على الطريق لتجميع اليسار اليوناني، وإعادة بناء الحركة ضد إملاءات الترويكا

العدد السادس - كانون الثاني ٢٠١٦
الدولة: 
اليونان
الملف: 
اليسار
تاريخ النشر: 
كانون الثاني (يناير), 2016

لقد جرت إطاحة انتصار الـ«لا» OXI، في الاستفتاء اليوناني في ٥ تموز/ يوليو، ولكن لا تزال هناك معركة لإعادة تجميع اليسار وإعادة بناء الحركة ضد التقشف.

لا

تجمَّع مئات الآلاف خارج البرلمان اليوناني يوم الجمعة قبل الاستفتاء. وعندما كان الناس يغادرون الساحة ببطء في وقت متأخر من المساء، متفائلين بالنتيجة، تحدثتُ مع كونستانتينوس، وهو يراقب بهدوء، غير متأثر بالجو المبتهج. فقال لي إن الكلمات المناسبة من الصعب إيجادها في أوقات مماثلة: «مشاعري تكاد تنفجر». وتابع: «لقد قدمنا الكثير من التضحيات، بين الأصدقاء كما في العائلة، الناس تساعد بعضها البعض»، وزاد: «ولكن انتظرنا خمس سنوات، وهو وقت طويل». 

حرص الناس أن يعرف الصحفيون ما هي تلك التضحيات: ثمة أشخاص اضطروا إلى أن يتركوا بيتهم/ن للعيش مع أهلهم/ن، بسب ضيق المعيشة، وآخرون اضطروا لتأجيل إنجاب الأطفال، والبعض الآخر يتجولون مع بضع وحدات من اليورو فقط في جيوبهم. جميعهم يتساءلون أين ستكون الجولة المقبلة من التضحيات، التي يطالب بها الدائنون في منطقة اليورو. وسألتْ المرأةُ التي تعمل في المقهى الذي ارتاده: «أنا أعمل ١٤ ساعة في اليوم، كيف يمكنني العمل لفترة أطول؟ وماذا سيحدث عندما يغلق المقهى، بسبب زيادة الضريبة على القيمة المضافة؟»

لقد انخفضت الأجور بشكل كبير - الحد الأدنى للأجور انخفض بنسبة أكثر من ربع ما كان عليه، وانخفض أكثر من الثلث عند الشباب -، ومعاشات التقاعد انخفضت بنسبة تزيد على الـ ٢٥ في المئة، وما يقارب من المليون شخص ليس لديهم/ن إمكانية الحصول على الرعاية الصحية، والفقر عند الأطفال بنسبة ٤٠ بالمئة، وأكثر من ربع السكان في سن العمل عاطلون عن العمل. «إن ٢٠٠ يورو لا تكفي لإعالة أسرة»، قالت زوي عندما سألتُها، في المظاهرة في ميدان سينتاجما، ليلة الجمعة قبل الاستفتاء، لماذا ستصوت بلا في الاستفتاء. 

في كل مكان، يلقي الفقر ظلالاً من الحزن على غرف الاستراحة. ولكن هناك المرارة أيضاً.  «لقد كان حزب باسوك وحزب الديمقراطية الجديدة فاسدين»، أوضح أحدهم. وقال الناس لي، مراراً وتكراراً: «لسنا نحن، بل هم»، في إشارة إلى الحكومات السابقة التي وقعت أول مذكرتي الدين مع «الثلاثي» اللعين، المؤلف من البنك المركزي الأوروبي، والمفوضية الأوروبية، وصندوق النقد الدولي. لقد حوّلت الشروط المفروضة في تلك الاتفاقات ما كان يعتبر آنذاك مستوى مقلقاً للديون إلى كارثة اجتماعية واقتصادية.

كان الوعي الطبقي، الذي يقوم عليه التصويت بـ«لا» في الاستفتاء، واضحاً حتى للمعلقين في وسائل الاعلام السائدة، بسبب الحدود المرسومة الصارخة بين المعسكرين المتعارضين: من جهة، رئيس الوزراء السابق، وغرفة التجارة اليونانية وصندوق النقد الدولي، وقادة منطقة اليورو، ووسائل الإعلام المسعورة - الطبقة الحاكمة في اليونان التي تتماشى مع الطبقات الحاكمة في أوروبا - ومن جهة أخرى، اليسار والطبقة العاملة. وقد كانت المسافة ضيقة بين الطرفين، واتخذ كل طرف موقفاً خاصاً به. فأصحاب النوادي الرياضية، وشخصيات برنامج لايف ستايل والممثلون، أغلبهم في معسكر الـ«نعم».

