التنظيم الاشتراكي والتحرر الجنسي في لبنان

العدد السادس - كانون الثاني ٢٠١٦
الدولة: 
لبنان
الملف: 
اليسار
تاريخ النشر: 
كانون الثاني (يناير), 2016

دفعت السيرورة الثورية في المنطقة العربية بقضايا الجنسانية والنوع الاجتماعي إلى الصدارة، وتحوّلت أجساد المتظاهرين والمتظاهرات إلى مساحات للصراع بين الثورة والثورات المضادة على امتداد المنطقة، من مصر إلى البحرين إلى سوريا ولبنان. في مصر مثلاً، تجسّدت الثورة المضادة في العنف المسلّط ضد المرأة وغير المنضبطين بالنمط الغيري2، الذي وصل إلى ذروته مع استلام السيسي مقاليد الحكم بعد المجزرة التي ارتكبها ضد الإخوان المسلمين. فقامت الثورة المضادة بالانقضاض على كل الأجساد التي لا تلتزم بالمعيار الأبوي (المثليون والمثليات والمتحولون والمتحولات جنسياً، وغيرهم من خارج الهويات السائدة)، وظهرت زيادة ملحوظة في العنف الجنسي ضد النساء وفي التدخّلات والمضايقات والاضطهاد من قبل الشرطة للرجال المثليين والنساء المتحولات، في عودة لممارسات عهد مبارك البائد، لكن بأضعاف ما كانت عليه آنذاك، وأضعاف أضعاف ما رسا عليه عهد محمد مرسي والإسلاميين3.

وفي سوريا، كانت النساء في طليعة السيرورة الثورية في أوائل عام ٢٠١١، وشاركن، في كثير من الأحيان، في الاحتجاجات، أو في إنشاء البيوت الآمنة للمنشقين، وجمع المعلومات، ونقل الإمدادات والنشرات والمستلزمات الطبية بين الثوار. والمفارقة أن عاملات الجنس كنّ من بين أوائل ضحايا الحملة القمعية التي أطلقها الأسد ضد الثورة4. وكان العنف الجنسي أحد أهم الأسلحة التي استخدمها النظام ضد المعتقلات من النساء. لكن هذه الوسائل لم تكن حِكراً على نظام الأسد، وتم استخدامها من القوى المعارضة الإسلامية، التي قامت بفرض التعاليم المتشددة، ووصلت إلى ما وصلت إليه من استعباد للنساء وقتل جماعي للمثليين واللامنضبطين جندرياً.

في لبنان، أكثر من عقد من النشاط في مجال الجنسانية والجنس أدى إلى إرث سياسي مختلط. ففي ٢٠١٠، وبعد ٧ سنوات من المشاركة العلنية لجمعية حلم في المظاهرات المناهضة للحرب على العراق والظهور الاعتيادي للم.م.م.م. في التحركات المطلبية،  شهدت «مسيرة العلمانيين نحو المواطنة»، التي دعت لتفكيك النظام الطائفي، اشتباكاً إيديولوجياً بين القيم القومية العلمانية ومسألة الحرية الجنسية. تسبّب وجود مثليين علنيين بين المتظاهرين في بلبلة إعلامية وفي رفض صريح، من قبل الكتلة العلمانية، لأن تشمل صراحة وبشفافية قضايا الجنسانية في حملتها، وتم اتهام المثليين العلنيين بسرقة الأضواء من هدف المسيرة الرئيسي. ثم برز هذا الانقسام مجدداً في حملة إسقاط النظام عام ٢٠١١، حيث رفضت أغلبية القوى المنضوية في الحملة، وبشدّة، أي نقد للنظام الأبوي، أو للنمطية الغيرية في النظام الطائفي، وفضّلت، بدلاً من ذلك، التشبث بما يسمى المطالب 'الشعبية'5.

تتتبّع هذه الورقة تطور حركات التحرر الجنسي، النسوية منها وتلك المتعلقة بالمثليين والمثليات والثنائيين والثنائيات، والمتحولين والمتحولات جنسياً في لبنان، على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، من منظور طبقي، وتهدف نحو تطوير موقف اشتراكي من مسألة الجسد، في ظل التحول النيوليبيرالي والسيرورة الثورية الحالية.

١) الجنسانية، والرأسمالية والدولة

شهدت فترة ما بعد الاستعمار عملية بناء الدولة القومية على أسس جندرية6، حيث ترافق ترابط الجنس والدولة، بطريقة ممنهجة، مع التحوّل إلى الأسرة النووية (المكوّنة من أب وأم وبضعة أطفال- مقابل العائلات الممتدّة، مثلاً)، والتغيّرات في الأعراف الاجتماعية والجنسية. كما ترافق ذلك، على المستوى المادي، بما فيه في لبنان، مع إعادة تعريف ثنائية المذكر/المؤنث، والفصل الجندري للعمل المترافق مع نشأة الأنظمة الرأسمالية، التي غيرت العلاقات الاقطاعية القائمة، بما فيها الأدوار الاجتماعية.

وفقاً (للمفكِّرة النسوية الماركسية) مارثا خيمينيز، «يتم تعيين الأنماط الظاهرة للامساواة الجنسية داخل التشكيلات الاجتماعية الرأسمالية [...] بالطريقة المحددة تاريخياً لنمط الإنتاج القائم، [...] والتي تؤثّر على وصول الطبقات الكادحة- من الطبقات المسحوقة (العاملين بأجر، والفلاحين والعمال الزراعيين والعاطلين عن العمل، إلخ.) إلى الظروف المادية الضرورية للتكاثر اليومي والجيلي7. «فمن منظور المادية التاريخية، إن نمط الإنتاج الرأسمالي هو ما يحدد «نمط الإنتاج الاستهلاكي أو إعادة الانتاج الجسدي والاجتماعي»8، وبالتالي يسهم في الإنقسام الجندري في العمل، وضبط وتنظيم الأعراف الاجتماعية والجنسية، والواقع الحالي للتمييز الجنسي ورهاب المثلية. لذا، فإن الصراع الطبقي هو أيضاً صراع جنسي. الطبقة الرأسمالية لا تضبط شروط تكاثرها الذاتي فحسب، بل هي تسيطر أيضاً على شروط إعادة إنتاج الطبقة الكادحة، والعمّال والعاملات. وهذا يلعب دوراً حيوياً في «طبيعة العلاقات بين الجنسين والثقل النسبي للأسرة ضمن الطبقات الاجتماعية.»9 

يظهّر التحليل الماركسي النسوي عن الدولة الانقسامات القائمة بين الجنسين في عملية بناء الدولة-القومية اللبنانية الحالية، والطريقة التي أدّت إلى بناء «الدولة الذكورية»، حيث «سلطات الدولة حيادية بالنسبة إلى الجنسين بقدر ما هي محايدة بالنسبة للطبقة والعرق.»10 فوفقاً لجوان ناجل، «مثل الجيش، فإن معظم مؤسسات الدولة تاريخياً كانت وما تزال حكراً على الرجال، ولذلك، ليس من المستغرب أن تسير ثقافة وأيديولوجية الذكورية المهيمنة، جنباً إلى جنب مع الثقافة والأيديولوجيا القومية المهيمنة.»11 في الواقع، فإن طلب الحماية ضد الرجال من الدولة هو بمثابة «طلب الحماية من المؤسسات الذكورية.»12

تلعب مسألة الزواج الدور المحوري في مناقشة الجنسانية والرأسمالية، فالزواج هو الساحة الرئيسية التي تستخدمها الدولة الرأسمالية لتنظيم التكاثر والحياة الجنسية. وحيث «لا تزال الرأسمالية هي الشكل الأكثر تطفلاً، في الانتاج وفي تنظيم الحياة الجنسية، الذي عرفته الإنسانية»13، يمكن النظر إلى الزواج كترتيب اقتصادي، تستخدمه الطبقة الحاكمة لإقامة تحالفات استراتيجية ما بين الأسر، ويستخدمه الفلاحون، بعد تراكم الموارد، لزراعة قطعة من الأرض. فلطالما كان الزواج متقاطعاً مع المال والسلطة، ومع تعزيز التشبيك الاجتماعي والاستقرار14.

