حول اليسار والموقف من الإسلام السياسي والثورة المضادة في مصر (الجزء الأول)

العدد السادس - كانون الثاني ٢٠١٦
الدولة: 
مصر
الملف: 
الحركات الاسلامية
تاريخ النشر: 
كانون الثاني (يناير), 2016

أصدرت حركة الاشتراكيين الثوريين خلال صيف ٢٠١٥ مبادرة سياسية لفتح نقاش جاد حول موقف قوى اليسار من الثورة المضادة، ومن طبيعة الصراع الدائر بين الدولة المصرية، بجيشها وأجهزتها الأمنية والإعلامية والقضائية، والقوى الإسلامية، من جانب، والقوى المحسوبة على ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ من الجانب الآخر. 

سياق طرح المبادرة كان الأزمة المتفاقمة للقوى المعارضة لإنقلاب ٣ يوليو/تموز ٢٠١٣. فمحاولات مثل جبهة ثوار، التي سبقتها محاولات الميدان الثالث، قد وصلت جميعها لطريق مسدود. فالقمع والاعتقالات والقوانين الاستبدادية والحملات الإعلامية لتشويه ثورة يناير قد نجحت في تقليص مساحة المعارضة بشكل غير مسبوق، خالقة حالة من التراجع، بل واليأس، في صفوف كثير من الثوريين.

وفي الجانب الآخر وصلت المعارضة الإسلامية الممثلة في الإخوان المسلمين وتحالف دعم الشرعية هي الأخرى إلى طريق مسدود. فمن جانب ورغم استمرار المظاهرات، ليس فقط لم تتمكن قيادات الإخوان من خلق الزخم الضروري لإطاحة السيسي، بل إنها عجزت أيضاً عن فرض أي تنازلات على النظام. وقد أدى ذلك الإخفاق إلى انقسامات، داخل صفوف الإخوان، بين من يريدون التصعيد ضد النظام ومن يبحثون عن مخرج تفاوضي معه. وهذا هو في الواقع تكرار لأزمات الإخوان التاريخية بين مهادنة النظام ومواجهته. وقد وصل الأمر إلى حالة من التفكك والارتباك غير المسبوقة.

وقد رأينا كيف أخرج الحكم العسكري وقضاته كل مجرمي نظام مبارك وداخليته من السجون، بل أعادهم لمراكز القوة والسلطة. ويستطيع أن يرى أي مراقب، بمجرد قراءة قوائم أعضاء البرلمان الجديد وأعضاء حكومات السيسي المتتالية، وكل المواقع ذات السلطة في الوزارات، كيف أننا أمام عودة شبه كاملة لعصابات الحزب الوطني وحسني مبارك، الذين نهبوا واستبدوا بالبلاد لعقود طويلة، والذين قامت ثورة يناير لتطيحهم، ولتقيم على أنقاض دولتهم دولة جديدة تعبر عن غالبية المصريين من عمال وفلاحين وفقراء، وتحقق مطالب ثورة يناير من حرية وعدالة اجتماعية وكرامة. كم أصبحت تلك الأهداف بعيدة اليوم وكيف نبني معارضة جديدة قادرة على مواجهة التحالف الحاكم من جيش وأجهزة أمنية وفلول نظام مبارك وكبار رجال أعماله وحلفائهم الخليجيين. هذا هو السؤال والسياق المحيط بمبادرة الاشتراكيين الثوريين، التي لم تكن سوى محاولة لفتح نقاش جاد في أوساط اليسار الثوري حول أسباب الأزمة وسبل الخروج منها.   هذا في حين ارتمى الكثير من اليساريين والليبراليين والقوميين ممن كانوا حتى الأمس القريب يعتبرون أنفسهم في صفوف الثورة، في أحضان الانقلاب العسكري، وأيدوا علناً أو ضمناً بطش الثورة المضادة ومجازرها ضد الإخوان وضد كل من ظل يعارض الحكم العسكري. وقد تعددت التبريرات، من خطورة الحكم الديني، وأن الإخوان قد أوصلوا البلاد إلى حافة الحرب الأهلية، وأنهم يريدون فرض دولة دينية ظلامية، وأن مصير البلاد لو لم يتدخل الجيش «الوطني» المحايد سيكون مصير سوريا والعراق. وللأسف كثير من رموز اليسار والحركة النقابية المستقلة، بل حتى من رموز ثورة ٢٥ يناير شاركوا في تأييد ودعم الانقلاب، وما أعقبه من قمع واستبداد غير مسبوق راح ضحيته آلاف الشهداء وعشرات الآلاف من المعتقلين في ثورة مضادة كلاسيكية، لم تستهدف إطاحة الإخوان من الحكم فقط، بل من الوجود السياسي، أيضاً، واستهدفت كذلك، من خلال استخدام فزاعة الإخوان ومخاطر الإرهاب، كسر كل ما تبقى من حالة ثورية في أوساط كل الجماهير التي شاركت في ثورة يناير ٢٠١١، وتحويل حالة الأمل والثقة التي تولدت لدى الملايين إلى إحباط ويأس وخوف. 

