«اليمن السعيد» بين مطرقة السعودية وسندان ايران

العدد السادس - كانون الثاني ٢٠١٦
الدولة: 
اليمن
تاريخ النشر: 
كانون الثاني (يناير), 2016

لمحة تاريخية

ثورة 26 سبتمبر، أو حرب اليمن، أو حرب شمال اليمن الاهلية، هي ثورة قامت ضد المملكة المتوكلية، في شمال اليمن عام 1962، وذلك خلال حرب أهلية بين الموالين للمملكة المتوكلية والموالين للجمهورية العربية اليمنية. وقد استمرت الحرب ثماني سنوات (1962-1970)، منتهية بسيطرة الفصائل الجمهورية على الحكم وقيام الجمهورية العربية اليمنية.

بدأت الحرب عقب انقلاب المشير عبد الله السلاّل على الامام محمد البدر حميد الدين، واعلانه قيام الجمهورية في اليمن. هرب الامام الى السعودية وبدأ بالثورة المضادة من هناك. وقد تلقى الامام البدر وانصاره الدعم من السعودية والاردن وبريطانيا، وأيضاً من ايران. فقد وجد الشاه محمد رضا بهلوي ان من مصلحته دعم الامام محمد البدر حميد الدين، الشيعي الزيدي، وتلقى الجمهوريون الدعم من مصر جمال عبد الناصر.

وقد جرت المعارك الضارية في المدن والاماكن الريفية، وشارك فيها اجانب غير نظاميين، فضلاً عن الجيوش التقليدية النظامية. هكذا ارسل جمال عبد الناصر ما يقارب 70000 جندي مصري، وعلى الرغم من الجهود العسكرية والدبلوماسية وصلت الحرب الى طريق مسدودة، واستزفت السعودية بدعمها الامام طاقة الجيش المصري، وأثرت كثيراً في مستواه في حرب 1967، فأدرك جمال عبد الناصر صعوبة ابقاء الجيش المصري في اليمن.

انتهت المعارك بانتصار الجمهوريين، وامكنهم فرض الحصار على صنعاء في شباط/فبراير 1968. وقد سبق ذلك انسحاب بريطانيا من جنوب اليمن، وقيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية على أنقاض حكم ملكي نشأ مباشرة، بعد نهاية الحرب العالمية الاولى.

وكانت المملكة التي تأسست عام 1918، بقيادة الامام يحيى حميد الدين(وكان هذا إماماً على الزيدية في اليمن)، واستمرت حتى انهيارها في العام 1962، مملكة منغلقة على العالم، وتتبنى سياسة انعزالية، بالكامل، خوفاً من ان تسقط البلاد تحت سلطة القوى الاستعمارية المتحاربة عقب الحرب المشار إليها، وبوجه خاص ايطاليا وبريطانيا، وكذلك لإبعاد المملكة عن التيارات القومية التي ظهرت في المنطقة العربية، في تلك الفترة. وقد ساعد الإمام في ذلك ان معظم أفراد المجتمع اليمني في ايامه تلك كانوا من المزارعين يعيشون في قرى مكتفية ذاتياً. وقد منع الامام يحيى السفارات والبعثات الدبلوماسية من دخول البلاد، وأيُّ زائر اجنبي كان بحاجة الى إذن شخصي منه. ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى ان الامام يحيى أسس حكماً ثيوقراطياً زيدياً تجاهل ابناء المذاهب الاخرى، مثل الشافعية والاسماعيلية، واعتبر يهود اليمن ذميين. 

وقد ظهرت حركات معارضة للمملكة نتيجة احتكاك تيارات فكرية بالخارج، كان أحد ممثليها البارزين محمد محمود الزبيري، وبعضها كان يعترض على نية الامام توريث ابنه احمد بن يحيى. وكان عبد الله الوزير من ابرز معارضي التوريث، وانتخب إماماً دستوريا ليقود ثورة الدستور عام 1948، التي قتل الامام يحيى خلالها، فيما تمكن ابنه احمد من إنقاذ المملكة.

