«ليبيا» بين الماضي الحزين والمستقبل المجهول

العدد السابع - شباط ٢٠١٧
الدولة: 
ليبيا
تاريخ النشر: 
شباط (فبراير), 2017

بعد الانقلاب العسكري على الملكية، الذي جرى في 1 ايلول/سبتمبر 1969 وخلع الملك «محمد ادريس السنوسي»، ومن ثم قيام الجمهورية الليبية برئاسة معمر القذافي، دخلت البلاد في مرحلة جديدة، عنوانها الأساسي المزيد من الصراعات الداخلية والخارجية.

مشاكل داخلية:

في العام 1973، تم اعلان الثورة الثقافية لتطهير البلاد من «اعداء الثورة» والحزبيين والتحرر من كل القيود القانونية، واعلان الثورة الشعبية والقانونية، بالغاء العديد من الوظائف السياسية والادارية، والابقاء على القاب رئيس الدولة ورئاسة الاركان. اما المعترضون على هذه الاطروحات من المثقفين والكتاب والاعلاميين، فكان نصيبهم السجن. وفي العام 1975 انتخب طلاب جامعة بنغازي ممثليهم في الرابطة، وهي مستقلة عن اتحاد الطلبة الحكومي، وعليه قام النظام بحل الاتحاد العام لطلبة ليبيا، كما الرابطة، «لأن القذافي لا يؤمن بوجود مؤسسات طلابية مستقلة، ولا سيما بعد الصدام الذي حصل بين طلبة جامعة بنغاري من جهة وقوى الثورة وعناصر الامن».

من جهة ثانية، وفي بداية عام 1976، عمت الاحتجاجات كليات طرابلس، وبعض المدارس والمعاهد، وقامت مسيرات تأييد بإيعاز من السلطات الليبية، عمادها من تم وصفهم بـ «قوى الثورة»، الذين ابدوا استعداداً للمواجهة المسلحة.

كما تم اعتقال قيادات في الحركة الطلابية، ليتم اعدام اثنين من قياداتها شنقاً، في 7 نيسان/أبريل من العام 1977، وقد توعد «القذافي» بتصفية هذا الحراك بقوة السلاح. وفي العام نفسه اعلن هذا الاخير عن قيام «سلطة الشعب»، مستنداً الى النظرية العالمية الثالثة (وهي طريقة الحكم الثالثة، بنظره، بعد الماركسية والرأسمالية).

ثم ألفّ «الكتاب الأخضر» لشرح مندرجاتها، معتمداً على مبدأ اللجان الشعبية، باعتبار ان المؤتمر الشعبي العام يعد أعلى سلطة تشريعية في الدولة، ويقوم بسن القوانين والتشريعات، ويتكون من ممثلي عامة الشعب.

وفي آذار /مارس من العام 1979، تم انشاء «اللجان الثورية»، لحث الجماهير على المشاركة في اجتماع المؤتمرات الشعبية، لاكتشاف الافراد والجماعات «المضادة للثورة». وقد اعتبر «القذافي» انه ليس حاكماً، ولا يملك اي منصب، إنما هو قائد وزعيم، لذا فالشعب يحكم نفسه بنفسه. من هنا جاءت تسمية «الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية». وشهدت نهاية السبعينيات ومنتصف الثمانينيات اعدامات جماعية راح ضحيتها العديد من طلبة الجامعات والمثقفين واصحاب الفكر السياسي المناهض لفكر «القذافي»، واعدموا في الساحات والميادين والجامعات.

وفي حزيران/يونيو عام 1996، تمكن عدد كبير من السجناء واغلبهم من الاسلاميين من السيطرة على جزء من سجن «ابو سليم»، بعد قيامهم بطرد الحرس منه (لا يخضع لوزارة العدل بل للأمن الداخلي)، فقامت القوى الأمنية باقتحام السجن والقبض على مئات المتمردين وتصفيتهم جماعياً، وقد قارب عددهم 1200 سجين.