كان الشعور السائد لدى الطبقة العاملة على درجة من القوة والحسم - في الضواحي حول ميناء بيرايوس كان التصويت ٧٣ ٪ للـ«لا» -  بحيث نجح في كسب البرجوازية الصغيرة الى معسكرهم. وهؤلاء هم أصحاب محلات زوايا الشوارع،  والعاملون في قطاع السياحة، والمزارعون، والباعة المتجولون، وما شابه ذلك، الذين يعيشون في مجتمعات الطبقة العاملة، ولذلك ففهمهم للوضع يمكن أن يتأثر برأي الطبقة العاملة. وقد أظهر تصويت الـ«لا» اللافت أن وجهة نظر الطبقة العاملة، بشأن هذه المسألة على الأقل، كان مهيمناً بين الطبقات الوسطى الدنيا. 

كانت الـ«OXI» رفضاً للتقشف، وتوبيخاً للأحزاب التقليدية، واعترافاً بكونهم مذنبين. ولليلة فرح واحدة، كان التصويت مثالاً عن القوة الاحتياطية للغالبية الاجتماعية في مواجهة حكامها. ونادراً ما استطاع قدر قليل إلى هذا الحد من التعبير أن يوصل هذا الكم من الدلالات. كانت المعاني قوية بما فيه الكفاية لربط آمال ملايين من الناس، وحذرهم، معاً.

كان يوم الـ«لا» يوم عطلة وطنية في اليونان، في ذكرى رفض الديكتاتور يوانيس ميتاكسيس  الموافقة على الشروط المذلة للاحتلال الإيطالي، خلال الحرب العالمية الثانية. وقد أطلق ذلك الرفض شرارة المقاومة ضد الفاشية الإيطالية، التي تركت إرثاً قوياً في عقول اليونانيين الحاليين. فمثل التصويت بـ«OXIب اليوم، يجري الاعتراض على ذلك الإرث الرافض السابق، بين القوميين واليسار الذين يحتفلون بالمقاومة. وكما قال لي رجل يوناني في أعقاب طرح تسيبراس لقائمة مقترحات التنازلات، لتأمين الإنقاذ بعد الاستفتاء: «قلنا لا بأعدادٍ كبيرة، ونحن لدينا ذاكرة كبيرة». إن الـ٦١ في المئة من الناس التي صوتت بلا هي حاملة لتلك الذاكرة.

الاعتراض على الـ «لا»

كتب والتر بنجامين عن الحاجة إلى «الاستفادة من نعمة الذاكرة في الأوقات العصيبة»، وحذر من  أن خطر التاريخ الأكبر، وعلى الأقل خطر الطريقة التي تتم كتابته بها، هو في أن يصبح ذلك التقليد، ومن يتلقونه، عرضة للتهديد بـ«الصيرورة أداة للطبقة الحاكمة». إن خطراً مماثلاً يلوح في اليونان. حالما انتصر استفتاء الـ«لا»، بدأ الاعتراض على دلالته. وشرع تسيبراس في تحويل نتيجة الاستفتاء إلى نقيضها: نعم لمزيد من سياسات التقشف، ولتقشف أكثر سوءاً، تلك السياسات التي كانت قد لقيَت رفضاً مدوياً.

يوم الثلاثاء، قبل التصويت، أرسل تسيبراس مجموعة جديدة من التنازلات المقترحة لبروكسل. خاطب الأمة، معلناً أن التصويت من شأنه أن يشكل رافعةً، والضغط على قادة منطقة اليورو للقبول بالتنازلات، وإبقاء اليونان في منطقة اليورو. وكلمته التي ألقاها في ميدان سينتاجما أمام الآلاف من المتظاهرين/ات،  إنما كتبت لكي تشكل نداءً للجميع، أولئك الذين يريدون البقاء في منطقة اليورو، ويطالبون بذلك لأجل بشرية متحضرة، وأولئك الذين استنتجوا أن قادتها خدمٌ بدم بارد للبنوك. 