ومع تحوّل النظام الاقتصادي الإقطاعي إلى الرأسمالية، تغيّرت مفاهيم الحياة الجنسية القائمة تدريجياً، لترتبط «ارتباطاً وثيقاً بمخاوف الطبقة الحاكمة والطبقة الوسطى من الفوضى الاجتماعية والثورة.»15 وشكّلت المصالح الاقتصادية الحافز لسياسات الإصلاح الأسري، حيث سعى الرأسماليون لتشجيع الطبقة العاملة على إعادة إنتاج نفسها ودعموا نموذج الأسرة الذي يخدم مصلحة الطبقة البورجوازية الصاعدة. أنتج ذلك سلسلة من القوانين الناظِمة للدور الاجتماعي المنوط بكل من الجنسين. ففي المملكة المتحدة، «في العام ١٨٤٤، تم اختصار عدد الساعات التي يمكن للمرأة أن تعمل خلالها بشكل قانوني، وفي العام ١٨٧٠ أنشئ النظام التعليمي الرسمي، وتم وضع لوائح جديدة، بدءاً من ١٨٧٢، طُبّقت على حاضنات الأطفال لدى الأمهات العاملات، وأدّت إلى ثني نساء الطبقة العاملة عن استخدامهن.»16 علاوة على ذلك، أسهمت عملية إعادة تأسيس الأسرة في قمع الجنس من أجل المتعة، خارج حدود الحياة الأسرية. 

في تلك الفترة أيضاً، تمت إعادة تعريف «المثلية» من كونها شيئاً يفعله المرء إلى شيء في داخل الشخص. وكما يشير كولن ويلسون، «مثّل تعريف «مثلي/ة الجنس»، وبعده «الغيرية» و«مزدوجي/ات الجنس»، في هذه الفترة، قطيعة حاسمة مع الطرق السابقة في التفكير. كانت العقوبات موجّهة ضد الأفعال؛ أصبحت الآن موجهة ضد أشخاص.»17 

٢) اليسار والتحرر الجنسي

بدايةً، إن التراث الماركسي والاشتراكي الثوري يُظهر تضارباً في المواقف حول تحرر المرأة والتحرر الجنسي، حيث يتبع البعض المفاهيم التي وضعها فورييه وأوينز في أوائل القرن التاسع عشر، اللذان كتبا عن «شرور الزواج»، بالإضافة إلى التقاليد التي أرساها ماركس وإنجلز18. لكن نهج الاشتراكية يتجاوز العدالة الاقتصادية ليشمل التحرر الإنساني، وقد تم التأكيد على موضوع التحرر الجنسي مراراً19. والأهم من ذلك، أن الثورة الروسية في أكتوبر ١٩١٧ تضمّنت قدراً من التحرر، وقامت بإلغاء القوانين القيصرية التي تتحكم بالنشاط الجنسي، بما في ذلك تلك التي تجرّم العلاقات الجنسية ما بين الرجال20.

لكن هذا لم يدم طويلاً، بوصول جوزيف ستالين إلى السلطة، الذي بدأ بمنح الميداليات للمرأة التي تنجب العدد الأكبر من الأطفال، وأعاد تجريم المثلية الجنسية، واعتمد النهج القائم على الوحدة الأسرية النووية كأساس للتنظيم الاجتماعي21. قامت الستالينية22 بالقضاء على التغيرات الجذرية التي بدأت تنشأ في العلاقات الاجتماعية بين الرجل والمرأة، والتي قادتها ألكسندرا كولونتاي، وتمثّلت بمساحات العيش المشتركة والمطابخ العامة وحضانة الأطفال الجماعية، التي حررت المرأة العاملة من العبء المزدوج للأمومة والشغل.

والتراث البلشفي، بشكل عام، لم يحسم أمره بشأن قضايا الجنس، وجاءت المكاسب المذكورة أعلاه (قبل الثورة المضادة الستالينية)، بعد عناء وصراعات مريرة مع الحزب.هذا يظهر، مرارا وتكرارا، في تحديات كولونتاي اللجان المركزية في إشراك النساء العاملات، والأكثر إثارة للجدل، «جدالها» مع الحركة النسوية الروسية البرجوازية في ذلك الوقت، من بين أمثلة أخرى23. فهي اعتبرت أن الاشتراكية تؤمّن الظروف المادية المؤاتية للتحرر الكامل للمرأة البروليتارية من الالتزامات المنوطة بها، كالأمومة ورعاية الأطفال، واعترضت على أن يتم إيكال هذه المهام إلى الأسرة النووية من قبل الدولة السوفييتية24.

خلال الثورة الروسية، تم وضع النساء البروليتاريات على المحك مراراً وتكراراً، للتأكيد على أجندتهن السياسية كمقاتلات ومناضلات، وجزء لا يتجزأ من الصراع الطبقي، وهذا في ظل استشراء التمييز على أساس الجنس والنبذ من قبل الطبقات الحاكمة والوسطى، من جهة، والرجال من الطبقة البروليتارية، من جهة أخرى. وعلى الرغم من الدعم الضخم من أعضاء الحزب والقادة، لم تحظَ العاملات بالتمويل الموعود أو مساحات للاجتماع، ولم ينجحن في دفع  مطالبهن إلا من خلال النضال وخلق مجموعات تأثير، أولاً ضد البرجوازية الدولتية النسوية تحت النظام القيصري والحكومة المؤقتة، ولاحقاً داخل الحزب البلشفي نفسه. لكن كل هذه المكاسب التي حققتها المرأة تم عكسها، بعدما جنحت الدولة أكثر فأكثر نحو الستالينية.

هذا التقليد، وتعزيز النظام الأبوي والأسرة النووية، التي تم إنشاؤها في ظل الرأسمالية باعتبارها الوحدة الأساسية للإنتاج واعادة الإنتاج الاجتماعي، أدّيا إلى المساومة مع وسائل الإنتاج الرأسمالية نفسها، ما كان له الأثر الكبير في اليسار التقليدي طوال فترة الحرب الباردة وحتى هذا اليوم، حيث ما يزال اليسار التقليدي يضم نضال المرأة، والصراع الطبقي، إلى مسألة التحرر الوطني وبناء الدولة، مهمشاً تماماً أي نقاش عن الجسد، والأسرة، والجنسانية. وقد اعتبر هذا اليسار أن تلك المسائل تقوّض قضية التحرر الوطني، وتمنع التحالف مع البرجوازية الوطنية، وتخالف «التفكير المحافظ» للطبقة العاملة. واعتمد هذا اليسار خطاباً مماثلاً للخطاب القومي، وأحياناً، للأحزاب اليمينية المتطرفة، مؤكداً على الذكورية والعسكرة، وممجداً الأمومة وبناء الأسرة النووية، بعيداً كل البعد عن التحليل المادي للإنسان ووضعه الاجتماعي والاقتصادي، وبالأخص، تحرره من القمع الجنسي.25

ولا يمكن إعفاء الأحزاب اليسارية الشيوعية والقومية في لبنان من هذا الخطاب، بأي حال، فمسألة المثلية الجنسية والتحرر الجنسي لدى المرأة غائبة تماماً عن خطابها وبرامجها، بل يبدو أنها تلعب دوراً في قمع هذه الأفكار داخل الحركة وفي المجتمع. فبالرغم من اتصالها بالسيرورة الثورية في المنطقة، كانت الحركة العلمانية واليسار التقليدي (ناهيك عن الاحزاب القومية والطائفية) غير مستعدّة للتعامل مع مسألة الجنس، أو حتى مع وجود النساء، كعنصر فاعل في التغيير داخل الحركة. هذا الموقف تفنّده الناشطة النسوية والاشتراكية، هبة عبّاني، من خلال تجربتها في حملة إسقاط النظام الطائفي في لبنان في ٢٠١١:

«لا يكفي كسر الصمت على مستوى الممارسة الذكورية، التي يتبناها المجتمع، بل الأصعب هو كسر هذا الصمت في الحلقات التي تدّعي أن مناصرتها لهذه المسألة هي أمر بديهي، وتحصيل حاصل...

في الممارسات اليومية، كان الرجل سيد الموقف، بصوته العالي وجسده المقدام، الذي يدفع بكل قوته لاحتلال المراكز الأمامية. والتدافع هنا سيد الموقف. لديكِ، كفتاة، خيارٌ من اثنين: إما ممارسة التدافع حتى يتسنّى لك الظهور في الصورة، وهنا قد تتعرضين للدهس أو السحل... وإما الانسحاب بهدوء والابتعاد بقدر الممكن عن مكان الحدث، أو الوقوف على هامشه...