من حكم الإخوان إلى ٣٠ يونيو/حزيران

ظل الاشتراكيون الثوريون، منذ انتخاب مرسي في يونيو/حزيران٢٠١٢، في مقدمة صفوف معارضيه. فتبنيه لنفس سياسات مبارك الاقتصادية ودفاعه المستميت عن قيادة الجيش والأجهزة الأمنية، وعدم تفعيل التطهير في أي من أجهزة الدولة ووزاراتها، والتزامه بمعاهدات السلام مع الصهاينة والشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، كل ذلك كان خيانة واضحة للثورة وللجماهير التي أوصلته لقصر الرئاسة. ولكن كان الوضع أكثر تعقيداً، فقد كان هناك نوعان من المعارضة لحكم مرسي. الأول، وهو ما كنا كاشتراكيين ثوريين جزءاً منه، كان يمثل رغبة في تعميق الثورة وإطاحة بقايا دولة مبارك، من قيادة جيش ومؤسسات أمنية وجهاز قضائي فاسد، وتحوُّل في السياسات الاقتصادية نحو إعادة توزيع الثروة، من خلال تأميم كبرى الشركات المحلية والعالمية، واتباع سياسات ضريبية تقدمية تصاعدية، واستثمار كل ذلك من قبل الدولة لتوفير السكن والعلاج والتعليم وللنهوض بالبنية التحتية، ولرفع الأجور وتحسين الظروف المعيشية للغالبية العظمى من المصريين  الفقراء. كان مرسي والإخوان يمثلان عقبة على طريق تحقيق ذلك النوع من التعميق للعملية الثورية. أي أن معارضتنا لمرسي كانت من اليسار، وكانت على أساس فهم واضح للحدود الإصلاحية للإخوان المسلمين. فهُم بحكم تركيبتهم الطبقية المتناقضة غير قادرين على مواجهة الدولة الرأسمالية، ويخافون من حجم التعبئة الجماهيرية التي تحتاجها مثل هذه المواجهة، والتي هي بالضرورة تتجاوز حدود الانتخابات والبرلمان، وتحتاج لخلق نفس زخم ثورة يناير، من إضرابات واعتصامات ومظاهرات وغيرها من أشكال التعبئة الديمقراطية المباشرة. وهي التعبئة التي عارضها الإخوان بشدة منذ سقوط مبارك وتحالفهم مع العسكر، وتبنيهما معاً لخطة الطريق الأولى. وكانت الحركة العمالية قد فهمت سريعاً الحدود الطبقية لحكم مرسي، وشهدت الشهور الأخيرة لحكمه أكبر موجة إضرابات منذ اندلاع الثورة. هذه الموجة لم تكن دفاعاً عن الدولة المدنية أو خوفاً من الأخونة، بل كانت نتيجة تلك الفجوة بين واقع ما جرى والتوقعات الثورية للجماهير من أول حكومة منتخبة ديمقراطياً بعد ثورة شعبية.

ولكن كانت هناك معارضة أخرى للإخوان، من اليمين، تكوّنت من فلول النظام القديم، في تنسيق وتعاون كامل مع المخابرات الحربية وباقي الأجهزة الأمنية التي كانت تستعيد عافيتها تحت إشراف قادة الجيش. تلك المعارضة كانت ظاهرياً تطرح نفسها كحامية للدولة المدنية من «أخونة» النظام ومن مخاطر حكم الإخوان ومن السلفية الجهادية ومن مخاطر انهيار الدولة ومن الحرب الأهلية ومن مصير سوريا وليبيا والعراق، إلخ. وقد تمكنت تلك المعارضة من جذب أهم المعارضين السابقين لنظام مبارك، من ناصريين ويساريين وليبراليين وأقباط ونساء الطبقة الوسطى، مع قبول هؤلاء ليس فقط بالتحالف مع الفلول بل بالوقوف مع قادة الجيش والمخابرات، لمواجهة ذلك الخطر الداهم المتمثل في محمد مرسي والإخوان. واستطاعت تلك المعارضة، المموّلة بسخاء من كبار رجال الأعمال المصريين والخليجيين، ومن خلال ملكية هؤلاء لغالبية وسائل الإعلام، من صحف ومحطات تليفزيونية ومواقع إلكترونية، وفي تنسيق كامل مع المخابرات الحربية، حشد قطاعات واسعة من الطبقة المتوسطة المصرية ومن قطاعات أقل وعياً من الفقراء، إلى جانب أعداد لا بأس منها من البلطجية ورجال الأمن، أولاً في حملة تمرد، التي سرعان ما أعلنت ولاءها لجبهة الإنقاذ، وتكشَّف بعد ذلك ليس فقط ارتباطها العضوي بالمخابرات بل أيضاً تمويلها الخليجي! وثانياً في التعبئة لمليونية ٣٠ يونيو/حزيران، التي أصبح كل وسائل الإعلام الكبرى، وكل المذيعين والكتاب والمثقفين في النظام القديم، ومعهم المعارضون السابقون المتحالفون مع الفلول والعسكر، يحرّضون صباحاً ومساءً لتلك المليونية، التي ستطيح الحكم الظلامي للإخوان. وظلت قيادات الجيش والشرطة تؤكد يوماً بعد يوم أنها ستحمي الجماهير من أي غدر أو هجوم إخواني، في إشارة واضحة للطبقة المتوسطة، للاطمئنان والنزول في ٣٠-٦.

كان قرار الاشتراكيين الثوريين النزول في ذلك اليوم نتيجة لسوء تقدير موازين القوى بين المعارضة والحشد، من اليسار ومن اليمين. بين الذين أرادوا إزاحة مرسي لاستكمال وتعميق الثورة، وبين من أرادوا إزاحة مرسي لعودة الأمن والأمان والنظام، ولإنهاء «فوضى» الثورة- أي عودة النظام القديم، سواء بنفس الوجوه أو بوجوه جديدة، ولكن بالتأكيد بنفس المؤسسات.

لا يوجد أي شك الآن أن ذلك اليوم كان يوم اليمين والدولة المباركية بامتياز، وأن المعارضة الثورية، التي كان الاشتراكيون الثوريون جزءاً منها، لم تكن بالحجم أو القوة الكافية لتغيير مسار الأحداث! كان ذلك اليوم، بلا أي شك، تمهيداً ممنهجاً لانقلاب ٣-٧-٢٠١٣، وليس بأي شكل من الأشكال ثورة أو موجة ثورية أو مظاهرات يمكن أن تتحول إلى موجة ثورية. وعدم الإدراك الكافي لقوة الثورة المضادة وقدرتها على الحشد أدى لذلك الخطأ التكتيكي في المشاركة في ما أثبتت التطورات التالية أنه يومٌ قاتم في تاريخ الثورة، بل الخطوة الأولى في ثورة مضادة لا زلنا بصددها اليوم.