كان تسيبراس أيضاً يستغل تناقضاً حقيقياً - كانت ثمة أغلبية واضحة ضد التقشف، ولكن أظهرت استطلاعات الرأي أن أغلبية تعارض كذلك الخروج من الاتحاد النقدي. وقد كان كلا الموقفين مضطربين. فاستطلاعات الرأي في اليونان لا يمكن الاعتماد عليها، والاستفتاء كان الأكثر موثوقية. وقد قال كل من المستشارة الالمانية أنجيلا ميركل، ورئيس المفوضية الاوروبية جان كلود يونكر، وكل فرد في المؤسسة السياسية اليونانية الحاكمة، إن انتصار الـ«لا» يعني الخروج من اليورو. على الرغم من هذا، عمد الناس إلى المخاطرة، وربما كانوا يعتقدون أن أوروبا تمارس الخداع. ولكن ربما، في تلك اللحظة من الخطر، كانت إرادتهم وضع حد لعملية الخنق أقوى من رغبتهم في الإبقاء، على الأقل، على الستاتيكو، بصورة مؤكدة. وربما لن نعرف، على الإطلاق. ولكن هناك شيء واحد لا يقبل الجدل: النشوة التي انفجرت، بعد ظهور النتيجة، أظهرت شعباً آمن، في الأخير، بأن ذلك يعني قطعاً مع الأعمال، كالمعتاد. كانت تلك اللحظة هي لحظتهم. 

يقول البعض إن عدم حصول تمرد في أعقاب استسلام تسيبراس هو دليل على أن الناس اقترعت للبراغماتية، للتسوية. علينا أن نشكك بهذه الادعاءات. فصناديق الاقتراع لا تحاول تسجيل الفرق بين التأييد الحماسي لموقفٍ ما والقبول بأن السلطة تكمن، في نهاية المطاف، في مكان آخر. والقبول بالشيء لا يعني المصادقة عليه، حيث أن التأييد الشخصي لرئيس الوزراء تراجع من ٦١ في المئة إلى نحو ٣٠ في المئة.

إن استطلاعات الرأي لا تسلط الضوء، أيضاً، على ما إذا كان هنالك استعداد لدى عدد كبير من الناس للتضحية لأجله، وكيف. فلقد اعتادت الطبقة العاملة على الجمود والواقعية - إذا فهمنا بـ«الواقعية»، بمعنى أكثر عمومية، على انها التسليم بكون الأشياء لا تتغير أبداً في الواقع. والحالتان ناتجتان من بقاء الشخص العامل حياً، فيما هو مرتهن بفعل الشيء نفسه، يوماً بعد يوم، وسنة بعد سنة، في مكان عمل منظم بشكل صارم. لذا ربما يريد الناس أن تتم صفقة، على الرغم من اليأس الذي يخامرهم بعد حصول ذلك. فعلى سبيل المثال، يوم الثلاثاء بعد الاستفتاء، بدأ عمال الخدمات يعترفون بأنه إذا لم يصل تسيبراس إلى اتفاق مع الدائنين لإعادة السيولة، لن تفتح المحلات التجارية في الأسبوع التالي. وهذا يعني نهاية الحياة كما كانوا يعرفونها. ومع ذلك، عندما تسربت أخبار أن تسيبراس عرض صفقة جيدة بحيث لا يفترض بالأوروبيين أن يرفضوها، كانت ردة فعل إحدى النادلات في المقهى الذي كنت أنزل فيه تتمثل بقولها: «إنهم يقتلوننا».

يجب علينا فهم ديناميكية الإمكان؛ إمكانية أن يتحول القبول إلى نقيضه، فقط إذا حصل أنه، عندما تأتي لحظة الرفض، توفَّر للطبقة قادةٌ لا يترددون في لحظة الخطر في أخذ الأمور إلى نهاياتها المنطقية. فبقدر ما أصبحت حياة الناس لا تطاق في السنوات الأخيرة، بقدر ما باتوا يفضلون المجهول على الحاضر المعروف، لأن المعروف لا يطاق. وهنا يكمن فشل قادة سيريزا الكبير. وقد ضحكت امرأة بسخرية عندما سألتُها عن الفوضى الآتية، إذا تركت اليونان منطقة اليورو، قائلة: «لقد كانت السنوات الخمس الماضية حالة من الفوضى». ولم يكن هذا الشعور معزولاً، وهو يوضح نوعاً آخر من الواقعية: أن الناس تربط التوقعات بخصوص الـ«لا» الرائعة بمستقبل أولادها، وليس بحاضرها الشخصي. 

