عمال دون نقابات، ونقابات من دون عمال

العدد السادس - كانون الثاني ٢٠١٦
الدولة: 
لبنان
الملف: 
الحركة العمالية
تاريخ النشر: 
كانون الثاني (يناير), 2016

بضع سنوات مرت على حديث أجريته مع مناضل يساري، ممن لعبوا في الماضي دورا تحريضيا وتنظيميا خلال إضراب عمال مصنع «غندور» الشهير في بداية السبعينيات. قال لي: «لم يعد هنالك اليوم من طبقة عاملة في لبنان». مصنع «غندور» حينها كان يوظف حوالي الـ1300 عامل وعاملة ولا زال حتى اليوم راسخاً في الذاكرة الجماعية لليسار، كموقع رائد للنشاط العمالي قبل الحرب الأهلية اللبنانية، بعد اضراب انتهى باستشهاد العاملين فاطمة الخواجة ويوسف العطار، مطالبين بزيادة الأجور والمساواة في الأجر بين العاملات والعمال، والاعتراف بلجنة المصنع النقابية وفي الحق بالتنظيم النقابي.  في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، تحوَّل المصنع إلى مصنعين على إثر خلاف بين الورثة، أحدهما يوظف 80 عاملا بين أجنبي ولبناني على أساس عقود عمل مؤقتة، ويوظف الآخر حوالي الـ300 عامل. التحول الذي شهده مصنع «غندور» هو مثال صغير يحاكي التغيرات التي شهدتها الطبقة العاملة، وعلاقات العمل وظروفه، في لبنان، ما دفع بالبعض للاعتقاد بـ«موت» الطبقة العاملة. 

أسطورة «موت» الطبقة العاملة مقبولة بشكل عام في المجتمع اللبناني، ويتم الترويج لها من النخبة، ضمن اليسار واليمين. أسطورة تقول بأن الناس الذين يتشاركون العيش في هذه البقعة الجغرافية يشكلون مجموعات طائفية، حصراً، لا طبقات اجتماعية. أقول بأنها أسطورة وأعتقد بأن لهذا «القول» وظيفة سياسية أساسية تهدف إلى محاولة إخفاء التناقضات والفوارق الاجتماعية، أو كما يقول فواز طرابلسي: «إن إنكار وجود الطبقات أمر لا يفاجئ. لكل نظام اجتماعي منطقه الخاص في إخفاء أشكال التمييز واللامساواة والاستغلال بين أعضائه». (طرابلسي، 2014:7). هكذا إذاً، يعمل الخطاب الطائفي على إخفاء صراع طبقي في أساسه. إلا أن قاعدة الطبقة العاملة لم تعد تتشكل حصراً من العمالة الصناعية والنظامية التي يعبر عنها نموذج مصنع «غندور». 

لذا، في مقابل أسطورة «موت» الطبقة العاملة، أرى ضرورة للتأسيس لنظرية وممارسة سياسية حول الطبقات الاجتماعية لا تنظر حصراً الى الطبقة العاملة الصناعية، باعتبارها الممثل الأوحد للطبقة العاملة، هذه الطبقة التي لا تزال حتى اليوم محط نوستالجيا يسارية. بل أنظر للطبقة كعلاقة اجتماعية دينامية خاضعة للتغيرات المستمرة في علاقات الانتاج في ظل الليبرالية الجديدة. واقع الأمر أن الليبرالية الجديدة، منذ السبعينيات، أعادت تشكيل الطبقة العاملة، وأحدثت تغيرات عميقة على مستوى علاقات الإنتاج وممارسات العمل. هذا التحول شكل ضغطاً كبيرا على الطبقة العاملة، وحدّ من قوة تأثيرها السياسية. فتجزئة عملية الانتاج، وسياسات سوق العمل المرنة، حلت مكان تركّز العمالة التي تحولت إلى عمالة مشرذمة، وغير نظامية، مهاجرة ونسائية بشكل متزايد. كما أن فئات عمالية تمتعت سابقاً ببعض من الاستقرار، وجدت نفسها في ظروف شديدة الهشاشة. فعلى سبيل المثال أكثر من تسعين في المئة من الشركات في لبنان توظف أقل من عشرة عمال. والقطاع غير النظامي يحتوي على خمسين بالمئة من العمالة. كما أن العمال المهاجرين يشكلون حوالى العشرين بالمئة من القوة العاملة في لبنان. في ظل هذا الواقع، تواجه التنظيمات النقابية القائمة، بحسب النموذج الفوردي (fordist)، تحديات كثيرة. فالظروف الحالية للطبقة العاملة تتطلب وسائل جديدة للتنظيم، ووسائل جديدة لنسج التحالفات، تعيد للعمال قوتهم السياسية، ووضع استراتيجيات مبتكرة للمقاومة. هذه التحالفات يجب أن تكون عابرة للتقسيمات المهنية، الوطنية، والعرقية والجندرية، التي تضعها وتشجع عليها الطبقات الحاكمة. 

ففي الوقت الذي لا يزال الخطاب السائد للقيادات النقابية قائماً على الهوية الوطنية، أصبحت مجتمعاتنا معولمة بشكل كبير. مع ذلك، إن النقابات العمالية في لبنان لا تزال قائمة على نموذج للعامل المثالي، وهو الرجل النظامي المعيل لأسرته. كما أنها تعيد انتاج خطاب وسياسة قائمَين على النزعة الوطنية، وتروِّج لهما. وهي تتجاهل في هذه السياسة، لا بل تعادي من خلالها، العمالة المهاجرة والعمالة غير النظامية، على اعتبار أنهما المسؤولان عن تدهور وضع العمالة النظامية والوطنية. في هذا الإطار، تصبح العمالة المهاجرة وغير النظامية كبش فداء الأزمات الاقتصادية، وتوابعها من بطالة وندرة في الوظائف. هكذا، فإن أغلب العمال والعاملات اليوم هم/ن خارج الأطر التنظيمية للنقابات العمالية، ففي لبنان لا تتخطى هذه النسبة في أكثر التقديرات تفاؤلاً الـ7‭%‬. لذا، ففي لبنان، وفي أماكن أخرى من العالم، في ظل الليبرالية الجديدة، يمكن توصيف الحالة في جملة واحدة: هنالك عمال من دون نقابات، ونقابات من دون عمال. 