وفي العام نفسه، في احدى مباريات كرة القدم بين النادي الاتحادي والنادي الاهلي الطرابلسي، وبعد فوز الاخير بالمباراة، قام مشجعو الاهلي بالهتاف لناديهم، ولما كان الساعدي القذافي، ابن معمر القذافي، حاضراً المباراة في منصة الشرف، ولأنه عضو في النادي الاتحادي، فقد أمر قوات الأمن بإطلاق النار على المشجعين، فوقعت مجزرة راح ضحيتها 20 من مناصري الاهلي، ما أدى الى تجميد نشاط كرة القدم في ليبيا لمدة ثلاث سنوات كاملة.

اما في العام 2008، فقد قام نجل معمر، سيف الاسلام القذافي، بمحاصرة مدينة «يفرن»، من ثم مهاجمتها، وهي تعد من أهم مدن «امازيغ ليبيا»، وذلك على خلفية مطالبتهم بحقوقهم الثقافية، كما هدد «القذافي» بقصفها بالطائرات.

المشاكل الخارجية:

تونس: في كانون الثاني/ يناير من عام 1974، قام القذافي بزيارة مدينة جربة التونسية لعقد وحدة بين البلدين مع الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة، هذه الوحدة التي لم تستمر سوى 48 ساعة، طلب خلالها القذافي تعيين «زين العابدين بن علي»  وزيراً للداخلية، وهو ضابط امني تونسي. وكانت العلاقات قد تأزمت في عهد «بورقيبة»، بين استنفارات عسكرية على الحدود، وطرد العمالة التونسية من ليبيا... ولكنها استقرت بعد سيطرة «بن علي» على السلطة من خلال انقلاب عسكري ضد «بورقيبة» وذلك في 7/11/1987.

مصر: في السبعينيات، وعلى أثر التقارب الدبلوماسي بين مصر واسرائيل، وبعد تزايد التوترات بين مصر وليبيا، وفي حزيران/يونيو من عام 1977، امر «القذافي» العمال المصريين الذي يعملون في ليبيا (ما يقارب 200 ألف) بمغادرة البلاد، خلال مدة  وجيزة وإلا واجهوا الاعتقال.

كما قامت الحكومة الليبية في الشهر نفسه بالإيعاز للآلاف من المتظاهرين الليبيين بالقيام بمسيرة نحو مدينة «القاهرة» بغية كسر الحدود.

وعند ايقاف سلطات الحدود المصرية لهذه المسيرة، اطلقت وحدات مدفعية ليبية قذائفها على مدينة «السلوم» الحدودية المصرية، ما أدى بعدها الى مواجهات بين القوات المتواجدة على الحدود بين البلدين تطورت الى هجمات برية وجوية بين الجانبين، خاصة ان القوات الجوية المصرية قامت بهجمات عدة على قواعد عسكرية داخل «ليبيا». وقد خلصت هذه المعارك التي دامت اربعة ايام إلى مئات القتلى، ثم توقفت في 25 تموز/يوليو بوساطة من الرئيس الجزائري الأسبق، هواري بومدين، ومن رئيس منظمة التحرير الفلسطينية السابق، «ياسر عرفات».

تشاد 1978 - 1987 : حفلت هذه السنوات بتدخلات ليبية عسكرية مباشرة على خلفية الحرب التشادية، التي امتدت الى شمال تشاد عام 1978، وقد دعم «القذافي» أحد طرفيها بالمال والسلاح والمقاتلين، طمعاً في ضم قطاع «اوزو» الواقع في اقصى شمال «تشاد»، مدعياً انه جزء لا يتجزأ من «ليبيا»، متذرعاً بالاتفاقية الفرنسية - الايطالية عام 19355، عندما كانت فرنسا تحتل «تشاد»، وايطاليا تحتل ليبيا. وهذه النزاعات ليست وليدة الساعة بل تعود الى اوائل الخمسينيات، لأن ليبيا تدّعي أن سكان قطاع «اوزو» يدينون بالولاء «للسنوسية». وفي النهاية انهزمت القوات الليبية، بعد اسر الكثير من جنودها، وبعدها تم رفع قضية قطاع «اوزو» الى المحكمة الدولية، التي اصدرت قرارها في شباط/فبراير 1994 لصالح «تشاد»، من دون ان ننسى الموقف المخزي والمثير للاشمئزاز، المتمثل بإرسال مقاتلين من لبنان.. (الحزب الشيوعي اللبناني + الحزب التقدمي الاشتراكي) للمشاركة في القتال الى جانب نظام «معمر القذافي».

