اليسار في فرنسا والمسألة الدينية

العدد السابع - شباط ٢٠١٧
الدولة: 
فرنسا
الملف: 
اليسار
تاريخ النشر: 
شباط (فبراير), 2017

ما هو واضح، اليوم، أن قطاعات واسعة من اليسار في فرنسا معادية للمسلمين/ات، وأن لدى المنظمات اليسارية الأساسية نزعة أبوية، وحتى عنصرية، تجاه غير البيض. ولكن هذه الظاهرة هي أكثر تناقضاً بالنسبة للمنظمات التي تتدخل في النضالات  الاجتماعية، وتكافح ضد السياسات العنصرية، بالتضامن مع نضالات الذين/اللواتي لا يحملون/ن أوراقاً ثبوتية، أو ضد عنصرية ما بعد الاستعمار.

على الرغم من هذه المصلحة المشتركة في النضال ضد الأشكال المتعددة من الاضطهاد، كيف يمكن تفسير العداء تجاه المسلمين/ات بشكل خاص، وبشكل عام ضد المهاجرين/ات، والمتحدرين/ات منهم/ن؟ لماذا من الصعب جداً تنظيم واضح ليسار متضامن ضد رهاب الإسلام، الذي غالباً ما يحتل صدارة النقاش السياسي في فرنسا؟ ما هو أصل هذا العداء؟ هل يأتي من اختراقٍ من جانب الأيديولوجيا المهيمنة، التي تخلق وتنشر رؤية مؤامراتية للمسلمين/ات، كجماعة منظمة تحمل مشروعاً رجعياً، أو أن الأمر يتعلق بتكوين اليسار الفرنسي، بالذات؟ وهل هناك فعلاً استثناء ثقافي فرنسي لليسار العلماني؟

الثورة، أي الفرنسية؟
إن التاريخ الخاص بالثورة الفرنسية يمكن أن يقدم بعض التوضيحات. وعلى وجه الخصوص كيف يرى اليسار إرث تاريخ الدولة الفرنسية. لقد جاء بناء فرنسا كدولة-أمة مع الثورة، التي تجذرت خلالها سيرورة ثورية، ولعبت القوى الثورية دوراً هاماً في بنائها. وقد نشأ ارتباك بين ورثة هذه الثورة، التي تقيم علاقة إذا لم تكن محايدة، فهي في أسوأ الأحوال قومية، تجاه دولة تزينها قيم عالمية، مثل المساواة والحرية والإخاء، قيم تحدد فرنسا كدولة-أمة. هذه القيم العالمية تُستعمل لتأكيد استثناء قومي، يمكن أن نسميه «شوفينية العالمي».

إن هذا المفهوم الذي بلوره عبد المالك صياد (1)، لتفسير التناقض بين العالمية والقومية، هو أيضاً مفيد لفهم تناقضات يسارٍ غارق في القيم القومية الخاصة بالجمهورية. هذه الأمة لها سمعة عالمية أنها حاملة لقيم ثورية خدمت الاستعمار، بوجه أخص. وغياب نقد مناهض بشكل أساسي للاستعمار، أي مناهض للنزعة القومية، في الحركة العمالية الوليد، في أوائل القرن التاسع عشر، يرسم حدوداً مع المستعمَرين. ويتم في الميثاق الجمهوري تشاركُ فكرة أن الاستعمار قد يكون أهون الشرور، لأنه سيصدِّر قيماً تقدمية للشعوب الهمجية. وهذا التاريخ الطويل والمعقد يتلاقى مع العلاقة بين الحركة العمالية والاستعمار، ولكن المواقف المهيمنة تـأرجحت بين فضح انتهاكات الاستعمار، وتحقيق اندماج أفضل، من خلال الحصول على صفة المواطنة، من جهة، وتبرير نزع الصفة الإنسانية عن السكان المستعمَرين، من جهة أخرى. ولكن قلة هي التي خرجت من المنطق الاندماجي، لصالح تقريرٍ لمصير الشعوب، مستقلٍ عن القيم والأراضي الفرنسية.

المكان الأساسي الآخر للتعمية الجمهورية هو المدرسة، وهي مؤسسة لعبت دوراً رئيسيا في التوحيد الثقافي، في فرنسا. فالمدرسة علمانية بفعل الأدوار المجتمعة للحركة العمالية في فرنسا، والبرجوازية الجمهورية، اللتين لم تريا جيداً تأثير الكاثوليكية العميق، فضلاً عن أن هذه الاخيرة تابعة لسلطة البابا الأجنبية. ويهدف التعليم المجاني والإلزامي لتصليب معسكر قومي في أرض فرنسية متنوعة جداً، على الرغم من تنوع البلد الثقافي واللغوي. إن هؤلاء الأولاد، المنتَزَعين/ات من عائلتهم/ن وتاريخهم/ن، يتعلمون الكثير من السخافات، مثل حرمة الحدود والحاجة لتوسيع معسكرٍ متحضر، والدفاع عنه، ضد التهديدات الهمجية. وإذا كانت عملية إسباغ طابع الأمة هذه قد جرت من دون صدامات، فإننا لا نجرؤ على تخيل أي علاقة بالمدرسة يرثها المتحدرون/ات من مستعمَرين/ات مستقرين/ات في فرنسا، أو من الأقليات الدينية، مثل اليهود.