أقول إنه خطأ تكتيكي وليس استراتيجياً، لأننا سرعان ما طورنا مواقفنا ووقفنا بحزم ضد انقلاب ٣-٧ وكل استتباعاته. وإذا كنا نريد البحث عن أسباب ذلك الخطأ، فهناك في تصوري سببان: السبب الأول هو التفاؤل الثوري، ففكرة أن تكون الثورة المضادة على الأبواب، وأن الثورة تواجه هزيمة، بل أن أعداء الثورة قادرون على مثل ذلك الحشد والتغييب الأيديولوجي، كانت على المستوى النفسي شديدة الصعوبة على ثوريين عاشوا وشاركوا في معجزة يناير، وما تلاها من معارك ملحمية. لنتذكر فقط أن البلاشفة ظلوا بعد هزيمة ١٩٠٥ يدافعون عن أن الثورة مستمرة ولم تهزم حتى انقلاب ستوليبن في ١٩٠٧. تقبُّل الثوار للهزيمة صعب للدرجة التي تجعلهم أحياناً يرفضون الواقع. أما السبب الثاني فهو التأثر بهستيريا العداء للإخوان، في أوساط اليسار. فعلى الرغم من أن تحليلنا للإخوان لم يتغير بعد وصولهم للسلطة وتحالفهم المؤقت مع العسكر (تحليلنا كان دائماً يركز على الطبيعة المتناقضة للإخوان، وعلى تذبذبهم الدائم بين مواجهة النظام ومهادنته)، وعلى الرغم من قصة صعود الإخوان إلى السلطة ولو شكلياً، ثم شللهم التام وهم في السلطة (وبالتأكيد إطاحتهم والتنكيل بهم فيما بعد، ولكن هذا موضوع آخر)، فإن ذلك يؤكد صحة تحليلنا وموقفنا. فالأداء الكارثي للإخوان سواء على مستوى الفشل في مواجهة الدولة أو على مستوى توظيفهم للطائفية والارتماء في أحضان السلفيين حين أحسوا بالخطر، سهَّلا مهمة الثورة المضادة والانقلاب المتمثلة بكسب قطاعات من اليسار، بما في ذلك اليسار الثوري لفكرة أن الثورة المضادة هي الإخوان وحكم محمد مرسي وحلفائه من السلفيين، وليس العسكر والفلول والقضاء والإعلام وكبار رجال أعمال حقبة مبارك، الذين شاركوا جميعاً في الحشد والتمويل والتعبئة لما سمي بالثورة الثانية، بل وشاركوا بشكل شخصي في مظاهرات ذلك اليوم المشؤوم!

مواقف اليسار من الانقلاب وموجة القمع وصعود الديكتاتور الجديد القديم

إذا كانت الطبيعة المتناقضة لمظاهرات ٣٠‭-‬٦ قد أدت إلى كثير من التخبط في أوساط اليسار الثوري، فما حدث - بمذبحتي رابعة العدوية والنهضة في ١٤ أغسطس/آب، وما تلا ذلك من قمع وقوانين مقيّدة للحريات وأحكام قضائية بمئات الإعدامات وآلاف الأحكام، كل ذلك لم يكن يدعو لأي درجة من التخبط أو عدم وضوح الرؤية. ولعل مذابح ١٤ أغسطس/آب، التي عرفت بمذابح رابعة، كانت أكبر دليل على طبيعة المشهد.

ولكن اليسار المصري انقسم حول هذه الأحداث وحول الحكم العسكري الجديد. فهناك من أيّد كل أفعال العسكر بما في ذلك المذابح، بحجة أننا كنا أمام فاشية دينية تهدد البلاد بالانهيار التام، وبالتالي فإطاحة حكم الإخوان على يد الجيش، مؤيدةً بالمظاهرات المليونية ومظاهرات التفويض، هي في الواقع تصحيح لمسار الثورة وليست ثورة مضادة.

نظرية الفاشية الدينية

نحن نرفض بالطبع ذلك التحليل، الذي يبدو أنه أصبح مهيمناً لدى الكثيرين، والذي يصف الحركة الإسلامية عموماً، بما فيها الإخوان المسلمون كحركة فاشية. أولاً لفرق السياق التاريخي والاجتماعي والسياسي. فالفاشية مصطلح استخدم لوصف حركات ظهرت ونمت سريعاً في بلدان مثل ألمانيا وإيطاليا في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، بعد فشل موجة من الثورات العمالية. استغلت تلك الحركات حالة الذعر لدى قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى حول خطورة الثورة، وأنها لم تؤدِ إلا للفوضى، وحول ضرورة قمع الحركات الثورية وبالذات العمالية. (في واقع الأمر، وعلى المستوى الشكلي، فنظام السيسي والتعبئة التي قام بها أقرب كثيراً للفاشية التاريخية مما هي حال الحركة الإسلامية والإخوان).

إن فكرة أن الإخوان نوع من الفاشية الدينية كانت وما زالت مجرد تبرير فكري سطحي لتأييد قطاعات من اليسار التقليدي، ومعهم الآن الناصريون والليبراليون، ليس فقط لانقلاب السيسي بل لحكم العسكر، وللثورة المضادة، ولقمع الحركة الإسلامية، ولكل من يقف عقبة أمام مشروع السيسي بصفته مدافعاً عن أو متحالفاً مع «الفاشية الدينية». 

وللأسف يتبنى هذه النظرية الساذجة، ليس فقط أمثال رفعت السعيد، رجل الدولة عبر كل العصور، بل أيضاً مفكرون وكتاب مثل سمير أمين، الذي كتب مقالات مؤسفة في جريدة الشروق، قبل مذابح العسكر، وأثناءها، وبعدها، خلال ذلك الصيف الكئيب لعام ٢٠١٣، يؤيد فيها نظام السيسي، ويطالبه بتبني سياسات تنموية مستقلة، بل وإقامة ديمقراطية شعبية وتحقيق مطالب ثورة ٢٥ يناير! 

إن أي تحليل ماركسي للثورة المضادة التي قادها عبد الفتاح السيسي، بجيشه وأجهزته الأمنية وقضائه وإعلامه ورجال أعماله، كان يجب أن يضع مذابح مثل رابعة العدوية في سياقها التاريخي الصحيح، ولا يعتبرها إما معركة ضرورية لإزاحة «فاشية دينية»، أو معركة بين جناحي الثورة المضادة، أي بين فاشية عسكرية وفاشية دينية.

