا. وأكثر من أي أمر آخر، يساعد هذا التسطيح الانتهازي في تبرئة العنصرية الممأسسة والاستعمارية، التي تسببت بالهجرة، في المقام الأول.
علمني العديد من النشطاء الذين عرفتهم في السنوات الثلاث الماضية، من خلال بحثي حول تطور حركة 20 شباط/فبراير، أمراً هاماً عن الاساءة للمهاجرين: ماذا تتوقع من بلد يسيء للكل، وما يزال يسيء بشكل كبير لمواطنيه؟ يعني هذا أن النضال من أجل العدالة والديمقراطية يجب أن يكون مرتبطاً بحملات مكافحة العنصرية؛ وتقاطع هذه الشبكات، لأنها تتعرض لعنف الشرطة الموجه ضد النشطاء السياسيين والفقراء: هم محكومون معاً. قبل كل شيء، من بين العديد من المهاجرين الباحثين عن حياة أفضل، وبين العديد من الجثث المجهولة الهوية في قاع البحر، مغاربة أيضاً – فإن أسماك القرش لا تميز. وبين العديد من الأشخاص الذين يعانون الإسلاموفوبيا، وتأثير تنامي الأحزاب اليمينية، أعمام وعمات وأبناء عمومة وأبناء وبنات مغاربة. وكما لا نقبل بما يحصل ضد المهاجرين لدينا في أوروبا، فإننا لن نتسامح مع ذلك في المغرب. إن خيار الهجرة لحياة أفضل ربما يكون أكثر إيلاماً للقلب في المغرب، لأنه يمكنك رؤية بر أوروبا الرئيسي، يبدو قريباً، كرمية حجر تقريباً. والمنطق العنصري للحدود الاستعمارية والتبعية الرأسمالية، هو أن الأوروبي يستطيع البقاء بدون وثائق، شريطة الدخول والخروج لتجديد التأشيرة السياحية، التي تعطى له بسرور. ولكن حتى مع إقامة أسوار حادة كالشفرات، سوف تستمر تدفقات الهجرة. البعض لا يتمكن من العبور ويبقى في الخلف، ويقرر أن يبدأ حياة جديدة في ما بدا له على أنه مجرد مرور. والأحداث الأخيرة تحثنا على بناء حملات أقوى لمناهضة العنصرية، كجزء من الحركات الاحتجاجية، ورفع الوعي حول تكتيكات الـ “فرق تسد” الكلاسيكية المسلّطة على “الآخرين” السابقين [المحليين]. في تموز/يوليو 2015، وبعد أيام قليلة من مغادرتي، سُجِل هجومٌ مدبر على المهاجرين السود في بوخالف، وأفيد عن مقتل أحدهم. ألقي القبض على كثيرين، وبعضهم جرى ترحيله. بوخالف انفجرت مرة أخرى. مناخ الكراهية والتوتر في الأحياء المختلطة يتزايد، ولكن كذلك الجهود المشتركة. نأمل أنه ليس من الصعب بناء الجسور، لأنه إذا كان هناك شيء واحد يوحدهم، فهو الحقد على قوات الشرطة والأمن.

اقتباس ختامي:

كلامي قد لا يرضي البعض منكم،

أو معظمكم

أو، كلكم

أعرف!

ولكن سأقولها

لأنني أرفض أن أكون مثل الأغنام

نحن مجتمع، نرفض الاعتراف

نعشش في التخلف

نحن مجتمع يصرخ بكل وقاحة

مدعياً التمايز

نحن مجتمع يتمادى في الغطرسة، في فراغ

ويدعي الثقافة

الويل لي، شيء مقرف!

نحتضن التنوع كقناع فقط

اختلاف الألوان يضرنا

اختلاف الأشكال يضرنا

اختلاف الأفكار يضرنا

اختلاف الدين يضرنا

حتى اختلاف الجندر يضرنا

وهكذا، نحاول قتل تنوعنا

وأصبحنا سماً قاتلاً بعضنا لبعض

نحن مجتمع أشد سخافة من الأحمق

نعم، نحن مجتمع أشد سخافة من الأحمق

 

ترجمة: يزن الأشقر- هاني عضاضة- وليد ضو

--

مريم أوراغ (باحثة ومحاضرة في جامعة ويستمينستر في لندن، وناشطة مع مجموعة الاشتراكية الثورية في القرن ٢١)

الهوامش: 

1) هذه القصيدة ألقاها شاب تونسي أسود خلال برنامج تلفزيوني، وقد انتشر الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، على نطاق واسع جدا، رابط الفيديو هنا: https://www.facebook.com/hannibaltv1pageofficielle/videos/933246276725468/

2) يظهر على غلاف مجلة Maroc Hebdo وجه أسود، مرفقاً بعبارة «التهديد الأسود» أو «اجتياح الصراصير السود»، أقرأ(ي) على سبيل المثال : Atlanta Blackstar

3) أستعمل في هذا المقال اللكنة الشمالية (في المغرب)، لأنني معتادة على استعمالها، ولأنه يدور البحث ههنا على تلك المنطقة بالذات.

4) Chouki El Hamel. 2013. Black Morocco: A History of Slavery, Race, and Islam. Cambridge University Press.

5) هذا الموضوع لن أناقشه بالتفصيل في هذا المقال، فإلى جانب الهامل، هناك قضايا تستعرضها بشكل صريح مجلة زمان، بالإضافة إلى مواقف واضحة مناهضة للعنصرية صادرة عن حزب النهج الديمقراطي، وتيار المناضل-ة، وعن الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، التي ساعدت على تسليط الضوء على الجوانب  السياسية لهذه المسألة.

6) إقرأ(ي): http://www.rif58-59.com /

7) إقرأ(ي): http://www.irr.org.uk/about/people/siva

8) الأرقام المتحفظة تقدر دخول 40 ألف شخص من غرب أفريقيا إلى المغرب، إلى جانب عدة آلاف قادمين من سوريا والكونغو، بحسب المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

9) References to the Shebaka, GADEM, ASTICUDE, ECOWAS.

10) Miriyam Aouragh:<http://rs21.org.uk/2014/06/20/morocco-activists-renegotiate-power/>.

11) بحسب تقريرين صادرين عن هيومان رايتس ووتش، وفضائية العربية.