التظاهرات الحالية في العراق… بارقة أمل متقدة منذ أشهر

العدد السادس - كانون الثاني ٢٠١٦
الدولة: 
العراق
الملف: 
الثورات العربية
تاريخ النشر: 
كانون الثاني (يناير), 2016

يمر العراق في الفترة الحالية بأزمة عميقة ذات جوانب متعددة، منها الاقتصادي ومنها السياسي، ومنها ما يتعلق بأمنه الاجتماعي، ومنها ما يتعلق حتى بكيانه المستقبلي وباستمراره كمجتمع عرف عنه تشكيله الفسيفسائي المركب من طوائف وأديان وإثنيات متعايشة. فتحت يافطات «العراق الجديد» والديمقراطية الحديثة، تم تطبيق سياسات واجراءات استهدفت خلق شروخ عميقة في هذا المجتمع، وسهلت تقسيمه عمودياً، وخلقت حالة من الخوف من الآخر، وكذلك عدم الشعور بالأمان بالمطلق، ما سهل عملية السيطرة عليه من قبل داعش في المناطق التي تقع تحت هيمنتها، واستمرار الخوف من عصابات الجريمة المنظمة أو من ميليشات لا تتمكن الحكومة من السيطرة عليها، وما سهل عمليات النهب الكبرى التي تعرض لها اقتصاده، على مدى سنوات ما بعد الاحتلال عام ٢٠٠٣ فوصلت تقديرات النهب الى ٣٠٠ مليار من مجموع واردات النفط خلال هذه السنوات، التي تصل الى ٩٠٠ مليار دولار.

الشرخ الطائفي والفساد

اعتمدت الإدارة الأميركية في مجلس الحكم الذي شكله بريمر، «الحاكم المدني»، على نظام يستند إلى مفهوم المكونات، وليس مفهوم المواطنة، فتم اختيار ممثلين في مجلس الحكم هذا بحسب التوازنات الديموغرافية، وبالتالي على افتراض أن هؤلاء الممثلين في مجلس الحكم هم بالفعل ممثلون حقيقيون لطوائفهم وإثنياتهم، فقد أثبتت الوقائع الاقتصادية والاجتماعية عكسه طوال هذه السنوات، بسبب الواقع المتردي الذي تعيشه غالبية المواطنين، في مجال الرواتب والخدمات والأمن.

وسارت عصابات تنظيم القاعدة الأولى ومن بعدها داعش، مروراً بكل مسمياتهما، في مسار تعميق الشرخ الطائفي وخلق فتنة بين المواطنين المتعايشين، بل والمتزاوجين منذ أزمان طويلة، فكان أن استهدفت وما زالت الأسواق المكتظة، ومحطات انتظار العمال في الصباح في المناطق الشيعية، بمفخخات شبه يومية طالت عشرات الآلاف منهم، ولكن أيضاً من يتعاون مع السكان الشيعة من السنة. أما الحكومات ذات التوجه الطائفي الشيعي فقد سارت على نفس المنوال تقريباً، عبر إنزال العقوبة والانتقام بدون تمييز في أحيان كثيرة، فكان هناك العديد من الأبرياء الذين اعتقلوا ولفترات طويلة من دون أي ذنب من أبناء الطائفة السنية. وقد كان لتوجهات المالكي المذهبية أثر كبير في تعميق هذا الشرخ، الذي استغله للظن بأنه سوف يحصل على تأييد أكبر بين أبناء «مذهبه». 

وكان من ضمن هذا المنطق في دولة المكونات، مكون شيعي ومكون سني ومكون كردي الخ، أن يكون لكل منها تمثيل في الحكومات المختلفة، بعد أن كان لها ذلك في مجلس الحكم، فتشكلت محاصصة طائفية جعلت من كل وزارة إقطاعة لها، لا يدخلها إلا من يدفع للوزير ولحزبه، ولا يتعاقد معها إلا من يدفع لهما نسباً معروفة ومتفقاً عليها.

فتحولت الوزارات هكذا من وزارات شأنها توفير الخدمات للمواطنين الى مؤسسات أو شركات من واجبها تأمين أكبر قدر مالي للوزير الفاسد، أو لحزبه الذي بحاجة الى تمويل لتغطية نفقاته. وجرى كل ذلك بتوافق نادر بين «ممثلي» الطوائف لا نجد له مثيلاً، عندما يتم التعامل مع فقراء ومعدمي هذه الطائفة أو تلك. كما اتفق هؤلاء الممثلون على تحديد رواتب ومخصصات وامتيازات عالية جداً، خاصة بالسلطات الثلاث، الحكومية والقضائية والبرلمانية، وكذلك موظفي الدرجات الخاصة التابعين لأحزابهم بالضرورة، في الوقت الذي يعاني بحدود ربع السكان من ضنك العيش تحت خط الفقر الذي قُدر بحوالى ٢.٢ دولار اميركي يوميا. وصارت المناصب كمصادر للاستثمار لابد من الدفع غالياً للوصول اليها، ومن ثم العمل بجد من أجل إرجاع رأس المال المستثمر في هذه الوظيفة أو تلك الوزارة. والحال هكذا، يمكننا تصور نوع الخدمات العامة التي يمكن أن يقدمها هذا النوع من السياسيين. وتحولت الدولة بدلاً من الاهتمام بالخدمات، الى الاهتمام بالتوظيف بحسب محسوبيات سياسية حزبية، أو حتى على شكل رشاوى معلومة. فكان أن زاد عدد العاملين في القطاع الحكومي واداراته أكثر من عدة أضعاف خلال ثماني سنوات، فوصل العدد الإجمالي للعاملين في الدولة الى أكثر من أربعة ملايين من أصحاب الأجر (من ضمنهم أفراد القوات المسلحة ومنتسبو الداخلية)، في ترهّل واضح في الأداء تشير دراسات متخصصة الى انه لا يزيد على ثلاثين دقيقة في اليوم الواحد، وهذا لا يعني بالطبع الموظف الذي يضطر يومياً للذهاب الى عمله وقضاء ساعات العمل هناك، بقدر ما يعني الإدارة الفاشلة والفاسدة.

وبالإضافة الى كل ذلك «التطور» الطبيعي، كانت هناك إرادة سياسية تسلطية تشتري الولاءات عبر تخصيصات مالية مقطوعة لفلان أو لآخر متنفذ في منطقته أو ضمن طائفته، فنشأت مراكز قوى عديدة ترتبط كلها برئاسة الوزارة التي كانت تمهد لولايات ثالثة ورابعة...

توازن القوى السياسية

لقد عبّرت عن هذا التوازن نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت في ٣٠ نيسان/أبريل ٢٠١٤، وهي الأولى بعد انسحاب القوات الأميركية نهاية عام ٢٠١١، وثالث انتخابات تشريعية منذ الغزو الأميركي عام ٢٠٠٣. تم التنافس خلالها بين ٢٧٧ حزباً وتياراً، مؤتلفة ضمن أكثر من ثلاثين كتلة سياسية، على ٣٢٨ مقعداً نيابياً، ما أدى إلى حصول المالكي على أغلبية  كبيرة، ولكنها لا تعطيه المجال للانفراد بالحكم، كما كان يود، للتخلص من قيود «المحاصصة».