وعندما قتل الامام أحمد في 19 أيلول/ سبتمبر عام 1962، خلفه ابنه الامام البدر في الحكم. وكان قرار تعيين عبد الله السّلال قائداً للحرس الملكي من اوائل القرارات التي اتخذها الامام. وفي هذه الاثناء تناقش ضباط الجيش اذا كان هذا هو الوقت المناسب للقيام بانقلاب، ولكن العقيد عبد الله السّلال قرر التحرك وامر بإعلان حالة التأهب القصوى في الكلية الحربية بصنعاء. وفتح جميع مستودعات الاسلحة وعمد إلى توزيعها على كل الضباط الصغار والجنود .

وفي مساء 25 أيلول/سبتمبر، جمع عبد الله السّلال القادة المعروفين في الحركة القومية اليمنية والضباط الذين تعاطفوا معها، وكان كل ضابط وكل خلية بانتظار تلقي الاوامر وبدء التحرك، بمجرد بدء قصف مقر إقامة الامام البدر، وتضمنت الاماكن الهامة التي يجب تأمينها قصر البشائر (قصر الامام)، وقصر الوصول (قصر استقبال الشخصيات الهامة)، والاذاعة ...

وفي صباح 26 أيلول/سبتمبر، تم تأمين كل المناطق في صنعاء، واعلنت الاذاعة انه قد تمت إطاحة الامام البدر وحلت محله حكومة ثورية جديدة.

ثم بدأت الوحدات الثورية في تعز، وحجة، وميناء الحديدة، بتأمين ترسانات السفن، والمطارات، ومنشآت الميناء. وفي 28 سبتمبر اعلنت الاذاعة موت الامام البدر على الرغم من انه كان لا يزال على قيد الحياة، ومن ثم غادر العاصمة «صنعاء» وهرب الى مدينة حجة في الشمال، وكان ينوي ان يفعل ما فعله اجداده من قبل: الاستنجاد بالقبائل في الشمال وفي جبال حضرموت، وشن حرب لاستعادة العاصمة. وقد كان عهد الامام احمد عهد معارضة وثورات، وتعرض الى 12 محاولة اغتيال، منها محاولة فاشلة لاغتياله وهو على فراش الموت.

وما كانت الثورة التي قام بها الضباط عبد الله السّلال وعبد الرحمن البيضاني والدكتور محسن العيني الا تركيزاً للنشاطات الثورية في جهد منظم واحد لإطاحة حكم الامام.

وكان قائد المجموعة، السّلال، متأثراً بقراءاته عن الثورة الفرنسية وكتاب عبد الناصر «فلسفة الثورة». وقد استنجد الجمهوريون بمصر، طالبين العون من جمال عبد الناصر ، فأرسل كتائب مشاة الى اليمن، ما دفع المملكة العربية السعودية والاردن لمساعدة الجيش الزيدي بالمؤن والدعم المالي، خوفاً من انتشار الفكر القومي العربي.

اما بريطانيا فقد اتخذت سياسة غامضة تجاه هذا الوضع لنفي اي تورط لها. وهناك عوامل عديدة دفعت الرئيس المصري لارسال قوات مصرية الى اليمن، ومن بين هذه الاسباب انفصال سوريا عن الجمهورية العربية المتحدة عام 1961، هذه الجمهورية التي قامت عام 1958 ولم تدم سوى 43 شهراً فقط.كان عبد الناصر يريد استرجاع هيبته بعد انفصال سوريا، وكان انتصار عسكري سريع وحاسم يمكن ان يرجع له قيادته للعالم العربي، وكانت له سمعته المعروفة كمعادٍ للاستعمار ويريد طرد البريطانيين من جنوب اليمن، ومن ميناء عدن الاستراتيجي المطل على مضيق باب المندب.