إنقاذ الـ«لا»

إن معنى الـ«لا» المجادل فيه هو في قلب الصراع الذي انفجر داخل سيريزا، بين قيادة الوسط/اليمين، من جهة، ويسار الحزب، من جهة أخرى. وإدراكاً من تسيبراس بأنه لا يمكن الدفاع عن تنفيذ مذكرة الثلاثي الأوروبي، بوجود معارضة شرسة داخل الحزب، هدَفَ لتسريع وتيرة الأحداث بحيث يكون على اليسار أن يتزاحم معاً على كسب المعارضة. وقد أدى ذلك إلى حدوث انقسام كبير في سيريزا، أفضى إلى تشكيل قوة جديدة في البرلمان، هي الوحدة الشعبية («LE» باسمها المختصر اليوناني). وقد أعطى هذا الانقسام شكلاً رسمياً، على المستوى التنظيمي، للانقسام السياسي، الذي بات قائماً، منذ ١٣ يوليو/ تموز. 

لقد نجحت الوحدة الشعبية، عبر تنظيمها المعارضة داخل سيريزا، ضمن تنظيم جديد، في أن تضع نفسها في تعارض مع رفاقها القدامى. وإذ تشكلت من 25 نائباً ينتمون لسيريزا، ضمن البرنامج اليساري - التيار اليساري والشبكة الحمراء ذ فهي قد شملت ايضاً إحدى عشرة منظمة اخرى من خارج سيريزا، كان ممثلوها في البرلمان  قد وقعوا إعلاناً، قبل أسبوع، يدعمون بموجبه تشكيل جبهة سياسية جديدة تمثل التصويت بـ«لا». وقد جرى اعتبار ذلك، على نطاق واسع، إعلاناً بقيام حزب جديد. ومنذ الانشقاق، انضمت إلى الوحدة الشعبية الرئيسة السابقة للبرلمان، زوي كونستانوبولو، التي تتمتع بسيرة عريقة. وبين المنشقين أيضاً نواب في البرلمان، كناديا فالافاني، وراشيل ماكري، وأعضاء في المجموعة اليوروشيوعية، المعروفة بمجموعة الـ«53». كما انضمت، فضلاً عن ذلك، مجموعتان سبق أن عملتا داخل أنتارسيا، هما ائتلاف اليسار المناهض للرأسمالية، وأراس، وأقلية وازنة في أران.

في حين كان الانقسام في حد ذاته لا مفر منه، كان حجم هذا الانقسام بعيداً كل البعد عن أن يكون مؤكداً. ففي الانتخابات البرلمانية الأولى، صوَّت اثنان فقط من النواب داخل قاعة البرلمان لمصلحة الـ«لا»: يووانا غيتاني - عضو في الشبكة الحمراء، كما في المنظمة التروتسكية الثورية، اليسار العمالي الأممي (DEA باسمها المختصر اليوناني)- وإيليني بساريا، وهي أيضاً عضو في الشبكة الحمراء. وقد امتنع التيار اليساري، وفي التصويت الثاني في ١٥ تموز/يوليو، عمد إلى تغيير تصويته لصالح الـ«لا».

في البداية، كان هناك ضغط كبير لأجل المغادرة، بالضبط. وفي اجتماع للشبكة الحمراء، يوم ١٨ تموز/يوليو، تحدث الأعضاء عن أنهم في حالة من عدم التصديق لَمَّا سمعوا ما الذي طرحه تسيبراس. ولقد سألوا متى يمكن أن تُشكَّل سيريزا الجديدة - وهذه المرة من اليسار الراديكالي بمعزل عن التحالف. وقد كانت هناك غريزة صحية ضد الاستسلام، في مثل هذا الرد. ومع ذلك، فأنطونيس دافينِّلوس، عضو المكتب السياسي السابق في سيريزا وعضو اللجنة المركزية الخاصة باليسار العمالي الاممي DEA، جادل بأن مغادرة سيريزا ستسمح بإخلاء الساحة كلياً لتسيبراس، وسيتم ترك المئات أو الآلاف من الأعضاء للقيادة، أو للمغادرة البطيئة (للحياة السياسية). بدلاً من ذلك، فإن كل تصويت برلماني، وكل اجتماع حزبي، يمكن أن يقدم أرضية للعمل، عبر النقاشات، على كل المستويات الحزبية. وكان عليهم القتال من أجل كل عضو وبناء أوسع معارضة ممكنة.