الفض الدموي لاعتصام رابعة العدوية والثورة المضادة

لماذا قرر السيسي أن يفض اعتصامي رابعة والنهضة بهذه الدرجة من الهمجية والدموية، وبهذا الكمّ من الضحايا؟ لو خرجنا قليلاً من الأفكار الدارجة حول المعركة بين ما يسمى بالدولة المدنية والإسلام السياسي، والحديث عن مخاطر مزعومة على وحدة وتماسك الدولة المصرية ومخاطر الانزلاق في حرب أهلية ومصير سوريا والعراق، وكل تلك الدعاية من قبل أجهزة الأمن وأذرعتها الإعلامية، التي مهدت لحالة من الذعر في قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى المصرية، وأيضاً قطاعات لا يستهان بها من الطبقات الفقيرة، من عمال وفلاحين ومهمشين، جعلتهم متقبلين فكرة التصفية الدموية لاعتصامات الإسلاميين، بل حتى في بعض الأحيان الإعلان عن الاستعداد للمشاركة فيها.

ربما أهم ما يجب الانتباه إليه هو أننا نتحدث عن مذبحة مخطط لها بدقة، هدفها ليس فقط فض الاعتصامين، فهذا كان ممكناً على مستوى أمني دون كل هؤلاء الشهداء والدماء. كان المخطط هو قتل عدد ضخم من المعتصمين بوحشية وإرهاب غير مسبوقين. ولكن السؤال هو لماذا؟ وهنا يجب التركيز على البعد الاستراتيجي للمسألة، وهنا تصبح دروس تاريخ الثورات المضادة والمذابح مفيدة.

في عام 1871 قام عمال وفقراء باريس بثورة عرفت فيما بعد بكومونة باريس، حيث استولوا على مفاصل السلطة في المدينة، وأطاحوا جنرالات االإمبراطورب لويس بونابارت وقياداته، وحاولوا بناء دولة جديدة ديمقراطية قائمة على العدالة والمساواة والحرية. ولكن سرعان ما حوصرت باريس من قبل القوى الملَكية، قوى الثورة المضادة، فاعتصم عشرات الآلاف من الثوار في كل ميادين باريس، ودافعوا دفاعاً بطولياً، للحفاظ على ثورتهم ومدينتهم. ولكن توازن القوى لم يكن في صالحهم، وتم فض اعتصاماتهم بالقوة، ولكن بدلاً من إلقاء القبض على المعتصمين المهزومين وتقديمهم لمحاكمات، قام الجيش بسلسلة من المذابح قتل خلالها ما لا يقل عن عشرين ألفاً من الرجال والنساء والأطفال. وكانت حملة القتل منظمة بشكل استثنائي، ففي البداية، وخلال أيام الحصار، شُنَّت موجة إعلامية من خلال الصحف والمنشورات حول كون الثوار يرتكبون أبشع الجرائم الأخلاقية في اعتصاماتهم، من جنس جماعي ودعارة ومخدرات، وأنهم ينوون في حالة انتصارهم القيام بموجات من القتل والاغتصاب لأسر الطبقات الحاكمة والوسطى المعادية للثورة، والأهم من ذلك، بالطبع، الاستيلاء على ممتلكاتهم وبيوتهم. هكذا ارتكب الجيش مذابحه المنظمة وسط تصفيق طبقة حاكمة تخلصت أخيراً من «غوغاء الثورة». 

قامت الثورة المضادة وجيشها بتلك المذابح البشعة، ليس لخطورة الاعتصامات، التي كانت قد حوصرت وهزمت بالفعل، ولكن لكسر روح التحدي والجرأة التي انتابت فقراء المدينة، والتي جعلتهم يتصورون أن بإمكانهم الثورة على اأسيادهمب، ومحاولة بناء دولة جديدة ومجتمع جديد ينتهي فيهما الظلم والفقر والاستبداد.

ليقفز معي القارئ مئة عام إلى الأمام، أي إلى دولة تشيلي في أميركا الجنوبية عام 1970. فاز بالانتخابات البرلمانية في ذلك العام تحالف يساري واسع بقيادة الرئيس سلفادور اللندي، وقامت الحكومة اليسارية بعدد هام من الإصلاحات الكبرى من تأميم لمصانع ولمناجم وإصلاح زراعي. وعلى الفور بدأ اليمين، ومعه بعض قيادات الجيش، في تنسيق مع وكالة المخابرات الأميركية وبعض كبرى الشركات الأميركية المتضررة من إصلاحات اللندي، بالتخطيط لإطاحة الحكومة المنتخبة. كانت الخطة في البداية عملية تخريب وتعطيل اقتصادي وقانوني، لاختلاق أزمة اقتصادية تضعف من جماهيرية اللندي، وترغمه على انتخابات مبكرة تسقطه وتعيد أحزاب اليمين إلى الحكم. ولكن تلك الحملة التخريبية زادت من شعبية أللندي، بل وضعت البلاد في حالة ثورية، حيث احتل العمال المصانع وانتشرت الاعتصامات الثورية. وعندما فاز اللندي وتحالفه اليساري مرة أخرى، وبنسبة أكبر من الأصوات، بدأ على الفور قادة الجيش، وعلى رأسهم الجنرال بينوشيه، بالتخطيط لانقلاب عسكري. مرة أخرى لعب الإعلام المملوك لكبار رجال الأعمال دوره في إثارة ذعر الطبقة الوسطى: االدولة التشيلية ستنهارب، «اللندي يقودنا لحرب أهلية»، «سيؤممون بيوتكم ويخطفون أطفالكم ويحولون البلاد إلى جحيم شيوعي». 

وبالفعل خرجت جماهير الطبقة الوسطى والأثرياء يطالبون الجيش بإنهاء الفوضى، والتخلص من اللندي، أياً كان الثمن. وفي سبتمبر/أيلول 1973، قام بينوشيه بإنقلابه الشهير وتم قصف القصر الجمهوري وقتل اللندي ومن معه، وأعلنت حالة الطوارئ وحظر التجول، وخرج الجيش ليصفي بؤر المقاومة في الميادين وفي المناطق العمالية. ولكن حتى بعد انتصاره، وبعد إعلان بينوشيه رئيساً للبلاد، قام الجيش بسلسلة من أبشع المجازر في تاريخ ذلك البلد، حيث اعتقل عشرات الآلاف من الشيوعيين والاشتراكيين ومؤيدي اللندي، ولم يكتفِ بالتعذيب والاغتصاب المنظم، بل قام بسلسلة من المذابح قتل فيها ما يتجاوز 30 ألفاً من الرجال والنساء والأطفال. كل ذلك بالطبع، في حالة هستيريا تأييد من قبل الأثرياء والقطاعات الأغنى من الطبقة الوسطى، كما حدث بعد كومونة باريس. كم تخاف تلك الطبقات الثورة وكم تحب دماء الفقراء! لم تكن تلك المذابح مجرد انتقام جنرال مجنون. بل كانت جزءاً من خطة محكمة لإنهاء الحالة الثورية، ولتحويل الأمل والجرأة والطموح في قلوب الملايين ممن شاركوا في الحالة الثورية، وعقولهم، إلى يأس وبؤس وخوف وقبول بالهزيمة.