كان هناك الكثير من الخلافات والمشاحنات بين عبد الله السّلال والقادة الجمهوريين الآخرين. فقرر جمال عبد الناصر احتجاز السّلال في القاهرة لمدة تصل الى عشرة اشهر أو اكثر، ولكنه سمح له بالعودة في شهر آب/ اغسطس من عام 1966.

وبعد حرب عام 1967 قام عبد الناصر باستدعاء 15000 جندي من اليمن لتعويض الجنود الذين فقدوا في حرب ذلك العام مع اسرائيل. وفي مؤتمر القمة العربية بالخرطوم الذي عُقد بعد الحرب، اعلنت مصر أنها مستعدة لسحب قواتها من اليمن ، وقبل الملك السعودي فيصل الاقتراح. ومن ثم وقعا على اتفاقية تنص على سحب القوات المصرية من اليمن ووقف المساعدات السعودية للملكيين، وارسال مراقبين من ثلاث دول عربية محايدة، هي العراق والسودان والمغرب. ورفض السّلال الاتفاق، واتهم عبد الناصر بخيانته. 

في هذه الاثناء كانت شعبية السّلال بين جنوده الى انحسار، كما رفض الاعتراف باللجنة العربية المكلفة بتحقيق السلام في اليمن، وعندما قام بزيارة القاهرة اوائل ت2/نوفمبر، نصحه عبد الناصر بالاستقالة والذهاب الى المنفى، ورفض السلال نصيحة عبد الناصر وذهب الى بغداد طالباً الدعم من البعثيين. وبعد ان غادر القاهرة، ارسل عبد الناصر الى قواته تعليمات بعدم الوقوف امام محاولة انقلاب كانت تجري ضد السّلال، وهي المحاولة التي تكللت بالنجاح في 5 ت2/نوفمبر.

وفي النهاية، ادى انتصار الجمهوريين الى نتائج عديدة، منها اعتراف المملكة العربية السعودية فيما بعد بالجمهورية اليمنية، واكتمال انسحاب القوات المصرية من اليمن عام 1971. وصاحب الانتصار ايضا خروج بريطانيا من اتحاد الجنوب العربي في عام 1967. ويشير المؤرخون العسكريون المصريون الى حرب اليمن بأنها «فيتنام مصر»، كونها تكبدت خسائر فادحة ناهزت الآلاف في صفوف قواتها المسلحة التي وبالرغم من قتالها العنيد ضد الفصائل الملكية، خلق غيابها عن ارض الوطن فجوة في الدفاعات المصرية، وقد اثر ذلك كثيراً في قدرات مصر خلال حرب حزيران/ يونيو عام 1967.

مرحلة علي عبد الله صالح

اصبح علي عبد الله صالح، عضو مجلس الرئاسة، رئيساً للجمهورية العربية اليمنية (اليمن الشمالي) عام 1978، بعد ان انتخبه المجلس بالإجماع ليكون الرئيس والقائد الأعلى للقوات المسلحة اليمنية، وذلك بعد فترة اقل من شهر من مقتل الرئيس احمد حسين الغشمي في 24 حزيران/يونيو 1978. وشهدت فترة حكمه التي انتهت في 25 شباط/فبراير 2012 (تسلم الرئاسة نائبه عبد ربه منصور هادي) تدهوراً على كل الصعد الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، فيما عمد، من جانبه، إلى استغلال التكوين القبلي للشعب اليمني، للعب على شتى التناقضات، على المستويات كافة، بالإضافة الى تحالفه مع حزب الاصلاح (الفرع اليمني للاخوان المسلمين) في وجه خصومه السياسيين، ومن ضمنهم القوى التقدمية واليسارية، وأيضاً تأليب بعض القوى والقبائل في وجه حزب الاصلاح، عند شعوره بأن الأخير قد ازداد قوة ونفوذاً اكثر من اللازم.

