المخاض العسير لثورة لبنانية قد تتأخر، ولكنها ممكنة

العدد السادس - كانون الثاني ٢٠١٦
الدولة: 
لبنان
الملف: 
الثورات العربية
تاريخ النشر: 
كانون الثاني (يناير), 2016

في عدد جريدة «السفير»، الصادر، في 22 كانون الاول/ديسمبر 2015، جاء في مقال للمشرف على الصفحة البيئية فيها، حبيب معلوف، ما يلي: 

«كيف سنؤمِّن للعيش مع بعضنا بعد اليوم؟ وقد فسدت أخلاقنا الى هذه الحدود؟ كيف نستسهل أن نرمي كل هذه النفايات هنا وهناك، فوق التراب وتحته، في الأودية والوديان، في الأنهر والبحر، فنلوث كل شيء ونسمم حياة ومستقبل أولادنا والأجيال القادمة؟

أية أخلاقيات تسمح لنا بفعل كل ذلك؟

أية أخلاق تسمح لنا بأن نرسل نفاياتنا أيضاً إلى خارج الحدود بواسطة شركات أو مافيات (على الأرجح) فنسمّم حياة وبيئة آخرين؟» 

وقد جاء هذا الكلام بعد ما عُرف عن آخر موقف اتخذته الحكومة الحالية، برئاسة تمام سلام، بخصوص «ترحيل» مئات الآلاف من أطنان نفاياتٍ بدلاً من أن تجثم فقط على الضمير العفن للطبقة الحاكمة في بلدنا، ورموزها السياسية، وتضع مصيرها على كف عفريت، جثمت في الواقع على حياة مجمل الشعب اللبناني، مع عواقب ذلك الكارثية على تلك الحياة، بما هي ملوثة للبيئة ومخربة لمصادر المياه الصالحة للشرب، والاستعمال المنزلي، وري المزروعات، وشتى الاستخدامات الضرورية الأخرى، وذلك لعشرات السنين، إذا لم يكن أكثر. 

ويجيء هذا «الترحيل»، إذا هو انتقل بالفعل إلى التنفيذ، كحل من جانب الطبقة المشار إليها، وممثليها في السلطة السياسية، لمشكلة لعبت دور المحرك الأساسي، في إطلاق الحراك الشعبي، في أواسط الصيف الماضي، ضد تينك الطبقة المسيطرة، والسلطة السياسية، مع مطالب تراوحت بين تلك التي رفعها، في حدها الأدنى، الجناح الإصلاحي البحت- المتمثل في الجماعة التي لعبت دوراً مؤثراً ومركزياً في إطلاقه، أي جماعة «طلعت ريحتكم»، بوجه أخص (ومن التحق بها لاحقاً من الرموز الليبرالية واليسارية التقليدية، كشربل نحاس وحنا غريب، وأمثالهما)- وتمحورت حول مسألتين بدتا أساسيتين، بالنسبة إليهم، ألا وهما اعتماد حل بيئي قائم على الفرز من المصدر، وتكليف البلديات بالمعالجة وفق الأسس العلمية المتقدمة، بما يحول دون الإساءة إلى البيئة، والصحة العامة، من جهة، وإعادة بناء المؤسسات السلطوية، الممدد لها، بصورة غير شرعية، على أساس انتخابات نيابية تعتمد النسبية، وانتخابات رئاسية تضع حداً للفراغ الناشىء في الرئاسة الاولى، منذ أكثر من عام ونصف، من جهة أخرى؛ وتلك التي رفعتها، في حدها الأعلى، مجموعات هتفت بإسقاط النظام، وفي مقدمتها «المنتدى الاشتراكي»، وتحالف «الشعب يريد»، الذي يشكل «المنتدى» أحد أركانه الأساسية، مدافعة عن شعارات «علمانية، مساواة، عدالة اجتماعية»، بمقابل الشعارات التي جاءت في بيان أساسي للمكتفين بإصلاح بسيط من داخل النظام، امتنع الجناح الآخر عن توقيعه، ورفض أن يظهر من على المنبر الذي تم إلقاؤه من فوقه. بيان اكتفى بطرح الشعارات التالية، «دولة مدنية، ديمقراطية، رعاية اجتماعية». هذا فيما وجدنا، في حالة وسطى بين هذين الجناحين، حملات ومجموعات عديدة أخرى تضم أوساط اليسار الإصلاحي، الشيوعي التقليدي والقومي، ومستقلين، تحت تسميات شتى، بينها «بدنا نحاسب»، وجايي التغيير»، و»حلوا عنا»، و»ع الشارع»، و»شباب ٢٢ آب/أغسطس»، وغيرهم. 

