نقف بحزم ضد الانقلاب، وكتفاً إلى كتف مع الجماهير

العدد السابع - شباط ٢٠١٧
الدولة: 
تركيا
الملف: 
الحركات الاسلامية
تاريخ النشر: 
شباط (فبراير), 2017

لتركيا تاريخ طويل من التدخلات العسكرية، الهادفة إلى إطاحة الحكومات المنتخبة. وقد حصلت انقلابات ناجحة بالفعل، خلال الأعوام 1960، 1971، 1980 و1997، وعدة محاولات فاشلة، خلال عقد الستينيات، فضلاً عن «المذكرة» الالكترونية عام12007.

وقد هيمن على سياق الانقلابات تخوفان أساسيان: استيلاء الإسلاميين على السلطة، ونضال الأكراد من أجل حقوقهم الوطنية. وخلال انقلاب عام 1971، أضيفت إليهما مخاوف جديدة، كالخوف من صعود الحركة الشبابية اليسارية الراديكالية، وخلال العام 1980، تخوف الجنرالات من تنامي حركة الطبقة العاملة.

إن حزب العدالة والتنمية هو حزب سياسي قادته شخصيات انفصلت عن الحركة الإسلامية التقليدية، بقيادة نجم الدين أربكان، الذي كان رئيساً لمجلس الوزراء لفترة وجيزة، خلال عامي 1996-1997. وقد حصل حزب العدالة والتنمية على تأييد كبير، وسط أزمة اقتصادية وسياسية كبيرة عام 2002، ووصل إلى السلطة مع تأييد 34 بالمئة من أصوات الناخبين/ات، بعد عام على تأسيسه كحزب.

على الفور، وبعد تولي حزب العدالة والتنمية السلطة، بدأ تحضير الخطط داخل القوات المسلحة لتنفيذ انقلاب على الحكم، خاصة لأن الحزب جاء من خلفية اسلامية، وكانوا ينظرون إليه على أنه يشكل تهديداً لـ«أسس» الدولة العلمانية.

في وقت لاحق جرى الكشف عن هذه الخطط، وقد حوكم عشرات الجنرالات بالسجن جراء ذلك.

المقاومة الجماهيرية

بين العامين 2007 و2011، شهدت الشوارع التركية حركة جماهيرية واسعة، قادها اليسار (وخاصة حزب العمال الاشتراكي الثوري في تركيا) في المدن الكبرى. وقد تظاهر عشرات الآلاف في اسطنبول وأنقرة وإزمير، رافعين/ات الشعارات الراديكالية: منها المطالبة بأن يصمت القائد العام للقوات المسلحة، والمطالبة بالحقوق القومية للأكراد، والاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن، وبحقوق العمال والعاملات…

كانت هذه الحركة الشعبية شديدة التأثير، وكانت ترى أن دعم أي نوع من الانقلابات العسكرية بات أمراً يخجل منه المجتمع التركي. ولأجل ذلك، لم يجد الجنرالات الذين حاولوا الانقلاب على الحكومة في 15 تموز/يوليو عام 2016، أي تعبئة شعبية داعمة لهم في الشوارع. وما حصل كان أمراً مختلفاً: جماهير شعبية كانت قد تعلمت من تاريخ الانقلابات العسكرية، ومن الحركة ضدها، خرجت إلى الشوارع. تظاهر الناس في كل مكان (حتى قبل أن يطلب منهم الرئيس رجب طيب أردوغان ذلك)، ووقفوا أمام الدبابات، وقد أُطلقت النار على العديد منهم، ولكنهم استمروا بالخروج لوقف الجيش.

لهذا السبب، فشلت محاولة الانقلاب - على الرغم من مشاركة أكثر من 40 بالمئة من الجنرالات فيها - ووقفت بقيتهم على «الحياد»، لمعرفة مجريات الأمور.

وقد أثارت محاولة الانقلاب العديد من المناقشات داخل التيارات اليسارية وكذلك على نطاق أعم.

حجج مؤيدة للانقلاب

أولئك الذين تمنوا النجاح للانقلاب كانوا أقلية صغيرة، وغير قادرين على الإعلان عن ذلك بشكل صريح. حتى أنهم استعملوا حججاً مختلفة.

في الساعات الأولى، عندما كانت الدبابات لا تزال في الشوارع والبرلمان وغيرها من المباني التي كانت تتعرض للقصف من الطائرات والطوافات الحربية، ادعى البعض أن ما يحصل هو «سيناريو» أو «مسرحية» أطلقها أردوغان من أجل تعزيز موقفه، وضمان نجاح مساعيه لتحقيق سلطة رئاسية تنفيذية2. ونظراً للرعب والعنف الذي نشره الانقلابيون، باتت تلك الادعاءات غير قادرة على متابعة هذا النمط من التحليل.

في الصباح الذي أعقب محاولة الانقلاب، انتشرت صور لسحل الجنود بشكل واسع، على شبكات التواصل الاجتماعية، حيث أشيع أن أحدهم قد ذبح على أيدي المحتجين. وبعد بضعة أيام تم الكشف عن أن هذا الأمر كان غير صحيح أيضاً. ولكن الجدل حول أن المحتجين المناهضين للانقلاب هم من الإسلاميين الرجعيين المؤيدين لداعش استمر لوقت طويل، وجرت شيطنة المظاهرات الشعبية، التي استمرت لبضعة أسابيع، عبر استعمال حجج مشابهة.