خلال عهده وفي عام 1990 تم توحيد اليمن بين الشمال والجنوب، وهي «وحدة» لم تدم سوى سنوات معدودة ، عندما اعلن نائب الرئيس علي سالم البيض في سنة 1994 انفصال الجنوب عن الشمال، تحت مسمَّى جمهورية اليمن الديمقراطية (التي ليست، بالمناسبة، جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية)، ما تسبب بحرب أهلية انتهت بتوحيد اليمن مجدداً، وهروب قادة الانفصال الى الخارج. ثم اهتزت حالة الاستقرار، لاحقاً، ففي عام 2004 وبعد مقتل زعيم حركة انصار الله (حسين الحوثي)، بدعوى تحضيره لانقلاب عسكري، تسلم اخوه عبد الملك قيادة الحركة، لتبدأ حرب صعدة التي استمرت لغاية عام 2010. 

وقد وقفت المملكة العربية السعودية بجانب الرئيس علي عبد الله صالح، في حربه ضد (انصار الله -  الحوثيين)، مقدمة له كل أشكال الدعم، مالياً وعسكرياً وسياسياً، بل اكثر من ذلك، فإن النظام اليمني، في مواجهته المفتوحة مع الحوثيين، خلال تلك السنوات، عمد إلى دعم القوى السلفية الاسلامية، وخاصة «القاعدية» منها، مسهلاً لها السيطرة على اكثر من منطقة في اليمن.

وكان عام التحول في بداية سنة 2011 (11 شباط/فبراير)، عندما بدأت المظاهرات الجماهيرية تعم مختلف انحاء اليمن، مطالبة بإسقاط النظام، وبناء دولة ديمقراطية تُضمن فيها الحريات السياسية والعدالة الاجتماعية، ومحاسبة علي عبد الله صالح وحاشيته والمقربين منه، على خلفية فسادهم وسرقتهم لمقدرات اليمن، والحيلولة دون توريث نجله «أحمد»، وهو ضابط في الجيش كان يعده لخلافته. وقد تعاملت السلطات اليمنية مع هذه المظاهرات والتحركات والاعتصامات بالكثير من القمع الوحشي، مطلقة الرصاص الحي على المحتجين، ما ادى الى سقوط عدد كبير من الضحايا.

هذا وقد أعلنت قطاعات من الجيش تمردها على القيادة، وعمد اللواء علي عبد الله الاحمر إلى تأمين الحماية لعدد من الاعتصامات والمظاهرات، لأسباب مختلفة، ما سيؤدي الى صدامات ومعارك عسكرية بين هذه القطاعات، من جهة، وقوى الجيش المؤيدة للسلطة، من جهة أخرى.

وعندما شعرت الانظمة الخليجية الرجعية، وبخاصة المملكة العربية السعودية، ان الثورة اليمنية آخذة في الاتساع، وستشكل خطراً على وجودها في وقت ليس ببعيد، ارتأت ان يقوم الرئيس علي عبد الله صالح بتسليم السلطة الى نائبه عبد ربه منصور هادي، مقدمة له الضمانات والتعهدات بعدم ملاحقته والمقربين منه قضائياً او قانونياً، على الجرائم التي ارتكبوها خلال فترة حكمه، من قتل وقمع ونهب للمال العام.

وهكذا انتهت هذه الثورة من دون ان تحقق اياً من الاهداف الأساسية، التي قامت من اجلها، ومن دون ان تتمكن من محاسبة المسؤولين عن قتل المتظاهرين والمعتصمين السلميين، إذا استثنينا رحيل رأس النظام علي عبد الله صالح.

مرحلة ما بعد صالح 

على رغم المحاولات العديدة لإعادة ترتيب البيت اليمني، من خلال الحوارات بين شتى القوى السياسية والسلطة اليمنية، فجميع هذه المحاولات باءت بالفشل، نظراً لتضارب المصالح والارتباطات والولاءات (عشائرية - مناطقية...). وقد بلغ التوتر اشده في عام 2014 بين الحكومة اليمنية والحوثيين، على خلفية استعصاء حل الازمة، والتوافق على كيفية توزيع المسؤوليات بين مختلف القوى السياسية.