وهو حراكٌ بدا في غفلة من الزمن كما لو هو بداية انتفاضة قد تضع الأسس الصلبة لتغييرات عميقة في وعي جزء أساسي من القاطنين فوق الأرض اللبنانية، واستعداداتهم لأجل العمل على التغيير الجذري لتركيبة المجتمع والدولة اللبنانيين، وذلك في حين تسهم في معالجة المشكلة الآنية التي انطرحت، بعد وصول البرجوازية المحلية الحاكمة إلى درجة من الانحطاط والفساد والاهتراء تجعلها لا تجد أي وازع لديها يمنعها من إحداث تخريب هائل في بيئة بلدها، ومن تعريض سكانه لمخاطر صحية قاتلة، في سعيها للقيام بصفقات مربحة تمكنها من الحصول على عمولات بعشرات ملايين الدولارات، في معرض نهبها لاقتصاد يشارف على الإفلاس، ويترك الغالبية الكبرى من السكان عرضة لتدهور كبير في مستواها المعيشي، وبمواجهة بطالة مستشرية تجعل الجزء الأكبر من اليد العاملة الشابة، وخريجي الجامعات وخريجاتها، يسعون لمعالجة هكذا مشكلة بالهجرة، أو العمل في الخارج، أو الاستسلام. الأمر الذي لم يحدث، عملياً، بل انتهى إلى الواقع البائس الراهن، المتمثل في توقف الحراك، بالذات، منذ أوائل الخريف الماضي. والأسوأ أنه حين عادت مجموعة «طلعت ريحتكم» إلى دعوة الناس للتحرك، في أواسط كانون الأول/ديسمبر، رداً على قرار الحكومة الراهنة الاندفاع في صفقة مشبوهة اصطلحت وسائل الإعلام اللبنانية على وصفها بـ»تهريب» النفايات إلى الخارج، لم يلبِّ الدعوة غير مئات قليلة من الناشطين/ات، وبعض المهتمين/ات، الذين تجمعوا، في ساحة رياض الصلح، مساء السبت 19 كانون الأول/ديسمبر، فيما جمعت مظاهرة 29 آب/أغسطس الماضي 2015، قبل أربعة أشهر تقريباً، ما لا يقل عن المئة والعشرين ألفاً.

ونحن سنحاول، أدناه، وإن باختصار، أن نعطي صورة عن بؤس الوضع السلطوي، الذي يتلازم مع هذا الواقع، بدءاً بالنهاية المحبِطة لنضالات الصيف الماضي، وما لازم ذلك من تمكن الشريحة الحاكمة المفرطة في الفساد من أن تُخرج من جعبتها حلاً مُخزياً للغاية لمشكلة النفايات، حتى لو تم وصفه بالمؤقت؛ مروراً بمؤشرات ومعطيات، في هذا الواقع، تظهر مدى تردي الوضع، الذي نحن بصدده، المرتبط جذرياً بحقيقة النظام اللبناني، البرجوازي، المشوب بكل مساوىء المجتمعات الرأسمالية، ولكن المفتقر للشيء الوحيد الذي قد يشفع، ولو جزئياً، وبصورة نسبية، للديمقراطية البرجوازية، ألا وهو هذه الديمقراطية بالذات، مهما تكن شكلية؛ ووصولاً إلى التقييم النهائي، أو ما قبل النهائي، في أحسن الحالات، لهذا الحراك، مع الدروس والاستنتاجات المناسبة. 