«المتظاهرون؟!»، تساءل بتعجبٍ العديد من الكماليين3، وبعض الأوساط اليسارية، وأضافوا «أكانوا يدافعون عن الديمقراطية، أو فقط عن زعيمهم أردوغان؟»

أولاً، لا يوجد شيء خاطىء، في محاولة الدفاع عن زعيمك المنتخب، ضد محاولة انقلاب الجيش المناهضة للديمقراطية. ثانياً، هؤلاء الذين يتساءلون عن الهدف الأساسي للمتظاهرين لم يخرجوا إلى الشوارع في 15 تموز/يوليو، وبعضهم عارض بشدة حتى أعمال المقاومة الشعبية. لذلك، إذا واجهوا الاختبار نفسه، فإنهم من المؤكد سيفشلون، لأنهم لم يدافعوا عن الديمقراطية، عندما كان الجيش يهدد حكومة لا تحظى بتأييدهم.

اليسار

كان الجزء الأسوأ من كل ذلك أن العديد من التيارات اليسارية قد تماشت آراؤها مع حجج مماثلة. خاصة إذا علمنا أن لليسار سجلاً بشعاً من الرد على الانقلابات السابقة. ومحاولة انقلاب 15 تموز أحيت كل الحجج القديمة الحمقاء حول ما يجب القيام به في مواجهة العسكر.

لذلك فالحجة التي تقول إن هناك محاولتَي انقلاب، الانقلاب الحقيقي، و»الانقلاب المدني»، الذي بدأه حزب العدالة والتنمية عام 2015، وإنهما على مقدار واحد من السوء، باتت حجة شعبية جداً، في صفوف اليسار والحركة الكردية.

إن تاريخ الاقتراع العام لم يكن هدية مجانية لنا من حكامنا، ولكن كان مكسباً انتزعه الناس العاديون، إثر عقود من الصراعات الدامية. وكان ذلك واحداً من المطالب الرئيسية لأول حركة للطبقة العاملة في الرأسمالية الحديثة، الحركة الشارتية4. لهذا السبب، كتب لينين عام 1905، أن «من يريد الوصول إلى الاشتراكية من خلال أي مسار آخر غير الديمقراطية السياسية، سيصل حتماً إلى استنتاجات عبثية ورجعية على حد سواء بالمعنيين الاقتصادي والسياسي»5. ولهذا السبب، قاوم البلاشفة بصورة فعالة محاولة انقلاب لافار كورنيلوف عام 1917، ليكسبوا إلى جانبهم جماهير الطبقة العاملة، على الرغم من أن البلاشفة كانوا من أشد المناضلين ضد حكومة ألكسندر كيرينسكي، التي كان يريد كورنيلوف إطاحتها.

لذا إنه خطأ فادح رفع الشعار القائل: «لا للانقلاب ولا للحكومة»، خلال تنفيذ الانقلاب العسكري. هو موقف مجرد وخطر أن تتم المساواة بين نوعين من الخطر هما في الواقع غير متساويين. فحين تكون هناك ديمقراطية برلمانية وانتخابات نزيهة، حتى في ظل أسوأ الأحوال، يمكن لليسار، والعمال، والعاملات، أن يشكلوا تحدياً سياسياً لأية حكومة مستبدة. ولكن الديكتاتورية العسكرية، كما رأينا في مصر، وكذلك خلال عدة مناسبات في تركيا، تلغي كل أشكال الديمقراطية وتنظيمات الطبقة العاملة.

لليسار التركي أيضاً تاريخ مرير، باعتماده شعار «لا -لا»، ضد العسكرة. فمن خلال دفاعك المجرد عن «العلمانية»، ينتهي بك الأمر بشكل عام داعماً للدولة التركية. فعندما تدخل الجيش بالسياسة عام 1997، قال أغلب اليسار: «لا للعسكر، لا للشريعة». هذا ما أدى إلى تراجع حزب الحرية والتضامن، الحزب الإصلاحي الكبير خلال التسعينيات، إلى مجرد تنظيم عصبوي صغير. وهذا أدى أيضاً إلى اضمحلال اتحاد نقابات موظفي القطاع العام، الذي كان قد استطاع تحطيم قرار منع التنظيم النقابي، وتراجعت أهميته بشكل كبير.

موقف الحكومة «المناهض للانقلاب»

إن كسب الحجة داخل اليسار أمر بالغ الأهمية، لأنه سيعطينا قوة لمحاربة حكومة قوية للغاية مع تأييد 50 بالمئة من أصوات الناخبين/ات، وأكثر من 9 مليون منتسب/ة؛ تضاف إلى ذلك الآن ثقة تامة بها، لكونها هزمت محاولة الانقلاب العسكري.