لقد كان أساس حزب جديد، في هذه المرحلة من الزمن، موجوداً بشكل رئيسي داخل سيريزا. أكثرية الشعب، المستنفرة من جراء التقاطب الذي ولَّده الاستفتاء، تراجعت من الحوافز السياسية  إلى الشخصية منها. لم تكن هناك استجابة جماعية لاستسلام تسيبراسذ ما من اندفاع إلى الأمام من جانب الحركة العمالية، ولا مظاهرات كبيرة - ولكن فقط ارتباك واحباط. كانت فروع سيريزا، المؤلفة من يساريين ثابتين على امتداد عقود، تمتلىء بأشخاص نجوا من تقلبات النضال. وإلى الآن، فالناس ليس بودِّهم أن يقطعوا علاقتهم باستخفاف بالمشروع الذي أمضوا الكثير من الوقت والجهد عليه، من دون أن يبدو بديل له قابلٌ للحياة. ولقد كان يجب أن تُدار نقاشات جادَّةٌ ضمن أوساطهم.

لقد كان على أعضاء يسار سيريزا أن يتجادلوا مع أصدقائهم وزملائهم في العمل، والحصول على إجابات، وكانوا بحاجة لمعرفة من بقي بينهم صادقاً في الموقف المؤيد للبرنامج المناهض للتقشف، الذي كسب الحزب دعمه على أساسه. 

وكانت الطريقة التي حصلت بها المجادلات، والصدع المحتمل، هامة أيضاً بخصوص عدد الناس الذين يمكنهم جلبهم إلى الحزب الجديد. وكانت الاستراتيجية الأولى التي اعتمدها اليسار هي محاولة انتزاع الحزب من القيادة. ولكن حين فشل في مسعاه لحمل اللجنة المركزية على الدعوة إلى انعقاد مؤتمر الحزب قبل التصويت النهائي، جرى إغلاق هذا السبيل، مع تنحية المؤتمر في اتجاه تبني ما يمكن أن يكون أمراً واقعاً، في الفترة المعنية. وقد شكل قرار تسيبراس الدعوة إلى الاختيار قبل المؤتمر الاستفزاز الاخير، منكراً بذلك على اليسار فرصة استخدام المؤتمر كأرضية لكسب الأعضاء.

الحفاظ على الـ «لا»

وقد حظي التسييس الجماهيري في اليونان بالمؤازرة، لأن الناس آمنت بأن بديلاً للتقشف أمرٌ ممكن. ولكن قيادة سيريزا زعمت أنه لا يوجد بديل لمذكرة الهيئات الدائنة. وكانت الحملة الانتخابية هامة بالنسبة لليسار لمواجهة هذا الأمر، ولقطع الطريق على الكلبية الغالبة. وإذ رفضت الوحدة الشعبية أن تصبح مدافعة عن تسيبراس، حددت موقعها كوارثة للانتداب الشعبي الذي تم في الخامس من تموز/يوليو. مع ذلك، ففي حين كان تشكيل الوحدة الشعبية خطوة إلى الأمام، بقيت المحصلة محدودةً، لسلسلة من الأسباب.

أولاً، كان النضال العمالي الجماهيري غائباً إلى حد كبير، منذ العام ٢٠١٢، تحسباً لوصول سيريزا إلى السلطة. فلقد كانت النضالات ضد تنفيذ المذكرة قادرة على إحياء ثقة الناس، ولكن غياب مثل هذه النضالات، في فترة الاستسلام، كان يعني أنه لم يكن هنالك شيء لوقف تراجع ثقة الناس. وقد فتح ذلك الطريق أمام التوسع الكبير للكلبية المضادة للسياسة. 

ثانياً، كان هناك الولاء المتبقي لسيريزا، وهذا بارز في كل استطلاعات الرأي التي تظهر سيريزا متقدمة بأشواط على بقية اليسار مجتمعاً. اتخذت «الوحدة الشعبية» ما وسَعَها اتخاذه من خارج الحزب، وكان يمكن أن ينضم المزيد في المستقبل، ولكن قاعدتها بقيت صغيرة نسبياً، لدى المقارنة.. أضف إلى ذلك أنه لم يأتِ الجميع إلى الوحدة الشعبية، والبعض اختار الوقوف والانتظار ليرى ما سيحدث، وقليلون رجعوا إلى الوراء، نحو المعارضة التي يعرفونها - كالحزب الشيوعي اليوناني، على الرغم من تعثره نتيجة موقفه المتناقض بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي. وفي هذا السياق، من المعقول أن تكون التوقعات متواضعة، بصدد كيفية إشعار الـ«لا» بحضورها، انتخابياً. 