وقد شاب تلك الانتخابات الكثير من تهم التزوير، والتأثير في أصوات الناخبين، عبر رشاوى مفضوحة تم تصويرها وتداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، وعزز الظن بها نظام احتساب الأصوات الذي تم في كل محطة انتخابية محلية في مساء نفس اليوم، بدون الاعلان عن أية نتائج إجمالية، إلا بعد جمع كل صناديق الاقتراع في بغداد في مركز واحد، و«عدّها» من جديد، ما استغرق حوالي الثلاثة أسابيع لتعلن النتائج يوم ١٩ أيار/مايو، مع اختلافات كبيرة في عدد الأصوات لقائمة أو لأخرى، بين العد الأول والعد الثاني. علماً بأن المسؤول عن الانتخابات هو مفوضية «مستقلة»، ولكنها خاضعة كذلك لمحاصصة طائفية وإثنية سياسية.

وقد حصل ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي على أكثر من ٩٢ مقعداً، وحصل التيار الصدري - كتلة الأحرار، الذي يأتمر بإمرة رجل الدين الشاب مقتدى الصدر، على ٣٣ مقعداً، وائتلاف المواطن الذي يقوده رجل الدين الشاب أيضاً عمار الحكيم على ٣٠ مقعداً. وتتآلف هذه القوائم مع قوائم دينية شيعية أخرى، في قائمة أكبر في البرلمان، باسم «التحالف الوطني»، لتُشكل لوحدها أكثر من نصف مقاعد البرلمان. ولكن الخلاف مستمر فيها منذ فترة طويلة قبل الانتخابات حول السماح للمالكي بولاية ثالثة قد تفسح الطريق لولاية طول العمر أم لا. فقد نشطت هاتان القوتان في التصدي لهكذا ولاية من دون أن تتمكنا من التقدم بمرشح بديل. وللقوى الثلاث هذه علاقات مميزة مع إيران، مع الاختلاف في درجة حرارتها.

تأتي في المرتبة الرابعة قائمة «متحدون للاصلاح»، ٢٥ مقعداً،  بقيادة أسامة النجيفي (إسلامي سني)، رئيس البرلمان السابق والشقيق الأكبر لمحافظ نينوى (الموصل) أثيل النجيفي. وتليها قائمة ائتلاف الوطنية، ٢١ مقعداً، بقيادة إياد علاوي، وهو معارض وبعثي سابق تعرض لمحاولة اغتيال على أيدي النظام السابق، عندما كان في لندن. وكان قد حاز في انتخابات عام ٢٠١٠ على المرتبة الأولى بأكثر من تسعين مقعداً، متقدماً على المالكي آنذاك، ولكن ألاعيب دستورية قضائية أمر بها المالكي وعززها توافق إيراني - أميركي أدت إلى استبعاده واختيار المالكي بدلاً منه لتشكيل الوزارة.

وحاز كل من الحزبين الكرديين الرئيسيين، الحزب الديموقراطي الكردستاني بقيادة مسعود البارزاني، رئيس الإقليم والمقيم في عاصمته أربيل، وصاحب العلاقة الوطيدة مع تركيا، والاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة رئيس الجمهورية السابق جلال الطالباني، ١٩ مقعداً. وهو الآخر يمتلك علاقة وطيدة بإيران، رغم إيوائه معارضين أكراداً من إيران، بالقرب من السليمانية، التي تشكل مركزاً كبيراً له.

ونال ائتلاف العربية (قومي سني) بقيادة المطلك، نائب رئيس الوزراء السابق، عشرة مقاعد، و«ديالى هويتنا» خمسة مقاعد، بقيادة سليم الجبوري رئيس البرلمان الحالي، وهو من الحزب الإسلامي.

وحاز حزب التغيير (گوران)، وهو حزب كردي انشق عن حزب الاتحاد الوطني الكردستاني منذ ٢٠٠٩، تسعة مقاعد.

أما حزبا الفضيلة (حزب ديني شيعي)، والنخب، فقد حصلا معاً على ستة مقاعد، وكذلك ائتلاف الإصلاح بقيادة الجعفري، رئيس الوزراء الأسبق قبل المالكي، وكذلك رئيس سابق لحزب الدعوة، قبل أن يتولى المالكي قيادته.

كما نالت بعض الكتل القليلة المقاعد الأخرى، وأبرزها التحالف المدني الديمقراطي بثلاثة مقاعد ليس للحزب الشيوعي العراقي منها أي مقعد، رغم تشكليه القاعدة المنظمة الأوسع لهذا التحالف. فقد اضطر أحد كوادره البارزين، جمعة الحلفي الذي حل بالمرتبة الثالثة في قائمته، لأن يترك وفق قانون الإنتخابات مقعده لأول مرشحة سيدة تليه، من أجل ضمان الحصة النسائية في البرلمان، وفي كل قائمة، البالغة ٢٥ بالمئة من العدد الاجمالي. وجمعة الحلفي هو واحد من المبادرين ومن قادة الحراك الشعبي الاحتجاجي الحالي.

كما هناك خمسة مقاعد مخصصة للمسيحيين حاز واحداً منها الحزب الشيوعي العراقي، ومقعد للصابئة المندائيين، وآخر للشبك، وواحد للأكراد الايزيديين.

كانت غالبية القوى السياسية عاقدة العزم على عدم السماح بولاية ثالثة للمالكي، بسبب انفراده بالحكم وتعطيله العمل بالاتفاقيات السياسية التي أوصلته إلى رئاسة الحكم للمرة الثانية، واختلاقه الأزمة تلو الأزمة، وتعميقه للشرخ الطائفي بين السكان الشيعة والسنة، وكذلك افتعاله الأزمات مع إقليم كردستان، بالإضافة إلى استخدامه المال العام في شراء الولاءات، وتلاعبه بالقضاء للالتفاف على قرارات وقوانين المجلس النيابي. وقد استجابت المرجعية الدينية الشيعية لهذا المطلب الجماهيري، وكانت قد امتنعت منذ أكثر من سنتين من قبل الانتخابات عن استقبال أي من السياسيين المتشدقين بنيل رضاها، وبالأخص المالكي نفسه، ولسان حالها يقول: «المُجرب لا يُجرب ثانية».

وقد حاول المالكي أن يجمع لوحده تأييداً من داخل التحالف الوطني ومن خارجه، ليضمن توليه الولاية الثالثة، عبر إعلانه بأنه الكتلة النيابية الأكبر في البرلمان، متجاوزاً بذلك التحالف الذي كانت كتلته تُشكل جزءاً منه، وذلك في محاولة للتخلص من معارضة حليفه في هذا التحالف. ولكنه فشل في أن يجمع أكثر من ١١٥ مؤيداً داخل البرلمان. زاد الطين بلة انكشاف أمر معرفته بهجوم داعش على الموصل، مسبقاً، وعدم العمل على تلافي ذلك، في محاولة للاستفادة من هذا الهجوم، لإحراج المسؤولين السنة فيها، من خصومه السياسيين، ولكي يظهر بمظهر المحرر المخلص للموصل، بعد حين قصير. ولكن زخم الهجوم، وانهيار الجيش المؤلف من قوات وهمية تم تعيين أغلب أفرادها، عبر المحسوبية، وتتواجد في مواقعها فقط أيام توزيع الرواتب، ثم تمضي لأشغال أخرى خاصة بها، زخم الهجوم هذا واقترابه من بغداد بنحو ٤٠ كلم خلال عدة أيام، أكدا مرة أخرى خطورة الاحتفاظ بالمالكي، كرئيس للوزراء للمرة الثالثة.