كانت معادلة البقاء للأقوى هي السائدة؛ مَن يرفع صوته أكثر ويفرض نفسه، هو المؤهّل للكلام. بالإضافة إلى ذلك، لم يكن أمراً مقبولاً بتاتاً أن تحمل الاجتماعات أي طابع مساواة جندرية، من ناحية تنظيم إدارة الاجتماعات والمداخلات، أو تغيير أي من الممارسات الذكورية، التي قد تدفع كثيرين (ذكوراً وإناثاً) إلى التراجع عن المداخلة أو إبداء الرأي.»26 

٣) الحركة النسوية في لبنان: جذور في النضال الطبقي

لطالما كانت العلاقة بين المرأة والأنظمة والبنى الاقتصادية القائمة تاريخياً حافلة بالتوتر، ومختلف أشكال ودرجات الاضطهاد. فالانتقال من النظام الإقطاعي إلى النظام الرأسمالي أدّى إلى قسمة جديدة على أساس النوع الاجتماعي في العمل، وإلى تشكيل وعاء الاضطهاد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الحالي، الذي تعانيه المرأة في لبنان. لكن هذه العملية، في أواسط القرن التاسع عشر، شهدت أيضاً أول ملامح النضال العمالي داخل المصانع في لبنان، وعكست، إلى حدٍ ما، مقاومة شعبية للتقسيم الجديد للعمل وإعادة تعريف دور المرأة، خاصة في جبل لبنان حيث مصانع الحرير.27

مثلاً، تأثرت العاملات اللبنانيات بالعاملات الفرنسيات اللواتي كن يتقاضين أربعة أضعاف ما تقبضه اللبنانيات، وعلى الرغم من طرد عاملات فرنسيات من معمل في بتاتر الشوف، كانت عاملات المصانع قد تعلمن مهارات الصراع الطبقي، وكن يهددن صاحب العمل بالانتقال «إلى المصنع المنافس إذا لم ترفع أجورهن»، كما اعتمدن الأسلوب الإيطالي في الإضراب، من خلال خفض نوعية الحرير. و«مع حلول تسعينيات القرن التاسع عشر… أثمرت هذه النضالات العمالية ارتفاعاً في أجور العاملات اللبنانيات أربعة أضعاف.»28 

هذا التغيير، المتمثل بالاستقلال المالي، أمّنه العمل المأجور لحياة النساء، بما فيه إمكانية الطلاق، بعد أن كان الوضع مختلفاً، بصورة عميقة (بحيث «صُعِق العاملون في المجال الاجتماعي في المهجر الأميركي لغياب مفهوم «ربة المنزل» لدى المهاجرات اللبنانيات والسوريات»). هذا التغيير الجذري في حال المرأة دفع برجال الدين إلى شنّ حملة للدفاع عن «قيم العائلة» و«العادات والتقاليد».29

لكن هذه المقاومة لم تصمد طويلاً مع انهيار تجارة الحرير وإرساء دعائم النظام الطائفي اللبناني، وتأسيس الدولة اللبنانية على الأسس الذكورية الحديثة لتقسيم العمل ومركزية الأسرة والدور الاجتماعي للمرأة، بالرغم من بقائها في صدارة النضال العمّالي والمطلبي (إضراب عاملات التبغ ١٩١٤، الريجي ١٩٤٥ و١٩٦٥، معمل غندور ١٩٧٢)30. ويوضح أكرم فؤاد خاطر تأثير الإعلام العربي الأميركي المكتوب في الحملات الأخلاقية الموجّهة للمرأة اللبنانية الجديدة، حيث «شخّص الأخلاقيون، مستخدمين تعابير طبّية، عمل المرأة على أنه المرض الذي يصيب الجسم المجتمعي والنظم الأخلاقية الحديثة… لقد جمع هؤلاء الكتّاب في جملة واحدة بين عمل النساء والتحرر الجنسي وحددوهما على أنهما مضرّان... وقد حذا هؤلاء حذو الأخلاقيين الأنغلوساكسونيين الذين أحاطوا بهم، محاولين فرض التحديد «الصحيح»، المستقى من تاريخ وحساسية الطبقة الوسطى، لدور كلّ من الجنسين.»31 

لكن بالرغم من التجذر في النضال العمّالي النسائي، منذ القرن التاسع عشر، فإن نضال المرأة ضد القمع الأبوي في بداية القرن الواحد والعشرين تطغى عليه «أولويات واستراتيجيات المنظمات النسائية، ولا سيما المنظمات غير الحكومية»32، التي نادراً ما تضطلع بمساءلة الجانب الاجتماعي- الاقتصادي للنظام الأبوي. هذا وإن الموجة الأولى مما يمكن تسميته حركة نسوية شاركت في الحركة السياسية المطالبة باستقلال لبنان، ومع ذلك، تم إقصاء النساء، واعتبارهن ملحقات في عملية بناء الأمة، كأمهات وربات أسر.33

وشهدت الموجة الثانية (بحسب تصنيف برناديت ضو، ٢٠١٥) في السبعينيات عملية تسييس النساء في الحركات النقابية والطلابية، وإشراكهن في الأحزاب السياسية في لبنان، تلك الأحزاب التي سرعان ما قامت بتحييدهن، بل وطردهن في بعض الحالات، لمحاولتهن النهوض بالقضايا النسوية. وظهرت الموجة الثالثة من الحركة النسوية في لبنان كردّة فعل على ذلك الوضع، واعتمدت مقاربة حقوقية وشكّلت بداية تحول في مسار الخطاب والتنظيم النسويين عن أسلافهن34. وبدأت بطرح مسألة الرجولة تزامناً مع تصاعد المشاركة السياسية للمرأة، والانخراط الرسمي في قضايا العنف القائم على الجندر، والعنف ضد المرأة، بالإضافة إلى المشاركة المباشرة في الحملات السياسية البرلمانية35. وعلى الرغم من اعتماد الموجة الثالثة لتكتيكات الإصلاح القانوني، ما قيّد النقاش ضمن الدوائر القانونية والمهنية، واستبعد النساء من المشاركة السياسية36، أدّى المسار الإصلاحي إلى تحفيز النقاش حول الجندر والرجولة على المستوى الوطني37، كما يظهر في تنوّع التحركات المطلبية النسائية وتصدّرها المشهد خلال السنتين الماضيتين.

ويمكن أخد العدوان الصهيوني على لبنان عام ٢٠٠٦ كدلالة على طبيعة موقف المنظمات النسائية المختلفة من الدولة. فالمنظمات المخضرمة والهرمية، كالهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية والمجلس النسائي اللبناني، التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالسلطة، ولديها باع طويل في المساومة على الأجندة النسوية لصالح النظام الطائفي، عجزت عن حشد أعداد كبيرة من النساء اللبنانيات حول قضية مشتركة، في مقابل الدور الحيوي للنسويات والمجموعات النسوية الراديكالية في حملات الإغاثة والمناصرة، وخاصة في حملة «صامدون».38, 39

وقد ظهرت الموجة الثالثة كردّة فعل على هذا الشلل الحاصل لدوافع سياسية وحزبية وطائفية. فرفضت العديد من المنظمات النسائية، مثل منظمة كفى، ومجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي، والتجمع النسائي الديمقراطي اللبناني (من الموجة الثانية ومرتبط تاريخياً بمنظمة العمل الشيوعي)، مثلاً، الانضمام إلى هذه البنى التقليدية. ومع ذلك، اختارت نموذج المنظمات غير الحكومية، واعتمدت على بنى هرمية مماثلة، وإن كانت أكثر استقلالية عن السلطة.

تهدف تلك المنظمات إلى إصلاح النظام الحالي للتخفيف من الضغوط على النساء، وهي كثيراً ما تناشد أطراف السلطة للحصول على دعمها في حملاتها الإصلاحية القانونية، بغياب الدعم السياسي الحقيقي. وبالرغم من دفعها الرجال والنساء إلى الشارع لتحقيق بعض المطالب (حماية المرأة من العنف ومن الإساءة وحق المرأة في نقل جنسيتها إلى أولادها وقضايا الأحوال الشخصية)، وتعبئتها للآلاف في بعض الأحيان، فقد «عالجت المنظمات النسائية العقبات... بطريقة تبريرية، مع التركيز الشديد على الإصلاح كاستجابة لحاجة أو مشكلة معينة. وفي كل سنوات النضال تلك، لم يتم المسّ بمسألة الوحدة الأسرية، بل تم تعظيمها، ومن دون تحفظ، في بعض الخطابات. شيئاً فشيئاً، تم اقتياد المنظمات النسائية بعيداً عن الانخراط مع النساء الأخريات، فأصبحت تفضّل مخاطبة قوى الأمر الواقع، التي تواصل إضفاء الشرعية على البنى الذكورية.»40 

بالتوازي مع هذا المسار، شهدت الألفية الجديدة ولادة موجة جديدة من النسوية، أكثر راديكالية، قامت بتسليط الضوء على قضايا الجسد والجنسانية والنوع الاجتماعي، وتقاطعاتها مع المسألة الطبقية ومناهضة الإمبريالية، واعتمدت النهج التقويضي الفاضح للممارسات والنظم الاجتماعية والسياسية. في العام ٢٠٠٩، تأسست منظمة «نسوية»، بناء على التراث النسوي الراديكالي وانطلاقاً من حركة حقوق المثليين والمثليات التي ظهرت إلى العلن خلال التظاهرات المناهضة للحرب على العراق في ٢٠٠٣، وقد أظهرت عدائية أكثر علنية للطبقة الحاكمة، ودفعت بفهم البنى البطريركية للدولة والمجتمع إلى الأمام بأشواط (مقارنة بالتنظيمات النسائية الدولتية التقليدية).