هكذا تتميز العلاقة بين المدرسة والسكان غير البيض، وغير المسيحيين، بسياسة استيعابية عنيفة. فيجب أن يقدم الناس قدْراً من الأدلة أكبر مما يقدمه الآخرون ليكونوا فرنسيين/ات مثلهم/ن، وهو ما يعني نبذ التراث الثقافي الخاص بهم. لذلك بات وضع الحجاب سبباً للإقصاء من مؤسسات الدولة، أو أصبح استعمال مصطلح أجنبي أمراً يعاقب عليه كما لو كان شتيمة. وبطريقة أو بأخرى، فإن الحظر المفروض على الحجاب، والحجج المقدمة، من مثل رؤية الحجاب كراية أجنبية وأصولية، تجعلنا نفكر كثيراً بالشبهات التي كانت تثقل كاهل اليهود، في أواخر القرن التاسع عشر.

فهناك قضية هزت المجتمع الفرنسي، بعمق، تماماً كالتدابير المتخذة اليوم، على قاعدة رهاب الإسلام، إنها قضية دريفوس. فلقد اتُّهم النقيب ألفرد دريفوس بالتجسس لصالح الألمان، لمجرد كونه يهودياً. وعلى غرار قضية وضع الحجاب في المدارس، لم يكن الفصل واضحاً بين قوى اليسار واليمين، في هذه القضية. وقد استمرت اتجاهات يسارية شديدة العداء لدريفوس، سواء بسبب كراهيتها للدين، أو خلطها العنصري بين الرأسمالية واليهودية.

ثوريون/ات أمميون/ات
ولكن هناك تقليد سياسي آخر معاد للاستعمار بشكل واضح. الفعل المؤسس لهذا الاتجاه بدأ مع انتفاضة الهايتيين/ات بقيادة توسان لوفرتور (2) ضد العبودية. فنضالهم/ن زعزع بعمق استقرار المصالح الفرنسية في البحر الكاريبي، وقيم المساواة التي بشرت  بها الثورة. وقد تلقت تلك الانتفاضة دعما مطلقا ومطالبة بإلغاء العبودية من الأطراف الجذرية، داخل الحركة الثورية في فرنسا. وساعدت الانتصارات العسكرية للهايتيين/ات على تقدم القوى الراديكالية في فرنسا، وجرى إلغاء العبودية لأول مرة. التقليد الآخر الذي أعطى للسيرورة الثورية طابعها العالمي هو ذلك الوريث لكومونة باريس. فالعديد من المهاجرين/ات، ومن بينهم أفواج الصبايحية/السبايسية(3)، كانوا/ن متورطين/ات. وخلال تلك الثورة، اعتُمِد بالاجماع العلم الأحمر المناهِض للعلم الأزرق والأبيض والأحمر. ومن بين الثوار في الكومونة، يمكن ذكر لويز ميشال التي حددت موقعها بوضوح ضد الاستعمار الفرنسي. وبعد قمع الكومونة، سجنت ورفاقها في كاناكي، حيث التقت بجزائريين كانوا قد ثاروا أيضا عام 1871 ضد السلطة الاستعمارية. وثورة المقراني كانت الأهم منذ بداية الاستعمار في الجزائر، لأنه شاركت فيها 250 عشيرة، وثلث سكان الجزائر. وقد أقامت ميشال صلات تضامنية قوية مع سكان الكاناك، وقدمت الدعم لهم خلال ثورة عام 1878. وفي نهاية حياة لويز ميشال، قامت بجولة محاضرات في الجزائر للتنديد بالاستعمار. هذا هو الإرث الشديد الأهمية والفائدة لبناء يسار مناهض جذرياً للاستعمار. ونجاح هذه النضالات يستند إلى الاعتراف بالاختلافات الثقافية، كجزء من ثقافة المضطهَدين/ات والمستغلين/ات، وهي ثقافة أكبر وأوسع بكثير من القيم المسماة جمهورية.