هذا تماماً هو المنطق وراء مذابح رابعة والنهضة. الغرض من تلك المذابح لم يكن مجرد فض الاعتصامات أو حتى تصفية الإخوان. الهدف كان ولا يزال كسر تلك الحالة الثورية التي خلقتها ثورة يناير 2011، طمس ذلك الوعي الثوري الذي ولّدته تلك الاعتصامات العملاقة في ميادين مصر، كافة، وتحويل الأمل إلى خوف والثقة إلى انكسار والتسييس إلى لا مبالاة، وقبول الواقع المرير. لم يكن الهدف مجرد استئصال الإخوان أو حتى مجرد استكمال انقلاب تقليدي من قبل وزير دفاع على رئيس منتخب. فمرسي والإخوان لم يشكلوا خطراً حقيقياً على الجيش أو الأجهزة الأمنية أو مصالح الطبقة الحاكمة. الخطر الحقيقي كان وما يزال ذاكرة ثورة 2011، ووعيها. هذا ما أراد محوه السيسي، بمذابح 14 أغسطس/آب ٢٠١٣، وما سبقها وما تلاها. لذا فشهداء رابعة والنهضة والحرس الجمهوري والمنصة وجامع الفتح هم شهداء الثورة المصرية، مثلهم مثل شهداء يناير 2011 وماسبيرو ومجلس الوزراء ومحمد محمود.

نظرية جناحي الثورة المضادة

هناك تيارٌ آخر في اليسار الثوري وقف، وما زال يقف، بوضوح ضد المذابح التي قام بها السيسي، وفَهِمَ طابعها المضاد للثورة، ولكنه ظل يعتبر الإخوان المسلمين عدواً لا يقل خطورة عن الحكم العسكري الديكتاتوري. والفكرة بالنسبة لذلك التيار يمكن تلخيصها كالتالي: إنهم بالطبع ضد الديكتاتورية العسكرية، وبالطبع يريدون النضال ضدها من أجل أهداف ديمقراطية واجتماعية، أهداف الثورة المصرية في 25 يناير 2011. وبالطبع يرون أن ما يحدث في مصر تحت حكم السيسي هو ثورة مضادة بامتياز، ليس فقط لإزاحة الإخوان من المشهد السياسي، بل لتفكيك الثورة المصرية وتدميرها، من جذورها. ولكن بسبب خيانة الإخوان المسلمين للثورة، وبسبب رجعيتهم، وبسبب تبنيهم لنفس سياسات مبارك، وبسبب تحالفاتهم مع السلفيين، وبسبب طائفيتهم، بسبب كل ذلك، يجب أن تكون معركتنا ضد الديكتاتورية ليس فقط مستقلة عن معركة الإخوان ضد النظام، بل يجب علينا خوض معركتين في آن واحد. ضد ما يمكن تسميتهم جناحي الثورة المضادة: جناح الديكتاتورية العسكرية وجناح الرجعية الدينية، ممثلة في تنظيم الإخوان المسلمين وحلفائهم.

ولكن كما رأينا خلال العامين اللذين مرا، منذ الانقلاب، فكل خطوة في سحق الإخوان المسلمين تُضيِّق من الحيز السياسي للجميع، وتمهد لتوسيع نطاق القمع ليشمل الجميع. وبالتالي فالسكوت عن قمع الإخوان، أو عدم اعتبار الدفاع عنهم في مواجهة بطش الديكتاتورية جزءاً لا يتجزأ من النضال من أجل الديمقراطية، ومن أجل استعادة الثورة المصرية، هو خطأ استراتيجي، أدى، ويؤدي، إلى تهميش المعارضة اليسارية للديكتاتورية.

إن المشكلة النظرية في مقولة جناحي الثورة المضادة هي كونها مقولة تنفي السياق المادي التاريخي للثورة والثورة المضادة، سواء كحدث أو كسيرورة. فالثورة المضادة ليست مجموعة من الأفكار أو حتى مجموعة من القوى الاجتماعية أو السياسية. الثورة المضادة سلسلة من الأحداث، عملية أو سيرورة لا تنشأ وتتطور إلا كرد فعل على ثورة جماهيرية تهدد النظام السياسي والاجتماعي القائم، فيتم الحشد، وتعبئة جماهيرية مضادة من قبل الدولة والطبقة الحاكمة، لخلق عملية في عكس اتجاه الثورة، وبهدف الانقلاب عليها. عملية الحشد والتعبئة هذه ليست مجرد مؤامرة من جانب نخبة الطبقة الحاكمة القديمة، برجال أعمالها وأجهزتها العسكرية والأمنية والقضائية والإعلامية. هي بالفعل تعبئة جماهيرية واسعة النطاق تحرّك قطاعات كبيرة من الطبقة الوسطى ومن الفقراء المرهقين من وضع ثوري بدأوا يفقدون ثقتهم في إمكانياته، ويتم بث الرعب في نفوسهم تجاه احتمالات الانهيار والإرهاب والحرب الأهلية والمجاعة والفوضى والتفكك. وإذا نظرنا لعملية الثورة والثورة المضادة، في سياقها التاريخي، يتضح مدى السذاجة والخطأ في فكرة أن المعارك الدائرة منذ ٢٠١٣ بين دولة مبارك، بكل أجنحتها، والطبقة الحاكمة المتداخلة معها في المصالح والوجود، من جهة، والإخوان والحركة الإسلامية، وفي ذات الوقت، من جهة أخرى، مجرد معركة بين «جناحي الثورة المضادة».