لكن هذا النمط من التنظيم، مع الخطاب النسوي الراديكالي، تجنّب الخوض مباشرة في الصراعات الطبقية أو تبنّي القضايا الاقتصادية التي تطال المرأة العاملة بشكل أساسي، أو حتى إنتاج لغة مشتركة أو «أي صدى وامتداد خارج الدوائر الضيقة التي لا تتعدى شارعين إلى ثلاثة من شوارع العاصمة.»41 ونحن نستطيع أن نشير هنا إلى التقسيم الليبرالي للمجتمع المدني، الذي يفرّق بين العمل الجمعوي والعمل النقابي بشكل صريح، مما أدّى لتغييب النقاش حول آليات وسبل تنظيم النساء العاملات على أساس ظروف العمل غير المتكافئة وغير العادلة، مقابل النقد النسوي لذكورية الحركة النقابية. وهذا يتناقض مع واقع أن النساء العاملات يشكّلن الأغلبية في عدد كبير من المهن، ويناضلن يومياً لتحقيق أجر متساو مع الرجل، وضمانات أفضل، والحصول على إجازة أمومة أطول، ناهيك عن مقاومة الممارسات المهنية غير العادلة وسوء ظروف العمل، والتحرّش الجنسي، إلخ.

فحتى في المهن التي تشكّل فيها المرأة أغلبية، كالتعليم (٧٥٪)، استمر الرجال بالهيمنة على قيادة الحراك المطلبي، مثلاً في قضية سلسلة الرتب والرواتب، بالرغم من التعبئة العامة في السنوات الخمس الماضية. وهذا الوضع ينطبق على قطاعات التمريض، والخياطة، والعمل في المنظمات غير الحكومية، والعمل الفني في المستشفيات، وغيرها. هذا بالرغم من أن إحصاءات العمل، باعتمادها على احتساب الأجور والضمانات في القطاعات الرسمية والمنظمة، توحي بغياب معظم النساء عن النشاط الاقتصادي42:

«فالغالبية العظمى من النساء العاملات غير مرئيات، ويعملن في القطاع غير الرسمي أو في المنزل... وبالرغم من موقع الوحدة الأسرية كمقدِّمة للرعاية الأولية وتوليها المسؤوليات الاجتماعية والصحية للتعويض من تقاعس الدولة، فإن عمل المرأة في مجال الأسرة لا يزال غير معترف به، ويتم اعتباره «واجباً» و«مسؤولية». ونتيجة لذلك، تحمل النساء أعباء جملة من خدمات الرعاية للأطفال والمسنين وأفراد الأسرة من ذوي الاحتياجات الخاصة، التي ينبغي أن تكون من مسؤولية الدولة، كما تصرف ساعات طويلة في القيام بالأعمال التي غالباً ما يتم التقليل من قيمتها، وفي إدارة وأداء المهام داخل الأسرة، مجاناً... ولا تحصل المرأة على أي تعويض في مجتمعاتنا مقابل عملها في تلك المجالات... أما عمل المرأة في القطاع الزراعي فهو أيضاً غير مرئي...»43

تقدّر نسبة النساء العاملات في القطاعات غير الرسمية بحوالي ٦٠٪ من مجموع اليد العاملة النسائية، ما يعني حرمان أغلبية النساء العاملات، تلقائياً، من التنظيم في قانون العمل، والحقوق والضمانات، هذا بالإضافة إلى الأعداد الكبيرة من الخريجات الجديدات اللواتي يعملن في المنظمات غير الحكومية في مشاريع محدودة بفترة زمنية، وفي غياب سلسلة رواتب واضحة، ما يحرم العاملين والعاملات من إمكانية التمتع بزيادة في الراتب بطريقة منهجية.44

لكن المقاومة العمالية والنسوية لهذا الوضع ليست غائبة تماماً، وهذا ما أظهرته حركة العمال والعاملات الأجانب/الأجنبيات، التي أفضَتْ الى إنشاء نقابة العاملات والعاملين في الخدمة المنزلية مطلع عام 2015. وهي نقابة يغلب عليها العنصر النسائي. فالقبضة الحديدية لنظام الكفالة (أي النظام الذي يربط العمال المهاجرين بصاحب عمل واحد طوال مدة إقامتهم في لبنان) جعلت مستوى الاضطهاد لا يطاق بالنسبة للكثيرات من العاملات المهاجرات، وقد حفّز ذلك عملية تعبئة أفضت إلى تشكيل نقابة حرة قد تكون الأولى من نوعها في لبنان والمنطقة، بالرغم من رفض الدولة، ممثلة بوزير العمل اليميني، الاعتراف بوجودها والتضييق عليها، وبل وتهديدها بالقمع، في مناسبات عديدة. لكن يبدو أن تأسيس هذه النقابة كان نتيجة لتقاطع عدد من العوامل، الطبقية والجندرية والعنصرية/القومية، مستفيدة من دعم منظمة العمل الدولية والمجموعات النسائية اللبنانية.

وقد شهدت السيرورة الثورية في المنطقة بروز أنماط جديدة من التنظيم النسوي، ركّزت «بشكل رئيسي على قضايا الجسد وحاجة المرأة إلى إعادة كتابة التاريخ، تاريخها هي، وشجعت المبادرات المتنوعة على إنشاء مجموعات جديدة، كمجموعة «انتفاضة المرأة في العالم العربي»، و«عشتار»، و«قوة ضد التحرش/الاعتداء الجنسي الجماعي» (أوبانتيش)» و«صوت النسوة» (المنشق عن «نسوية»)... وقد تميّز هذا النهج الجديد بمعارضته للمقاربات الشمولية، والرغبة في توثيق قصص النساء غير المرئية، وكتابتها من قبلهن... وإن بروز القضايا المتعلقة بالحقوق الجسدية وجد رمزه في أواخر العام ٢٠١١ في صورة ماجدة علياء المهدي، من مصر، العارية أمام الكاميرا، احتجاجاً على العنف الجنسي في بلدها. لكن الخطوة تعرّضت للكثير من النقد، من الليبراليين قبل الإسلاميين، فحرية الجسد ظهرت كقيمة مضافة إلى الصراعات التي تشهدها الثورة العربية.»45

٤) حركات الحقوق الجنسية: ثوريون وانفصاليون 

لم يكن فقدان الصلة بين التحركات العمالية والحركات الجنسية بالأمر المفاجئ. فحركات التحرر الجنسي الحالية (من حركات حقوق المرأة إلى المجموعات المثلية)، هي في الغالب منفصلة عن التحركات والنقابات العمالية، بل يتم وضعها بعضها بمواجهة بعض. فقد تم محو التراث الذي أرساه ماركس وإنجلز46، نتيجة للستالينية، بشكل جزئي. علاوة على ذلك، فإن حركات الحقوق الجنسية، التي ظهرت خاصة في أوروبا الغربية والولايات المتحدة خلال الستينيات، اعتمدت نوعاً من «سياسات الهوية»، فلم تنظر إلى التحرر الجنسي باعتباره صراعاً عاماً لتحرير الإنسان، كل إنسان، بل كحركة جماعات مضطهدة محددة، تقود معاركها بشكل منفصل وحصري.47

شكّل هذا قطيعة مع كيفية النظر إلى الرغبة المثلية من الناحية التاريخية، وكذلك مع نظرة الناس من خارج منظومة السيطرة الغربية، بعد الحرب العالمية الثانية. فقد وجد المؤرخون وعلماء الأنثروبولوجيا أن المفاهيم الحديثة حول الجنسانية، كالمثلية الجنسية (كهوية لا كفعل جنسي)، لا تنطبق على فترة كبيرة من التاريخ، بل هي مبنية على أسس تحديد الأدوار الاجتماعية في المجتمع الرأسمالي بناء على الخصائص البيولوجية والنفسية48. فالعلاقات الجنسية بين أشخاص من نفس الجنس كانت، ولفترة طويلة من الزمن، أمراً يقوم به الناس، لا شيئاً هم عليه، ولم يقتصر الموضوع على نسبة مئوية محددة من الناس، ذوي الميول الجنسية في اتجاه معيّن، بل كان ممارسة على نطاق واسع.