هذا الاتجاه سيستمر حتى الـعشرينيات، حيث وقف الحزب الشيوعي الفرنسي الحديث النشأة إلى جانب حق الشعوب المستعمَرة بتقرير مصيرها، وذلك بفضل نضال هذه الأخيرة. وفي مطلع الـخمسينيات، أضعف النضال ضد الاستعمار في فيتنام، واندلاع الثورة الجزائرية عام 1954، النزعة القومية الفرنسية، التي دعمتها الانعطافة الستالينية لدى الحزب الشيوعي الفرنسي. وقد ولد جيل جديد من المناضلين/ات، المتضامنين/ات مع الاتجاه الذي أخذته الشعوب المستعمرة. تكوَّن هذا الجيل من أناركيين/ات وتروتسكيين/ات، ومن اليسار المسيحي، والماويين/ات، ومن مناضلين/ات من القاعدة الشعبية للحزب الشيوعي الفرنسي. وهكذا أثرت الثورة الجزائرية بشكل أساسي في الأعضاء المؤسسين/ات للعصبة الشيوعية الثورية، سلف الحزب الجديد المناهض للرأسمالية. إن انتصارات الثورات المناهضة للاستعمار في فيتنام والجزائر، والدور السياسي للمناضلين/ات المناهضين/ات للاستعمار، سهَّلت قيام حالات تمرد أيار/مايو- حزيران/يونيو 1968، وهي حالات تمرد جرت مرة أخرى من خارج أحضان الحزب الشيوعي الفرنسي. إن شروط حريق سياسي معمم لا تقتصر على الدفاع عن الحقوق النقابية، بل تشمل أيضاً صراعاً أيديولوجيا ضد الأسس القومية للدولة الفرنسية. والعودة إلى هذه القصة وتقييمها يتيحان لنا فهماً أفضل لرهانات رهاب الإسلام السياسية اليوم.

من نضالات التحرر الوطني إلى انتزاع الحقوق الاجتماعية
في كثير من الأحيان، كانت نضالات المستعمَرين/ات وذريتهم/ن، ضمن طليعة نضالات الحركة الاجتماعية. من هنا جاء الاهتمام بالاستثمار في العنصرية من أجل منع انتشار الأفكار، التي تعتبر خطرة جدا أو خارجة عن أي سيطرة بيروقراطية. وقبل استكشاف هذه القصة التي عادة ما يتم تهميشها في السردية المهيمنة، من المهم طرح بعض العناصر المنهجية حول كيفية فهم ضحايا العنصرية، وخاصة أولئك الذين يعرفون/ن عن أنفسهم/ن، كمسلمين/ات.

يجب تجنب وجهتي نظر: الأولى تقوم على الاعتقاد أن كل المسلمين/ن وكل غير البيض هم بشكل عام رجعيون/ات، ومتحيزون/ات ضد المرأة، ومعياريون/ات، على أساس الغيرية الجنسية (4) (heteronormativity). وفي الواقع، إن المسلمين/ات حاضرون/ات في كل المجال السياسي، ويعبرون عن ارتباطات متباينة. أما وجهة النظر الثانية الثقافوية الخطيرة فهي متساوِقة مع الرؤية السابقة: الاعتقاد أن كل مسلم/ة تقدمي/ة، بشكل جذري، لأنه/ا خاضع للسيطرة. وبصفتنا مناضلين ثوريين، لا نطلب ضمانات سياسية من مجموع مسلمي/ات فرنسا، الشديدي/ات التنوع، من أجل دعمهم/ن، في حال تعرضهم/ن للهجوم. على العكس من ذلك، ففي سياق سيرورة نضال مشترك تظهر مصالح سياسية مشتركة تتجاوز إطار نقطة الانطلاق، وتظهر أيضا طلائع سياسية، من خلالها يمكن للمسلمين/ات الثوريين/ات أن يلعبوا/ن دوراً رئيسياً لصالح مجمل الطبقة.

وغالباً ما ينظر إلى ضحايا العنصرية كأشياء، وليس كذوات فاعلة في التاريخ. يصبح غير البيض ضحايا سلبيين/ات ولا يمكنهم/ن الاستغناء عن مساعدة رفيقهم/ن الأبيض/البيضاء المتنور/ة. وهذه قراءة غريبة للتاريخ، إذا عرفنا أن النضالات العمالية والسياسية في فرنسا لم تكن حكراً على الرجال البيض الغيريين جنسياً. إن النضال المناهض للاستعمار من جانب الجيل الأول من المهاجرين/ات لم يكن فقط من أجل التحرر الوطني، إنما كان يسعى أيضا نحو التطبيق الفوري لحقوق متساوية، وعدالة اجتماعية، فوق الأراضي الفرنسية.