أولاً: حول الحل المقرَّر، أخيراً، لمشكلة النفايات

بعد أن كان وزير البيئة الغائب عن الصورة، منذ أواسط الصيف الماضي، محمد المشنوق، نحّى نفسه جانباً، مذاك، عن أي مسؤولية عن مشكلة النفايات وإيجاد حل لها- إثر فضيحة «المناقصة» التي أجراها وأدت إلى حلول شركات خمس محل سوكلين في التعامل مع قضية النفايات، بشروط أكثر سوءاً بكثير، سواء من حيث طريقة المعالجة أو من حيث تكاليفها، وهي المناقصة التي اضطرت الحكومة لإلغاء نتائجها، تحت ضغط الحراك، وكان لا يزال في أوجه، بعد ذلك، نقول، عمدت حكومة سلام إلى تكليف وزير بيئة سابق، هو أكرم شهيب، بهذه المهمة، فكان الحل الذي اقترحه قبل نهاية ذلك الصيف يقضي بإيجاد مطامر جديدة، سواء في عكار أو في منطقة عنجر الحدودية مع الدولة السورية، بديلاً من مطمر الناعمة الذي تم إغلاقه بالتزامن، تقريباً، مع انتهاء العقد الممدد مع شركة سوكلين، على أن يتم نقل ما تراكم من النفايات حتى ذلك الحين، مؤقتاً، إلى مطمر الناعمة، على مدى سبعة أيام. وهو الأمر الذي لَقِي معارضة مطلقة من أهالي المناطق المرشحة لاستقبال تلك النفايات. 

ولكن إزاء الفشل في تسويق الحل الأول للوزير الجنبلاطي، عاد هذا الأخير ليطرح حل الترحيل. ولكن كيف؟ وإلى أين؟

هذا ما يبقى غامضاً إلى الآن، بحيث توافقت وسائل إعلام عديدة على وصف المشروع الجديد بالفضيحة-اللغز. فليس معروفاً إذا كان ثمة بلد وافق على استقبال نفاياتنا، وأي بلد هو. ففي الصورة لا تظهر سوى شركتين مقربتين من أوساط سلطوية دخلتا في اتفاق مع مجلس الإنماء والإعمار(؟!) للتكفل بنقل النفايات إلى خارج لبنان(؟)، بعد أن تصل موضبة، سلفاً، إلى مرفأ بيروت، وذلك لقاء مبالغ طائلة تزيد على المئتي دولار عن كل طن نفايات(!!!)، وتصل بمجملها إلى حدود النصف مليار دولار، سنوياً، سيدفعها المكلفون اللبنانيون، وغيرهم من المقيمين على الأرض اللبنانية، من جيوبهم، وعرقهم، وجنى عمرهم، عن طريق ضرائب إضافية قد يجري استحداثها. وبالطبع فرائحة صفقة مزكِمة، وأكثر كراهة من رائحة النفايات المقصودة بالذات، تفوح من كل ذلك. ومن ضمن ملامح هذه الفضيحة، عدا سعر التخلص من كل طن، ما يقال عن كون خمسمئة طن، من أصل ثلاثة آلاف طن، سيجري ترحيلها، يومياً، بحسب الاتفاق، أضيفت زوراً إلى 2500 طن، هي الكمية الفعلية المقدر أن يتم ترحيلها بالفعل! وهذا الكلام لم يصدر عن متطفلين على الموضوع: لقد أدلى به وزير البيئة الأسبق، عراب القرار الاخير، أكرم شهيب، بالذات.