لعب تاريخ حركة المثليين في الولايات المتحدة، في أعقاب انتفاضة ستونوال في نيويورك عام ١٩٦٩، دوراً مهماً في تشكيل حركة الحقوق الجنسية حول العالم، وفي لبنان. فقد انضم الأشخاص الذين كانوا يمارسون الجنس غير المعياري/النمطي إلى العمال السود في جميع أنحاء الولايات المتحدة، وتأسست «جبهة تحرير المثليين» (منظمة ثورية أخذت اسمها من جبهة الجيش الفيتنامي الشمالي للتحرر الوطني التي كانت تقاتل ضد الولايات المتحدة)49، وقامت الجبهة بعدد من التدخلات بالمشاركة مع «الفهود السود». لكن الصعود المدويّ للسياسات الجنسية آنذاك أدّى إلى تشكيل عدّة فصائل: فهناك من اعتبر أن حركة السياسة الجنسية ستعجّل سقوط الرأسمالية، وهناك من نفى الحاجة للعمل السياسي لتحقيق التغيير الاجتماعي (وفضّل الاحتفاء بحياته الجنسية لا غير)، البعض الآخر أسس منظمات الخدمات الاجتماعية، وغيره فضّل تحقيق الأرباح التجارية من خلال الحانات والنوادي الليلية، وتحوّل جزء نحو السياسات الإصلاحية (الحملة المثلية للمساواة)، وانضم البعض إلى اليسار الثوري.50

أمّا في المملكة المتحدة، فقد نشأ اتجاهان ضمن الحركة المثلية، وكلاهما كان تراجعاً عن السياسات الثورية السابقة. بدأت العملية بانخراط النشطاء المثليين في الجبهة اليسارية لحزب العمال، لكنها ما لبثت أن فشلت بسبب انحراف الحزب ذاته إلى اليمين. المسار الثاني تبنّى «سياسات الهوية»، المعروفة أيضاً باسم «الأوتونومية (الحكم الذاتي)» أو «الانفصالية»، حيث انتهت الحركات إلى «الاستناد فقط إلى الهوية [و] الميل إلى التشقق والانقسام بكل سهولة.»51 تلك الاتجاهات جاءت نتيجة «الاعتقاد بأن تغيير العالم لن يقوم لا بالاحتجاج الجذري وليس من خلال الطبقة العاملة.»52 مثلاً، قام حزب العمال في بدايات الألفية الثالثة بدمج سياسات الأسرة والسياسات المناصرة للمثليين في حملة انتخابية واحدة حول «المساواة في الزواج»، فضلاً عن استيعاب منظمات المثليين والمثليات ومزدوجي ومزدوجات الجنس والمتحولين والمتحولات جنسياً (م.م.م.م.) من خلال اتفاقيات مالية ضخمة تدعمها الحكومة وتسهيل الاندماج في المجتمع للشرائح الأكثر ثراء من المثليين.53

لقد أثّرت سياسات الهوية سلباً في الحركات الثورية في جميع أنحاء العالم، فجاءت السياسة الانفصالية مترافقة مع عملية الاحتراف والمأسسة داخل الحركة. وقد ظهرت النزعة الانفصالية في تصوّر أن كفاح المظلومين/ات يختلف باختلاف المظلومية والهوية. وتم التقليل من أهمية المسألة الطبقية في النضال، حيث تتجنّب الجماعات الناشطة القيام بخطوات عملية لإبراز التناقضات الاجتماعية أو العرقية وأبعادها داخل المجتمع. وفي كثير من الحالات، كلّما اقتربت تلك الحركات من النصر، قامت العناصر الأكثر ثراء من داخلها بتجاوزها، والانقضاض على المكاسب واستيعابها ضمن الامتيازات الطبقية والذكورية.54 

٥) حركة المثليين والمثليات ومزدوجي/ات الجنس والمتحولين/ات جنسيا في لبنان

منذ بداية الحرب الامبريالية «على الإرهاب»، اشتمل النشاط السياسي اليساري المستقل في لبنان، ومن خلال عدة تشكيلات كالخط المباشر ونشرة «اليساري»، على نهج متميز في مقاربة الجنسانية. والحركة التي تبلورت ضد الحرب على العراق (لا للحرب- لا للديكتاتوريات) عام ٢٠٠٣، أمّنت مساحة عامة للنشاط المثلي المُعلَن، وضمّت ممثلين عن مجموعة حلم، التي أعلنت عن نفسها لأول مرة في التظاهرات المناهضة للحرب.

ومع ذلك، فقد خضعت الحركة حول القضايا الجنسانية إلى شلل متكرر، بسبب الانقسام السياسي/الإيديولوجي حول كونية الهويات الجنسية، وطبيعة الامتياز الذكوري/الغيري، من جهة، وكيفية بناء العضوية والتنظيم بناء على الموقف السياسي، لا الميول الجنسية فحسب، من جهة أخرى. وكانت حدّة الاستقطاب تزداد عند الأسئلة المفصلية، فأدّت إلى أزمتين (عامي ٢٠٠٦ و٢٠١١) صبغتا النضال حول القضية حتى يومنا هذا.

الأزمة الأولى، أثناء العدوان الصهيوني في ٢٠٠٦، تمحورت حول موقف العضوية اليسارية والراديكالية في حلم، بالإضافة إلى المجموعات النسوية المنشقة عن الجمعية، وهو الموقف الذي دعا إلى الانخراط الكامل في الصراع، من خلال العمل التضامني مع اللاجئين وحماية المقاومة عملياً وسياسياً. في المقابل، جاء الموقف الهوياتي الفئوي، الذي حدد «حقوق مثليي الجنس» كسقف للمشاركة.

في أحسن الأحوال، أدّى حصر حقوق المثليين في لبنان بمسار الإصلاح القانوني للمادة ٥٣٤ من قانون العقوبات اللبناني، التي تجرّم «المجامعة خلافاً للطبيعة»، إلى إخفاء آثار التمييز بجوانبه كافة، والنظر إلى الاضطهاد من وجهة نظر ضيقة إلى أقصى الحدود، بالرغم من أن تطبيق المادة لا يقتصر على لحظة المثول أمام القاضي، وأن استخدام المادة بشكل قمعي كان يأتي في أكثريته الساحقة قبل الوصول إلى المحكمة، وفي أغلب الأحيان من دون الوصول إليها. فهو يبدأ مع النائب العام الذي يقرر الادعاء على أشخاص يمارسون ممارسة «غير طبيعية»، برأيه، ويتم تنفيذه في المخافر وعلى يد شرطة الآداب وقوى أمنية أخرى (والجيش أحياناً) بشكل عشوائي.

ثانياً، وبالرغم من أهمية استكمال مقاربة المادة الإشكالية، يبدو أن تطبيق المادة ٥٣٤ في المحاكم مبني على اعتبارات طبقية سياسية، كما أشارت دراسة55 لجمعية حلم في ٢٠١٠، وأنها ليست سوى واحدة من منظومة متكاملة من القوانين والإجراءات الساعية لتقنين الجنس والهويات الاجتماعية، وتطهير أحياء مدينية معينة من الأشكال والممارسات غير المرغوبة أو اللانمطية56، الذي يظهر جلياً في المداهمات التي تجري على أماكن معيّنة لتلاقي المثليين، تكاد تكون محصورة بالمناطق الأكثر حرماناً، أو كجزء من تطهير منطقة معينة لصالح برجوازية جديدة اجتاحتها.