وسرعان ما ستبدأ الصدامات العسكرية بين القوى الحكومية الموالية للرئيس عبد ربه منصور هادي، الحاظي بدعم السعودية والامارات العربية المتحدة والكويت وقطر والبحرين، من جهة، وجماعة الحوثيين والقوات الموالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح، الحاصلين على مساندة ايران، من جهة أخرى. وقد  انتهى ذلك بسيطرة الحوثيين على صنعاء، وفرار الرئيس هادي الى عدن، بعد ان كان هو وحكومته قيد الاقامة الجبرية.

وامتدت المعارك لتشمل مناطق عدة، اضافة الى محافظات الجنوب. وبحلول 25 آذار/مارس 2015،  تقدم الحوثيون الى مشارف عدن، معقل الرئيس هادي، الذي غادر البلاد الى السعودية، بعد تعرض القصر الجمهوري لقصف جوي، لتعلن السعودية، بعد ذلك، وبمشاركة بعض الدول الخليجية، بدء عملية عاصفة الحزم (إعادة الأمل، لاحقاً)، تحت ذريعة استعادة الشرعية، وذلك انطلاقاً من 26 آذار/ مارس 2015، فيما من الواضح أن أحد الأسباب التي تحفز اندفاع دول الخليج، ولا سيما المملكة السعودية، في هذه الحرب المجنونة، إنما هو الخوف من الأطماع الإيرانية ذات المنحى المذهبي، القومي، التوسعي، للسيطرة على الخليج بأكمله، اعتماداً على التناقضات المذهبية فيه، ومن خلال دعمها للأقلية الشيعية -التي تشعر بالاضطهاد والقمع على يد الأنظمة الخليجية، وذلك في العديد من بلدان المنطقة، ولا سيما في البحرين والسعودية واليمن -  والسعي لاستخدامها مقفزاً لإطاحة تلك الانظمة، وتنصيب أنظمة موالية للجمهورية الإسلامية الإيرانية.

هذا وفي 14 نيسان/ابريل، صدر قرار مجلس الامن الدولي رقم 2216، ومن اهم بنوده:

・ تجميد أرصدة وحظر السفر للخارج، وذلك بحق زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي واحمد علي عبد الله صالح نجل الرئيس السابق، والقائد السابق للحرس الجمهوري اليمني.

・ حظر توريد الاسلحة والعتاد ووسائل النقل العسكرية للقوات الموالية لعلي عبد الله صالح والحوثيين.

・ مطالبة الحوثيين بالقيام فوراً، ومن دون قيد أو شرط، بالكف عن استخدام العنف وسحب قواتهم من جميع المناطق، التي استولوا عليها، والتخلي عن جميع الاسلحة التي غنموها من المؤسسات العسكرية والامنية.

・ دعوة جميع الأطراف لتسريع المفاوضات للتوصل الى حل توافقي.