هذا هو الإرث الذي تلقفته الأجيال التالية. ففي الـثمانينيات، حدث تحول سياسي، تميز بوصول الحزب الاشتراكي إلى السلطة، بعد عقود من حكم اليمين. وكان تأثير ميتران يحمل الكثير من الوعود، ولكن وعودٍ لم يكن يمكن أن تكفلها إلا حركة (شعبية). والحركة الوحيدة التي هزت النظام هي تلك التي أتاحت حصول المسيرة من أجل المساواة وضد العنصرية عام 1983. بدأت هذه المسيرة بمبادرة من شباب من سكان مدينة فينيسيو أرادوا/ن وقف عنف الشرطة العنصري الذي كانوا/كن هم/ن أنفسهم/ن ضحاياه. ولقد استوحيت فكرة المسيرة السلمية عبر فرنسا من حركات الحقوق المدنية في الولايات المتحدة. كان الهدف هو تحسيس المجتمع كله بمساوئ العنصرية. وهكذا بعد عدة أشهر من الحملات، وإنشاء لجان محلية لاستقبال القائمين/ات بالمسيرة، واللحاق بهم، تواجد مئة ألف شخص في باريس.

إن السنوات التي تلت، وعملية استعادة الحزب الاشتراكي (إلى مواقع اليمين-الإضافة للمترجم)، عززت فكرة أن النضال لا ينبغي أن يتم حرفه إلى غايات مؤسساتية ووصولية. ولكن ما يمكن اعتباره مثالاً يحتذى في هذه الحركة إنما هو قدرة الشبيبة غير البيضاء، المحرومة والمهمشة، على أن تكون في جبهة الصراع الطبقي. فالحركيون/ات (5) (harkis)، والمتحدرون/ات منهم/ن، لعبوا/ن دوراً رائداً في التأكيد على حضور غير البيض في فرنسا، سواء من خلال مشاركتهم/ن الفعالة في هذه المسيرة، أو بشكل أعم، من خلال إنشاء إسلامٍ فرنسي. في الواقع، كان هناك شعور بالعنف الاستعماري، بصورة أشد، لدى الحركيين/ات وأولادهم/ن، الذين/اللواتي، على الرغم من كونهم/ن من غير البيض، لم يكن لديهم/ن من خيار سوى أن يكونوان مسلمين/ات فرنسيين/ات، بسبب نبذ بلادهم الأصلية لهم: كانت المساواة، الآن وهنا، الحل الوحيد، لديهم.

إن كيفية تعاطي المناضلين/ات غير البيض، المناهضين/ات للعنصرية، مع اليسار، قد تكون شديدة التعقيد، وهي نتاج لعبة متناقضة: إما أن يدفعوا/ن إلى المقدمة بهوية خاصة بهم/ن، ويؤكدوا/ن على حقهم/ن في الاختلاف، أو أن يستعملوا/ن لغة عمومية. والطريقتان هما للتعبير عن الوجود، وللاعتراف بهم/ن. إن هذه القوى التي تنظم، ضمن الطبقات الشعبية، ليست فقط حركات معينة، بل ترفع مطالب عامة غالباً ما يتم إهمالها من جانب منظمات للحركة الاجتماعية بشكل عام. وهذا ما حصل مع مسيرة المساواة، وإضراب عمال شركة تالبوت، وتمردات عام 2005: هذه التمردات رفعت مطالب عامة تتعلق بتحسين الخدمات العامة، والنقل، والحصول على العمل، والمساواة مع الآخرين، في تعاطي الشرطة معهم.

والأوقات التي لعب فيها ضحايا العنصرية دوراً مؤثراً كانت في بدايات الألفية الجديدة. فمقاربة السياسة من زاوية مناهضة العنصرية كان يمكن أن تجدد الحركة الاجتماعية بشكل عام.

وأول ما انطرح، في هذا المجال، رهانات تجديد النسوية. إن قانون العام 2004، ضد ارتداء الحجاب في المدرسة، هو تدبير للسيطرة على أجساد النساء. ولكن لم يكن مفهوماً على هذا النحو من قبل النسويات المعلنات أنفسهن بهذه الصفة، واللواتي هنَّ في أغلبهن من البيضاوات، وكنَّ يحملن رؤية كولونيالية حول كيف يجب أن تكون النساء. وكان جيل جديد من النساء اللواتي يضعن الحجاب يقاوم، بوجه خاص، الطرد الذي تتعرض له الفتيات المحجبات. ولقد كان يتم استبعاد هؤلاء النساء بشكل منهجي من المظاهرات، وغالباً بالقوة، أي بالاستعانة بحافظي النظام، في منظمات الحركة الاجتماعية. وهذا ما حصل خلال مظاهرة 8 آذار/مارس عام 2004، حيث تم استبعاد مجمَّع «مدرسة من أجل الجميع» من المظاهرة النسوية، من قبل حافظي النظام، المنتمين إلى العصبة الشيوعية الثورية، والحاظين بتكليف المنظمين.