النيوليبرالية والعمالة الهشة 

إن الإيديولوجيا المؤسسة للدولة اللبنانية، التي لا تزال قائمة حتى هذا اليوم، هي أنه لكي يكون هناك بلد، نحتاج الى القليل من الدولة لضمان وجود الطوائف كوسيط مع المواطنين، مع قدر كبير من سياسة تحرير الاقتصاد. أما الدستور اللبناني، الذي  اعتمد عام 1926، فهو واحد من الدساتير النادرة التي تحدد النظام الاقتصادي للبلد. وهو ينص على أن «النظام الاقتصادي حر ويكفل المبادرة الفردية وحق الملكية الخاصة» (المادة 6). هذا لا يعني أن الدولة لا تتدخل في الاقتصاد. بل على العكس، فـ«هذا التدخل لاعادة التوزيع الاجتماعي للثروة، لا يأتي من الطبقات الاجتماعية العليا، لصالح من هم بالأسفل، ولكن لصالح الطبقات الاجتماعية العليا»، كما يقول فواز طرابلسي، في محاضرة له. وهو يضيف: 

«الأمثلة على ذلك عديدة: النظام الضريبي يحابي الأغنياء، والإعانات التي تقدمها الحكومة اللبنانية للقطاع الخاص بما في ذلك المدارس الخاصة والمستشفيات؛ ناهيك عن حقيقة أن بنية الاقتصاد اللبناني تفضل، أولاً، القطاع المصرفي. ثانياً، القطاع العقاري، والثالث تجارة الاستيراد؛ ما أعنيه هو أنه، في لبنان وأماكن أخرى تحت النيوليبرالية، وضد الاعتقاد الشائع، تتدخل الدولة  كثيراً في الاقتصاد، ولكن في مصلحة الأثرياء. الخصوصية تكمن بأن الدولة اللبنانية كانت منذ نشأتها دولة ذات اقتصاد ليبرالي. وما حدث هو أننا انتقلنا من الليبرالية في فترة ما قبل الحرب، إلى الليبرالية الجديدة في الفترة التي تلتها» (طرابلسي، محاضرة، 2015).  

بعد الحرب الأهلية 1990، شهد الاقتصاد اللبناني إمعاناً في التوجه النيوليبرالي، الى جانب رفع القيود عن العمل (بيكار، 2013). تطلب هذا النموذج الاقتصادي الريعي قوى عاملة أجنبية منخفضة الأجر لا تشكل عبئاً على الرأسمال. في نفس الوقت، قام، منذ ما قبل الحرب الأهلية، بتشجيع القوى العاملة اللبنانية على الهجرة إلى دول الخليج المجاورة، التي تشهد طفرة في أسعار النفط، لضمان استمرار تدفق التحويلات المالية. وقد سلط بول طبر (2010) الضوء على الطرق التي أصبحت الأسر في لبنان تعتمد فيها إلى حد كبير على التحويلات المالية، التي تشكل 88 في المئة من مدخرات الأسر، و 22 في المائة من دخل الأسرة. ويقول ان هذه التحويلات هي ما يجعل المجتمع  قادراً على تحمل نقص الخدمات الاجتماعية والرعاية المناسبة (طبر، 2010: 17). وفي حين توسعت قطاعات الخدمات، فإن حصة الزراعة والصناعة تقلصت في الاقتصاد. يقول طبر إن الطبقة المهيمنة اقتصادياً في لبنان «رفضت تطوير القطاعات الزراعية والصناعية لديها. بدلاً من ذلك، ركزت على القطاع العقاري، وعلى التجارة والسياحة، والخدمات المصرفية والمالية. هذا الاتجاه تم تعزيزه منذ عام 1990، نتيجة لالتزام الحكومات المتعاقبة بالسياسات الاقتصادية النيوليبرالية، ما أدى الى سوق عمل محدود متميز بتدني الأجور» (2010:6). وبالتوازي مع ذلك، فقد استمر الاقتصاد غير النظامي ينمو باستمرار، وقد قدره صندوق النقد الدولي بما يعادل 30 في المئة من الناتج المحلي الأجمالي، عام 2011. وبالفعل، إن التشوهات الهيكلية في الاقتصاد بدأت بعد الحرب الأهلية مع انتشار الشركات المتوسطة والصغيرة. ووجدت دراسة أجريت في عام 2003 أن 97 في المائة من هذه الشركات توظف أقل من عشرة عمال، و46.8 في المئة توظف بين 2-4 عمال، في حين ان الشركات التي توظف واحداً فقط تشكل تقريبا 45 في المئة من الشركات (حمدان،2003). 

وبالطبع كان لهذه التوجهات الاقتصادية انعكاسٌ سلبي على وضع العمال. فلا شك في وجود تجربة مشتركة للعمال في ظل النيوليبيرالية تمتاز بالهشاشة، وتؤدي الى حالة مستمرة من القلق واليأس والمخاطرة، التي يعيشها العاملون بشكل غير ثابت وغير نظامي. وفي لبنان، تحولت شريحة واسعة من العمال إلى عاملين وفق عقود مؤقتة، يعيشون يوماً بيوم ومحرومين من الحد الأدنى من الأمان الاجتماعي. فنصف العمال المقيمين في لبنان غير مشمولين بأي نظام رعاية صحية. وعلى الرغم من المطالبات الكثيرة، لا زالت الحكومة حتى اليوم ترفض مناقشة مشروع الضمان الصحي الشامل. بالإضافة إلى ذلك، فإن ثلاثة أرباع القوى العاملة لا يشملها نظام المعاشات التقاعدية، ولا أي شكل من أشكال إعانات البطالة. وقد انخفض معدل العمل بأجر في القطاع النظامي إلى حد كبير ليصل إلى 29 في المئة من القوى العاملة (زبيب، 2012). هذا، وتمتلئ إدارات القطاع العام والدولة بالآلاف من عمال المياومة والعقود المؤقتة (المرصد العمالي اللبناني، 2013). وبالتالي، زجت السياسات الاقتصادية النيوليبرالية الغالبية العظمى من العمال المقيمين في لبنان في ظروف معيشية شديدة الهشاشة، في خدمة أقلية تستفيد منها. 