هذا ويعتقد البعض أن بين أسباب الغموض الذي يكتنف الصفقة-الفضائحية هذه، عدا مسألة العمولات، وأعمال التزوير، ما مر على لسان أحد نواب كتلة عون، هاغوب بقرادونيان، في جلسة الحوار التاسعة، حين أجاب عن سؤال حول مكان وصول النفايات، قائلاً: «ربما المياه الإقليمية، أو مكان آخر، أو بلد آخر!»

وطالما لم يظهر أي بلد آخر في الاتفاق، فمن المرجح عندئذ أن يكون المكان المعني هو بالضبط المياه الإقليمية، مع كارثية ذلك بما يتعلق بالتلويث الخطير لتلك المياه، وترجيح ملاحقة بلد المصدر، أمام المحاكم الدولية، عن هكذا تخريب يومي للمياه المشار إليها، وهي مياه دولية، في الوقت عينه. وهي ملاحقة ستكون باهظة الكلفة!

عدا ذلك، لم تخطىء «الحركة البيئية اللبنانية»، في بيانها الذي أعلنت عنه في مؤتمرها الصحفي، يوم 21 كانون الاول/ديسمبر، وبين ما جاء فيه:

«إن التصدير سيفوّت على البلاد الاعتماد الفوري للإدارة المتكاملة للنفايات التي تعتمد على الفرز من المصدر والفرز الثانوي الميكانيكي من أجل معالجة الفضلات العضوية والتدوير وإنتاج الوقود البديل من المكونات ذات القيمة الحرارية ومعالجة النفايات الخاصة والإلكترونية وإعادة تأهيل المقالع والكسارات بالمتبقيات». 

ثانياً: نظام برجوازي، ولكن لا أدنى علاقة له بالديمقراطية البرجوازية

وعلى الرغم من أن ثمة أدلة لا تُحصى على هذا الواقع*، فنحن سنقصر كلامنا في معالجة هذا الواقع، على نقطتين اثنتين، هما التاليتان: انعدام التقيد، ولو من بعيد، بما تبالغ البرجوازية المحلية في التغني به، ألا وهو دولة القانون والمؤسسات، وهو ما يظهر بخاصة في عدم التقيد المتكرر بالمهل الدستورية لانتخاب رئيس الجمهورية، كما في تمديد المجلس النيابي لنفسه، مراراً وتكراراً؛ والاستخفاف الدائم بالمادة الدستورية التي تشدد على المساواة، أولاً فيما بين المواطنين بلا استثناء، وثانياً وبوجه أخص بين الرجل والمرأة.                                                 

1. انتخابات الرئاسة والمجلس النيابي

ليس ما يحصل منذ أيار/مايو 2014، من تأجيل متمادٍ لانتخاب رئيس للجمهورية، إنما يتم للمرة الأولى. بل هذه هي المرة الثالثة التي يتكرر فيها هذا الواقع، على امتداد الـ 27 سنة الأخيرة، مع انعكاسات ذلك السيئة جداً، ليس فقط على مشاعر جزء هام من سكان البلد، ووعيه بوجه أخص، في بلد لا يزال يتقاسم فيه الناس مواقع السلطة على أسس طائفية ومذهبية، بل كذلك على انتظام الحياة الدستورية والقانونية فيه، كما على استمرار الدولة، وتماسكها، في مرحلة من الفوضى القاتلة التي تعم المنطقة العربية، وتدفع بها إلى النزاعات المسلحة والحروب الاهلية، وتتهددها بالتشرذم والتمزق والتقسيم، ولا سيما في ظروف تتفاقم فيها شتى أشكال التدخل الخارجي، الإقليمي منه، كما الامبريالي العالمي، في مسعى شرس للحيلولة دون انتصار السيرورة الثورية التي بدأت في منطقتنا، منذ شتاء العام 2011. 