ومن الجدير بالذكر أن مناضلين وقادة في العصبة الشيوعية الثورية كانوا يسيرون في الموكب مع النساء المحجبات. ومع ذلك، فإن العنف السياسي الممارس ضد هؤلاء المناضلين/ات، وغالباً ضد المسلمين/ات، المناهضين/ات لرهاب الإسلام، شكل قطيعة رهيبة مع منظمات الحركة النقابية، والجمعيات، والأحزاب. وهذا الأمر الواقع عزز فكرة أنه بالاستقلالية فقط يمكن القضاء على سموم رهاب الإسلام، في المجتمع. وقد تكون هناك أسباب أعمق، وراء رفض النساء المحجبات هذا. ولهذا السبب، أنشئت حركة السكان الأصليين للجمهورية، عام 2005. وقد تلاقى في بداية تشكل هذه الدينامية مناضلون/ات مؤيدون/ات للقضية الفلسطينية ومناهضون/ات للحرب، ومناضلون/ات غير بيض متمردون/ات، أو ضحايا للنزعة الاستعمارية الجديدة، لدى اليسار الفرنسي.

والمأساة الثانية تتعلق بمنظمتي، الحزب الجديد المناهض للرأسمالية. والحزب كان مشروعاً للعصبة الشيوعية الثورية، الهدف منه خلق فضاء سياسي واسع يستجيب لتجديد النضالات النقابية والشبابية، وكان عددنا بعد عام على تشكيل الحزب 9000 عضو. ومن بين الذين واللواتي انتسبوا/ن إلى هذاالحزب كان هناك مناضلون/ات ضحايا عنصرية ما بعد الاستعمار. هم/ن، غالباً، مناضلون/ت في جمعيات يريدون/يردن الانضمام إلى مشروع سياسي شامل ضد الرأسمالية، وأن يقطعوا مع المنطق الزبائني لبلديات اليمين واليسار. وقد وجد هؤلاء المناضلون/ات الشباب أنفسهم/ن في منظمة واحدة بجانب مناضلين/ات تروتسكيين/ات نموذجيين/ات كانوا/كنَّ يسيطرون/ن، سياسياً، على العصبة الشيوعية الثورية، أي مدرسين/ات أو عمال/ات اجتماعيين/ات بيض.

ومن المهم أن نفهم أن العديد من هؤلاء المناضلين/ات كانوا ينظرون لمناهضة العنصرية من خلال منظور طلابهم/ن، أي الشباب والشابات الذين/اللواتي يعلمونهم/ن. وقد كانت النقاشات، التي أثارها التقاء هذين النوعين المختلفين/ات من المناضلين/ات، مثقِّفة ً، لأنها كسرت الكثير من الأحكام المسبقة والتصرفات الأبوية، وكان يتم تعلُّم الأهمية السياسية للنضال في الأحياء من المناضلين/ات الشباب. ولم يكن النضال السياسي يتوقف عند أبواب المنشآت.

وفي حين بدأت مناقشات بشأن المسألة الدينية ورهاب الاسلام، على صعيد الدولة، هاجمت وسائل الإعلام بعنف واحدة من مرشحاتنا إلى الانتخابات المحلية، عام 2010، إلهام مساعد، لأنها تضع الحجاب. وفي منظمة جديدة تريد تجاوز النزعات المحافظَة لدى اليسار الأبيض، كان من الممكن فتح صفحة جديدة، ولكن هذا الحزب الجديد كان يرث أيضا أخطاءً جسيمة من العصبة الشيوعية الثورية، التي، على الرغم من تقدمها على صعيد مناهضة رهاب الاسلام، دفعت إلى تلك النقاشات العديد من المناضلات المحجبات من خارج الحزب. ولكن المأساة تكررت هذه المرة على نحو أسوأ مما في العام 2004، لأنها انتقلت إلى مستوى عام. والمداخلات العلنية للمتحدثين باسم الحزب كانت دفاعية، وفي بعض الحالات متناقضة، ولكن لم يكن هناك تأييد سياسي مشترك للحزب ضد الهجمات الإعلامية التي كانت الرفيقة ضحية لها. وقد خلق هذا التشتت هبوطاً شديداً في الروح المعنوية لدى اللواتي والذين اعتقدوا/ن أنه يمكن بناء منظمة مشتركة.