وفي أعقاب هذه التطورات، تشكل بيئة ما بعد الحرب تحدياً كبيراً للحركة النقابية. فهذه الأخيرة لم تستطع تشكيل قوة قادرة على أن تنتج التغيير الفعال في الاقتصاد، أو على الأقل أن تعيد بعضاً من التوازن الى علاقات القوة غير المتكافئة بين شرائح متزايدة من المفقرين والائتلاف الحاكم (نخبة رجال الأعمال، النخبة التقليدية، و أمراء الحرب الذين صعدوا إلى السلطة بعد اتفاق الطائف، الذي وضع حداً للحرب الأهلية ‭[‬1975-1990‭]‬). على العكس من ذلك، فإن النقابات، وفي قلبها الاتحاد العام لنقابات عمال لبنان (الاتحاد العمالي العام) -الممثل الوحيد المعترف به رسميا للعمال في لبنان- خرجت من الحرب ضعيفةً، وأكثر هشاشة في مواجهة الانقسامات الطائفية والسيطرة الحزبية، وأكثر محافظة، وأقل ديمقراطية وراديكالية مما في أي وقت مضى. لا بل أصبحت القيادة النقابية الحالية أداة أساسية  لترويض المجتمع (زبيب، 2012). 

نقابات من دون عمال

في سنوات ما بعد الحرب، تعين على الحكومة إسكات الحركة النقابية من أجل تطبيق سياساتها النيوليبيرالية مع أقل معارضة ممكنة. في ذلك الوقت، في منتصف التسعينيات، كانت قيادة الاتحاد العمالي العام ذات توجه يساري ومعارض لسياسات الحكومة، القاضية بخلق دين عام مرتفع، وعجز في الموازنة، وتزايد إفقار العمال والأجراء (بارودي، 1998). كان بين المطالب الرئيسية للنقابات العمالية زيادة الأجور في القطاعين العام والخاص، لتعويض العمال من الخسارة في القوة الشرائية، الناجمة عن تضخم عام 1992. واحدة من الاستراتيجيات الرئيسية التي استخدمتها السلطة على يد وزارة العمل للسيطرة على الحركة النقابية، تمثلت في إعطائها تراخيص لاتحادات نقابية اصفراءب، أي محسوبة على أحزاب في السلطة. وكانت هذه الوسيلة التي اتبعتها الدولة من أجل السيطرة على قيادة الاتحاد العمالي العام، عن طريق ادخال الاتحادات الصفراء تلك في المجلس التنفيذي للاتحاد العمالي العام، لمنع انتخاب المرشحين المناهضين للحكومة في القيادة، وللسيطرة على عملية صنع القرار. في الواقع، فإن قانون العمل يسمح لمجموعة من ثلاث أو أكثر من النقابات بتشكيل اتحاد. ويحق لهذا الأخير ان يتمثل في المجلس التنفيذي باثنين من اعضائه، بغض النظر عن حجم عضوية الاتحاد المعني. من هنا، نجحت السلطة في «خطف» الاتحاد العمالي العام عن طريق «تفريخ» نقابات صفراء. 

هذه السياسة طبعاً لم تكن جديدة، بل اتبعتها السلطة في مراحل عدة، إلا أنها كانت أكثر وضوحاً في التسعينيات، عندما  كانت الحكومة أقوى وعقدت العزم على تنفيذ مشروعها النيوليبيرالي. ويقول باروردي ما يلي: «بعد توليه السلطة، اتخذ الحريري موقفاً أكثر تشدداً تجاه النقابات، لأنه اعترض على أساليبها، وكان يخشى «المطالب المبالغ بها»  بزيادة الأجور. واعتبر ان منح مزايا إضافية للعمال، سوف يعرض برنامجه للإصلاح الاقتصادي للخطر» (بارودي، 1998: 544).  وفي عام 1997، ومن أجل إطاحة القيادة الناشطة في الاتحاد العمالي العام، رخص وزير العمل لإنشاء سبعة اتحادات جديدة موالية لرئيس مجلس النواب وزعيم حركة أمل، نبيه بري، وادرجها في الاتحاد  العمالي العام، على الرغم من رفض قيادته. ونتيجة لذلك، نما الاتحاد العمالي العام من تسعة اتحادات نقابية  في عام 1970، إلى واحد وعشرين في عام 1993، إلى ثمانية وعشرين في عام 1997، إلى سبعة وثلاثين في عام 2000، إلى خمسين اتحاداً نقابيا حالياً تضم 600 نقابة (بدران وزبيب، 2011). وهذا التضخم في عدد الاتحادات لم يأت نتيجة لتوسع قاعدة العمال المنضوين في نقابات. على العكس من ذلك، استندت الدراسة التي تم القيام بها، في عام 2000، إلى قوائم الانتخابات الرسمية المقدمة إلى وزارة العمل، وقدرت  العدد الإجمالي للعضوية في جميع اتحادات النقابات بنحو 58 ألفا. وهذا يعني أن التمثيل الفعلي للاتحاد العمالي العام لا يتجاوز، في أفضل الأحوال، 7‭%‬ من مجموع قوة العمل اللبنانية (بدران وزبيب، 2011). وفي حالة عدم وجود إحصاءات جديدة، يعتبر العديد من النقابيين والنشطاء العماليين بأنه، على الأرجح، في السنوات العشر الماضية، حصل تدهور في عضوية النقابات، خاصة مع تراجع مكانة الاتحاد العمالي العام، وعدم قدرته على تحقيق أي من المطالب التي طرحها خلال أكثر من عقد. 