ثالثاً، تبقى هناك حجج يجب امتلاكها، ودروس يلزم استخلاصها. إن جوهر «الوحدة الشعبية» ذ أولئك الذين يأتون من البرنامج اليساري ذ كان يتعارض مع استراتيجية المفاوضات التي لا نهاية لها مع الترويكا، من البداية. وبالتالي فإن التوتر بين اليسار وحزب اليمين/الأغلبية كان واضحاً قبل ١٣ تموز/يوليو بفترة من الزمن. ووضوح الوحدة الشعبية، بصدد المشكلات مع هذه الاستراتيجية، كان يشكل تقدماً على سيريزا. بيد أن هذا لم يكن فشل سيريزا الوحيد. فاستراتيجية المفاوضات التي لا تنتهي كانت تعكس أوهام الحكومة بخصوص النية الطيبة لدى محاوريها، ولكنها كانت متعارضة كذلك مع التعبئة من الأسفل. ومن ذلك خيار مراكز الوحدة الشعبية التخلي عن اليورو على قاعدة  مناهضة التقشف. مع ذلك، كان يمكن تشديدها على العملة الوطنية أن يتلاقى مصادفةً مع عمل أساتذة يضعون خططاً بدلاً من برنامج تتم تعبئة الناس حوله. والعملة البديل ليست هي ذاتها بديلاً من التقشف. هذا وإن للشبكة الحمراء دوراً حيوياً في هذه الجدالات  داخل الوحدة الشعبية، كقطب يساري داخلها. والتحدي بالنسبة للوحدة الشعبية يتمثل في أن تضع بديلاً للاستسلام، ولكن أن تحاول أيضاً وضع حد لزوال التعبئة الطبقية.      

رابعاً، إن الإطار الزمني القصير نسبياً لتنظيم الحزب الجديد ساهم في خلق مشاكل، وقد اعترف كوستاس لابافيتساس، في مقابلة أجرتها معه مؤخراً مجلة Jacobin، بأن عدم وجود هيكل واضح داخل «الوحدة الشعبية» أدى إلى قرارت اتخذت على قاعدة اعتباطية، وذلك بما يتعارض مع الديمقراطية الحزبية. وغياب أي هيكل لأحد الفروع إنما هو عائق امام إشراك الناس في المشروع الجديد.

على الرغم من هذه المشاكل والقيود، في عملية القطع مع سيريزا، نجحت الوحدة الشعبية في المحافظة على روح الـ«لا» . وكان هذا مهماً للغاية. فهي قد ظهرت كقوة في مجتمعات الطبقة العاملة، والدروس المستفادة من ذلك الانشقاق إنما هي دروس قَيِّمة. 

هناك، بطبيعة الحال، يسار واسع خارج تحالف سيريزا. ونظراً لحجم الاستسلام، فإن إعادة بناء يسار موحد مناهض للتقشف مهمة رئيسية. للأسف، فالنقاشات بين الوحدة الشعبية والائتلاف الناشط الكبير المناهض للرأسمالية، الآخر، أنتارسيا، فشلت في التجسد في عمل مشترك خلال تلك الحملة الانتخابية. وليس من المرجح أن يفوز أي منهما، في تصويت أساسي، في المناخ الحالي. وستكون نكسة إذا خاضا المعركة منفصلين، وبالتالي لم يتمكن أي منهما من الفوز بـ ٣ في المئة من الاصوات، العتبة الضرورية للحصول على تمثيل في البرلمان. وحتى إذا فازت الوحدة الشعبية بمقاعد، من دون دعم غير ذاتي، فالتصويت لليسار سيبدو أقل إثارة للإعجاب، بسبب انقسامه.  وثمة حساب شامل لتكاليف هذا القرار سيكون من نصيب يسار يواجه التحديات المقبلة.

وسواء أعادت الانتخابات سيريزا إلى السلطة أو أنعشت حزب الديمقراطية الجديدة، فإن ميدان النضال سيتحول إلى تحركات ضد تنفيذ مذكرة الترويكا. ومن المؤمل أن عمل لجان الـ«لا» حتى النهاية، الذي يوحد نشطاء من الوحدة الشعبية وانتارسيا، في اللجان والاتحادات والأحياء المجاورة، سوف يكون وسيلة لجمع كل القوى التي تعبأت خلال الاستفتاء. 

إذا كان بامكانهم مواجهة هذا التحدي، فإن تجربة فشل سيريزا، وتسييس الاستفتاء وكل الصراعات التي حصلت منذ العام ٢٠١٠، يمكن أن تُغْني جولة جديدة من النضال، وتعمّقها.

في أواخر ت1/أكتوبر 2015