وعلى رغم الجهود الديبلوماسية التي بذلها المبعوث الاممي السابق جمال بن عمر (ومن بعده اسماعيل ولد الشيخ احمد)، وانعقاد مؤتمر «جنيف 1»، في اواسط حزيران/يونيو 2015، بعد أن كان موعده في 28 أيار/مايو، ولكن من دون اجتماع الطرفين على طاولة واحدة ، ومن دون التوصل إلى اي اتفاقات، بحيث استمرت المعارك العسكرية، وبقيت تحصد أعداداً متزايدة من القتلى والجرحى من الطرفين، عدا الكثير من الضحايا المدنيين، والدمار الكبير الذي يصيب مدن اليمن وأريافه، التاريخية. وذلك وسط المسعى المتواصل للتحالف الخليجي، بقيادة السعودية، لإجبار تحالف الحوثيين مع القوات العسكرية الموالية لعلي عبدالله صالح، على التراجع إلى مواقعه الأولى، قبل بدء التوسع الحوثي خارج منطقة صعدة. علماً بأنه إذا كان القصف الجوي السعودي المدعوم بقوى التحالف العربي الواسع، المسلمة زمام إدارة القتال للقيادة السعودية، قد سهَّل للمجموعات الشعبية، التي يغلب عليها الطابع القبلي، وتقاتل تحت لواء سيطرة السلطة الشرعية بقيادة الرئيس هادي، استعادة العديد من المناطق التي كان استولى عليها الحوثيون وقوات صالح، في أوائل صيف العام 2014، ومن ضمنها منطقة عدن واكثر من محافظة أخرى، فالمعارك تأخذ طابع الكر والفر، وتبدو، منذ فترة، كما لو كانت تراوح في المكان، فيما يدفع الشعب اليمني وعمرانه فاتورة هائلة من الخسائر البشرية والعمرانية والمادية، تماماً مثلما يبدو كما لو كان يراوح أيضاً في المكان المسعى العربي والدولي لإعادة المشكلة إلى دائرة المفاوضات.

الفترة ما بعد جنيف 1

وعلى الرغم من استمرار المعارك على احتدامها، جرى الكشف في اواسط آب/أغسطس الماضي عن وثيقة توصلت إليها لقاءات المبعوث الاممي، في مسقط، مع الوفد الحوثي، من عشر نقاط كان الاهم بينها ما ورد في البند الاول، للمرة الاولى، من استعداد « للتعامل الإيجابي مع جميع قرارات مجلس الامن ذات الصلة، بما فيها القرار 2216.

هذا وقد عادت حكومة خالد البحاح، في ايلول/سبتمبر الماضي إلى عدن، بعد إخراج الحوثيين منها، وتبعها الرئيس هادي، بعد ايام، ليعود فيشارك بعدئذ في اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة في اواخر ايلول، حيث شدد على الاستعداد للسلام، بشرط إعلان تحالف الحوثي/صالح التزامه العملي بالقرار 2216. وقد جاء إعلانه هذا على خلفية ما كان تم التوصل إليه، في اوائل ايلول، بين المبعوث الاممي وممثلي التحالف المذكور، في لقاءات مسقط، أي بالتحديد ما سمي بوثيقة السبع نقاط، التي تضمنت النص على»الالتزام بتنفيذ قرارات مجلس الامن ذات الصلة، بما فيها القرار2216، من جانب جميع الاطراف، وفق آلية تنفيذية يتم التوافق عليها، بما لا يمس بالسيادة الوطنية، مع التحفظ على العقوبات الصادرة على المواطنين اليمنيين»(والمقصود هنا العقوبات على صالح والحوثي وآخرين).

وتضمنت البنود كذلك الموافقة على عودة الحكومة اليمنية لفترة 60 يوماً، يتم بعدها تشكيل حكومة وحدة وطنية، فضلاً عن نقاط اخرى اعتبرها المبعوث الاممي» فرصة قوية للتوصل إلى اتفاقية سلام». هذا فيما تحفظت حكومة البحاح على النقاط المذكورة، معتبرة إياها التفافاً على القرار الاممي2216، الذي بقيت ترى وجوب الالتزام به من دون قيد أو شرط. وقد تلا ذلك توجيه كل من الحوثيين وحزب صالح رسالتين منفصلتين في 5 ت1/أكتوبر الماضي تتضمنان الالتزام بالنقاط السبع، بالكامل.

وفي اواسط الشهر نفسه، بعث الامين العام للامم المتحدة، بان كي مون، برسالة للرئيس هادي، طالباً إليه فيها انخراط الحكومة اليمنية في جولة جديدة من المشاورات مع الحوثيين وحلفائهم، مؤكداً ان «المشاورات التي يقترح المبعوث الخاص عقدها تستند بقوة إلى القرار 2216، وبقية قرارات مجلس الامن ذات الصلة»، مع الإشارة إلى ان «المبعوث الخاص اكد ان الحوثيين نقلوا قبولهم الواضح لقرار مجلس الامن، خلال نقاشاتهم الأخيرة معه»، وان» رسالتهم الاخيرة إليَّ تؤكد ايضاً هذا القبول».