منذ أواخر التسعينيات، أصبح الاتحاد العمالي العام منظمة تعمل من داخل النظام، وتعمل على  المحافظة على الوضع القائم، بدلاً من تحديه. وأدى فساده، وبيروقراطيته، واستتباعه لأحزاب السلطة، الى نأي العمال عن العمل النقابي. ويرتبط العزوف العمالي عن العمل النقابي أيضاً بحقيقة أن الاتحاد العمالي العام أصبح أداة من أدوات إعادة إنتاج السلطة. هكذا، لم يعد يلعب الاتحاد دوراً بارزاً في المفاوضات الجماعية وفي دعم العمال وتنظيمهم في أماكن العمل. أما انتخابات الاتحاد العمالي العام، فاستندت إلى حد كبير إلى سياسة الولاءات الشخصية. هذه الانتخابات ما هي إلا وسيلة لإنتاج علاقات زبائنية بين العمال وممثليهم ليتمكنوا من الاستفادة منها عند الضرورة. أصبح الاتحاد العمالي العام منظمة بيروقراطية، منظمة بشكل هرمي، تتركز السلطة فيها بهيئاتها العلوية. وبدلاً من تمثيل مصالح العمال، أصبح الاتحاد أداة لتعزيز مصالح الطبقة الحاكمة. وفي حين أن الاتحاد، والنقابات بشكل عام، بنى في السابق قاعدة عضويته بين العاملين في القطاع النظامي، يشكل اليوم العاملون في القطاع غير النظامي، تحدياً كبيراً لأي حركة نقابية قد تنشأ.  

عمال بدون نقابات

يمثل القطاع غير النظامي نصف القوى العاملة في لبنان. ويتشارك العمال في هذا القطاع حالة كبيرة من الهشاشة. فمن خصائص العمالة غير النظامية عدم وجود حماية للعمال في حال عدم دفع الأجور، والعمل الإضافي الإلزامي، والتسريح من دون إشعار أو تعويض، وظروف العمل غير الآمنة وانعدام المزايا الاجتماعية والضمان الاجتماعي. وفي الوقت نفسه، يشكل عمال القطاع غير النظامي تحدياً كبيراً للنقابات. فكما تقول نايلة كبير: «تضع المنظمات العمالية استراتيجياتها وأساليب تنظيمها، وفق نموذج قائم على مكان عمل واضح المعالم والمهام، وأصحاب العمل. وحول نموذج للعامل كرجل معيل. إلا أن العمال في القطاع غير النظامي، من ناحية أخرى، قد يكونون موزعين في أماكن عمل متفرقة، ويقومون بمجموعة واسعة من المهام، حيث لا يوجد  صاحب عمل محدد، وهم يشكلون قوة عمل نسائية بشكل متزايد» (كبير وآخرون، 2013: 4). وعلى الرغم من العدد المتزايد من العاملين في القطاع غير النظامي، كان موقف النقابات تجاههم، ولا يزال، في كثير من الأحيان، يتميز بالخوف والعداء، حيث يُنظر اليهم كمصدر تهديد للامتيازات التي حصلت عليها النقابات خلال عملها المنظم. وسأعطي مثالاً عن هذا «العداء»، ضد عمال القطاع غير المنظم. وهو مثال قد تابعته في عام 2012.

شهد مطلع أيار‭/‬مايو 2012 اضراباً للعمال المياومين في مؤسسة الكهرباء، مطالبين بعقود ثابتة وبأجور أكثر عدالة وبضمان اجتماعي وصحي. وقد قام العمال باحتجاجهم داخل مبنى المؤسسة وساحتها، حيث أوقفت جميع الأعمال. أراد العمال من الدولة الاعتراف بأنهم كانوا يعملون بشكل غير نظامي في المؤسسة لسنوات عديدة، وأن الإصابات التي عاناها بعضهم، أثناء عملهم المحفوف بالمخاطر (خاصة بالنسبة لعمال التصليحات)، لم يعوَّضوا عليها. أصدر المضربون بياناً ضد خصخصة المؤسسة، بحجة أن ذلك من شأنه أن يسلبهم أي أمل بتحصيل حقوقهم.

هذا الاضراب سيستمر لمدة 94 يوماً، صانعاً بذلك واحد من أطول الإضرابات في تاريخ لبنان الحديث، حيث استطاع العمال الحفاظ على وحدتهم رغم القمع الذي مارسته الدولة ومضايقاتها للعمال. فقد تعرضوا لضغوطات شتى لإنهاء إضرابهم. وبالفعل انتهى الاضراب على أثر ما سمّي حينها بالـ«اتفاق السياسي»، برعاية حزب الله، وحركة أمل والتيار الوطني الحر. وكان هذا الاتفاق بحاجة لإخراج أو مظلة نقابية، وهذا ما اهتم الاتحاد العمالي العام بتوفيره.

نص الاتفاق على الوقف الفوري للإضراب مقابل «وعد» بتثبيت العمال المياومين. وكانت النتيجة أن العمال أوقفوا اضرابهم، أما الوعد بأن يثبتوا في ملاك المؤسسة فقد تبخر. وأدخلت ثلاث شركات خاصة (مقدمو الخدمات) الى المؤسسة وجرى توزيع العمال عليها على أساس تعاقدي، ما أفقدهم الى حد كبير قدرتهم على الضغط كقوة واحدة. 

أدت خيانة الاتحاد العمالي العام للعمال، وعدم وجود تمثيل نقابي لهم، إلى جعل المفاوضات بين الإدارة والعمال تتم عن طريق علاقاتهم بالاحزاب السياسية.  ويقول أحد قادة الاضراب: «لقد تركنا لمواجهة وزير الطاقة والمياه وحدنا، من دون أي دعم من الاتحاد العمالي العام، وشعرنا بأننا كنا أيتاماً طوال الـ 94 يوما». في الواقع، فإن العمال المياومين لم  يحصلوا على أي نوع من الدعم من الاتحاد العمالي العام، طوال فترة الإضراب. وتدخل هذا الأخير، في اليوم الأخير، لوضع حد للإضراب، في تنسيق وثيق مع الأحزاب السياسية الطائفية في السلطة، التي كانت أكثر اهتماماً بإيجاد حصة لها في صفقة الخصخصة الجزئية التي جرت، بدلاً من رفع المستوى المعيشي للعمال.