قضية «لوكربي»: في 21 كانون الاول /ديسمبر 1988، اتُّهمت ليبيا بحادث الانفجار الذي وقع على متن طائرة «بوينغ 747» التابعة لشركة PANAM أثناء تحليقها فوق قرية «لوكربي» في اسكوتلندا، ما ادى الى تحطيمها ومقتل جميع ركابها.

وقد فرضت على ليبيا عقوبات قاسية، وخصوصاً، عبر القرار الصادر عن مجلس الامن رقم 748، في 31 آذار/مارس 1992، المهدد بفرض حظر الطيران، منها واليها. وبناء على طلبها، في عام 1998، وافقت على محاكمة اثنين من مواطنيها في هولندا، وبموافقة بريطانيا والولايات المتحدة الاميركية على هذا الامر، تم رفع العقوبات، وانتهت هذه المحاكمة الى إدانة احد مواطنيها (عبد الباسط المقرحي) وتبرئة الآخر (الأمين فحيمة). وبعد تحسن العلاقات بين ليبيا والغرب، قامت الأولى بدفع تعويضات بقيمة 2،7 مليار دولار سنة 2003، كما الغت برنامجها النووي، واهدت معداته الى الولايات المتحدة الاميركية .

الاسباب الممهدة للانتفاضة : لا شك في ان اندلاع الثورة التونسية في 18 كانون الاول/ديسمبر2010، ومن ثم إطاحة زين العابدين بن علي، في 14/1/2011، كما اندلاع الثورة المصرية في 25 كانون الثاني / يناير 2011 وسقوط مبارك في 11/2/2011، قد شكّلا حافزاً مهماً لدى الشعب الليبي، الذي عانى لعدة عقود من نظام ديكتاتوري واستبدادي قام على قمع الحريات بكل أشكالها، الثقافية والاجتماعية والاعلامية، كما على قمع معارضيه السياسيين وزجهم في السجون، اضافة الى قتلهم وتعذيبهم ومطاردتهم خارج ليبيا، باعتبارهم «كلاباً ضالة». كما غذى النظام الليبي النزعات المناطقية والجهوية والقبلية، وعمل على استثمارها من اجل ديمومته، فضلاً عن الفساد الاداري والاقتصادي. كما قام «القذافي» وافراد اسرته وحاشيته بنهب ثروات البلاد، ما أبقى الشعب الليبي في حالة عوز وفقر وأُمية، خاصة ان الاقتصاد الليبي قائم بشكل اساسي على تصدير النفط، المقدر بحوالى 1،6 مليون برميل يومياً، مع مداخيل تقدر بعشرات المليارات من الدولارات سنوياً، ومع احتياطي نقدي بحوالى 100 مليار دولار، ومعدل بطالة بحدود 15%، في بلد يبلغ تعداد سكانه ما يقارب 6،5 ملايين نسمة.