وهو ما افضى إلى موافقة هادي على المشاركة، على اساس ذلك، كما على اساس «تأكيد الامم المتحدة ان الذهاب للمشاورات هو لتنفيذ القرار الدولي، وان اي اتفاقات ستكون مبنية اساساً على القرار، ومستندة إلى المرجعيات الاساسية، ممثلة في المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل»(الذي سبق انعقاده في الرياض).

ولكن الجولة الجديدة من المفاوضات التي كان موعدها الاولي في اواخر ت1/اكتوبر، تأجلت إلى منتصف ت2/نوفمبر، لتعذر الاتفاق على التحضيرات، ثم إلى اواسط ك1/ديسمبر، حين انعقدت جنيف2 وتقرر فيها فك الحصار عن المدن، ولا سيما تعز، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، وتشكيل لجنة عسكرية من الجانبين، تحت إشراف الامم المتحدة، تتولى الإشراف على وقف النار، فضلاً عن الاتفاق على جولة جديدة من المباحثات في اواسط ك2/يناير2016.

ولكن من الواضح ان  كلاً من الحوثيين، والرئيس السابق، علي عبدالله صالح، يكرران إبداء رفضهما تنفيذ الاتفاق المشار إليه، فيما تستمر المعارك، على اشدها، بما يعطي انطباعاً بأن لقاء اواسط يناير سيتم تأجيله، لاحقاً.

الحرب المتواصلة، وسط استمرار الصراع السعودي-الإيراني على اليمن

والثابت الوحيد في هذه الحرب الطاحنة ان اي طرف غير قادر على حسمها عسكرياً لمصلحته، وكلٌّ يسعى الى تعزيز وضعه الميداني على الارض لتحسين شروطه في المفاوضات المزمعة اقامتها، ناهيك عن ان المحافظات الجنوبية تشهد وضعاً بالغ الخطورة، من حيث سيطرة تنظيم «القاعدة» على عدة مدن رئيسية، وقيامه بعمليات اغتيال لمسؤولين وافراد في «الحراك الجنوبي» و»المقاومة الشعبية»، وايضاً في صفوف الجيش اليمني المؤيد للتحالف. اضافة الى ظهور تنظيم «داعش» بشكل لافت، ولكن بنسبة اقل. عدا عن الخلافات بين الامارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، بخصوص الحل في اليمن. كما يظهر التناقض، كذلك، في الدعم الذي يتلقاه الرئيس هادي، ولا سيما من المملكة السعودية، مقابل رئيس الحكومة «خالد بحاح»، الحاظي بدعم الامارات العربية المتحدة، ما اوجد حالة من الفوضى العارمة في المحافظات الجنوبية استغلها تنظيم «القاعدة» لتوسيع سيطرته، على مرأى من قوى التحالف.

اما استعانة السعودية، في الفترة الأخيرة، بقوات عسكرية من السودان، فتهدف الى امرين: تعزيز قوتها الميدانية على الارض، ودعم أحد الأطراف اليمنية الأكثر ارتباطاً بها، ألا وهو حزب الإصلاح، كون نظام البشير داعماً فعلياً للاخوان المسلمين، على رغم دعمه سابقاً ولسنين عديدة، نظام الملالي في ايران هذا وخلال العقود المنصرمة ولغاية تاريخه، كانت السعودية وما زالت تنظر الى اليمن كحديقة خلفية لها، وتتدخل في شؤونه الداخلية على كل الصعد، عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، وايضاً عبر شراء دعم زعماء القبائل، بالاضافة الى نشر الفكر الديني الوهابي المتزمت، من خلال الجمعيات والمؤسسات الدينية. ما رسّخ اقدامها في هذا البلد الفقير واصبح لها حضور طاغ في المشهد السياسي اليمني، اكان عبر الحكومات والمجالس النيابية المتعاقبة، او عبر وجودها في مفاصل وادارات الدولة.