على صعيد آخر، اتخذت نقابة موظفي مؤسسة كهرباء لبنان موقفاً عدائياً تجاه العمال المياومين، ووقفت مع الوزير وإدارة مؤسسة كهرباء لبنان ضد العمال. أثناء الإضراب، علقت النقابة منشورات على جدران وأبواب الشركة تفيد فيها أن الإضراب هو «عرقلة لسير العمل في الشركة وعرقلة لمصالح المواطنين». في ذلك الوقت، قال لي أحد العمال المضربين: «لو اتخذت نقابة الموظفين موقفاً داعماً للإضراب، لساهم ذلك في فوزنا، ولكان من شأنه أن يضمن حقوقنا وحقوق الموظفين في ضوء التهديد المتزايد بخصخصة المؤسسة، والهجوم التدريجي على مكتسبات الموظفين». وتمثل حالة العمال غير النظاميين، المياومين، في مؤسسة كهرباء لبنان، مثالاً واحداً على تعاطي النقابات والاتحاد العمالي العام مع عمال القطاع غير المنظم. هؤلاء، ليسوا حصراً، غير مدرجين على أجندة هذه النقابات، بل يتم إقصاؤهم بشكل واضح، وجرى التعاطي معهم بعدائية منقطعة النظير. هذا ومن الجدير ذكره أن أغلب الحركات العمالية الاحتجاجية التي خرجت في السنوات الاخيرة- بالاضافة الى تحرك هيئة التنسيق النقابية- قامت على يد العمال غير النظاميين في قطاعات مختلفة، مثل عمال «سبينيس» ومتعاقدي مستشفي رفيق الحريري، وكازينو لبنان، ومياومي الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والادارات العامة. وهذا إن دل على شيء، فإنه يدل على أن هنالك مراكز جديدة للاحتجاج العمالي، وهي تقع خارج الأطر التقليدية للنشاط النقابي، الأمر الذي يتطلب من النقابات إعادة النظر في فهمها لعلاقات العمل في ظل النيوليبيرالية، التي أدت من بين ما أدت له الى تفتيت العمالة، والى ايجاد فئات عمالية خارج علاقات العمل التقليدية. ومن بين هذه المراكز، لا بد من الإشارة، بوجه أخص، إلى فئة النساء.

النساء والنقابات العمالية

اتسم التاريخ المبكر للنقابات العمالية في لبنان باستبعاد النساء العاملات من صفوفها. وعززت من هذا الاستبعاد التصورات المجتمعية حول المرأة والأدوار المنوطة بها، والتي أعاقت إمكانية تنظيم النساء كقوة تغييرية. ويقول أبي صعب (2010) إن السياسات والاستراتيجيات التنظيمية، التي اتبعها القادة النقابيون في مطلع العشرينيات لم تلتفت الى التقسيم الجندري للعمل: 

«عدم التشديد على المطالب الخاصة بالنساء العاملات دفع بهن احياناً لأن ينشطن بشكل مستقل، ويسرن في مواجهة الحكومة من دون مساعدة القيادات النقابية والعمال. لناحيتهم، لم يحقق النقابيون والشيوعيون شيئا من القاعدة القوية للمطالب النسائية، ومنها ما يتعلق بالعمل المنزلي والعناية بالأطفال، التي تشكل بعداً هاماً من أبعاد ما ينطوي عليه العمل النسائي. لم يحاولوا اتباع استراتيجية استقطابية صديقة للمرأة، أو جداول اجتماعات تنظيمية تلائم النساء. على العكس، فاللغة المتبعة، والتخطيط وتعبئة المبادرات، استهدفت العمال الذكور حصراً» (2010: 18).

لذا‭,‬ فإن أولى تجارب النساء في النشاط العمالي لم تأت من داخل النقابات، بل انبثقت من تجاربهن الذاتية مع الاستغلال في أماكن العمل؛ وقد تمكنَّ من صنع تاريخ نضالي معتبر منذ أوائل القرن التاسع عشر، في مصانع الحرير في جبل لبنان، التي ارتكزت على اليد العاملة النسائية (خاطر، 1996). ومع تدهور صناعة الحرير التي كانت شديدة الربحية سابقاً، تمددت صناعة التبغ منذ عام 1935 على اثر الاحتكار الفرنسي للتبغ من خلال الريجي Régie Co-Intéressée Libanaise des Tabacs et Tombacs، مع قوة عمل نسائية تجاوزت الـ40‭%‬. ويبيّن أبي صعب كيف أن النساء كنّ الأكثر جذرية في المواجهة، وتحديداً في إضرابات عام 1946 التي قامت للاعتراض على سياسات الريجي التمييزية بحق العاملات. ويذهب أبي صعب حد القول أن نضالات العاملات أسفرت عن اعتماد قانون العمل لجميع العمال، الذي، وإن شابه العديد من المشاكل، شكل خطوة تاريخية مهمة في نضالهن. غير أن مساهمة النساء في الحركة العمالية في لبنان، غُيّبت في كتابات المؤرخين المهتمين بالحركة العمالية، ومن كتابات النقابيين والشيوعيين على حد سواء، إلا بشكل عرضي. والوثائق التاريخية النادرة التي كتبها مصطفى العريس (1982) وإلياس البويري (1986)، وهما من أبرز القيادات التاريخية للحركة النقابية في لبنان، لم تتضمن ذكراً لأغلب نضالات العاملات، وذلك بسبب أن أغلب تلك النضالات كانت تحصل خارج أطر التحركات النقابية المنظمة. 

