الطبقة العاملة والثورة المصرية

العدد الثاني - حزيران ٢٠١٢
الدولة: 
مصر
الملف: 
الحركة العمالية
تاريخ النشر: 
حزيران (يونيو), 2012

في الطريق إلى الثورة
كانت نهاية عام 2006 بداية حراك عمالي امتد حتى قيام ثورة يناير. وقد بدأ في المحلّة ثم انتقل بسرعة من موقع إلى موقع، ومن قطاع إلى آخر. وكانت أغلب الاحتجاجات في القطاع العام، سواء الصناعي أو الخدماتي، بصورة أكبر بكثير مما في القطاع الخاص، وهو ما ركّز المواجهة بين العمال والنظام السياسي، وليس النظام الطبقي. كانت مطالب العمال تتلخص في تحسين الأجر المتغير وشروط العمل، وهي مطالب تختلف من موقع إلى آخر، ما أفقد الحركة الوحدة والتماسك، خاصة في ظل وجود تنظيم نقابي أصفر وافتقاد الدعم السياسي. لذلك أخذت الحركة العمالية شكل موجات متتابعة، ولكن متباعدة، تنتابها حالات مد وجزر. وهو ما جعل الدولة تتعامل مع هذه الاحتجاجات بشكل وقتي وموقعي، ما تسبب بالتالي بتصاعد وتيرة الاحتجاجات بدلاً من احتوائها، حيث أصبحت المكاسب التي يحققها موقع أو قطاع تدفع الآخرين إلى المطالبة بالمعاملة بالمثل، كما كانت الوعود الكاذبة تزيد من احتقان العمال وتدفعهم إلى التصعيد.

ويمكن القول إن موجة الاحتجاج العمالي أثرت بقوة في المجتمع المصري، فلقد أسهمت أخبار الاعتصامات والإضرابات والوقفات العمالية في تفجير موجة من الاحتجاج الاجتماعي تطالب بتحسين الخدمات المتردية. وقد تمثلت في التظاهر والاعتصام وقطع الطريق من أجل الحصول على خدمات أفضل، مثل مياه الشرب ومياه الري والكهرباء والسكن، كما هددت الحركةُ العمالية البرجوازيةَ المصرية، حيث ظهرت كمؤشر لعجز النظام، وأعطت دليلاً لخصومه السياسيين على مدى فساده وفقدانه للقدرة على حل الأزمات المتوالية، كما أصبحت أنشودة الاستقرار التي تغنى بها مبارك، طويلاً، بلا معنى، في ظل الاحتجاج اليومي الذي يتراكم وينذر بالخطر.

لكن النضالات العمالية المتصاعدة لم تستطع جذب انتباه القوى السياسية، واقتصر الدعم السياسي المقدم للعمال على قوى اليسار الثوري، التي حاولت بإمكاناتها المحدودة بلورة مطلب موحد حول الأجر: الحد الأدنى للأجور، كما حاولت تنظيم الحركة من خلال دعم تأسيس النقابات المستقلة، بالإضافة إلى محاولة بناء جسر بين المعركة السياسية والمعركة الاجتماعية. ولكن معظم القوى السياسية كانت تدين الاحتجاجات العمالية وتتهمها بالانتهازية والفئوية، وأنها لا تعمل في صالح الوطن. وهي نغمة لم تتغير بعد الثورة. فالبرجوازية، بأحزابها كافةً، تريد أصوات الجماهير في صناديق الانتخاب، لتتمكن من ممارسة مناوراتها السياسية، ولكنها ترفض حركة الجماهير نفسها. ما أدى إلى فجوة كبيرة بين السياسيين وبين العمال.