في 14 شباط / فبراير 2011 اجتمعت شخصيات مستقلة وقوى سياسية وهيئات حقوقية في الخارج، واصدرت بياناً موحداً طالبت فيه الزعيم الليبي «معمر القذافي» بالتنحي عن الرئاسة، ونقل نظام الحكم بشكل سلمي، بانتظار تحوله الى نظام ديموقراطي. واثر خروج متظاهرين في مدينة «بنغاري» غالبيتهم من اهالي ضحايا سجن «ابو سليم» - الذين كانوا على موعد كل يوم سبت منذ عام 2009، مع وقفة احتجاجية، للمطالبة بكشف مكان دفن الجثث ومحاكمة المسؤولين عن هذه القضية - ومن ثم اعتقال محامي الأهالي (فتحي تربل)، خرج الآلاف للتظاهر مساء، مطالبين بإسقاط النظام وبإسقاط «القذافي» شخصياً، وامتدت هذه المظاهرات الى بعض المدن في الغرب، وايضاً الى مدينة «البيضاء»، فتمت مواجهتها من قبل القوى الامنية بإطلاق الرصاص الحي، ما أسفر عن سقوط ضحايا عدة.

و في 17 شباط / فبراير، عمت المسيرات الشعبية، على شكل انتفاضة سلمية، بعض المدن الليبية في المنطقة الشرقية، خاصة مدينة «بنغازي»، فتم قصف المتظاهرين بالأسلحة الثقيلة ومضادات الطائرات، ما اسفر عن سقوط عشرات الضحايا، و من ثم تطورت الأمور في كل انحاء البلاد. وفي أقل من اسبوع، حدثت مواجهات مسلحة بين القوات الحكومية المستعينة بمرتزقة اجانب، من جهة، والمحتجين، من جهة ثانية، الذين سيطروا على عدد من مخازن الاسلحة. ثم حدثت انشقاقات كثيرة داخل القوات المسلحة، واعلن المنشقون انضمامهم إلى الثورة، كما اعلنت قبائل كبرى الامر نفسه، كقبائل «ورفلة» و«ترهونة» (ينتمي اليها معظم جنود الجيش)، فضلاً عن قبيلة «الزوي»، في مناطق حقول النفط بالجنوب، التي اعلنت انها ستُوقف ضخ النفط خلال 24 ساعة إن لم تتوقف اعمال القمع ضد المنتفضين.

وقد حصلت انشقاقات على المستوى الدبلوماسي، إذ اعلن مندوب « ليبيا « لدى الجامعة العربية استقالته من منصبه، كما اعلن عدد من سفراء « ليبيا « في بريطانيا، وبولندا، والصين، والهند، واندونيسيا، وبنغلادش، استقالتهم دفعة واحدة، وانشق وزيرا العدل وشؤون الهجرة والمغتربين (مصطفى عبد الجليل وعلي الريشي)، واعلنا استقالتهما. اما مجلس الامن الدولي فقد اصدر القرار رقم 1970، وفرض عقوبات على نظام « القذافي»، وقياداته، وأسرته، وادان بشدة قمع الاحتجاجات.

وبعد ان أتم المعارضون سيطرتهم على الشرق الليبي، اعلنوا قيام الجمهورية الليبية، بقيادة المجلس الوطني الانتقالي الليبي ( تأسس في 27 شباط / فيراير 2011)، الذي لاقى تأييداً في غرب البلاد، وانتقلت المواجهات العسكرية لتعم مختلف الاراضي الليبية، ثم اُعلِن عن تشكيل جيش التحرير الوطني المؤلف من عناصر منشقة عن القوات المسلحة، بالإضافة إلى منتفضين، وقبائل مناهضة للقذافي . وذلك بمقابل قوات مسلحة ليبية تتألف من قوات شبه عسكرية، وقبائل موالية للقذافي ومرتزقة اجانب. كما نال المجلس الوطني الانتقالي اعترافاً من قبل 105 دول، والامم المتحدة والجامعة العربية والاتحاد الاوروبي والاتحاد الافريقي .