كان النقاش حول الدين متقدما جداً، ولكنه أثير أيضاً، بطريقة غير صحية أبدا. فقد جرى تنظيم مؤتمر تداولي وطني للحزب الجديد المناهض للرأسمالية، لمعرفة ما إذا كان للمسلمين، وخاصة النساء المحجبات، الحقوق نفسها التي يتمتع بها الآخرون، أي تمثيل الحزب الجديد المناهض للرأسمالية. ومن الصعب فعْلُ ما هو أسوأ، كمسألة سياسية. فهذا المؤتمر قوّى من يطلقون عليهم، في فرنسا، تسمية «الكهنة الحمر»، الذين عرضوا أسوأ قراءات الماركسية، الدوغمائية والمعادية للدين. فلقد أكدوا تفوق الماركسية على معتقدات اعتبروها رجعية في جوهرها.

مهما تكن مناقشاتنا ضعيفة، في فرنسا، فهي تثير مشاكل عامة بين الماركسيين/ات الملحدين/ات والماركسيين/ات المؤمنين/ات. فأن تكون ملحداً لا يمنحك تفوقاً فكرياً، أو نفاذ بصيرة أكبر. ومن خلال هذه المأساة، عاش العديد من المناضلين/ات تجربة ما تعنيه المساواة الراديكالية بين العقول والأفهام، أيا تكن المعتقدات. والتأكيد على هذه المساواة منذ البداية هو الضمانة الوحيدة لنجاح أي منظمة ديمقراطية، لأنه عندما نريد التنظيم، على نطاق واسع، سنجد أنفسنا مع أشخاص من أوساط ثقافية مختلفة جداً، ويمكن أن تطلق الكثير من العبارات الجارحة. وأول الناس المستهدفين/ات هم/ن بالطبع الأكثر تهميشاً في المجتمع. وضمن العلاقات القائمة على الاضطهاد، يمكن لأي شخص في هذا الوضع أن يطلق كلمة خاطئة، ولكن إذا انطلقت منظمة من مبدأ أن جميع العقول متساوية، تتوفر عندئذ الموارد اللازمة لتسوية المشكلة، والتعلم من أخطائنا معا. على الأقل، هذا هو الدرس الذي استخلصه الرفاق/الرفيقات من هزيمة الحزب الجديد المناهض للرأسمالية.

ولكن التقدم داخل ما يسمى باليسار المناهض للاستعمار بطيء جداً، بحيث لا يمكن المناضلين/ات غير البيض أن يتأخروا عنده، ذلك أن لديهم/ن أيضاً أجندتهم السياسية الخاصة بهم.

أخيراً، يبدو أن الاستقلالية هي الطريقة الوحيدة للوقاية من أي تمييع لمبادئه. ففي حين أنشئت مجموعة من المساحات المحمية من العنف العنصري، تنطرح تحديات جديدة، بالنسبة لهذه المجموعات. وفي الواقع، كيف يمكن مواصلة الضغط على المنظمات المهيمنة في الطبقة، في حين نبقى معزولين/ات، ومقصيين/ات؟ هناك بلا شك استعادة للثقة، وشعور بأن القوة الذاتية تتقدم، من دون أي معيقات. وفي الواقع، إن طليعة الحركات المناهضة للعنصرية لم يكن يحركها إلا المعنيون أنفسهم، من دون انتظار موافقة أي حزب أو نقابة. ولكن هناك خطر إعادة انتاج معايير داخلية، حين يتم التخلي عن المواجهة مع الحركة الاجتماعية، المشكَلة بمعظمها من البيض. ويتجسد حجر العثرة هذا بحزب السكان الأصليين للجمهورية، الناشط، في السنوات الأخيرة، في مسعىً نظري، بهدف خلق المواطن الاصلي الجديد، وذلك انطلاقاً من المعايير السائدة، مثل الرجولة والنخبوية المنطلقة من سلطة عالم الفكر.

إن واحداً من العلاجات المضادة لخطر العزلة والانقسامات الداخلية هو فكرة التقاطعية (6): منذ عامين، أخذت الحركة المناهضة لحقوق المثليين والمثليات، ومزدوجي الجنس ومزدوجاته، ومتحولي الجنس ومتحولاته (م.م.م.م.)، أهمية مركزية في النقاش السياسي في فرنسا. ما هو الجواب السياسي عن هذا السؤال، انطلاقاً من وجهة نظر غير البيض، الذين/اللواتي يسكنون/ن، في الأحياء المتعرضة للإقصاء العنصري؟ وهذا السؤال يتوجه أكثر إلى المناهضين/ات للعنصرية، لشدة ما عبأت ردة الفعل القائمة على رهاب الـ م.م.م.م. اليمين المتطرف، الذي لم يظهر بهذه القوة من قبل. في مواجهة هذه الهجمة من الكراهية، ينطرِح خياران، إما تجاهل المشكلة ومنع أي تعبير سياسي للناشطين/ات الـ م.م.م.م. غير البيض، أو الأخذ بعين الاعتبار أن الأحياء المقصاة عنصرياً هي ضحية التمييز الجنسي والعنصرية، بالقدر نفسه. في النهاية، ليس هذا الاستدلال مختلفاً عن النقد الموجه ضد العمالوية، التي لا ترى إلى أعضاء الطبقة العاملة إلا من زاوية كونهم شغيلةً فقط، عبر استبعاد فهم الهويات باعتبارها متعددة. إن هذه القدرة على التفكير في الهويات والظواهر الاجتماعية، كديناميات غير ثابتة، هي التي تقربنا من النضال وتبعدنا عن أي محاولة للمأسسة والتحديد القاتل، على أساس صفات جوهرية معينة، أو للاستعادة إلى كنف الدولة، بواسطة جهاز هذه الاخيرة.