فكان أن بادرت مجموعة من القادة التاريخيين لحزب المالكي نفسه، حزب الدعوة، إلى الانقلاب عليه، والاستعانة بقوى «التحالف الوطني» الأخرى. وقد تمكنت من فرض إسناد رئاسة الوزارة الى حيدر العبادي، بتأييد واسع في البرلمان ضم كل القوى، ما عدا تلك المحيطة بالمالكي نفسه، وعددها بحدود ٧٠ نائباً. وقد ضُم بدوره إلى الحكومة، ونال هو منصب نائب رئيس الجمهورية، كترضية.

وقد بات العبادي عندئذ في موقف حرج برلمانياً، فالأغلبية من حزبه يتحكم بها المالكي، والسند الأكبر له برلمانياً هو من خارج كتلته، أي من الاحرار، والمواطن، والآخرين، وكل هذا يجعله مقيداً بعض الشيء، بالرغم من «التفويض» الشعبي الذي حصل عليه، وبالرغم من تأييد المرجعية كذلك لهذا التفويض. إلا أن العديد من مسانديه ذَكّروه بأنه هو أيضاً ومنصبه نتيجة لمحاصصة طائفية مطلوب منه أن يتجاوزها.

ما يميز الوضع السياسي في العراق منذ سنوات طويلة، أن المعارضة والموالاة هما دائما في الحكومة معاً، ويندر أن تكون هناك كتلة برلمانية كبيرة خارجه، وذلك ضمن منطق التوافق أو المحاصصة الطائفية والإثنية. وهذا ما هو عليه الحال في حكومة العبادي، التي شُكلت بعد الاتفاق على برنامج سياسي متوازن يهدف الى تهدئة التوتر الذي برع المالكي في تأجيجه، والوعد بإنجاز قانون عفو عام لإنصاف الابرياء وذوي الضحايا، قانون لا يشمل من تلطخت أياديهم بالدماء. وقد تم الوعد كذلك بالعمل على «أساس مبدأ الشراكة الحقيقية وترسيخ دعائم الوحدة الوطنية وبث روح السلم الأهلي». والعبادي يعمل على الاسراع في إقرار قانون للحرس الوطني (يتألف من أبناء كل منطقة بمنطقتها)، آخذاً في الاعتبار العديد من المطالب التي رفعتها الجماهير، في المحافظات ذات الأغلبية السنية، في اعتصامات استمرت طوال عام ٢٠١٣ كان قمعها المالكي بالقوة، في نهاية ذلك العام. كل ذلك على قاعدة اقتصاد مشوَّه يسهل استشراء كل الامراض التي تنخر أنظمة غير ديمقراطية، ولا سيما حين تكون هذه الأخيرة تستند إلى توافقات مذهبية وطائفية وإثنية معقدة، تمزق المجتمع والدولة في الوقت عينه. 

اقتصاد ريعي أحادي - إنفاق استهلاكي

يرتكز الاقتصاد العراقي على سلعة وحيدة واحدة تشكل حوالي ٩٥ بالمئة من وارداته، منذ سنوات عديدة سبقت الغزو الأميركي. ولم تنفع كل نصائح المستشارين والخبراء في عدم إضاعة الفرصة، والمباشرة بتنويع مصادر الاقتصاد، بالاستناد إلى ما توفره هذه العائدات من سيولة سهلة. ولكن استمر الحال في زيادة النفقات والاعتماد أكثر فأكثر على موارد النفط.  وهكذا نرى انحسار القدرات الإنتاجية، وتراجع مساهمة القطاعات السلعية**، في توليد الناتج المحلي، لا بل تدهوراً كبيراً في قطاعي الزراعة والصناعة التحويلية. وفي الوقت الذي اعتبرت «خطة التنمية الوطنية للأعوام ٢٠١٠ - ٢٠١٤» الصناعة التحويلية احد الانشطة المهمة، إلا أن الاستثمار الحكومي لم يتجاوز ٣،٥٢ بالمئة، ووصلت نسبة التنفيذ فيه الى ٢٣،٣ بالمئة، لا أكثر. وصاحَبَ ذلك إنفاق استهلاكي متزايد، مع فتح الحدود أمام المنتجات الأجنبية من دون أي حماية للمنتج المحلي، ومن دون أية ضوابط تتعلق بالجودة وبسلامة المستهلك. إن زيادة عائدات النفط في الفترة ما بين ٢٠٠٣ و٢٠١٤ بشكل مضطرد من حوالى ١٣ ملياراً الى ١٥٠ ملياراً سمحت لما سماه الدكتور ياسر بالنخبة السياسية بتوسيع نسبة الزبائنية أو المحسوبية وتطوير آليات الاستيعاب والسيطرة، و«… قد نمت في إطار ذلك فئة بيروقراطية متموضعة في الشرائح الحكومية والعسكرية والأمنية العليا». وتمكنت هذه الفئة، من خلال هيمنتها على القرارات في مختلف الأجهزة الحكومية، من نيل حصة كبيرة من ريع النفط المستمر بشكل عام في الارتفاع لحد ٢٠١٣. ويقدر الدكتور ياسر الخسارة السنوية ب ٤٠ مليار دولار، وهي للمقارنة، حوالى اربعة أضعاف ميزانية الأردن المكلف بالصرف على ١١ مليون مواطن. وأدى ذلك بالطبع الى خلق تفاوتات كبيرة في الدخل، بحسب آخر مسح لدخل الأسرة العراقية في عام ٢٠٠٧، علماً بأن كل ما جرى منذ ذلك الوقت لا يدع مجالاً للشك في أن هذه التفاوتات قد زادت أكثر فأكثر. فهذا المسح يقدّر أن الخمس الأعلى من الأسر يحصل على ٤٣ بالمئة من مجموع دخل البلد، بينما يحصل الخمس الأفقر منها على ٧ بالمئة فقط، مع تفاوتات إضافية داخل هذا الخمس بين المحافظات، وبين الريف والمدينة. وفي إحصائية أخرى تعود لعام ٢٠٠٩ تقدر الحكومة نسبة الفقر في العراق ب ٢٣ بالمئة، أي انها تبلغ سبعة ملايين. وتشير في الوقت نفسه الى أن نسبة الفقر في بعض المحافظات تبلغ ٣ بالمئة فقط، في حين تصل هذه النسبة الى ٤٠ بالمئة في بعض المحافظات الجنوبية، التي يفترض أنها «تحكم» العراق منذ ٢٠٠٣، عبر ممثليها في الأحزاب الدينية الشيعية. وتصل هذه النسبة في ريف بعض هذه المحافظات الى ٦٠ بالمئة في واسط و٦١ بالمئة في بابل وحتى ٧٥ بالمئة في المثنى. وقد عمدت الحكومات السابقة، كما أسلفنا، الى التوظيف كإجابة غير ذكية عن مشكلة البطالة، فزاد عدد الموظفين اكثر من أربعة ملايين موظف، بالاضافة الى أكثر من مليوني متقاعد، وحوالي المليون ممن يتسلمون المعونة الاجتماعية، ليصل العدد الاجمالي الى سبعة ملايين يستلمون ما بين ٧٠ و٨٠ بالمئة من الموازنة التشغيلية.