ثم جاء دور ايران في محاولة إثبات حضورها في هذا البلد، عبر دعمها لجماعة (انصار الله - الحوثيين )، عسكرياً ومالياً، اقله منذ حرب صعدة 2004-2010 ، ومحاولتها خلق دولة رديفة على الارض، مستنسخة تجربة حزب الله في لبنان. ولمزيد من خلط الاوراق والتعمية على الحقائق، فإن الطرف الحاظي بدعم ايران يروج لفكرة انه يخوض حرباً ضد الصهيونية، كونه يقول إنه ينتمي الى محور المقاومة، بينما يزعم الطرف الآخر، الحاظي بدعم قوى التحالف العربي - كما بدعم الولايات المتحدة الاميركية، التي تقدم دعماً لوجستيا على قدر كبير من الاهمية -  انه يخوض هذا الصراع لمنع تمدد النفوذ الإيراني في البلاد.

واذا حللنا هذه المعطيات بقدر من التأني، نجد ان التوجهات السياسية، والمصالح الاقتصادية، لكلا الطرفين، هي التي تحكم مسار هذه الامور، على رغم تغليف الصراع حيناً بطابع طائفي ومذهبي، واحياناً بطابع قومي.

لذلك، فإننا ندين وبشدة تدخل قوى التحالف العربي، كما ايران، في الشؤون الداخلية اليمنية، وندعو الى التالي:

・ وقف هذه الحرب المدمرة فوراً، من دون قيد او شرط ،

・ وقف الغارات الجوية التي تقوم بها قوات التحالف العربي،

・ انسحاب جميع القوات العربية والاجنبية من ارض اليمن،

・ وقف تسليح جميع الاطراف اليمنية المتنازعة، وإتاحة المجال للشعب اليمني لممارسة حقه الحصري في تقرير مصيره، بمعزل عن اي تدخل خارجي،

・ الزام قوى التحالف العربي، ولا سيما المملكة السعودية، بدفع تعويضات مالية كبرى، ومتناسبة، لحكومة يمنية تمثل بالفعل تطلعات الجماهير اليمنية الواسعة، عن الاضرار التي تسبب بها الاقتتال الحالي، كما الغارات الجوية السعودية - العربية، ما ادى الى تدمير البنى التحتية، ومظاهر العمران، وإيقاع خسائر كبيرة في الارواح، ولا سيما في صفوف المدنيين العزل. على أن تنفق هذه الاموال، تحت رقابة وثيقة من الشعب اليمني، ولا سيما القوى التي نزلت إلى الشوارع، في العام 2011، لإطاحة النظام القائم، وإقامة سلطة شعبية تحقق العدالة الاجتماعية والكرامة والحرية للشعب المشار إليه، وذلك لإعادة إعمار ما تهدَّم، وتعويض المدنيين الذين تأذوا عميقاً بالحرب الحالية، في حياة أسرهم، كما في ممتلكاتهم، ولإطلاق تنمية حقيقية تتيح وقوف البلد على قدميه من جديد، وضمان مستقبل الشبيبة الطالعة، التي نزلت إلى الشوارع بمئات الالوف، لا بل بالملايين، في تاريخ سابق، تحت شعارات مشابهة.

・إنشاء محكمة دولية خاصة باليمن ، للنظر في محاكمة قوى التحالف العربي، فضلاً عن الأطراف الداخلية والخارجية المشاركة في الحرب الراهنة، وذلك على جرائم الحرب المرتكبة بحق الشعب اليمني المغلوب على أمره، وإنزال العقوبات المناسبة بها جميعأ.

في أواسط كانون الاول/ديسمبر 2015