إن التأكيد على هوية كويرية (7) وغير بيضاء، ووجود صلة بين التمييز الجنسي والعنصرية جرى التنظير لهما واسترجاعهما إلى الفضاء السياسي الفرنسي، بواسطة مناضلات سوداوات. ومن بين هؤلاء المناضلات السوداوات، هناك ضحايا لرهاب الاسلام،  تميل العنصرية المناهضة للسود، المحيطة، إلى مفاقمته، في الوقت نفسه الذي تجعله فيه غير مرئي. إن اندفاع نضالية أفرو-أوروبية تتصدرها النساء السوداوات، كثيراً ما شوش اليسار، المرتعب من مسألة العنصرية إلى حد أنه لا يتجرأ على لفظ كلمة «أسود». وقد اعتاد (هذا اليسار)، في أغلب الاحيان، على النضال مع الأفرو-أوروبيين/ات، فقط بهدف حصولهم/ن على الأوراق الثبوتية، والجنسية الفرنسية، وغالباً ما يكون دافعه خيرياً، على الرغم من أن حركة الذين لا يحملون أوراقاً ثبوتية، المؤلفة في أغلبيتها من السود، معروفة بأنها من بين أقوى الحركات التي تؤكد استقلاليتها.

في الختام، لم ينتهِ أي شيء. لقد ورثنا بكل تأكيد وضعاً شديد التشرذم، حيث قد تبدو نزعة الاستقلالية الحل الوحيد لكل مشاكلنا، ولكن، و، بصفتنا ماركسيين، نحن اليوم مسلحون/ات، سياسياً، بشكل أفضل، من أجل الإجابة عن التلاقيات المستقبلية. وعلى الرغم من الروح الانهزامية التي تعم الحركات الاجتماعية في فرنسا، يجب أن ننتبه بشدة إلى بذور التمردات الآتية. لقد مرت 10 سنوات، وأنا اناضل ضد رهاب الاسلام، مع رفاقي، ولقد تعلمنا أن نعرف أنفسنا، بشكل أفضل، ونرد، بصورة أفضل، بمواجهة حالة اضطهاد: بتنا نعلم، بشكل أفضل، على أي مبادئ يجب أن نبني نضالنا السياسي. عندما بدأ نضالي عام 2004، كنت صائمة، والتقيت برفيق أراد أن يقبلني، ولكنني قلت له إنني لن أقبل ذلك، لأنني صائمة. فأجابني، منزعجاً: «هل تعلمين، لقد قال ماركس إن الدين أفيون الشعب». وقد تضايقت يومها للغاية، وشعرت بأني لست... في مكاني. ولكن تتيح لي اليوم اللقاءات عبر الحزب الجديد المناهض للرأسمالية، ونضالية الأحياء الشعبية، أن أؤكد مع رفاقي المسلمين الذين لم يعودوا في الحزب: اللعنة! جميعنا لدينا معتقداتنا وأوهامنا، ونحن نحبها، لأنها تحمل أيضاً معنىً للعالم، الذي نريد بناءه. لسنا مجرد عالقين/ات في الواقع كما يُراد لنا أن نراه، بل نحن أيضاً من يريدون ابتكار المستقبل. لقد جعلت أوهامي مني مناضلة ثورية.

ترجمة وليد ضو

* سلومة اسم مستعار لمناضلة في الحزب الجديد المناهض للرأسمالية- فرنسا.

--
الهوامش
1) عبد المالك صياد (1933- 1998)، عالم اجتماع فرنسي من أصل جزائري، شغل منصب مدير الأبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي (CNRS) ومدرسة الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية (EHESS)، نشر العديد من الأبحاث في العلوم الاجتماعية وخاصة حول الهجرة والهوية.

2) توسان لوفرتور (1743- 1803)، زعيم الثورة الهايتية ضد الهيمنة الأوروبية، خلال الاحتلال الفرنسي بين عامي 1791 و1804، وقد انتهت تلك الثورة بإقامة أول دولة حرة للسود في العالم.