ورغم التوجهات الواضحة للادارة الأميركية، ثم تلك المحلية للتحول إلى اقتصاد السوق بشكل صريح، فإن تعرقل مشكلة توفير الكهرباء قد أخر عمليات الخصخصة الضرورية له. وتشير التقديرات الى صرف ٤٧ مليار دولار لحد الآن على ملف الكهرباء الذي يكلف توفيره لتغطية حاجات العراق منه أقل من ربع هذا المبلغ. عدا أن لا ربحية معظم الشركات والمصانع الحالية لا تشكل إغراءً كبيراً للرأسماليين في ظل ظروف أمنية صعبة، للاستيلاء على هذه المصانع، فيفضلون الاستثمار في الاستيراد، الذي شهد ارتفاعاً كبيراً من اقل من عشرة مليارات من الدولارات عام ٢٠٠٣ الى ٥٨ ملياراً في ٢٠١٠ و٧٥ ملياراً في ٢٠١٣. وهذا الإجراء يحصل بدون أية ضوابط جدية لحماية المستهلك، وبشكل يعيق النمو ويزيد التبعية.

ولكن التشريعات التي ابتدأها الحاكم المدني بريمر بتسهيل الانتقال الى اقتصاد السوق عبر «تحرير» التجارة الخارجية من أية ضوابط، وكذلك حرية انتقال رؤوس الأموال والتدفقات المالية الى الخارج، أدت مع غيرها من إجراءات من نفس النهج الى تنامي معدلات البطالة لتصل هذه السنة الى أكثر من ٢٥ بالمئة، بحسب تصريح وزير العمل نفسه في شهر آذار/مارس لهذا العام.

داعش

أدت سياسة التمييز الطائفي التي قامت بها القوى الحكومية والميليشيات التابعة للأحزاب الطائفية الشيعية في نهاية عام ٢٠١٢ الى نشوب اعتصامات اسبوعية طوال عام ٢٠١٣، مطالبة بانهاء سياسة التمييز الطائفي واطلاق سراح المعتقلين منذ فترات طويلة بدون أي محاكمات، وإنهاء العمل بقانون المخبر السري الذي يعفي أي مخبر على شخص آخر من المواجهة العلنية معه، فاسحاً المجال واسعاً أمام وشايات كيدية، وكذلك التخلص من الإذلال المتعمد عند نقاط التفتيش من قبل عناصر طائفية في الجيش تمارس عملها في المناطق ذات الأغلبية السنية، وذلك عبر تأسيس «حرس وطني» من أبناء كل محافظة يديرون الأمن الداخلي بأنفسهم. واجهت هذه الاعتصامات أشد التجريح بشكل عام والقمع الدموي في عدة مناطق، بالإضافة الى التسويف في تنفيذ مطالبها، بعد الاعتراف بشرعية أغلبها، واتهامها بتنفيذ أجندات خارجية، إلى أن تم قمعها في نهاية عام ٢٠١٣، ما أدى الى صدامات واسعة بين المسلحين في الفلوجة وقوات الجيش التي فقدت منذ ذلك الوقت حتى الآن السيطرة عليها. ولكن خارطة القوى المهيمنة على الفلوجة نفسها تغيرت بسرعة، ففي الوقت الذي كانت القوات التابعة لتنظيم الدولة الاسلامية في العراق، ثم داعش لاحقاً، مجرد أقلية رفضت الأكثرية طردها من بين صفوفها في الفلوجة بشرط أن لا ترفع أي راية لها، أدى تعنّت المالكي في تصوره لحل المشاكل العالقة مع المسلحين في الفلوجة تدريجياً الى فقدان هذه الأكثرية المصداقية، وأدى كذلك تطعيم القاعدة (التي سرعان ما ستصبح الدولة الإسلامية في العراق والشام - داعش) بمتطوعين من خارج المدينة، وكونها الأكثر دعما وتنظيما، نسبةً الى القوى المحلية الأخرى، الى تغير موازين القوى لدرجة أنها باتت التنظيم المسيطر الوحيد، الذي أجبر الكل إما على حل تنظيماتهم أو على اداء البيعة له. 

إن صعود داعش وبقاءها بشكل واسع لحد الآن، بعد كل القصف الجوي لتحالف دولي عريض، وكذلك الالتفاف النسبي الواسع حولها من قبل شباب صغار السن عند اقتحامهم الموصل وتقدمهم السريع نحو بغداد، مرده الاساسي في المقام الأول غياب قيادات في هذه المناطق ذات مصداقية لدى سكانها، بعد أن تعمدت سياسات المالكي نزع هذه المصداقية عنهم بشكل منهجي. فصعود داعش في الاساس ليس لوجود «حاضنات» لها، وانما لغياب قيادات شرعية حقيقية في هذه المناطق، فهي بالنسبة للعديد من الطائفيين من الشيعة عدو نموذجي. عدا أن منطق دولة المكونات المنقسمة عموديا والذي اعتمدته ادارة الاحتلال في العراق، بدلا من الاعتماد على مبدأ المواطنة المتساوية، وترحيب القوى الطائفية الشيعية بذلك، واستغلاله لصالحها، مهد الأرضية لأطروحات داعشية، وكذلك التمويل الإقليمي الواسع الذي صاحبه سيل من المتطوعين المتشددين الذين سهل عبورَهم الى العراق غياب قوى مسلحة عراقية قادرة على السيطرة على الحدود، بعد أن حل بريمر كلاً من الجيش وقوات الشرطة. أما المسؤول الآخر فهو النظام الموصوف بنظام «الممانعة» السوري، فقد سهل هو الآخر استقبال وتدريب ومرور كل المتطوعين العرب والأجانب القادمين لمحاربة أميركا، ولكن قسماً كبيراً من هؤلاء كان ينتهي كأشلاء، مفجرأ نفسه بعيداً عن قوات الاحتلال ووسط الفقراء في المناطق ذات الأغلبية السكانية الشيعية، وذلك طيلة أعوام ٢٠٠٣ وما بعده، ولحد قيام الحراك الشعبي في سوريا، لدرجة أن المالكي نفسه رفع دعوى عند الأمم المتحدة ضد بشار الأسد لهذا السبب. ولكن ما إن بدأ نظام الأسد يواجه الانتفاضة الشعبية السورية حتى تلقى أوامر من إيران بتسهيل مرور «متطوعين» من أحزاب طائفية شيعية، بحجة الحفاظ على المقدسات في الاراضي السورية، ثم صار يمرر الأسلحة القادمة من إيران عبر طائرات تمر عبر الأجواء العراقية تحت أنف ورغم إرادة أميركا. وفي نفس السياق كيف لنا أن نفسر أنه كان لداعش طيلة صيف ٢٠١٤ حدود مع إقليم كردستان طولها تجاوز الالف كيلومتر تمتد من شمال العراق في الموصل وتحيط بالإقليم حتى خانقين الواقعة على الحدود الإيرانية في الشرق، ولكن لم تشهد حرباً بينها وبين الإقليم إلا في مدينتين لا يهيمن عليهما الحزب الديمقراطي الكردستاني الوثيق العلاقة مع تركيا، بينما تقع كركوك وخانقين تحت نفوذ الاتحاد الوطني الكردستاني القريب من إيران.  وفي نفس المجال يُورد حازم الأمين في مقاله في الحياة منشورة في ١-١١-٢٠١٥ بعنوان داعش الذي لم تقاتله واشنطن… ولن تقاتله موسكو، خبراً عن خفض التحالف الدولي غاراته على مواقع «داعش» بنسبة ٥٠ بالمئة. ولا بد من أن لا ننسى، هنا، الالتحاق الذيلي لبقايا حزب البعث بقيادة عزت الدوري بعصابات داعش، وتحيته لهم في خطاب علني مشهور، بعد سقوط الموصل تحت أيديهم.