وعليه، سارت مظاهرات مؤيدة للنظام في مدن بنغازي وسرت وسبها والعاصمة طرابلس، واعلن القذافي بدء الهجوم على بنغازي في 19 آذار/مارس لاستعادتها الى حضن السلطة، ما دعا مجلس الامن الدولي لاصدار القرار رقم 1972، مؤيداً الحظر الجوي على «ليبيا». ثم بدأت الغارات الجوية من قبل قوات التحالف الدولي، وخاصة الفرنسية والاميركية، ما أفشل الهجوم على «بنغازي». واستمر القتال في معظم الاراضي الليبية لحين مقتل القذافي في سرت في 20 ت1/ اكتوبر 2011، بعد فراره من مدينة «طرابلس» في وقت سابق. ثم بدأت حقبة جديدة تمثلت باختيار «عبد الرحيم الكيب» رئيسا للحكومة الانتقالية، في اقتراع جرى في المجلس الوطني الانتقالي، تلاه بعدها في رئاسة الحكومة «علي زيدان». ثم صوت الليبيون في أول انتخابات برلمانية منذ نهاية حكم «القذافي»، لانتخاب المؤتمر الوطني العام (وهو سلطة تشريعية من 200 عضو).

وكان المؤتمر قد تسلم السلطة رسمياً من المجلس الانتقالي بُعيد انتخابه، ومن مهامه تشكيل حكومة مؤقتة، حيث يقوم المجلس المذكور بتعيين رئيس للوزراء ويقوم الاخير باقتراح اسماء حكومته، على ان يحظوا جميعا بثقة المؤتمر العام قبل مباشرة اعمالهم، واختيار هيئة تأسيسية لصياغة دستور «ليبيا» الجديد ،على ان تنتهي مهامه في 2014. ولكن الاوضاع الامنية والسياسية لم تستقر في «ليبيا»، حيث بقيت الميليشيات المسلحة هي من يسيطر فعلياً على الارض.

ففي عام 2014 اطلق اللواء «خليفة حفتر» (وهو ضابط ليبي منشق عاد الى ليبيا مع انطلاق الثورة) هجوماً برياً وجوياً في بنغازي تحت مُسمى (عملية الكرامة)، لاستهداف الميليشيات المسلحة الاسلامية المتواجدة داخل المدينة. وقد تبع ذلك ما قامت به ميليشيات اسلامية مسلحة عُرفت باسم «فجر ليبيا»، وضمت جماعات من مناطق الغرب الليبي، ابرزها مدن (مصراتة - غريان - زليتن)، من هجوم على مدينة «طرابلس»، بهدف السيطرة على المدينة وبالتحديد مطارها.

وفي 25 حزيران / يونيو 2014، تم انتخاب مجلس النواب الليبي، خلفاً للمؤتمر الوطني العام المنتهية ولايته، على أن يكون مقره مدينة بنغازي، وتم اختيار مدينة «طبرق» التي تنعم بهدوء نسبي لعقد جلساته، لأن مدينتي بنغازي وطرابلس تشهدان انفلاتاً امنياً غير مسبوق. وهذا الخيار عارضته معظم الاطراف الاسلامية، كمجلس شورى ثوار بنغازي، وحزب العدالة والبناء التابع لجماعة الاخوان المسلمين في ليبيا، على خلفية نتائج الانتخابات البرلمانية التي خسرها تيار جماعة الاخوان المسلمين في ليبيا، حيث لم يحصل إلا على 23 مقعداً من اصل 188 (هنالك 12 لم يتم انتخابهم، بسبب الأوضاع الأمنية). وقد استغل التيار قرار انعقاد المجلس في مدينة «طبرق» كون مدينة «بنغازي» هي المقر الرسمي لمجلس النواب، متسلحاً بحكم المحكمة العليا القاضي بحل المجلس، رغم انه نال اعترافاً عربياً ودولياً واسعاً بعملية الانتقال الديموقراطي، ما ادخل البلاد في حرب أهلية ثانية. وعليه، فإن الكتل السياسية التي خسرت انتخابات 2014، تحت مُسمى «فجر ليبيا»، اطلقت المؤتمر الوطني العام الجديد، مُدعية انه الاستمرار الشرعي للمؤتمر الوطني العام، المنتهية ولايته، والمنتخب في 2012، رغم مغادرة غالبية اعضاء المؤتمر القديم.