3) الصبايحية/السبايسية: فرقة خيالة أسسها الاستعمار الفرنسي في شمالي أفريقيا، كوسيط بين الاستعمار والأهالي، ولكنها تطورت ليصبح ولاؤها لفرنسا.

4) المعيارية على أساس الغيرية الجنسية: يتألّف مصطلح «المعيارية على أساس الغيرية الجنسية» من مصطَلحي «الغَيري(ة)» و»المعيارية»، وهو يشير إلى نظامٍ اجتماعي تُفَضَّل فيه الغيرية الجنسية ويُحتَفى بها، وبالتالي تكون معياريةً بوصفها نظامًا جنسيًا تلقائيًا. في هذا النظام، تُمأسَسَ الغيرية الجنسية في الجوانب الاجتماعية والقانونية والسياسية والثقافية، ما يؤدّي بالتالي إلى منح الغيرية الجنسية امتيازاتٍ خاصةً بها، بينما تُهمّش وتوصم العلاقات والممارسات اللاغَيرية. نحتَ مايكل وارنر المصطلح في العام 19911، فأصبح مذّاك مفهومًا مركزيًا في نظرية الكوير لأّنها تعرّي الغَيرية الجنسية لا بوصفها ميلا جنسيًا مُفتَرَضًا مسبقًا فحسب، بل بوصفها أيضًا هيكلًا اجتماعيًا وسياسيًا يُنظّم الرغبات والممارسات والأشخاص بشكلٍ غير متساوٍ. المصدر: مركز دعم لبنان، قاموس الجندر: مفاهيم متنقلة واستعمالاتها المحلية في لبنان، بيروت، 2016

5) الحركي: لقب أطلق على الجزائريين الذين جرى تجنيدهم في صفوف جيش الاستعمار الفرنسي، خلال الثورة الجزائرية، أو الذين تطوعوا فيه بملء إرادتهم.

6) التقاطعية نظرية صاغتها النسوية الأميركية السوداء كيمبرلي كرينشو في ثمانينيات القرن العشرين، وتناولت فيها نوعين محدّدين من التفرقة المتعدّدة المستويات – التفرقة العرقية والتفرقة الجندرية – اللتين تواجههما النساء السود في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى صعوبة أن يعتبر النظام القانوني الأميركي هذين  النوعين من التجارب التفريقية مترابطين لا منفصلَين. شكّلت النظرية استجابةً بالغة الأهمية للموجة الأميركية الثانية، التي ضمّت النسويات الليبراليات والبيض اللواتي ينتمين إلى الطبقة الوسطى واللواتي اعتمدن مفهومًا عالميًا عن التضامن النسوي. وعبر التركيز فحسب على القمع القائم على النوع الاجتماعي والنظام البطريركي، والمطالبة في الوقت عينه بتضامنٍ نسوي متساوٍ في محاربته، أخفَت النسوية الليبرالية البيضاء الاختلاف العنصري وعدم المساواة العرقية بين النساء. ولا تزال دينامية سلطةٍ غيرُ متكافئة ومماثلةٌ موجودةً تحت أشكالٍ عديدةٍ من الحركات النسوية العابرة للحدود، حيث تَستخدم نسويات أوروبا وأميركا الشمالية وحكوماتهنّ حقوق المرأة العالمية، باعتبارها قضيةً مشتركةً لتبرير السياسات الإمبريالية، بما في ذلك التدخّل العسكري في ما يُسمّى بالدول النامية، كما كان الحال في الخطابات المؤيدة للحرب في أفغانستان والعراق. (المصدر نفسه).

7) حرفيًا، يُعنى بمصطلح كوير ما هو «غير اعتيادي» أو «غريب»، وكان هذا التعبير - ولا يزال - يُستخدم في الولايات المتحدة كنوعٍ من التحقير للأشخاص ذوي الرغبات الجنسية المثلية، مثله مثل كلمة «شاذّ». وقد استُخدم مصطلح «كوير» إصلاحيًا للمرة الأولى في أواخر ثمانينيات القرن المنصرم وتسعينياته من خلال  سياسة مجموعتَي الناشطين/ الناشطات آكت أب (ائتلاف الإيدز لإطلاق العنان للقوة) وكوير نايشن (أي أمّة الكوير). وقد تمثّل النضال الرئيس لهاتين الجمعيّتين بدفع الحكومة الأميركية إلى معالجة أزمة الإيدز في مجتمع مثليّي الجنس. لم تكن الاستراتيجية السياسية تهدف إلى الاعتراف بالكوير جزءًا من الحياة فحسب، بل أيضًا إلى تحدّي «المعياريّة» القائمة، بما في ذلك تعرية المعياريّة الغيرية كنظامٍ مفروغٍ منه في سيرورات الحياة اليومية. (المصدر نفسه).