وثمة سبب أساسي آخر يفسر «صمود» تنظيم داعش لحد الآن، وهو أنه على الرغم من كثرة أعدائه الذي يحلمون بـ«القضاء عليه»، إلا أن كلاً من هؤلاء يوّد قبل ذلك أن يستخدم هذه العصابات، الاستخدام الأمثل، لضرب أعدائه. ويمكن رؤية هذا بوضوح عند تسهيل مرور إيران لمقاتلين من القاعدة من أفغانستان الى العراق لمحاربة الغزو الاميركي في أوائل سنواته، ومحاولة استخدام تركيا لداعش في مواجهة الأكراد الذين تمكنوا من الهيمنة على غالبية الأراضي الكردية، بعد انسحاب قوات النظام السوري منها للتفرغ لمواجهة الانتفاضة الشعبية في سوريا، وكذلك المالكي الذي «غض النظر» عن أوسع عملية هروب لسجناء القاعدة (حوالي الخمسمائة سجين) من سجني أبو غريب والتاجي في تموز ٢٠١٣، وهروبهم الى سوريا في محاولة لتغيير طبيعة الصراع في سوريا من صراع جماهير عريضة منتفضة ضد الدكتاتورية السورية القائمة منذ عشرات السنوات الى صراع طائفي، في مساهمة منه لدعم هذا التوجه لدى الدكتاتورية السورية التي عمدت الى إطلاق سراح اسلاميين متشددين في صيف ٢٠١١ في الوقت الذي كانت تشن حملات اعتقال واسعة ضد الناشطين في تنسيقيات المدن المنتفضة.

أضف الى ذلك «الأمان» الذي ساد المناطق التي سيطرت عليها هذه العصابات، بما يشبه خوف جماعات الجريمة المنظمة التي تبدو كعصابات أكثر من هاوية أمام «احتراف» البطش الذي تمارسه داعش، في حين كانت قبل ذلك تصول وتجول، معتمدة على فساد أجهزة الأمن وتواطئها. كما اتبعت سلوكها هذا ببعض الإجراءات الاجتماعية الشعبوية لذر الرماد. أما الآن وقد مر وقت طويل على سيطرة داعش على هذه المناطق، وانكشفت ممارساتها، حتى ضد السكان السنّة الذين تدعي تمثيلهم، والتحرك للحفاظ عليهم، فقد بدأت ومنذ وقت ليس بقصير، بوادر الطلاق بين هؤلاء السكان وداعش، على افتراض انه كان هناك اقتران سابق فيما بينهما. فبعد الجرائم البشعة والتهجير ومصادرة أموال وممتلكات المواطنين المسيحيين في الموصل، وأطرافها، والمجازر التي تعرض لها الكرد الإيزيديون، وسبي المواطنات من هذه القومية وإخضاعهن لاستعباد جنسي، وكذلك المجازر التي تعرض لها التركمان الشيعة، جاء الدور على العرب السنة الذين ادعت هذه العصابات أنها جاءت للحفاظ على حقوقهم. فبعد الاعدامات التي كانت تطال أفراداً مثل أئمة جوامع لم يرتضوا بتقديم البيعة للبغدادي، الذي كان قد عيّن نفسه كخليفة، أو بعض الناشطين الذين تعرضوا لداعش بالنقد على وسائل التواصل الاجتماعي، وصل الأمر الى إعدامات جماعية كبرى. فعلى سبيل المثال لا الحصر أعلنت داعش عن أسماء ٢٠٧٠ تم إعدامهم بشكل جماعي بداية شهر آب/أغسطس الماضي، بحجة رفضهم التعاون معها. وكان آخر ما اقترفوه هو منتصف شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2015، وهو إعدام ٣٠ مدنياً، بينهم إعلاميون.  هذا عدا التمييز المخجل والمخيف الذي يمارسه هؤلاء التكفيريون ضد الأكثر ضعفاً وهشاشة بين السكان، في ظل سلطتهم الظلامية.

المرأة - الأطفال - الأقليات - النازحون في ظل مجتمع ذكوري يحكمه العنف

أدت هيمنة أجواء الدكتاتورية، والحروب المتتابعة التي تسببت في نشوبها منذ ١٩٧٤ ضد الشعب الكردي، وصولاً إلى غزو أميركا للعراق عام ٢٠٠٣، ثم هيمنة الأحزاب الدينية الإسلامية على الحياة السياسية وفرض العقلية الذكورية على كل جوانب الحياة المدنية، الى تراجع كبير في مجال الحريات العامة كانت بين معظم ضحاياه، الفئات الأضعف في المجتمع من نساء وأطفال وأقليات، يُضاف الى وضعهم البائس وجود حوالي أكثر من ثلاثة ملايين نازح هربوا من مناطق داعش، أغلبهم الى مناطق في اقليم كردستان. وتُشكل النساء أكثر من نصف العدد الاجمالي للنازحين، وهن معرضات، في ظل انهيار القانون وظروف المعيشة الهشة، وتفكك آليات الحماية الاجتماعية وغياب الامن واحتدام العوز، لازدياد خطر العنف الاجتماعي والعنف الجنسي. هذا وقد غابت مساعدة النازحين في الميزانية التقشفية المقترحة لعام ٢٠١٦ عن أي بند لمساعدة اللاجئين.

وقد انتشرت ضغوط لدى جماعات دينية متطرفة لإهمال تعليم الفتيات وتزويجهن مبكراً وحتى محاولة تشريع ذلك في قانون، بداية عام ٢٠١٤ قبيل الانتخابات. كما انتشرت ظواهر عديدة كانت قد انحسرت نسبيا، فعادت من جديد تحت غطاء «جرائم شرف» لم تسلم منها النساء في كردستان، اللواتي من المفترض أنهن يعشن في ظروف أكثر تقدما اجتماعيا، وكذلك «الزواج المؤقت» مثل المتعة والعرفي والمسيار، وهي أشكال زواجٍ الهمُّ الأول، من ورائها، إشباع الحاجات الذكورية الجنسية بعيداً عما يمكن أن يجمع بين متحابين من ود ومحبة واخلاص. تُضاف الى ذلك المأساة الكبيرة والمخجلة للنساء الكورديات الايزيديات اللواتي وقعن ضحية سبي ومتاجرة على ايدي وحوش داعش. وتشير هناء أدور، وهي ناشطة حقوقية، الى أن هناك أكثر من ثلاثة آلاف امرأة وطفلة أيزيدية مختطفات من قبل داعش لحد الآن، وتدعو الى ضرورة تحريرهن، بالإضافة الى حماية الناجيات وايجاد التأهيل المناسب لهن من خلال الرعاية الطبية والنفسية، وإعادة إدماجهن في الحياة العامة.  وكذلك النساء اللواتي يتعرضن لاعتداءات جنسية يومية، ما هي الا عمليات اغتصاب متوالية تحت مسمى جهاد النكاح. هذا فضلاً عن استخدام النساء، كما حصل في الجنوب بداية السنة الحالية، كديّة او تعويض في حالات انهاء الخلافات العشائرية، وكأنهن سلعة من السلع أو مبلغ من الأموال. 