وهذا المؤتمر الجديد يهيمن عليه حزب العدالة والبناء وجماعات اخرى متحالفة معه، ما أوجد حالة غاية في التعقيد: حكومة يرأسها «عبد الله الثني» مُعترف بها دولياً، ومستمدة شرعيتها من برلمان «طبرق»، الذي يرأسه «عقيلة صالح مسلم»، مقابل حكومة الانقاذ الوطني الاسلامية (حكومة طرابلس) غير المعترف بها دولياً، ويرأسها عبد الله الغويِّل، وتستمد شرعيتها من المؤتمر الوطني الجديد، الذي اعلن بأنه هو (البرلمان الوطني)، ويرأسه «نوري ابو سهمين».

وبعد النتائج التي أفرزتها الانتخابات النيابية الأخيرة في عام 2014، وما صاحبها من انقسام سياسي ومعارك عسكرية بين الأطراف الليبية المختلفة، تم في «المغرب»، بتاريخ 17 كانون الأول/ديسمبر 2015، توقيع اتفاق (الصخيرات) برعاية الامم المتحدة، وقد بدأت العمل به معظم القوى الموافقة عليه في 16 نيسان/ابريل 2016، بإشراف المبعوث الاممي الالماني «مارتن كوبلر»، خلفاً للاسباني «برناردينو ليون»، الذي حاول جمع هذه الأطراف الى طاولة الحوار، من دون نتيجة تذكر. وقد أنشأ الاتفاق ما يلي:

المجلس الاعلى للدولة: هو مؤسسة تنفيذية وهيئة استشارية تأسست في «ليبيا» بعد الاتفاق، وهو اعلى مجلس استشاري للدولة، ومن مهامه ابداء الرأي الاستشاري والاقتراحات اللازمة المتعلقة بحكومة الوفاق الوطني، فيما يخص ابرام الاتفاقيات  الدولية والانضمام اليها، ويجوز له تشكيل لجان مختصصة من بين أعضائه، وذلك في سبيل اداء مهامه. أما مقره الرئيسي ففي العاصمة «طرابلس»، ويحق له الاجتماع في أي مدينة أخرى.

المجلس الرئاسي: من مهامه القيام برئاسة الدولة وقيادة الجيش والقوات المسلحة، ويرأسه في نفس الوقت فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق الوطني، التي تشكلت بموجب هذا الاتفاق.

وهذه الحكومة اتت بعد عامين من الاقتتال (تُدار من قاعدة طرابلس البحرية)، ومن ثم نالت اعترافاً خارجياً من دول الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول العربية، على أنها الحكومة الشرعية الوحيدة في ليبيا.

كما نالت تأييد معظم المؤسسات الهامة في ليبيا (المؤسسة الوطنية للنفط - البنك المركزي)، اضافة الى بعض المدن الساحلية الأساسية، لكنها بالمقابل واجهت عقبات وصعوبات داخلية، فلم تنل اعتراف حكومة «طبرق». أما حكومة الانقاذ الوطني الاسلامية (حكومة طرابلس) فقد اعلنت بداية مغادرة السلطة نهائياً، بذريعة تجنب العنف وسفك الدماء، ثم عادت عن قرارها فيما بعد، مُعتبرة حكومة «السراج» غير شرعية.

اما اللواء «خليفة حفتر» المعين قائداً للجيش في 2015، من قبل مجلس النواب في «طبرق»، فقد اعلن معارضته لحكومة «السراج».