أن تكون ضد الانقلاب وإلى جانب الجماهير، هو شرط مسبق لأي قوة سياسية حتى تكون لها فرصة لجذب ناخبي/ات حزب العدالة والتنمية، وكسب تأييد الناس، من خلال فضح ضعف تحليل أوساط السلطة القائمة للانقلاب.

فأردوغان وبقية قادة حزب العدالة والتنمية يدعون الآن أن حركة فتح الله غولن (رجل دين يعيش في المنفى بالولايات المتحدة)، وحدها، هي من نفذت محاولة الانقلاب. وأنه من خلال تطهير الجيش وقطاعات من بيروقراطية الدولة من مؤيديها، تصبح الأمور على خير ما يرام.

يحصل كل ذلك جنباً إلى جنب مع إعادة كتابة التاريخ الرسمي للعقد الماضي، حيث قضى انقلابيون آخرون من داخل البنية التقليدية للدولة سنوات في السجن. واليوم، ينضم حزب العدالة والتنمية إلى الخط السياسي الكمالي القائل إن محاكمة الجنرالات الكماليين كانت كلها قائمة على أكاذيب اختلقتها شخصيات من حركة غولن كانت تحتل مواقع مهمة في الجهاز القضائي.

وهذا غير صحيح، إطلاقاً. فأولاً، إن الغولنيين، الذين تتم محاكمتهم، لاختراقهم بيروقراطية الدولة، هم أقلية صغيرة، داخل القوات المسلحة. ثانياً، أولئك الذين سجنوا بتهمة التآمر لتنفيذ انقلابات خلال العقد الأخير كانوا من الأركان الأساسية للدولة التركية. وهم يتحملون كامل المسؤولية عن الحرب القذرة ضد الأكراد، خلال التسعينيات، حيث قضى 17 ألف شخص، عبر جرائم قتل «لم تُحَل بعد». وهم الذين شيطنوا الصحافي الأرمني هرانت دينك، ممهدين الطريق أمام اغتياله. وقد أبقوا على تقليد انقلاب 28 شباط/فبراير عام 1997 حياً، وفرضوا منع ارتداء الحجاب في الجامعات، وغيرها من المؤسسات العامة. إنه أمر بالغ الخطورة أن يتم تبييض جرائمهم، بمساعدة من الحكومة، التي حاولوا أن ينقلبوا عليها. وأخيراً، لتركيا تاريخ طويل من الانقلابات العسكرية، وسيكون غبياً الاعتقاد أن كل ذلك كان بفعل مبادرة من الجنرالات المؤيدين لغولن.

إذاً إن أردوغان يدفع باتجاه خط يميني معارض للانقلاب، يعتبر أن جيشنا هو البطل، والمدافع عن الأمة ضد كل أنواع التهديدات، ولكن كانت فيه «حفنة» من الخونة. وهو يفعل ذلك لأن حزبه السياسي محافظ ونيوليبرالي، ولا يريد المس بجهاز الدولة، ولكنه فقط يريد تجنب المخاطر التي تستهدف حكومته. وهو يقوم بكل ذلك، لأنه يحتاج إلى الجيش، حتى يستطيع إدارة جهاز الدولة، لصالح الرأسمال التركي. والجيش يستمر في قتال الأكراد داخل تركيا، وقد توجه الآن إلى سوريا لمحاربة داعش والأكراد هناك.

هناك مساحة سياسية حيث يمكننا أن نكون ضد الانقلاب بحزم، ونتخذ أيضاً موقفاً متمايزاً عن موقف حزب العدالة والتنمية. هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن أن يُبنى على أساسها يسار حقيقي في تركيا.

الاثنين 5 أيلول/سبتمبر 2016

ترجمة وليد ضو

--

الهوامش:

* أوزان تيكين- مناضل في حزب العمال الاشتراكي الثوري في تركيا، وهو كاتب ومحرر موقع الحزب (http://marksist.org/)

1) أصدرت هيئة الأركان العامة في تركيا بياناً على موقعها الالكتروني عام 2007، ذكَّرت فيه بدور الجيش في الدفاع المطلق عن علمانية الدولة، مهددة باتخاذ إجراءات علنية وواضحة، حيث يجب، مؤكدة على أن القوات المسلحة ستقوم بواجباتها، لحماية المميزات غير القابلة للتغيير، في تركيا. وقد جاء بيان هيئة الأركان، خلال الجدل حول ارتداء زوجة عبد الله غول الحجاب، والموقف من الإسلام السياسي. وكان غول مرشحاً للانتخابات الرئاسية، التي قاطعتها المعارضة، وتمت الدعوة لانتخابات نيابية، حاز فيها حزب العدالة والتنمية- الذي ينتمي إليه غول- الأغلبية الساحقة من المقاعد النيابية، ومن ثم انتخب غول رئيساً [الملاحظة من المترجم].

2) زيادة صلاحيات رئاسة الجمهورية [م.م.]

3) نسبة إلى كمال أتاتورك [م.م.]

4) الحركة الشارتية، حركة عمالية انتشرت في انكلترا خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن التاسع عشر. [م.م.]

5) لينين، (1905) «تكتيكان للاشتراكية الديمقراطية في الثورة الديمقراطية». [م.م.]