واليوم، وعلى الرغم من أن عدد النساء في عالم العمل، سواء النظامي أو غير النظامي، قد زاد بشكل كبير، إلا أنه يبدو أن النقابات العمالية غير مستعدة حتى اللحظة لإعادة التفكير في بناها واستراتيجيتها لتستوعب الوافدات الجدد، وتستقطبهنَّ. فازدياد عدد النساء العاملات لم ينعكس ازدياداً في عضويتهن النقابية. كما تبقى النساء خارج أي تمثيل في نشاطات جميع النقابات والاتحادات النقابية في لبنان، وقيادتها. فبين 100 ممثل نقابي لـ50 اتحاداً نقابياً، في المجلس التنفيذي للاتحاد العمالي العام، لا يمكننا إيجاد أثر لامرأة واحدة.

إن سلسلة من التحديات البنيوية في النقابات نفسها قد اعاقت مشاركة النساء العاملات، وتنظيمهن. الى ذلك، لا تزال تطبع العمل النقابي ثقافة ذكورية تعزز من تجاهل القضايا الخاصة بالنساء، وهذه الثقافة تميل الى لوم النساء على اعتكافهن عن التنظيم النقابي. فيقول كاسترو عبدالله، رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين التالي:

«اتحادنا أفضل من الاتحادات النقابية الأخرى، فنحن على الأقل نولي بعض الأهمية للنساء. وتاريخياً، كان لدينا عضوية نسائية في قطاع الخياطة والطباعة والتبغ. إلا أن هنالك مشكلة في عضوية النساء. والنساء هن من يتحمل مسؤولية ذلك، لأنهن يقفلن الباب على أنفسهن، ولا يتفاعلن مع زملائهن. عام 1982 حاولنا فرض قانون يوجب على المجلس التنفيذي بأن يتمثل بامرأة واحدة على الأقل، وعلى انشاء لجنة للمرأة. ومع ذلك، لم نستطع ايجاد امرأة واحدة لترشح نفسها لتكون ممثلة للجنة، لذلك حل رجل مكانها! هنالك مشكلة أخرى أن الرجال لن يتركوا مركزهم النقابي لتحتله امرأة داخل قطاعهم. فعقلية الرجل النقابي تقول إنه: إذا كانت النساء لا يرغبن بالانضمام الى نقابات العمال، فلماذا علينا أن نشجعهن، أو نحرضهن على ذلك؟ فذلك من شأنه أن يخفف أعباء هؤلاء النقابيين. ويعتبر آخرون انه: لماذا يجب علينا ان ندعو النساء الى الانضمام  الى نقاباتنا، ما سيؤدي بنهاية المطاف الى التنافس على مقاعدنا؟ لذلك، فمن ناحية، تتجاهل النقابات النساء، ومن ناحية أخرى، متى مهدت النقابات باب دخول النساء اليها، لم يسارعن الى دفع الباب، على مصراعيه، للدخول.» (مقابلة مع كاسترو عبد الله‭,‬ رئيس الاتحاد الوطني‭,‬ شباط/فبراير 2015). 

الاتحاد الوطني هو من أقدم الاتحادات العمالية في لبنان، وهو نشأ في خضم نضال الطبقة العاملة في مواجهة الاستعمار والرأسمالية، في الثلاثينيات من القرن الماضي. وبعد سنوات من الاضطهاد والملاحقة لكوادره النقابية بسبب نشاطهم «الشيوعي» (أبو حبيب، 2011)، استطاع الاتحاد انتزاع ترخيص رسمي له من الحكومة عام 1966، وأصبح عضواً في الاتحاد العمالي العام عام 1970، وسحبت عضويته منه عام 2012. في أعقاب الحرب الأهلية، لم يسلم الاتحاد الوطني من مصير المنظمات النقابية الأخرى. فالحرب اقترنت بالبيروقراطية النقابية لتقوض أساس العمل النقابي في البلاد. وعلى مدار العقدين المنصرمين، ازدادت الهوة بين العمال ومنظماتهم النقابية. والواقع أن النقابات العمالية تعاني من مشاكل هيكيلية مرتبطة بتدني العضوية، وبغياب آليات ديمقراطية لاتخاذ القرارات المرتكزة على القواعد، وعدم استقلاليتها تجاه التدخلات السياسية والطائفية. أما هدف القيادات النقابية البيروقراطية فغدا المحافظة على مقاعدها، حتى وإن لم يعد هنالك من أعضاء لترأسهم. والقيادة النقابية أضحت شريحة من الرجال اللبنانيين البيروقراطيين، المنتمين للطبقة الوسطى، ممن يفضلون أمان الاعمال الروتينية (مثل تخليص المعاملات ومتابعة نزاعات عمل فردية)، على مخاطر الصراع العمالي وتنظيم فئات عمالية جديدة. وإقصاء النساء عن العمل النقابي كان النتيجة الحتمية للقاعدة التي كانت تعمل وفقها البيروقراطية النقابية الذكورية. غدت هذه النقابات هياكل متكلسة وعقبة أساسية أمام تنظيم فئات عمالية مختلفة، كالنساء والعمال المهاجرين أيضا. 

العمال المهاجرون في دائرة الاستثناء

منذ عام 1990، أصبح لبنان بشكل متزايد، بلداً يتلقى العمالة المهاجرة، سواء العربية، منها، أو غير العربية. فقد قدم اللاجئون الفلسطينيون، والمهاجرون من إثنيات مختلفة من سوريا والعراق إلى لبنان قبل عام 1990 بوقت طويل واستقروا فيه (طبر، 2010). وشكل العمال السوريون تاريخياً نمطاً طويلاً من تدفق الهجرة، منذ انفصال البلدين أحدهما عن الآخر. ويقول طبر إن نمط الهجرة السورية الى لبنان تيسر بفعل سهولة التنقل، وقصر المسافة الجغرافية، وعمق الشبكات الاجتماعية، والحدود المفتوحة نسبياً بين البلدين. ومنذ نهاية الحرب في التسعينيات، وتوقيع «اتفاق الطائف»، أصبح السوريون يشكلون جزءاً معتبراً من قوة العمل في البلاد. علاوة على ذلك، ارتفع عدد العمال المهاجرين من آسيا وأفريقيا الذين تركزوا في القطاع غير النظامي، الذي أخذ بالتوسع في مرحلة ما بعد الحرب، نتيجة لتوسع السياسات الاقتصادية الرأسمالية الريعية. ويذكر تقرير صادر عام 2011 أن العمال المهاجرين يمثلون 760 ألفاً من مجموع القوى العاملة في لبنان، المؤلفة من 1.2 مليون عامل وعاملة. ما يعني أن المهاجرين يشكلون ما يقارب من نصف القوى العاملة في لبنان. وطبعاً هذه الأرقام سابقة لموجة لجوء السوريين الكبيرة الى لبنان، في السنوات اللاحقة. 