ويعاني الأطفال الفقراء بدورهم، وخاصة الأيتام منهم الذين يقدر عددهم بأكثر من خمسة ملايين و٧٠٠ ألف طفل، وفق تقديرات عام ٢٠٠٦. وتشير تقديرات أخرى خاصة باليونيسيف إلى أن ثلث أطفال العراق لا يتوجهون الى مقاعد الدراسة، وإنما يُزج بهم في سوق العمل مبكراً، ويُحرمون من أبسط مقومات حياة الأطفال. وانتشرت ظاهرة «أطفال الشوارع» نسبياً، مع كل مخاطر سقوط الأطفال كضحايا للاعتداءات الجنسية، أو أدوات في أيدي عصابات الجريمة المنظمة.

وقد كانت هناك مطالبات أثناء اعتصامات عام ٢٠١٣، بإيقاف تعريض النساء المعتقلات للتعذيب والاغتصاب في السجون الحكومية. كما بينت تقارير عن اعتقال الجيش للنساء كرهائن بدلاً من أزواجهن، في مناطق عدة منها الموصل قبل سقوطها في أيدي عصابات داعش. 

تُشير كذلك دراسة أعدتها وزارة حقوق الانسان في حكومة إقليم كردستان إلى أن أكثر من ٤٠،٧ بالمئة من النساء في الفئات العمرية ما بين ١١- ٢٤ قد تعرضن للختان. وقد عززت هذه الدراسة نتائج مسح آخر  في عام ٢٠١١ تُشير الى أن نسبة الختان كانت في هذا الإقليم ٤٤ بالمئة في مقابل ١ بالمئة في وسط العراق وجنوبه.

وهنا لا بد من الإشارة إلى مثليي الجنس الذين عانوا الأمرين في العراق، تحت هيمنة الميليشيات الشيعية في بغداد والجنوب، عندما تعرض العشرات منهم الى سحق رؤوسهم بقطع الحجارة ربيع ٢٠١٢، وما يتعرضون له حالياً من قتل على أيدي عصابات داعش. هذا في حين لا يمكن الاقتصار في تحليلنا للواقع العراقي الراهن على من يمتلكون السلطة المباشرة، كالدولة العراقية الحالية، من جهة، وتنظيم داعش، من جهة اخرى. بل نجد أنفسنا مضطرين للتعريج في الوقت نفسه على قوى داخلية، وأخرى  خارجية، تمارس دوراً هاماً لها في التوازنات السياسية والأيديولوجية الراهنة، في البلد. ونحن نقصد بوجه خاص دور المرجعية الدينية الشيعية، كما الدور الإيراني، فضلاً عن دور مؤثر للميليشيات المذهبية المسلحة، ولا سيما تلك المنتظمة في ما يسمى الحشد الشعبي، وصولاً إلى الخصوصية التي يمثلها الوضع في كردستان العراق، وذلك قبل ان ننتقل في الاخير لرؤية الحالة الشعبية المستجدة في البلد، المتمثلة بالحراك الشعبي، وما يفتحه من آفاق.

المرجعية - ولاية الفقيه - إيران - الحشد الشعبي

يحلو للكثير من الطائفيين من السنّة وللكثير من القوميين العرب وضع المرجعية الدينية الشيعية في سلة واحدة مع إيران، وحتى اتهامها بالعمل لصالح أجهزة الدولة الإيرانية، ولكننا سنستعرض بعض المواقف التي تبين سذاجة أو خبث هذه المواقف. ويتجلى الأمر الأول في الموقف من المالكي الذي نعم بمباركة إيرانية، وعمل وفق مصالحها الإقليمية في سوريا في تأجيج صراع أحد وجوهه ذو طابع طائفي، ومذهبي، وكذلك الحال في داخل العراق طوال الولاية الثانية من ٢٠١٠ - ٢٠١٤، في الوقت الذي نصحت المرجعية بالابتعاد عن التأجيج الطائفي لما يمكن أن يحمله ذلك من مخاطر على التعايش السلمي. وقاطعت المرجعية المالكي وكل السياسيين الذين لم يكُفُّوا عن محاولة التقرب منها والتمسح بها. هذا فضلاً عن الموقف من ولاية ثالثة مفترضة للمالكي. فقد عملت ايران بكل نفوذها ونفوذ رجلها القوي في العراق قاسم سليماني، قائد لواء القدس، لأجل تمرير ولاية ثالثة للمالكي، فكانت المرجعية بالمرصاد لهذا الأمر تحت شعار «المُجرب لا يُجرب». وفي حين تفاعلت المرجعية مع التظاهرات الأخيرة وأيدتها وطالبت بالضرب على أيدي الفاسدين الذين تسببوا بكل هذا الخراب في إشارة واضحة للمالكي وغيره، كان المالكي يُستقبل كبطل من قبل الخامنئي مرشد «الثورة» الإيرانية وفقيهها. عدا عن اعلان مرجعية السيستاني منذ فترة طويلة انها مع «دولة مدنية»، على العكس من مفهوم ولاية الفقيه الديني.

وقد استغل البعض دعوة المرجعية الى التطوع في القوات الأمنية، وذلك في يوم الجمعة ١٣ - ٦ -٢٠١٤، أي بعد عدة أيام من سقوط الموصل والتقدم السريع نحو بغداد، حين صارت عصابات داعش على بعد ٤٠ كلم عنها شمالاً، تلك الدعوة التي استغلها العديد من القوى الطائفية الحاظية بدعم إيران للتسلح من جديد. ولكن نظرة أولية للحشد الشعبي ترينا انه يزيد على أكثر من خمسين فصيلاً مختلفاً وتختلف تركيبة كل منها. ففي الوقت الذي نجد فيه البعض منها يتواجد بشكل شبه رسمي على الجبهات، نراه يُفرّغ غالبية مقاتليه لتنفيذ مخططات احزابهم السياسية في المدن. وفي الوقت الذي يتواجد في بعض منها الكثير ممَّن لم ينالوا أي رواتب لحد الآن، نرى قسماً آخر منها يموت في ساحات القتال، كما نرى البعض من هذه الفصائل يحمل أسماء وهمية، فيما ينال قادتها رواتبهم بالجملة. ففصائل الحشد ليسوا كتلة متجانسة بل يدور ضمنهم تنافس حاد على كسب متطوعين، وهو امر يعكس بشكل واضح الخلافات الموجودة أصلاً بين الاحزاب السياسية الشيعية، كما تختلف داخل الفصيل الواحد سلوكيات المنتمين اليه. فمنهم من هو هناك بدوافع عقائدية شرعية وبدوافع وعي وطني عابر للطوائف، ويُشكل هؤلاء غالبية قاعدة الحشد الشعبي. وقد ضحى الآلاف منهم بحياته في المعارك ضد داعش، بينما تحكم سلوكيات طائفية وإجرامية عدداً آخر من المنتمين، وهم يتداخلون في نشاطهم المخل بالأمن مع عصابات الجريمة المنظمة في المدن، بعيداً عن مخاطر الموت في الجبهات، وتحت حماية شارات خاصة تسهل مرورهم بين حواجز الشرطة والجيش، من دون أن تتمكن الدولة من السيطرة عليهم.  