طبيعة الإخوان المتناقضة والمتغيرة

إن أزمة الكثير من تيارات اليسار العربي، عامة، والمصري، بصفة خاصة، في التعامل مع الحركات الإسلامية، هي في الواقع تنبع من رؤية غير تاريخية، وغير طبقية، لظاهرة الإسلام السياسي. فهم تحت تعميم ساذج، مثل «الأصولية الإسلامية»، يضعون كل الحركات الإسلامية، من داعش إلى السلفية الجهادية، ومن السلفية الدعوية للإخوان المسلمين، في سلة واحدة «رجعية دينية يمينية معادية للجماهير ومعادية للثورة»، من دون النظر للاختلافات الضخمة بين مختلف هذه الحركات، والسياقات التاريخية والطبقية المتنوعة لنشأتهم وتطورهم، واشتباكهم السياسي والاجتماعي.

ويمكن تشبيه هذا التعميم المخل بمن يضع كل الحركات التي تصف نفسها بالشيوعية في سلة واحدة، بمنطق التشابه السطحي للعناوين والمرجعيات. فستالين مثل تروتسكي، والحزب الشيوعي الروسي في ١٩١٧ هو نفسه الحزب الحاكم في الاتحاد السوفياتي، في الخمسينيات والستينيات، وبول بوت والخمير الحمر في كامبوديا ينتمون لتراث كارل ماركس، ولا فرق بين الأممية الرابعة التروتسكية والحزب الشيوعي الصيني، سواء ذلك الذي قاد ثورة عمالية في منتصف عشرينيات القرن الماضي أو الذي قاد ثورة تحرر وطني في زمن ماو تسي تونغ، في نهاية الأربعينيات، أو الذي يقود أحد أكبر الاقتصادات الرأسمالية اليوم. فكرة وضع كل الحركات الإسلامية تحت عنوان واحد وفي سلة واحدة، هي «الأصولية الإسلامية»، لا تقل سذاجة عمن يضع كل من نعتوا أنفسهم بالماركسية، في سلة واحدة. في الحالتين، يتم تجاهل السياق التاريخي والطبقي، والتناقضات الداخلية والتحولات السياسية والاجتماعية، هذه الأمور التي تفرق ليس فقط بين مختلف هذه الحركات والمنظمات بل أيضاً بين نفس التنظيم، في مراحل مختلفة من تطوره، وأيضاً بين التيارات والاتجاهات والمصالح المتباينة، داخل التنظيم الواحد.

وهو أمر يعبّر، على مستوى أعمق، عن فهم ميكانيكي تنويري للدين وللحركات الدينية سابق للماركسية، بل بعيد كل البعد عما طرحه ماركس حول تعقيدات الظواهر والحركات الدينية، وتناقضاتها. ففي مراحل تاريخية مختلفة، وفي أوساط طبقية مختلفة، تتبلور تفسيرات مختلفة للنصوص الدينية. فالوضع المادي والاجتماعي لأي جماعة أو طبقة أو فئة، وعلاقتها بالقوى الاجتماعية الأخرى، والصراعات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي ينغمسون فيها، كلها تلعب أدوارها في تشكيل تفسيراتهم للنصوص الدينية، وللمبادئ والأفكار التي يختارون التركيز عليها، حتى وإن تشابهت الشعارات والمبادئ العامة. 

لا توجد المساحة الكافية في هذا المقال لعرض تحليل ماركسي لتاريخ الإخوان المسلمين في مراحل تطورهم المختلفة، ولا لتفاصيل التناقضات والانقسامات التي تمتلئ بها جماعة مثل هذه، وهي تناقضات وانقسامات واضحة، ليس فقط على المستوى الطبقي بل أيضاً بين الريفي والمديني وبين التنظيمي والجماهيري. نكتفي هنا بتلخيص موقفنا من هذه الحركة والاستنتاجات السياسية لهذا الموقف.

الإخوان المسلمون تكوين عابر للطبقات، ولكن العمود الفقري التنظيمي لهذا التكوين في صفوف الطبقة الوسطى المتعلمة، يجعل الإخوان المسلمين تنظيماً شديد التناقض. فمن جانب، تدفعه قطاعات من قواعده لمواجهة أكثر جذرية مع النظام، في حين تدفعه قطاعات من الطبقة الوسطى التقليدية والبرجوازية إلى البحث عن أرضية مشتركة مع النظام. هكذا تحرك الإخوان المسلمون على الأقل في العقود الثلاث الأخيرة في حالة تذبذب دائم بين المهادنة والمواجهة. بين تحدي النظام والتعبئة ضده وبين محاولة الوصول لصفقات لمشاركة أوسع مع نفس النظام.

وإن أداء الإخوان المسلمين، خلال سنوات الثورة والثورة المضادة، يؤكد طبيعتهم المتناقضة والمتذبذبة. هم حركة بالتأكيد غير ثورية، وغير قادرة على التعبئة الثورية، بل تخاف مثل تلك التعبئة، وفي ذات الوقت يدفعها تكوينها الاجتماعي لأن تشارك في معارضة النظام، ليس فقط حول الأجندات الرجعية للطبقة الوسطى التقليدية، بل أيضاً حول قضايا مثل الديمقراطية والفساد والاستبداد والظلم الاجتماعي، وإن كان بلغة ومفردات مبهمة. والإبهام هنا يأتي كنتيجة منطقية لمحاولة التعبير عن كيان متناقض على المستوى الطبقي.

عندما نصفُ نحن حركة الإخوان المسلمين كحركة إصلاحية، فنحن لا نُرجِع ذلك لمعايير الحركات الإصلاحية في الغرب الرأسمالي، كالأحزاب الاشتراكية ذ الديمقراطية، على سبيل المثال. فالسياق التاريخي مختلف كما في حالة الفاشية، وجذور الإخوان هي في صفوف الطبقات الوسطى المتعلمة، خاصة في المدن، بما فيها المدن الإقليمية، في حين الاشتراكية - الديمقراطية الغربية تمد جذورها في بيرقراطية النقابات العمالية. وهي أيضاً جزء من الطبقة الوسطى، ولكن سياق تكوينها وارتباطها بالقواعد النقابية يجعلها ظاهرة مختلفة نوعياً عن ظاهرة الإسلام السياسي، وخاصة الإخوان المسلمين.