فنمط الاقتصاد في لبنان قائم على تشجيع هجرة مواطنيه الى الخارج للاستفادة من تحويلاتهم المالية، في مقابل الاعتماد على العمالة الأجنبية للقيام بالأعمال التي لا تتطلب «مهارة» عالية: «أنواع الوظائف التي يضطلع بها العمال الأجانب هي تلك الوظائف التي تتصف بالصعوبة، وبالمخاطرة، والتي يتم اعتبارها قذرة» (شاهناواز، 2002). هنالك احتمال أقل أن يقبل لبنانيون بوظائف مرتبطة بوصمة اجتماعية، وأجور شديدة الهزال، وظروف عمل لا انسانية (شاهناواز، المرجع السابق). وعادة ما يتم توظيف العمال المهاجرين في قطاعات اقتصادية محددة، كالبناء والمرافق الصحية، التي لا يميل أغلب اللبنانيين الى العمل فيها. 

وعلى الرغم من نموذج «الهجرة الاستبدالية» التي يتحدث عنها طبر (2010:10)، تواصل النقابات العمالية مخاطبة العمالة الوطنية حصراً. وهذه الظاهرة ليست خاصة بالنقابات اللبنانية، بل إن جذورها تعود إلى الأيديولوجية القومية التي حملتها بلدان ما بعد الاستعمار، التي أعلت من أهمية تحقيق «سوق وطنية» تضمن الاكتفاء الذاتي، و«صناعة» وطنية قوية، و«قوى عاملة وطنية». ولهذا السبب، لا تزال لوائح النقابات، وأنظمتها الداخلية، تربط العضوية بشرط حصول العامل على الجنسية الوطنية. وفي لبنان منح العمال المهاجرون الحق بأن يصبحوا أعضاء في النقابات، من دون أن يكون لهم الحق في الترشح والانتخاب داخل نقاباتهم. إذ لا يزال خطاب النقابات وأنظمتها الداخلية محافظةً ورجعية، في ظل التغيرات الكبيرة التي طرأت على شكل العمالة وتركيبتها، التي رافقت سياسات الأسواق المفتوحة وحركة العمالة المهاجرة العابرة للحدود الوطنية. 

مثلاً، ترافقت حركة اللجوء والهجرة السورية الى لبنان مع خطاب نقابي يدعو مراراً وتكراراً وزارة العمل اللبنانية الى التدخل، من أجل «وضع حد للمنافسة بين العمال اللبنانيين والأجانب وحماية العمال اللبنانيين». هذا الخطاب المناهض للهجرة، يمثل تكنولوجيا للسيطرة على العمال، وهو يتسق مع المنطلقات القومية للنقابات اللبنانية. هذا الخطاب الذي تروجه القيادات النقابية، يقسم الطبقة العاملة الى معسكرين متعاديين، في جانب منها العمالة «الوطنية»، والعمالة المهاجرة في الجانب الآخر. ويتم تحميل هذه الأخيرة مسؤولية خفض مستويات معيشة المواطنين وضياع مكتسباتهم. ويتم تكثيف هذا العداء من خلال الخطاب المهيمن للأحزاب اليمينية، ووسائل إعلامها التي دأبت على لوم «الأجانب»، واللاجئين السوريين تحديداً، واللاجئين الفلسطينيين قبلهم، على الاخفاقات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وبالوقت عينه يتم خلق ثقافة شعبية كارهة للأجانب وعنصرية ضد العمال المهاجرين واللاجئين. فلطالما كان لخطاب التعبئة والتحريض ضد «الغريب» و«الأجنبي»، في الخطاب السياسي العام، دوراً هدفه خلق تماسك للهوية الوطنية اللبنانية. 

إضافة إلى الخطاب المعادي للأجانب، هناك انعدام الحماية القانونية للعمال المهاجرين. فكما يقول طبر: «ان الاطار القانوني يستثني المجموعات المهاجرة من كل مجالات الحياة، خاصة في مجال العمل» (طبر، 2010:10). هذه العوامل تجعل العمال المهاجرين مكشوفين أمام جميع أنواع الاستغلال الرأسمالي. وفي هذا الإطار، فإن دور الخطاب العنصري والعنصرية المؤسسية، التي تترافق جنباً إلى جنب مع تدفق العمالة الأجنبية، هو الحفاظ على عمل سوق العمالة الرخيصة، بشروطه الاستغلالية. وتشكل العنصرية المؤسسية، التي تدعمها قوانين واجراءات، مثل نظام الكفالة، والتي تحكم العمال المهاجرين، بالاضافة الى سياسات الاعتقال والترحيل، تشكل جميعها حالة «الاستثناء» التي يقع ضمنها العمال المهاجرون. وحالة الاستثناء، وفق نظرية عالم الاجتماع السياسي جورجيو أجامبن، تنطوي على القرار السيادي بوضع فئات خارج نطاق القانون. وحالة الاستثناء القانونية هذه تنسحب على الأطر النقابية، إذ إن العمال المهاجرين يقبعون، أيضاً، في «حالة استثناء» نقابية. فمعظم النقابات تقصي العمال المهاجرين وتعتبرهم منافسين، ولا تهتم بالدفاع عن حقوقهم، على أرضية مشتركة مع العمال اللبنانيين، كما وتتردد في بناء التحالفات السياسية العابرة للاختلافات، التي من شأنها إن حصلت أن تتحدى الاستغلال في عالم العمل والعلاقات الطبقية التي نشأت في ظل الرأسمالية، من خلال الممارسات والمسارات العنصرية والطائفية، والمتحيزة جندريا. 