وفي 12 آيار / مايو 2016 انطلقت عملية «البنيان المرصوص» بقيادة حكومة الوفاق الوطني لدحر تنظيم (داعش) من مدينة «سرت»، التي سيطر عليها في حزيران/يونيو 2015. وبعدها، بدأ الطيران الأميركي بتنفيذ ضربات جوية على مواقع التنظيم، وتلا ذلك عقد اجتماع لأعضاء المجلس الأعلى للدولة ومجلس رئاسة حكومة الوفاق الوطني ومجلس النواب، والوزراء عن الجنوب الليبي، في العاصمة «طرابلس».

وقد اعلن «أوباما» ان دعم معركة الحكومة ضد تنظيم «داعش» يصب في مصلحة الأمن القومي الأميركي، وذلك بعد يوم من اعلان ادارته بدء تنفيذ ضربات جوية في مدينة «سرت»، بطلب من حكومة «فايز السراج»، لتعزيز الاستقرار في ليبيا. وهناك معلومات تفيد عن تواجد قوات خاصة اميركية وبريطانية وايطالية على الارض الليبية. وهذا التدخل الأميركي لاقى ترحيباً في مدينة «مصراته»، التي تدعم حكومة «السراج»، تلاه تجدد المعارك بين قوات اللواء «خليفة حفتر» (المدعوم من مصر والامارات) والقوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني، التي انتهت بسيطرة قوات «حفتر» على الهلال النفطي في شرق ليبيا ، الذي يضم حقول (السدراء- رأس لانوف- الزويتية)، ما حدا رئيس مؤسسة النفط على نقض الاتفاق القائم مع حراس المنشآت النفطية، والقاضي بمنع تصدير النفط رغم تبعية المؤسسة لحكومة الوفاق الوطني، بنتيجة الخلافات بين برلمان «طبرق» وهذه الحكومة.

أما الحديث عن حجم الأموال المسروقة من الشعب الليبي فيُقدر بعشرات المليارات من الدولارات، فهنالك 250 مسؤولاً سابقاً يقيمون في بريطانيا، ويديرون ثروة تقدر ب 10 مليارات دولار، اضافة الى الأموال المودعة باسم القذافي وعائلته في بريطانيا (حوالى 16 مليار دولار). وقد جمدت السلطات الايرلندية لديها اكتر من ملياري دولار .

وفي المدة الاخيرة، حصل تطور لافت، حيث قامت ميليشيات في «طرابلس»، تدعمها حكومة (عبد الله الغويل/طرابلس)، بمهاجمة مقار «مجلس الدولة» في المدينة، والسيطرة عليها، بدعمٍ من حرس الأمن الرئاسي، اعقب ذلك اتصالٌ بين حكومة «طرابلس»  وحكومة «عبد الله الثني»، للسعي نحو تشكيل حكومة وحدة وطنية تكون بديلاً من حكومة الوفاق الوطني.

وهذا يعني أن الاوضاع تتجه نحو المزيد من التعقيد، فالمشهد السياسي لا ينبىء بالخير، خاصة مع وجود ثلاث حكومات تتصارع فيما بينها. ما يدل على أن اتفاق «الصخيرات»، الحاظي بدعم دولي، قد بدأ بالترنح، فاسحاً الطريق أمام ادخال تعديلات تطال الكثير من بنوده، مع احتمال ان يتم الغاؤه.

اما الحكومة المنبثقة من هذا الاتفاق فلن تكون قادرة على الاستمرار في برنامجها، المتمثل ببسط سلطتها على كامل الاراضي الليبية. وذلك خصوصاً بعد سيطرة اللواء «خليفة حفتر» على موانئ الهلال النفطي في الشرق الليبي، واعادة فتحها من اجل تصدير النفط مجدداً الى الخارج، وهذا عزز من موقفه في أي تسوية مستقبلاً، حيث انه سلم هذه الموانئ الى المؤسسة الوطنية للنفط. ووفقاً لهذه المعطيات والتطورات، فإن الحديث عن المستقبل في ليبيا يُصبح، فعلاً، في علم المجهول.

اواسط تشرين الاول / اكتوبر 2016