والتأجيل المشار إليه إذا كان يخضع، في هذه المرة، لحسابات محلية أساسية تتمثل في المسعى المستميت من جانب عجوز مجنون بالسلطة، هو العماد ميشال عون، للحصول على هذا المنصب، إلا أنه يرتبط كذلك، كما كان دائماً منذ استقلال لبنان عام 1943، بالحسابات والمصالح الإقليمية والدولية، مع غلبة، في هذه المرة بالذات، للعامل الإقليمي المتمثل بالصراع السعودي- الإيراني، على امتداد جزء أساسي من المنطقة العربية، من ضمنه لبنان، بالتأكيد، وإن لم نكن لنستخف بالأدوار العالمية، ولا سيما بعد التورط الروسي العسكري الجسيم في النزاعات المحتدمة في سوريا، بالذات، وأبعد منها، وقبل ذلك عبر قدوم ما سُمي التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية.

في كل حال، وبعد أن بدا هذا الاستحقاق يبتعد باستمرار، على امتداد أكثر من عام ونصف، جرت محاولة جدية، في الفترة الأخيرة، للوصول إلى تسوية تقضي بتسهيل انتخاب النائب سليمان فرنجيه، المنتمي إلى جناح السلطة القريب إلى إيران الحالية، والنظام السوري، عنينا جناح 8 آذار/مارس، ولا سيما أن حسابات خاصة بالطرف السعودي، وبالشخصية الأكثر نفوذاً في الجناح المقابل، جناح 14 آذار/مارس، سعد الدين الحريري، وتفاهمات لهذا الأخير مع فرنجيه بالذات من المرجح أن تتوضح لاحقاً، جعلت ذلك ممكناً. 

غير أن الموقف المتعنت جداً للعماد عون، الحاظي بالدعم المطلق لحليفه، حزب الله، فضلاً عن موقف كل من القوات اللبنانية وحزب الكتائب، اللذين يصبان معاً في هذا الرفض، لا يزالان يحولان دون مرور هكذا مسعىً تسووي، لصالح الزعيم الزغرتاوي (نسبة إلى مدينته زغرتا) الشمالي، ويدفعان مجدداً بالاستحقاق الرئاسي إلى ظروف لاحقة، وتطورات قادمة، في الصراعات الإقليمية، كما في العلاقة بين كل من الدولتين الخليجيتين الاساسيتين، المنوه بهما أعلاه، سوف تبقى تتحكم بصورة حاسمة بما ستؤول إليه الأمور، على هذا الصعيد، بحيث يمكن أن يبقى هذا المنصب الهام للغاية، في واقع الدولة البرجوازية الطائفية اللبنانية، شاغراً لمدة تطول أو تقصر، تبعاً لتقلبات الصراع في المنطقة وعليها.

المهم هو أن هذه التبعية العميقة للخارج، على الصعيد اللبناني، من جهة، كما تفاقم الانقسامات الداخلية الطائفية والمذهبية، تجعلان جانباً أساسياً من الديمقراطية البرجوازية لدينا، في مهب الريح، طالما سيبقى هذا الواقع سائداً، علماً بأن البرجوازية اللبنانية المشوهة للغاية، والتابعة للخارج الإمبريالي، لن يمكن أن تنتج، يوماً، أي شكل من أشكال الديمقراطية.

أما بخصوص الجانب الآخر المتعلق بالمجلس النيابي، وغياب أي صفة تمثيلية له، في ظل واقع التمديد غير المبرر لنفسه، مرتين، على امتداد السنوات القليلة الاخيرة، فهو الآخر إنما يرتبط بواقع الدولة الرأسمالية اللبنانية المشوهة، في ظل العوامل التي أشرنا إليها أعلاه، ولكن  بوجه أخص في ظل التقاسم المستمر للسلطة السياسية فيه، على أساس طائفي. وهو ما سيبقى يعبر عن نفسه بمسعى البرجوازية المحلية لإنتاج قوانين انتخابية تؤبد هذا الواقع، بانتظار حدوث انتفاضة شعبية لاحقة، أكثر عمقاً وجماهيرية وشمولاً من تجارب سابقة كان آخرها ما حدث على امتداد الصيف الماضي. 