كان رفض الحركة السياسية مد يد العون للطبقة العاملة دليلاً على عجزها عن إدارة معركة التغيير، وانفصالها الحركي والفكري عن عموم الشعب المصري، واستسلامها للنظام : فالإخوان يطلبون مشاركة النظام لا مغالبته، والأحزاب كرتونية فعلاً، كما أُطلق عليها، وتستمد شرعية وجودها من دعمها للنظام ودعمه لها، وحركات التغيير نخبوية لا تتبنى مطالب القوى الاجتماعية، وأقصى أحلامها إصلاح النظام لا الثورة عليه. لم تدرك هذه القوى السياسية أن لحظة ثورية قد ظهرت في الأفق، منذ انتخابات الرئاسة عام 2005، حين بدا النظام مرتبكاً حول ترتيبات المستقبل، وأثيرت تساؤلات حول صحة مبارك وملف التوريث وقدرة النظام على إدارة الأزمات. لقد كان العمال أكثر إدراكاً لهذه اللحظة الثورية من النخب السياسية، وأدركوا قدرتهم على تحسين أوضاعهم، من خلال الضغط على النظام، وهو في أضعف حالاته. صحيح أن العمال لم يفكروا في ثورة، بل لم يفكروا في أبعد من مصالحهم المباشرة، إلا أن مصالحهم تضغط على النظام وتكشف مدى ارتباكه، وعدم قدرة أجهزته الأمنية على حل الأزمات، ما اضطره للتراجع مرات عديدة أمام ضغط العمال.
هذا ويدعي بعض السياسين أنهم مهدوا للثورة، وهي ادعاءات كاذبة، فتاريخ انتهازيتهم أو محدودية رؤيتهم  واضح. وأدوارهم في دفع الشعب المصري نحو الثورة محدودة، إذا ما قورنت بنضال العمال الذي مهد الأرض بقوة في الطريق إلى الثورة.

أثناء الثورة
كانت الدعوة إلى الاحتجاج ضد عنف الشرطة حدثاً بالغ الأهمية، بعد انتصار الثورة التونسية وهروب بن علي. لكن أحداً لم يتصور أنه سوف يصبح مفجراً لثورة شعبية، لذلك ترددت القوى السياسية، بل حاول بعض أقطاب المعارضة تشويه الدعوة إلى التظاهر، وترددت مقولة: مصر مش تونس! لكن الجماهير خرجت بأعداد غير مسبوقة.

لقد دفع التراكم النضالي للعمال، على مدار سنوات، أعداداً ضخمة منهم إلى الميادين، لأن عشرات الألاف منهم خاضوا نضالات ضد النظام، في مصانعهم، ومواقع عملهم، من قبل، وأدركوا الفساد والظلم بشكل مجسد ومباشر، وعرفوا بالخبرة أن الاصطفاف يشكل ضغطاً قد يحقق المطالب. هذه خبرات اكتسبوها في مصانعهم ومواقع عملهم. وكان عمال مصنع الحديد والصلب بالسويس أول من أعلن مبكراً الإضراب لحين سقوط النظام، كما كان بيان العاملين بوزارة الصحة أول وثيقة تطلق لفظ ثورة على ما يحدث بعد موقعة الجمل. ولم يتم التركيز على هاتين المبادرتين، بسبب الأحداث الدرامية المتلاحقة، التي شهدتها الثورة.

وبعد أن رفض النظام تقديم تنازلات واضحة، وسخر رئيس الوزراء حينها أحمد شفيق من الاعتصام، كان التوجه إلى الطبقة العاملة لحسم الموقف، وبدأت الإضرابات تتوالى، والدعوة لإضراب عام تتجسد في الواقع. وهو ما أرعب النظام ودفعه للتخلي عن مبارك حتى لا تتحول الثورة السياسية إلى ثورة اجتماعية، ولا ينتقل الصراع  إلى مواجهة طبقية مباشرة. وفور الإعلان عن نجاح الثورة، بدأت ترتيبات سياسية كثيرة، بعضها في العلن وأغلبها في السر، لترتيب الأوضاع، ولم يحضر العمال هذه الترتيبات لأنهم لم ينضموا إلى الميادين بشكل منظم ومؤسسي، ولأن النظام الطبقي ظل متماسكاً، ومصراً على عدم إجراء تغييرات جذرية، على المستوى الاجتماعي.