ولكن بعض صفات الحركات الإصلاحية تنطبق على حركة مثل الإخوان المسلمين. فالتكوين الاجتماعي للحركة، بما في ذلك غالبية قياداتها، من الطبقة الوسطى المتعلمة، وهي طبقة مهيمنة أيديولوجياً على قطاعات واسعة، ليس فقط من الشرائح المختلفة للطبقة الوسطى، ولكن أيضاً، ومن خلال العمل الخيري، على قطاعات لا يستهان بها من الفقراء والطبقة العاملة. وفي ذات الوقت، تبلور تواجد لا يستهان به لذلك التنظيم الجماهيري في أوساط البرجوازية التجارية، وإن كان تمثيلها في البرجوازية الكبيرة في مصر هامشياً.

إننا إزاء حركة جماهيرية تتمركز كوادرها في صفوف الطلاب والمهنيين، ويمتد نفوذها إلى قطاعات من الفقراء، بما في ذلك العمال، في سياق من الاستبداد والفساد وغياب استثنائي ليسار بمعناه الواسع، هذه الحركة الجماهيرية تملأ المساحة التي عادة ما يملأوها الإصلاحيون في بلدان أخرى. يصبح لهم مصلحة حقيقية في إصلاحات ديمقراطية توسِّع لهم، بالأساس، فرص العمل النقابي والبرلماني والخدمي. هذا ما يجعلنا نرفض وضع الإخوان فقط ولا غير في خانة «الطائفية والرجعية المعادية للجماهير». وهذا ما يجعلنا نفهم كيف يتمكنون في لحظات معينة من ملء الفراغ الذي يتركه غياب اليسار الإصلاحي، بل وتحالفه وتذيله للدولة الرأسمالية، في عيون وقلوب قطاعات واسعة من الجماهير. ولكنهم بالضرورة، وبسبب تناقضاتهم الداخلية ونخبويتهم، لا يمكنهم تحقيق آمال تلك الجماهير، وطموحاتها، بل لا يستطيعون سوى خيانة تلك الآمال والطموحات، مرة تلو الأخرى.

هذا ويتهم البعض حركتنا، حركة الاشتراكيين الثوريين، بسبب تحليلنا هذا للحركة الإسلامية، وخاصة الإخوان المسلمين، بأننا في طريقنا لخلط شعاراتنا أو مواقفنا مع شعارات الإخوان المسلمين، ومواقفهم، بل بأننا مصرون على «تذيلهم»، كما تذيل اليسار التقليدي النظام العسكري. هذا الاتهام لا أساس له من الصحة، محض خيال يريد زجنا في خانة الإخوان، بأي وسيلة. الاشتراكيون الثوريون عارضوا الإخوان بقوة منذ تحالفهم مع العسكر، وخلال الحكم الشكلي لمحمد مرسي، في حين كان الكثير من المعارضين السابقين يشاركونهم، على رغم طائفيتهم ورجعيتهم، في تحالفات انتخابية وغير ذلك. وهم نفس الذين يعتبرونهم اليوم إرهابيين و«أعداء الجماهير الغفيرة».

وكما أوضحنا في فقرة سابقة، فالإخوان المسلمون خانوا ثورة يناير أولاً، بتحالفهم وصفقاتهم مع المجلس العسكري، وثانياً عندما تبنوا نفس سياسات النظام القديم الاقتصادية والاجتماعية، وثالثاً عندما قدموا التنازل تلو التنازل لمؤسسات دولة مبارك، ورجالها، من جيش وشرطة وقضاء ورجال أعمال، ورابعاً عندما دفعتهم الأزمة إلى تبني شعارات وسياسات طائفية ورجعية، في محاولة لخلق تحالف إسلامي واسع. هذا كله لا يتعارض بالمناسبة مع كونهم قوة إصلاحية. خيانة الثورات وخنقها في القرنين الماضيين لم يحدثا أبداً إلا بمساعدة ومساهمة القوى الإصلاحية. المثال الذي يعطيه البعض عن دور الاشتراكيين الديمقراطيين الألمان، خلال الثورة الألمانية، وفي أعقابها، بعد الحرب العالمية الأولى، ينقصه الكثير من التفاصيل التاريخية، ولعل أهمها أنهم لم يقدموا إصلاحات كبديل للثورة، بل عادوا الجماهير الثورية عداءً سافراً، وتواطأوا مع مجموعات من الجنود والضباط، الذين شكلوا فيما بعد نواة الحركة النازية، لقتل قادة الثوار، وعلى رأسهم روزا لوكسمبورغ وكارل ليبكنخت، ومهدوا الطريق لسلسلة من المذابح، لكسر موجة الإضرابات والاعتصامات العمالية، وغيره الكثير. هل أدى ذلك إلى تبني الماركسيين الثوريين لذلك التحليل الكارثي حول كون النازية والاشتراكية الديمقراطية «جناحين» من نفس الثورة المضادة، أو مجرد شكلين من أشكال الفاشية، ولذا على الأحزاب الشيوعية معاداة الطرفين لنفس الدرجة، وهو الهراء الذي فرضه ستالين على الحزب الشيوعي الألماني، وأدى إلى انتصار النازية؟ 

نحن لا نتنازل عن شعاراتنا وراياتنا وتنظيمنا المستقل، سواء في التعامل مع الإخوان أو الناصريين أو الليبراليين، أو حتى اليساريين بتنويعاتهم! ولا نتنازل للحظة عن نقدنا لكل شعار أو مطلب أو تحليل رجعي أو طائفي، أو معادٍ للمرأة أو للحريات الشخصية.

ولكن أن نعتبر أن التنكيل الحالي بالإخوان المسلمين هو مجرد محاولة من النظام لاستئصال الإخوان أو تصفيتهم، وليس جزءاً من هجوم غير مسبوق على كل ما يمثل الثورة وعلى كل هامش للديمقراطية؛ أن نعتبر أن ما يحدث الآن في مصر وفي القلب منه التنكيل بالإخوان ليس ثورة مضادة متكاملة الأطراف، هو في واقع الأمر موقف مخزٍ، ليس فقط لمن يعتبر نفسه ثورياً بل لأي إنسان مؤمن بالديمقراطية.