2. مبدأ المساواة الدستوري بين جميع المواطنين، بلا استثناء، ولا سيما بين الرجل والمرأة 

تنص المادة السابعة من الدستور اللبناني على التالي: «كل اللبنانيين سواء لدى القانون، وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية، ويتحملون الفرائض والواجبات العامة من دون فرق بينهم».

وفي الواقع، ليس ثمة ما هو أبعد عن الحقيقة من هذا الكلام، ليس فقط، على صعيد العلاقة بين المواطنين، القائمة على التمييز العميق فيما بينهم على أساس انتماءاتهم الطائفية والمذهبية، سواء في المناصب العامة، أو في الوظائف الإدارية، وذلك من أعلى الهرم السياسي (الرئاسات الثلاث) حتى أدنى موقع في هذه المناصب والوظائف، أو على صعيد قوانين الأحوال الشخصية، على اختلافها. وهو أمر يطول توضيحه، وسنتجاوز ذلك، في هذا المقال، للتركيز أكثر قليلاً على التمييز بين المرأة والرجل، مركزين على مسألتين اثنتين:

أولاهما هي تلك المتعلقة بحق المرأة اللبنانية المهدور في إعطاء جنسيتها لكل من زوجها وأولادها، على غرار ما يحق للرجل، علماً بأن النضال النسائي لم يتوقف، ولا سيما في السنوات الاخيرة، لأجل هذا المطلب، عن طريق العرائض والتظاهرات والاعتصامات، ولكن من دون جدوى حتى الآن. 

وتتعلق الثانية بآخر قانون صدر عن المجلس النيابي، في هذا المجال، ألا وهو ذلك المتعلق باستعادة الجنسية، وقد جرى الطعن في دستوريته، أمام المجلس الدستوري، بانتظار صدور قرار عن هذا المجلس بهذا الخصوص. وهو ينص على ما يلي: 

«يحقّ لكل شخص يتوفر فيه الشرط التالي أن يطلب استعادة الجنسية اللبنانية إذا كان مدرجاً اسمه هو أو اسم أحد أصوله الذكور لأبيه أو أقاربه الذكور لأبيه حتى الدرجة الثانية على سجلات الأحصاء التي أجريت بعد إعلان دولة لبنان الكبير أيّ سجلات 1921- 1924 مقيمين ومهاجرين وسجل 1932 مهاجرين، الموجودة لدى الدوائر الأحوال الشخصية في وزارة الداخلية والبلديات والذين لم يمارسوا حقّهم باختيار الجنسية اللبنانية.

شرط ألا يكون المدرج اسمه على السجلات قد اختار صراحةً أو ضمناً تابعية إحدى الدول التي انفصلت عن السلطنة العثمانية مع مراعاة واحترام أحكام الدستور اللبناني».  

ومن الواضح أن القانون الوارد أعلاه يميز بصورة فاضحة بين الرجال والنساء، حين يعطي الحق في استعادة الجنسية، حصراً، لمن كان «مدرجاً اسمه هو أو اسم احد اصوله الذكور لأبيه، أو أقاربه الذكور لأبيه حتى الدرجة الثانية… إلخ». وهو الأمر الذي ينبغي تصحيحه في أقرب وقت، انسجاماً ليس فقط مع نص الدستور اللبناني الصريح، في مادته السابعة، بل أيضاً مع شرعة حقوق الإنسان، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، اللذين يمتلكان قوة تنفيذية فوق القوانين المحلية، بحسب القانون الدولي.