موجة ثورية جديدة 
حاول المجلس العسكري وبعض القوى السياسية خداع الجماهير، وروّج هؤلاء لفكرة نجاح الثورة، بعد خلع مبارك، لكن العمال استشعروا هذه الخديعة، وبدأت موجة احتجاجات عمالية قوية تطالب بتحسين الأجر، وتثبيت المتعاقدين وإطاحة الإدارات الفاسدة للمصانع والشركات. وكان رد فعل النظام هو إصدار قانون يجرِّم الإضراب،  بالتوازي مع حملة إعلامية شرسة ضد احتجاجات العمال، للأسف شاركت فيها بعض القوى الثورية. كما ظهرت أصوات تطالب العمال بالصبر حتى يتشكل البرلمان، وينتخب الرئيس، وتبنى الدولة الجديدة.  ولقد تراجعت الكثير من القوى الثورية عن موقفها من الحركة العمالية، بعد فوات الأوان. واستمر النضال العمالي معزولاً عن النضال السياسي، بعد الثورة. وأصبح النموذج المتكرر أن تنفجر الموجة العمالية، فور هدوء موجة الاحتجاج السياسي.

 وكان العمال يحققون انتصارات جزئية هامة على المستوى التنظيمي: ما يقرب من ثلاثمائة نقابة مستقلة، واتحاد عام للنقابات المستقلة، واتحادات إقليمية، بالإضافة إلى عشرات النقابات تحت التأسيس، والروابط التي تتشكل في المواقع لإطاحة النقابات الحكومية. وبدأت خطوات فعلية في تثبيت المتعاقدين، وتحسين شروط التعاقد الجديد. كما نجح العمال في إطاحة مجالس الإدارة الفاسدة، في مواقع عديدة، ولكن البديل كان أكثر فسادا،ً في أغلب الحالات. كما تحقق نجاح جزئي هام في معركة الأجر، حيث زادت الحوافز لمعظم العاملين في الدولة، وفرض حد أدنى للأجور أقل من المتوقع، لكن المعركة كانت مستمرة وفرص تنظيم الطبقة العاملة أصبحت كبيرة، كما لاحظنا درجة من التنسيق في الاحتجاجات، خاصة القطاعية منها، كما حدث في إضراب النقل العام، والعاملين في النيابات والمحاكم والبريد والاتصالات والضرائب.

وفي المقابل كانت الحركة السياسية تتعرض لهزائم متوالية، وتفقد الزخم الشعبي والقدرة على الحشد. لقد دفعت الحركات الثورية ثمناً فادحاً، بسبب ثقتها في المجلس العسكري والإخوان المسلمين. وفي أحداث شارع محمد محمود، وأحداث اعتصام مجلس الوزراء، أدركت القوى الثورية أهمية العمال، كقوة عددية في مواجهة العسكر، بعد تخاذل الإخوان. وهو ما تبلور بعد ذلك في تبني عدد من القوى السياسية والثورية دعوةً للإضراب العام، في ذكرى رحيل مبارك. ولم تحاول هذه القوى السعي إلى العمال،  ونشر الفكرة ومناقشتها مع العمال، ولم تضع حتى مطالب العمال نصب أعينها، ولا حتى ضمن أهداف الإضراب العام. وبالطبع لم يُقبِل العمال على الفكرة التي اقتصرت على القطاع الطلابي، لكن ما أثير من قبول ورفض مجتمعي حول الإضراب العام، وما أصيب به النظام من ذعر، بسبب الدعوة، كان رافعة قوية لموجة كبيرة من الاحتجاجات العمالية، أغلبها إضرابات في قطاعات تمتد على مستوى الجمهورية، أو اعتصامات طويلة لا تنفض إلا بتحقيق مكاسب ملموسة، وأصبحت أشكال التنسيق والتضامن بين العمال أوضح، كما أصبحت النقابات المستقلة أكثر تجذرأ في الواقع. وهو ما يجعلنا نتوقع أن الإضراب العام سينطرح على أجندة العمال، في وقت قريب، كمستوى أعلى من التصعيد، في وجه نظام سياسي جديد، لم تتغير فيه سوى الأسماء والوجوه. وعند هذه اللحظة، سيتحول العمال إلى طبقة عاملة حقيقية، متجذرة في الواقع، وقادرة على تغييره.