كل هجوم من قبل الدولة العسكرية البوليسية ضد الإخوان، كل اعتقال وتعذيب وتصفية واختفاء واغتصاب وإعدام، هو ضربة موجعة لكل عامل مضرب وكل طالب يتظاهر وكل محتج يعتصم، ولكل من رفع مطالب ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١، أياً كان انتماؤه السياسي.

أما فزاعة الحرب على الإرهاب، وأن الإخوان يتحولون إلى تنظيم إرهابي، وأن داعش على الأبواب، فمفهوم أن يستخدمه إعلام السيسي ومثقفيه، لتبرير جرائم النظام، كما استخدمه من قبل جورج بوش وإعلامه، لتبرير الحرب وغزو العراق. ولكن أن يقع في مثل هذا الفخ من يعتبرون أنفسهم في صفوف اليسار، فهو بالفعل انتحار سياسي جديد لليسار.

وللأسف، فما زالت هناك حالة من الارتباك حيال الموقف من الإخوان المسلمين، حتى وهم يملأون الزنازين بالبدل الحمراء. وبالطبع ما يزيد من حالة الارتباك تلك هو الصعود المتوقع للإرهاب. وهناك حالة من الربط الذي يكاد أن يكون مَرَضياً بين الإخوان والإرهاب. لعل أسعد شخص في مصر اليوم هو رفعت السعيد، فنظرياته حول إرهاب الإخوان وأن التنظيمات الإرهابية كلها، عبر تاريخ الإخوان، هي مجرد أذرع للإخوان، وأنها حركة فاشية ظلامية، إلى آخر نظرياته، أصبحت الخطاب الرسمي ليس فقط للدولة ومثقفيها، بل كذلك للمعارضة القومية واليسارية والليبرالية. لا بل أثرت تلك الأفكار حتى في صفوف تيارنا، وفي القليل من رفاقنا أيضاً. وبالطبع، فالأحداث تعقد الأمور: إغتيال النائب العام ثم قتل الجنود في سيناء مع محاولات داعشية للانتشار في سيناء: كل ذلك يساعد على إحداث حالة من البلبلة نحتاج جميعاً للنقاش حولها، وحماية تنظيمنا من انحرافات دفعت بالكثير من اليسار، بل بأغلبية اليسار، للارتماء في أحضان الثورة المضادة، سواء بشكل علني، أو بشكل ضمني، من خلال حالة من الشلل تجاه الأحداث. كالذي يقول على سبيل المثال إننا نواجه عدوين، الأول هو الرأسمالية ودولتها بالطبع، والثاني هو الإرهاب، الذي ربما يكون مرتبطاً بالإخوان، وأن خطر داعش لا يقل عن خطر العسكر.

إن الإرهاب السلفي الجهادي موجود في مصر، منذ السبعينيات، وكانت أعنف موجاته في التسعينيات. ومن الطبيعي أن يظهر من جديد بعد ثورة مضادة دموية ألغت ليس فقط كل الانتخابات ونتائجها، في انقلاب كلاسيكي، بل تغلق المساحة السياسية بأكملها، وتقوم بأكبر وأعنف موجة قمع في تاريخ مصر الحديث. ألا يولّد ذلك إرهاباً؟ وإذا كانت أفعال الدولة هي التي تولّد ردود فعل من هذا القبيل، فمن القاتل الحقيقي هنا؟ نحن نقف بالطبع ضد الإرهاب ومنظماته، لأنه يقوي الدولة والثورة المضادة، ويسمح لقائدها بأن يظهر من جديد ببذلته العسكرية، ويحرق ويقتل ويعدم ويفجر أضعافاً مضاعفة من الأعداد التي يقتلها وسيقتلها الإرهابيون. 

إن الاغتيال والارهاب الفردي عموماً، حتى لو كان موجهاً ضد من أجرموا في حق الشعب والثورة، لا تأثير له سوى المزيد من العنف من قبل الثورة المضادة، والمزيد من الإحباط في أوساط الجماهير الطامحة لعودة المسار الثوري. فمن يقوم بعملية اغتيال لأحد قادة الثورة المضادة، وكأنه يقول للجماهير لا نحتاج لمظاهراتكم واعتصاماتكم واضراباتكم. إبقوا أنتم في بيوتكم ونحن سنتخلص وحدنا من هذا المستبد، أو ذاك الفاسد. وبالطبع بدلاً من أن نتقدم خطوة للأمام، نتراجع خطوات للخلف، وتزداد العملية الثورية صعوبة.

لقد أثبتت ثورة 25 يناير 2011 أن الطريق الوحيد للتغير الثوري هو من خلال حركة الجماهير نفسها، في الشوارع والميادين وأماكن العمل. أسلحتنا هي الإضراب والاعتصام والتظاهر وتنظيم صفوفنا للاستعداد للثورة القادمة. أما الاغتيالات والقنابل فلا تخدم سوى أعداء الثورة. سيأتي اليوم الذي يحاكم فيه كل من كان له دور في الثورة المضادة. كل من قتل وعذب واعتقل واغتصب، وكل من قنن هذه الديكتاتورية العسكرية، وبررها، وموَّلها. ولكن تلك المحاكمات ستقوم بها وتشرف عليها الجماهير المعتصمة في الميادين والمصانع. لا توجد طرق مختصرة تمكننا من القصاص. لنناضل جميعاً بصبر ودأب لاستعادة مياديننا وشوارعنا وثورتنا، وفقط حين نتمكن من ذلك، سيأتي القصاص والعدل.

إن موقف اليسار المصري من الحركات الإسلامية، سواء تلك التيارات اليسارية التي تصفهم بالفاشية الدينية، أو تلك التي تعتبرهم أعداءً لا يقلّون خطورة عن الديكتاتورية العسكرية، لن يؤدي على الإطلاق لبروز منبر ثالث يساري ثوري مستقل، بل إنه وللسخرية سيمهّد لعودة شعبية الإخوان والحركات الإسلامية، كالمعارضة الجادة الوحيدة، في مواجهة الديكتاتورية والثورة المضادة.