وفي مجال التظاهرات التي لم تتوقف منذ أواسط شهر تموز/يوليو الماضي، نجد الموقفين النقيضين ذاتيهما، فقد وقفت المرجعية منذ بداية شهر آب/أغسطس 2015، بشكل واضح، مع المتظاهرين في مطالبهم، وطالبت الحكومة بالضرب بيد من حديد على أيدي الفاسدين الذين تسببوا بخسائر للعراق بمئات المليارات. كما طالبتها بأن تتجاوز المحاصصات الحزبية والطائفية، ونحوها، في سبيل اصلاح مؤسسات الدولة، بحيث يجري السعي لتعيين الشخص المناسب في المكان المناسب، وإن لم يكن منتمياً الى أي من احزاب السلطة، وبغض النظر عن انتمائه الطائفي او الإثني. ودعت إلى عدم التردد في إزاحة من لا يكون في المكان المناسب، وان كان يحظى بدعم بعض القوى السياسية. بينما تسعى إيران الى تخفيف الضغط عن المسؤولين العراقيين المقربين لها، والغارقين في الفساد. وفي حين طالبت المرجعية، مثلها مثل التظاهرات الغفيرة، بإصلاح القضاء، استقبل مدحت المحمود، رئيس هيئة القضاء العليا الذي خدم بإخلاص كلاً من صدام وبريمر والمالكي، والمطلوب إقصاؤه من قبل المتظاهرين، استقبل اثنين من كبار قادة الحشد القريبين من إيران، ليعلنوا له دعمهم «لاستقلالية» القضاء.

اقليم كردستان

كان اقليم كردستان يعيش هدوءاً نسبياً، وحالة نادرة في عموم العراق من التوافق السياسي، حيث كانت الاحزاب السياسية الكردية تدخل في الانتخابات التشريعية العراقية بقائمة موحدة عموماً، وكذلك كانت الحكومة مشكلة من قبل كل الأطراف الرئيسية الخمسة في البرلمان، المتألفة من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني وحركة التغيير وحركتين اسلاميتين. ولكن الأمر لم يستمر على ما كان عليه، مع اقتراب نهاية فترة رئاسة مسعود البارزاني لإقليم كردستان، في يوم ١٩ - ٨ - ٢٠١٥، بعد ولايتين لأربع سنوات لكل منهما، بالاضافة الى سنتين تم التوافق عليهما. ومازالت الأزمة مستمرة لحد الآن، على رغم العديد من الاجتماعات التي جمعت الحزب الديمقراطي الكردستاني بالاحزاب الاخرى، أو الاجتماعات التي عقدتها هذه الأحزاب فيما بينها للخروج من الأزمة. ففي الوقت الذي تطالب فيه هذه الأحزاب بالتقليل من الصلاحيات الرئاسية، والتحول الى نظام أساسه برلماني وليس رئاسياً، تخلو جوانب عديدة فيه من الشفافية، سامحةً للحزب الديمقراطي الكردستاني بالتمديد مرة أخرى للبارزاني. أما البازراني فيطالب بأن يتم اختيار الرئيس من قبل الشعب نفسه، عبر اقتراع مباشر. كما تشهد كردستان حالة من الصعوبات الإقتصادية على خلفية التوترات منذ أواخر ٢٠١٣، وخلال ٢٠١٤، حيث امتنع المالكي عن توزيع رواتب موظفي القطاع العام العاملين في الإقليم بسبب الخلافات النفطية والسياسية معه، تُضاف الى ذلك حالة التوتر العسكري والأمني في مواجهة تنظيم داعش وتحمُّل أعباء الحرب ضده، حيث تمكنت القوات الكردية من تحرير مساحة أكبر من مساحة لبنان في الفترات الاخيرة، عدا عن تحرير إقليم سنجار بالكامل قبل عدة اسابيع. وكذلك تحمل أعباء أكثر من مليونين ونصف لاجئ في منطقةٍ يبلغ عدد سكانها ثمانية ملايين نسمة. وقد ظهرت خلافات سياسية حادة مؤخراً، على خلفية تظاهرات عنيفة طالت مقرات الحزب الديمقراطي الكردستاني، مطالبة بإصلاحات تكبح الفساد وتؤمِّن الرواتب، وتتولى معالجة الأزمة السياسية، المتمثلة بشكل النظام السياسي ودستوره، وحسم مسألة رئاسة الإقليم. وهي تحركات لا يمكن النظر إليها بمعزل عن الشكل الذي يتخذه حالياً انفتاح النموذج الخاص من التحاق العراق، وإن الخجول نسبياً، بالسيرورة الثورية العربية التي سبق ان بدأت في العام 2011، في كل من تونس ومصر لتنتشر بعد ذلك في بلدان عربية ومغاربية أخرى.

الحراك الشعبي - ساحات التحرير - برلمان الشعب

لم تنطلق المظاهرات والتحركات الشعبية التي أخذت بعداً جديداً، بأخذها طابعاً شموليا، من فراغ. فقد استمرت التظاهرات منذ بداية العام وحتى قبله، في قطاعات محدودة، منها شركات «التمويل الذاتي» الحكومية، التي عليها منذ ايام النظام السابق أن تتدبر أمرها مالياً، بسبب عدم تمكن هذه الشركات من دفع أجور العاملين فيها. وقد كان أبرز هذه المطالبات في قطاع النسيج ذي الأعداد الغفيرة نسبيا. ولكن أكثرها منحاً للثقة كان في نهاية شهر تموز، حين أفاقت بغداد على قطارات أوقفها عمال وسائقون في مؤسسة نقل السكك الحديدية، في محاور رئيسية من بغداد، مسببة موجة ازدحام فوق المعتاد، ما دفع الوزير الى صرف رواتبهم في اليوم نفسه.

ولكن الشرارة الرئيسية كانت في معضلة الكهرباء المزمنة التي تزداد الحاجة اليها أكثر فأكثر في الصيف العراقي، الذي تجاوزت فيه درجات الحرارة الخمسين مئوية في الظل، أكثر من مرة. ففي الوقت الذي يعاني فيه غالبية المواطنين شدة الحر وانقطاع الكهرباء الحكومي، وغلاء بدل الكهرباء المتأتي من مولدات محلية تتواجد بشكل عشوائي في الأزقة المختلفة، واستمرار البذخ والفساد الذي يعيش في ظله كبار الموظفين، انطلقت مظاهرة من المظاهرات في مدينة «المْديّنة» بالقرب من البصرة، وهي المدينة التي ضحت بالعديد من أبنائها في القتال ضد داعش، كمتطوعين في الحشد الشعبي، من دون أن يشفع لهم ذلك بالحصول ولو على القليل من الكهرباء. والأدهى من ذلك أنه تم قمع المظاهرة وملاحقة أحد الشباب المساهمين فيها وقتله عمداً، وهو علي الحلفي، ذو التسعة عشر عاما. ثم أتت تصريحات لوزير الكهرباء الاستفزازية والبعيدة عن الواقع لتزيد من استياء المواطنين. فكانت مبادرة من مثقفين وإعلاميين وفنانين، مستقلين وحزبيين، قريبين بأغلبيتهم الى التيار المدني الديمقراطي، الذي يُشكل الحزب الشيوعي أكبر قواه المنظمة، وهو ما شكَّل فرصة لكسب الجماهير ثقتها بأنفسها، في المظاهرة التضامنية الأولى في ٢٩ تموز، التي تلتها تظاهرات في جُمَع أخرى أكثر عدداً، وخاصة أنها حازت تشجيعاً من المرجعية في خطبة الجمعة التالية، قبيل التظاهرات في نفس اليوم بساعات، ما أعطاها زخما وثقة أكبر، فكان العدد عشرة أضعاف الجمعة الأولى. وعلى الرغم من أن التظاهرات مضى على انطلاقها أكثر من أربعة أشهر، إلا أنها لم تتلاشَ. فهي مرات في صعود وأخرى في انحسار نسبي، ويسري ذلك على كل المحافظات الجنوبية وبغداد، لا بل وحتى في المناطق ذات الأكثرية السنية، المحررة حديثاً، في صلاح الدين وديالى.