لكن تغييب الوعي النقدي، في جزء مؤثّر من الحركة، لقضية الاضطهاد وترابطها بالنظم البطريركية والرأسمالية، ومحاولة عزل المادة  ٥٣٤ (وغيرها من المواد في قوانين دول المنطقة) عن السياق الكامل لسيطرة الدولة على الجسد والجنس، بالإضافة إلى نشوء شريحة من الرجال من الطبقة الوسطى المستفيدين من الوضع القانوني المعلّق وخارج الإطار الجندري/الطبقي لقمع الدولة، كل ذلك أدّى إلى مواجهة جديدة في العام ٢٠١٠، أثناء انعقاد مؤتمر الجمعية العالمية للسياحة المثلية (برعاية ضمنية من وزارتي السياحة والخارجية) في بيروت، هذه الجمعية التي تتعاون مع الاحتلال الإسرائيلي، وأثناء الخوض في مسألة المجتمع الاستهلاكي ودور المؤسسات التجارية المثلية في الاستغلال الطبقي.57

مشاركة اليسار الثوري داخل حلم في حملة إسقاط النظام الطائفي، في العام التالي، أفضت إلى عدد من الحملات المناهضة لليسار داخل حركة المثليين، تقاطعت مع وصول أول امرأة إلى رئاسة الجمعية، تنتمي إلى اليسار الثوري وببرنامج ذي أبعاد طبقية ونسوية واضحة، انتقد التوجهات التي تسعى «إلى تقبّل النظام لا محاربته (والاستسلام) للسوق بدلاً من مقاومته»، وأكّد على أن «العوامل الطبقية والجندرية هي بالتحديد ما يعطي الامتيازات لفئة معيّنة بأن تكون ظاهرة ومعبّرة بوضوح عن ميولها الجنسية»، وعلى ضرورة بناء «حركة تنبثق من مصالح مثليي/ات الطبقة العاملة وتمثّلهم/هن. حركة تحمل شعارات تغييرية جذرية، تثور على هذا النظام، الاقتصادي خصوصاً، الذي يهمّش أغلبها ويضعها في مواجهة أنواع مختلفة من التمييز. حركة رافضة لثقافة الاستهلاك التي تقوم على مبدأ الاستغلال، حركة تضمن تغييراً حقيقياً في المجتمع كله. فلنبدأ بإسقاط النظام الطائفي!»58 

هذا الموقف ظهر كتهديدٍ مباشر لشريحة من المثليين (والمثليات) من الطبقة الوسطى، ذُعرت، في حال الانخراط في سياق ثوري بمواجهة النظام البطريركي والرأسمالي، من إمكانية خسارة بعض الامتيازات الطبقية التي تسمح لهم/ن بمساحة من الحريات، في أماكن خاصّة ومحصورة إلى حد بعيد في أغلى أحياء بيروت، وغير متاحة للأغلبية الساحقة من المثليين والمثليات من ذوي الدخل المحدود.

أدّت هذه الانقسامات السياسية إلى بداية انشقاق حلم في ٢٠١١، بعد محاولة جزء من قيادة الجمعية «ضبضبة» قضية تحرّش جنسي، واشتباكه مع التيار النسوي/اليساري داخل حلم ومحاربته له، بالإضافة إلى تصاعد الميول المؤيدة للإمبريالية داخل المنظّمة، والضغط العام من المجتمع المدني لقبول التمويل غير المشروط من السفارات ومنظمات التمويل المرتبطة بالخارجية الأميركية، وهو ما عكس رغبة في تبنّي النهج الإصلاحي الاندماجي لمنظمات المثليين الغربية، هذا فضلاً عن تبنّي الاستراتيجيات «غير المسيسة». وقد أدّى هذا الخلاف إلى انسحاب اليسار الثوري من المنظمة نهائياً، عام ٢٠١٢.

منذ ذلك الوقت، انتقل النشاط المثلي نحو الشلل ونموذج المنظمات غير الحكومية، فضلاً عن قطيعته مع المشاركة السياسية وانضوائه تحت لواء حركة المثليين الاستهلاكية، خاصة في الولايات المتحدة، أو، في أفضل الأحوال، التحوّل إلى العمل الأكاديمي والبحثي اللاعضوي والنخبوي. ومن الأمثلةعلى ذلك، كان التدرج البطيء، خلال ١٠ سنوات، من التنظيم القاعدي القائم على القضايا الاجتماعية إلى جمعيات مهنية تقوم بتوفير الخدمات والتركيز على إصلاحات قانونية شكلية، بما يتوافق مع أجندة المانحين، وبما لا يخالف المنظومة الرأسمالية/البطريركية السائدة. وهكذا، تشظّت الحركة حول جمعية «حلم» (ومثلها «نسوية»، لأسباب مشابهة بعض الشيء) إلى عدد من الجمعيات الخدماتية المدفوعة بأطر التمويل الدولية.

الأجندة المثلية اليمينية تلك تبلورت من خلال التقاطع المنهجي مع المنظمات الأميركية والتجارب المدنية في الدول المتقدمة رأسمالياً، وأدّت إلى تبنّي الخطاب المهني البرجوازي، «الشريك» مع الدولة.  هذه العلاقات، ذات الأبعاد السياسية الواضحة، تتقاطع مع الحاجة لتقديم الخدمات الضرورية على الأرض، من الصحية إلى الاجتماعية والقانونية، في ظل غياب الدولة اللبنانية وتجاهلها لهذه الأمور من ناحية، أو ارتكابها للانتهاكات بحق الحقوق والحريات الجنسية والجسدية لشعبها.

ترافق كل ذلك مع التحول إلى مراكز لتقديم الخدمات الاجتماعية والصحية والقانونية، المتخصصة، والابتعاد عن التسييس حول القضايا التحررية، والقطيعة الكاملة مع النسوية واليسار الثوري. لكن توضيح العلاقة بين الجمعيات التي نشأت على أنقاض الحركة، من جهة، والسياسات الخارجية للدول الامبريالية، من جهة أخرى، يجب ألا يكون بهدف الاتهام المجاني بالعمالة أو الخيانة. فهو مرتبط بالسياق الديبلوماسي للتمويل، خاصة بالعلاقة مع مؤسسات طليعية، من وجهة نظر المجتمع الدولي، ولا ينفصل عن المسار الرسمي للحكومة اللبنانية، في التعامل مع القضايا الاجتماعية والقانونية المتعلّقة بحقوق المثليين، كشريك أساسي في البرامج التي تموّلها الخارجية الأميركية. والخطر الحقيقي لهذا التحول، إنما يكمن في فرضه لنموذج استهلاكي نيوليبرالي، وسحب إمكانية الفعل الذاتي للمضطهدين بسبب ميولهم الجنسية، أو هويتهم الجندرية، وتحويلهم إلى متلقّين للخدمات، مقابل تراجع التعبئة ضد النظام الرأسمالي البطريركي.

ومع ذلك، فإن التنظيم المثلي لم يكن بمجمله غير مسيس، في ضوء الحرب على الإرهاب، التي تبرر تدخلها الامبريالي العسكري والسياسي، على نحو متزايد، من خلال الإشارة إلى «همجية» الأنظمة العربية تجاه المرأة والمثليين والمثليات. فالقوى الامبريالية الغربية تقدّم نفسها كمخلص لهذه الشرائح التي تعاني من آثار رهاب المثلية والبطريركية، وهذا يجري بالتواطؤ مع الكثير من المنظمات غير الحكومية الدولية والإقليمية والمحلية، التي تتبنى ذلك الخطاب وتروّج له. وإبّان اندلاع الثورات في المنطقة في ٢٠١١، أبدت معظم منظمات الـم.م.م.م. التي تعمل ضمن سياق المجتمع المدني الرسمي، والكثير من المنظمات النسوية، نفورها من السيرورة الثورية، وفضلّت الاستمرار بطلب الحماية، إما من القوى الامبريالية أو من الأنظمة الحاكمة. و قد حصل أمر مشابه أثناء التسويق لحملة «أنقذوا المثليين»، التي تلت الاجتياح الأميركي للعراق، ووصلت إلى ذروتها أثناء الثورة السورية.

وبالرغم من ادّعاء تلك المنظمات أنها تتجنب السياسة، كانت تبدي معاداتها للثورات، أو تركّز على خطر الإسلاميين، من دون الديكتاتوريات العسكرية (كما في مصر)، وفضّلت، في سوريا، الوقوف إلى جانب الممانعة، ومهاجمة العملية الثورية ونعتها بـ«الإسلامية»، أو «المناهضة لمثليي الجنس». فخلال مقابلة أجريت عام ٢٠١٣، عبّر بيرتو ماكسو، رئيس منظمة «براود ليبانون»، وممثّل الجمعية الدولية للسياحة المثلية، عن دعمه لبشار الأسد، آملاً في «أن يتمكن بشار من الانتصار على الاسلاميين في سوريا والبقاء في السلطة.»