أخيراً، وعلى مدار الوقت الذي تطلبه كتابة هذه السطور، كان السؤال الذي طرحه لينين حاضراً: «كيف نبدأ من البداية؟»، أو بمعنى آخر كيف نتصور حركات اجتماعية، وحركة عمالية في صلبها، بديلة، قائمة بشكل مستمر على ضم فئات جديدة، بدلاً من اقصائها، وتعمل على تدمير الاشكال المعاصرة للأبرتايد، أو نظام التفرقة الاجتماعية، والفصل العنصري، التي تفرق بين الناس على أسس وطنية وجندرية وعرقية وطائفية؟ ففي ظل واقعنا، الذي يمتاز بالهشاشة، نتيجة السياسات الاقتصادية الممعنة في استغلالها، لا بد من استراتيجية تنظيمية جديدة للنقابات العمالية، تسعى لتأطير الطبقة العاملة، والدفاع عنها، بكل اختلافاتها. فكما ردد أحدهم سابقاً: «على من يريد أن يناضل من أجل الأممية في بعدها العابر للحدود الوطنية، أن يرى أولاً أن هذه الأممية محقَّقة بالفعل داخل هذه الحدود»، وأن النساء اليوم يشكلن الجزء الأكبر من العمالة المهاجرة. وهنا أختم مع مثال بالغ الأهمية في رمزيته. فليس من قبيل المصادفة مثلاً أن تكون الدعوة الجادة الوحيدة للتظاهر عشية عيد العمال في أيار‭/‬مايو 2015، إنما وجّهتها عاملات المنازل المهاجرات في لبنان، للمطالبة بالاعتراف بنقابتهن. في الواقع، هذا الحدث شديد الدلالة، وفيه تكمن القصة كاملة. 

--

Abisaab‭,‬ M. (2010). Militant women of a fragile nation. Syracuse: Syracuse University Press.

Al-‮]‬Aris‭,‬ M. (1982). Mustafa Al-‮]‬Aris Yatadhakar ‭[‬Mustafa Al-‮]‬Aris Remembers‭]‬. Beirut: Dar al-Farabi.

Al-Buwari‭,‬ I. (1986). Tarikh al-Haraka al-‮]‬Ummaliyya wa al-Naqabiyya fi Lubanan: 1908-1946 ‭[‬The History of the Labor and Unionist Movement in Lebanon‭]‬. Beirut: Dar al-Farabi 

Bou Habib‭,‬ A. (2011). “Al Ba‮]‬ad Men Tarikh Al Haraka Al Nakabiya” ‭[‬a short history of trade-union movement‭]‬. Ittihad Naqabat Mouwazzafi Al Masaref. November 16. http://www.fsebl.com/CustomPage.aspx?Editor_ID=16 (accessed on March 20‭,‬ 2015.)

Hardt‭,‬ M. (1996) “Introduction: Laboratory Italy.” in Radical Thought in Italy: A Potential Politics‭,‬ Virno P. and M. Hardt (eds.). Minneapolis: University of Minnesota Press‭,‬ 1-12.

Kabeer N.‭,‬ Milward K. and Sudarshan R. (2013) “Organising women workers in the informal economy.” Gender & Development 21(2): 249-263.

Khater‭,‬ F. (1996). “‮\‬House‮]‬ to ‮\‬Goddess of the House‮]‬: Gender‭,‬ Class and Silk in 19th Century Mount Lebanon.” International Journal of Middle East Studies 28(3): 325-348.

Peteet‭,‬ J. (1996). “From Refugees to Minority: Palestinians in Post-War Lebanon.” Middle East Report 200: 27-30.

Picard‭,‬ E. (2013). “The Arab Uprisings And Social Rights: Asian Migrant Workers in Lebanon.” IREMAM-CNRS Aix‐en-Provence‭,‬ France. https://hal.archives-ouvertes.fr/halshs-00938259/document (accessed on March 17‭,‬ 2015.)

Rodríguez‭,‬ E. (2007). “The ‘Hidden Side’ of the New Economy: On Transnational Migration‭,‬ Domestic Work‭,‬ and Unprecedented Intimacy.” Frontiers: A Journal of Women Studies 28(3): 60-83.

Tabar‭,‬ P. (2010). Lebanon: A Country of Emigration and Immigration. Beirut: LAU Press.

The Daily Star (2011). “IMF: Lebanon’s informal economy 30 percent of GDP.” November 2. http://www.dailystar.com.lb/Business/Lebanon/2011/Nov-02/152829-imf-leba... (accessed on March 21‭,‬ 2015.)

Traboulsi‭,‬ F. (2014). Social Classes and Political Power in Lebanon. Beirut: Heinrich Böll Stiftung.

Traboulsi‭,‬ F. (2015) «Compassionate Communalism: Welfare and Sectarianism in Lebanon‭,‬ for Melani Cammett». Issam Fares Institute for Policy and International Affairs‭,‬ AUB‭,‬ Beirut. January 22‭,‬ 2015. Lecture. 

Zbeeb‭,‬ M. (2012). “A Nation Living Day to Day.” Alakhbar English. May 31. http://english.al-akhbar.com/node/7917 (accessed on January 21‭,‬ 2015.)

Chalcraft‭,‬ J. (2009). The Invisible Cage: Syrian Migrant Workers in Lebanon. California: Stanford University Press.

Shahnawaz‭,‬ S. (2002). “Dual Labor Markets and Public Debt: An Illustration Using the Lebanese Example”. Retrieved June 7‭,‬ 2009 from http://www.luc.edu/orgs/meea/volume4/article.pdf

Doraï‭,‬ M.K.‭,‬ and Clochard‭,‬ O. (2006). ‘Non-Palestinian Refugees in Lebanon: From Asylum Seekers to Illegal Migrants’‭,‬ in De Bel Air‭,‬ F. (Ed.) Migration and Politics in the Middle East: Migration Policies‭,‬ Nation Building and International Relations. Beirut: IFPO‭,‬ 127-143.