ولقد ساهم الشباب في هذه المظاهرات بشكل كبير، ولكن ما كان يُدهش أيضاً إنما هو تواجد فئات عمرية أكبر ولا تقل حماساً عن الآخرين، قادمة من جهات سياسية واجتماعية واسعة جداً، ومن طوائف مختلفة. وقد تم الاتفاق على رفع راية وحيدة وهي العلم العراقي، كرمز جامع موحد، وكرمز لمساواة المواطنين، وعدم تفاضلهم فيما بينهم.

وقد شهدت التظاهرات هذه تعايشاً بين تيار مدني ديموقراطي، من جهة، والتيار الصدري، من جهة أخرى، الذي ساهم فيها، بشكل واسع، بعد عدة أسابيع من انطلاقها، متميزاً عن باقي التيارات الأخرى بجماهيرية منظمة واسعة جعلت من الصعوبة أن يتجاهلها أحد، على الرغم من أن قائمة المتهمين بالفساد من كبار المسؤولين لم تخلُ من أسماء بعض قادته الحكوميين، هذا بالإضافة إلى جمهور عريض يستند بقناعاته الى المرجعية الدينية بقيادة السيستاني. إن التمايز بين هذا السلوك وسلوك تيار عصائب أهل الحق، القريب من المالكي ومن إيران، والذي أحس منذ الأسبوع الأول بأهمية هذه التظاهرات وحاول منذ الاسبوع الثاني احتواءها ولو بالقوة، يُشير الى عبثية الطرح الهادف الى وضع كل تيارات «الاسلام السياسي» في سلة واحدة، والتعامل معها على نفس الاساس. 

وبشكل عام يمكن اعتبار هذه التحركات الحالية، كاستمرار لتظاهرات ٢٥ شباط/فبراير الأسبق، التي قُمعت في المهد بقسوة، مع تعرض المبادرين إليها لإطلاق نار كثيف واعتقالات وتعذيب وهجوم بالسكاكين، وصولاً الى اغتيال بالمسدس الكاتم لأحد المبادرين فيها، الصحفي هادي المهدي، في بيته، بعد أن تم اعتقاله وتعذيبه بقسوة، ثم إطلاق سراحه قبيل تصفيته.

لقد سادت المظاهرات مطالب تطال الأساس القائم لنظام المحاصصة الطائفية ونبذ الطائفية، وخصوصاً في الجنوب ذي الأغلبية الشيعية، حيث أدركت غالبية الجماهير أن نظام المحاصصة هو وجه آخر للفساد الذي عم العراق بكل مناطقه، مخلفاً وراءه فقراء بنسبٍ أهم وأكبر في الجنوب. وقد شملت المطالب كذلك توفير الخدمات العامة ومحاسبة المفسدين، فضلاً عن اصلاح القضاء. 

هذا وتُشكل هذه التظاهرات أول فعل جماهيري واسع ومعارض منذ فترات طويلة. فإذا استثنينا انتفاضة ١٩٩١ التي كادت تُطيح دكتاتورية صدام، لولا تدارك القوات الأميركية لهذا الأمر، واطلاق يده في قمع الانتفاضة التي طالت أكثر من ١٤ محافظة من مجموع ١٨ يتكون منها العراق، علينا أن نرجع الى نهاية الخمسينيات لنرى تظاهرات معارضة من هذا النوع، ذات طابع وطني عابر للطوائف، مع استثناءات قليلة ومحلية في الستينيات، ولا سيما في كردستان العراق. وهي تؤسس لتوجه مضاد لما تم البناء عليه منذ ٢٠٠٣ من محاصصات، واعتماد نظام مكونات طائفية وإثنية. وقد بيّن هذا الحراك ومنذ وهلته الأولى وجود زخم جماهيري كبير ذي قدرة فاعلة استطاعت لحد الآن أن تكسر حاجز الخوف الذي تمترس خلفه كبار قادة «العملية السياسية»، وأحدثت ثغرات كبيرة في جدار المحاصصة. وقد تمت تحت تأثيره الموافقة في البرلمان على حزمة إصلاحات قدمها رئيس الحكومة الحالي، العبادي، تتضمن إقالة ثلاثة نواب لرئيس الجمهورية، من ضمنهم المالكي، وثلاثة نواب لرئيس الوزراء. وكذلك على قانونين متعثرين منذ سنوات طويلة، وهما قانون العمل وقانون الأحزاب السياسية، لما لهما من تقييدات على الأحزاب الدينية الطائفية الحاكمة نفسها. كما أدت مطالبات الجماهير في المحافظات الى فرض استقالات مسؤولين كبار، وملاحقة آخرين قضائياً، وإزاحتهم من مراكز عدة.

تساهم غالبية المشاركين في التظاهرات، بشكل فردي، ومن دون أن يكونوا فاعلين في أيٍّ من التنسيقيات العديدة التي تدعو لهذه التظاهرات، وبدون إسهام فعال في قراراتها وشعاراتها. ويتم ذلك في مرات عديدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي على الرغم من فوائدها في تقليص المسافات والوقت، وفي تسهيل التواصل والتعبئة، إلا أن لها حدودها التي تقلل الانخراط الفعلي، والتفاعل الحقيقي، للتوصل الى قرارات مشتركة. وقد افتقرت هذه التنسيقيات في الاسابيع الأولى حتى إلى التنسيق فيما بينها، إلا أنها تجاوزت ذلك حتى الى تشكيل منصة موحدة في ساحة التحرير في بغداد، منذ عدة اسابيع. وهي تسعى الى إقامة مؤتمر لكل تنسيقيات العراق في الشهر المقبل، للتوصل الى رؤى مشتركة وخطة عمل مدروسة.

إن الأزمة الاقتصادية ستكون أقسى في السنة القادمة على الجماهير، وستتسبب بمعاناة الناس أكثر بكثير، ولا سيما في ظل استمرار انحسار أسعار النفط. ولذلك ستكون مسألة الشروع في إصلاحات جذرية ضرورة ملحة لإيقاف استشراء الفساد والنهب، القائم على نظام المحاصصة الطائفية، كما لوضع حد لعمل الميليشيات المذهبية والطائفية التخريبي والتقسيمي. وهو ما لن يمكن الانتقال به إلى ارض الواقع، من دون المزيد من التعبئة والتنظيم الجماهيريين، على الطريق إلى فرز قيادة ديمقراطية جماهيرية ثورية تمتلك البرنامج المناسب، وادوات تطبيقه المناسبة، هي الأخرى.

--

مناضل قاعدي، ماركسي ثوري، في الحزب الجديد لمناهضة الرأسمالية -NPA، فرنسا، والأممية الرابعة.

‭ **‬استندت في كتابة هذا الجزء من المقال بشكل أساسي إلى مقالة الدكتور صالح ياسر بعنوان «واقع الاقتصاد العراقي… بين الخطابات الايديولجية والحقائق الصادمة»، المنشور في العدد ٣٧٤-٣٧٥ من مجلة الثقافة الجديدة