خاتمة

يربط إنجلز في كتابه «أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة» التحوّل الجذري في شكل العائلة، من المجتمع ما قبل الزراعي إلى الرأسمالية، ربطاً تاماً بنشوء الطبقات. فحاجة النظام الرأسمالي للعائلة النووية القائمة على ثنائية المذكر/المؤنث ترتبط بنشوء القدرة على انتاج القيمة المضافة، وتقسيم العمل الناتج منه، وفصل المجالين العام والخاص، ما أدّى إلى حاجة للسيطرة على النساء وفرض الزواج الأحادي لحماية الملكية الخاصة. الكثير من النسويات انتقدن هذا التفسير على أنه يضع قضايا المرأة كمسألة ثانوية بالنسبة للصراع الطبقي: فإذا كان قمع النساء والحريات الجنسية بدأ مع نشوء الطبقات، يكفي التركيز على الصراع الطبقي لإلغاء الرأسمالية كي يتحرر المجتمع ككل، وتتحرر النساء ضمنه تلقائياً. كما أن هذا التفسير يضع تنظيم النساء لأنفسهن في إطار خلق انشقاق في صفوف الطبقة العاملة. من هنا تتوضح إشكاليات ربط النسوية بالاشتراكية. فمن جهة، تعطي الأخيرة الأولوية للصراع الطبقي، بينما الحركات النسوية، من جهة أخرى، تفصل بشكل تام قضايا النساء عن النظام الرأسمالي والعلاقات الاستغلالية التي يخلقها.

في سبعينيات القرن الماضي، بدأت تجربة لمصالحة هذين الموقفين، عبر خلق نظرية «النظم المزدوجة»، التي تحاول أن تبني على الاشتراكية والنسوية معاً، لفهم هيكلين أو نظامين مستقلين يتداخلان بعضهما مع بعض، في عدد من الأماكن، ألا وهما الرأسمالية والبطريركية. وفي الثمانينيات، بدأ نقاش جديد قائم على ما سبقه بطرح تساؤلات حول علاقة الرأسمالية بالبطريركية، وتحديدهما كنظامين مستقلين. فهل هناك هياكل بطريركية مستقلة فعلاً عن الرأسمالية، أم هناك هياكل رأسمالية تعزز البطريركية؟ بناءً على ذلك، نشأت نظرية التقاطع التي ترصد دينامية العلاقة بين الجندر والطبقة والعرق، وهي نظرة للنظام على أنه قائم على أسس استغلال متعددة الأوجه تتفاعل بعضها مع بعض، بشكل دائم.

لكن هذه النظرية تبقى مرتكزة على سياسة الهوية، التي هي وليدة النظام الرأسمالي، فيتم استعمالها بطريقة ليبرالية كأداة لمكاسب حقوقية، وللضغط على النظام الرأسمالي للاعتراف بالشرائح الاجتماعية المختلفة. فربط سياسات الهوية بنظرية التقاطع  يحدّ من إمكانية استخدام هذه النظرية كأداة لفهم تنوع وجوه الاستغلال، تحت النظام الرأسمالي، والعمل على تفكيك هذه الفئات كهوية، ويختزلها كمجرد أداة لتعريف الهوية الشخصية، بحسب الموقع التقاطعي للطبقات والجندر والعرق. 

لذا، على الحزب الاشتراكي الثوري تبنّي مشروع التحرر الكامل وغير المشروط للنساء، والتحرر الجنسي للطبقة العاملة، وذلك خلال النضال من أجل الإلغاء الشامل لكل القوانين والسياسات التي تتعدّى على الحريات الجنسية، وعلى سبيل المثال لا الحصر، كل ما يتعلّق بتنظيم الدولة لمسألة العذرية والزواج والعلاقات الجنسية الرضائية والإجهاض وتجريم «اللواط» و«الزنا» وإباحة الاغتصاب والتحرش الجنسي وسوء المعاملة. لذلك، على الحزب الاشتراكي الثوري أن يقف إلى جانب حركات الحقوق الجنسية، مقدِّماً التضامن والدعم النقدي ولكن غير المشروط، والاستمرار في دعم جميع الحركات التي تناضل من أجل الحرية والعدالة، ومن ضمنها الحريات الجنسية، وضد كل أشكال الاستغلال والاضطهاد.

وحيث تكون بعض مواقف حركة الحقوق الجنسية داعِمة للرأسمالية، والامبريالية، علينا أن نعارض هذه الاستراتيجيات لصالح اتجاهات سياسية ثورية داخل الحركة. كما نرفض، بطبيعة الحال، أي شكل من أشكال رهاب المثلية أو مناهضة النسوية أو أي خطاب، ديني أو علماني، يميني أو يساري، يسعى إلى تصوير الحريات الجنسية على أنها «مستوردة من الغرب»، أو غير أخلاقية. في المقابل، علينا رفض التطبيع مع الاحتلال الصهيوني ومعارضة محاولات «الغسيل الزهري» أو تبييض صورة الاحتلال، عن طريق الترويج لـ«الأجندة المثلية» للدولة الصهيونية. كما أننا نرفض التكتيكات الانفصالية التي تعتقد أن النضالات الجنسية والعرقية والطبقية لا تتقاطع مع نضال الطبقة العاملة، ولا تترابط معه.

في لبنان، أثبتت الحركات الانفصالية الهوياتية، مراراً وتكراراً، محدودية عملها الخدماتي الريعي وموقفها الفوقي من الطبقة العاملة. وفي ظل انهيار الأشكال التقليدية للتنظيم، هناك حاجة ماسّة لتظهير سياسة جندرية وثورية، لا تخجل من أسئلة الجسد والجنس والدور الاجتماعي وعدم الانضباط بالمعايير النمطية، وقادرة على التصدّي، وجهاً لوجه، لمفاهيم الدولة-الأمة والإمبريالية والرأسمالية والتسليع المتواصل والعسكرة وتحوّل الحركات الاجتماعية إلى نمط المنظمات غير الحكومية، وتعمل من أجل تحقيق الحرية الجنسية لجميع العمال والعاملات، بغضّ النظر عن الجنسية أو الطبقة أو النوع الاجتماعي أو العرق أو الطائفة. فالحريات الجنسية والحماية من الاستغلال والقمع وسوء المعاملة، لا يمكن تحقيقها عبر الدولة البطريركية والذكورية القائمة، أو بواسطة الطبقة الحاكمة وأحزابها السياسية، إنما عبر التحويل الثوري للنظام الاجتماعي.

الهوامش:

‎1- وثيقة قدّمت إلى المؤتمر الاستثنائي للمنتدى الاشتراكي في 27 حزيران 2015.
‎2- يشمل هذا المصطلح الأشخاص الذين واللواتي يملكون/ن، اختيارياً أو لا اختيارياً، تصرفات جنسية أو سلوكيات أو وجوداً اجتماعياً من خارج البنية الجنسية الثنائية للمجتمع، وفي تضاد معها، أي خانات «الرجل» و«المرأة» الإقصائية والتوقعات المرتبطة بالذكورة والأنوثة التي تفرض انضباطاً بما يسمى «النمط الغيري» heteronormativity.
‎3- سكوت لونغ، «قمع جندري وحشي في مصر: الغد الذي لم يأت»، مدونة بايبر بيرد، 18 أيار/مايو 2015،
http://paper-bird.net/2014/05/18/brutal-gender-crackdown-in-egypt-the-to....
‎4- رزان غزّاوي، “خيوط حركات التحرر الجنسي في المجتمعات العربية”، مداخلة في ندوة من تنظيم تحالف الحقوق الجنسية والجسدية ومنظمة القوس في المنتدى الاجتماعي العالمي، تونس، 2012.
‎5- أنظر/ي مثلاً، هبة عباني، "أفكار حول اليسار والموقف من المرأة"، مجلة المنتدى الاشتراكي، العدد الأول، ربيع 2012،
http://socialist-forum.org/sfmagazine/?q=node/6
‎6- أنظر/ي مثلاً، أكرم فؤاد خاطر، اختراع الوطن: الهجرة، النوع الاجتماعي، والطبقة الوسطى في لبنان ١٨٧٠-١٩٢٠، مطبعة جامعة كاليفورنيا، 2001.
‎7- مارثا خيمينيز، «الرأسمالية واضطهاد النساء: عودة إلى ماركس»، مجلة ساينس آند سوسييتي، ٢٠٠٥، ص. ١١-٣٢.
‎8- المصدر أعلاه.
‎9- المصدر أعلاه.
‎10- وندي براون، «البحث عن الرجل في الدولة»، مجلة الدراسات النسوية، ١٩٩٢، ص. ٧-٣٤.
‎11- جوان ناغل، «الرجولة والقومية: النوع الاجتماعي والجنسانية في صناعة الأمم»، مجلة الدراسات الإثنية والعرقية، المجلد ٢١، العدد ٢، ١٩٩٨، ص. ٢٤٢-٢٦٩.
‎12- براون، ١٩٩٢، مصدر سابق.
‎13- كولن ويلسن، «الجنسانية والرأسمالية: المقاومة الإيطالية»، مجلة إنترناشيونال فيوبوينت، ٣/١٢/٢٠١٤.
‎14- المصدر أعلاه.
‎15- نورا كارلين، «جدور اضطهاد المثليين»، مجلة الاشتراكية العالمية، العدد ٤٢، ربيع ١٩٨٩، ص. ٨٤.
‎16- كولن ويلسن، «سياسات الم.م.م.م. والتحرر الجنسي»، مجلة الاشتراكية العالمية، ٩/٤/٢٠٠٧،
http://isj.org.uk/lgbt-politics-and-sexual-liberation/#114wilson.
‎17- ويلسن، ٢٠٠٧، المصدر أعلاه.
‎18- ويلسن، ٢٠١٤، المصدر أعلاه.
‎19- للمزيد حول الموضوع: Sandra Bloodworth. Marx and Engels on women's and sexual oppression and their legacy. Marxist Left Review, Issue 1, Spring 2010. http://www.marxistleftreview.org/index.php/spring-2010/76-marx-and-engel...
‎20- ويلسن، ٢٠١٤، المصدر أعلاه.
‎21- جون لوريستن ودايفيد ثورستاد، بدايات حركة تحرر المثليين ١٨٦٤-١٩٣٥، كاليفورنيا، ١٩٩٥؛ مذكور في ويلسن، ٢٠٠٧، المصدر أعلاه.
‎22- كما يقول جلبير الأشقر، «الستالينية، حسب فهمنا لها، لا علاقة لها بالموقف من شخصية ستالين، بل هي النظام البيروقراطي الذي ساد في الاتحاد السوفياتي وفي الأممية الثالثة منذ منتصف العشرينات، ولا يزال سائدا في جوهره بالرغم من التعديلات التي دخلت عليه،»
http://al-manshour.org/node/6549
‎23- كاثي بورتور. الكسندرا كولونتاي: سيرة ذاتية. لندن: فيراغو (Virago)، 1980.
‎24- للاطلاع على نقد كولونتاي بشكل متكامل؛ ب. ب. فارنسوورث، البلشفيه وقضية المرأة وألكساندرا كولونتاي، ١٩٧٦، مجلة ذي أمريكان هيستوريكال ريفيو، ص. ٢٩٢-٣١٦.
‎25- دينا مكرم عبيد، «الرجولة والوقت المناسب للسياسة» (بالانكليزية)، مدى مصر، 8/3/2015،
http://www.madamasr.com/opinion/politics/talking-back-masculinity-and-ri...
‎26- هبة عباني، «أفكار حول اليسار والموقف من المرأة»، مجلة المنتدى الاشتراكي عدد الأول، بيروت، ربيع 2012
http://socialist-forum.org/sfmagazine/?q=node/6
‎27- أيمن وهبة، «بنات الفلاحين، عاملات المصانع»، المنشور، العدد ١١، ٢٠٠٨، متوفر على الحوار المتمدّن:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=126605
‎:ومتوفر ضمن العدد نفسه المنشور على موقع: scribd
https://goo.gl/5mVUhm
‎28- وليد ضو، المرأة العاملة (في لبنان)، بين المشاركة والتمييز ضدها، الثورة الدائمة، العدد الرابع، ٢٠١٤:
http://permanentrevolution-journal.org/ar/node/65.
‎29- وهبة، ٢٠٠٨، المصدر أعلاه.
‎30- وليد ضو، ٢٠١٤، المصدر أعلاه.
‎31- وهبة، ٢٠٠٨، المصدر أعلاه، عن أكرم فؤاد خاطر، ٢٠٠١، مصدر سابق.
‎32- روى سلامة، «السياسات الجندرية في لبنان وحدود الإصلاح القانوني» (بالإنجليزية)، مجلة المجتمع المدني، دعم لبنان، بيروت، ٢٠١٥:
http://cskc.daleel-madani.org/paper/gender-politics-lebanon-and-limits-l....
‎33- برناديت ضو، «النسوية في لبنان: موقعها بمواجهة البطريركية وتجددها خلال «الربيع العربي»» (بالإنجليزية)، دعم لبنان، مجلة المجتمع المدني، العدد ١، ٢٠١٥.
‎34- برناديت ضو، ٢٠١٥، المصدر أعلاه.
‎35- أنطوني رزق وغسان مكارم، «»الرجولة في خطر»: منظمات الحقوق الجنسية والدولة الرجولية في لبنان»، دعم لبنان، مجلة المجتمع المدني، العدد ١، ٢٠١٥
http://cskc.daleel-madani.org/node/30206.
‎36- سلامة ٢٠١٥، المصدر أعلاه.
‎37- سلامة ٢٠١٥، المصدر أعلاه.
‎38- باسم شيت، «في ذكرى حرب تموز: نصر للإنسان وليس انتصاراً إلهياً»، المنشور، 12/7/2013
http://al-manshour.org/node/4244
‎39- لميا مغنية، «الأشكال المحلية للإغاثة خلال حرب تموز 2006 والتدخلات الإنسانية الدولية: أثرها على جهوزية الجماعات للحرب والصراعات»، مركز معلومات المجتمع المدني، ليبانون سابورت، 5/6/2015
http://cskc.daleel-madani.org/paper/local-forms-relief-during-july-war-2...
‎40- سلامة ٢٠١٥، المصدر أعلاه.
‎41- هبة عباني، «ليس بالنسوية وحدها تنجو النساء»، الحوار المتمدن، ٨/٣/٢٠١٣،
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=348828
‎42- سلامة، ٢٠١٤، مصدر سابق.
‎43- سلامة، المصدر أعلاه.
‎44- سلامة، المصدر أعلاه.
‎45- برناديت ضو، ٢٠١٥، مصدر سابق.
‎46- فريدريك انجلز، أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة، ترجمة الياس شاهين، ١٨٨٤:
‎باللغة العربية: https://goo.gl/GZrB38
‎47- ويلسن، ٢٠١٤، مصدر سابق.
‎48- جيفري ويكس، اخراع الجنسانية، ١٩٨٩.
‎49- ويلسن، ٢٠٠٧، مصدر سابق.
‎50- ويلسن، المصدر أعلاه.
‎51- ويلسن، المصدر أعلاه.
‎52- ويلسن، المصدر أعلاه.
‎53- أنظر مثلا، بيتر دركر، «التطبيع المثلي والتحوّل الشاذ»، زابرودر وورلد، حزيران ٢٠١٥،
http://zapruderworld.org/content/peter-drucker-gay-normality-and-queer-t....
‎54- غسان مكارم، «اللوطي الصالح: الامتيازات الذكورية كبديل من التحرر الجنسي»، ٢١/٩/٢٠١٢،
https://nfasharte.wordpress.com/2012/09/21/good-faggots-and-male-privilege
‎55- نزار صاغية، «أقواس القزح أمام أقواس المحاكم: المثليون في قانون العقوبات»، في، نزار صاغية ووحيد الفرشيشي، العلاقات المثلية في قوانين العقوبات، جمعية حلم، ٢٠١٠:
http://helem.net/sites/default/files/HomosexualityPenalCode(ArabCountries-Lebanon-Tunisia)_ARABIC_2009.pdf.
‎56- أنظر/ي مثلاً مايا مكداشي، «الذعر الأخلاقي، الذعر الجنسي، وإنتاج الأمة اللبنانية»، جدلية، ٢٢/٣/٢٠١٤،
http://www.jadaliyya.com/pages/index/16570/moral-panics-sex-panics-and-t...؛ أحمد صالح وأدريانا قبيعة، «تجربة النساء الترانس مع الاعتقال والاحتجاز في بيروت: دراسة ميدانية»، دعم لبنان، مجلة المجتمع المدني، العدد ١، ٢٠١٥، http://cskc.daleel-madani.org/paper/transwomen%E2%80%99s-navigation-arre...؛ رزق ومكارم، ٢٠١٥، مصدر سابق؛ سارة ونسا، «الرواية غير الرسمية لمداهمة حمام الآغا: التعذيب في كل محطة»، المفكرة القانونية،١٢/١١/٢٠١٤: http://www.legal-agenda.com/article.php?id=902&folder=articles&lang=ar.
‎57- خطاب أنطوني رزق، ممثل جمعية حلم، في اجتماع المنظمة الدولية للسياحة المثلية، ٢٠١٠؛ عباني،٢٠١٠، مذكور سابقاً.
‎58- عباني، ٢٠١٠، المصدر أعلاه.