وهي أمور كان الحراك الاخير قد أثارها بوضوح وصراحة، وإن يكن الطرف الإصلاحي اكتفى بموضوع الانتخابات النيابية، كما الرئاسية، ومن مواقعه الليبرالية التقليدية بالضبط، فيما ركز اليسار الثوري فيه، المتمثل بوجه أخص بالمنتدى الاشتراكي، وحلفائه في تحالف «الشعب يريد»، على المسألة اللاحقة المتعلقة بمسألة المساواة، فضلاً عن قضيتي العلمانية والعدالة الاجتماعية، كما سبق أن أوضحنا، في مطلع هذا المقال.

ثالثاً: مرة ثانية عن الحراك: دروس واستنتاجات

لقد كانت قيادة الحراك معقودة منذ البداية لحملة «طلعت ريحتكم» وحلفائها، وبقي هذا الواقع حتى الأخير، بسبب الوزن الضعيف نسبياً لليسار الثوري في الحراك، والتشتت العميق لقوى اليسار التقليدية الأخرى، وتفضيل معظمها الالتحاق عملياً بالقيادة الإصلاحية التقليدية ذات المنحى الليبرالي، في قمة الحملة المذكورة. وهذا إنما لعب دوراً حاسماً في غياب برنامج متقدم قادر على اجتذاب الأغلبية الكبرى من الذين شاركوا في الحراك، وحال دون تبني هؤلاء النقاط البرنامجية الجذرية التي بلورها تحالف «الشعب يريد»، بحفز أساسي من «المنتدى الاشتراكي».

وبالطبع، فإن ثمة أسباباً أخرى لا تقل أهمية لعبت، هي الأخرى، دوراً مؤثراً في الحيلولة دون تطور الحراك إلى انتفاضة شعبية واسعة نسبياً. وفي مقدمة تلك الأسباب ممارسة السلطة القائمة شتى وسائل القمع والضغط لإرهاب المشاركين في الحراك، سواء تمثل ذلك بالهجمات المكثفة والشرسة لقوى القمع، بالهراوات، وقنابل الغاز، وخراطيم المياه؛ أو أيضاً بالاعتقالات الكثيفة نسبياً، والمحاكمات التي شملت الجميع، شباناً وشابات، ما أنهك الحراك الذي بات ينشغل معظم الوقت بالتحركات لاجل إطلاق سراح المعتقلين. وقد تضافرت في الهجوم على المشاركين في الاعتصامات والتظاهرات، جمهرة واسعة من ممثلي الطبقة الحاكمة، البرجوازية، في غرفة التجارة والصناعة والزراعة، كما في جمعية المصارف، وشتى أحزاب البرجوازية المسيطرة، ومن ضمنها تيار المستقبل، وممثلوه في الحكومة، وبوجه خاص وزير الداخلية نهاد المشنوق؛ فضلاً عن حزب الله، وحركة أمل، اللذين أرسلا مراراً مجموعات من المناصرين المشاغبين لقمع الحراك وإرهابه؛ ناهيكم عن جزء أساسي من وسائل الإعلام، التي كان جزء وازن منها منحازاً بالكامل للدولة القائمة، ولرجال المال، والأعمال.

بيد أن ذلك لا يجب ان يطمس الإيجابيات الكبرى لما حصل في الصيف الماضي، وحتى أوائل الخريف. ومن ذلك، ما ظهر، ولا سيما في مظاهرة 29 آب/أغسطس، من كثافة شبابية، من الجنسين، منحازة بعمق للتغيير، ومتخلصة من أي تبعية لجناحَي البرجوازية الحاكمة، المتمثلَيْن بكل من جماعتي 8 و14 آذار/مارس، ومن الزعماء الطائفيين والمذهبيين. وهي الظاهرة نفسها التي ظهرت في العراق في الفترة عينها تقريباً، ولا سيما في بغداد والبصرة، ومدن عديدة في الجنوب العراقي، سواء ضد الفساد والفاسدين في السلطة، أو ضد التمييز الطائفي والمذهبي والعرقي، ولاجل الحرية والمساواة والعدل الاجتماعي.

وليس نافلاً أن نشدد على أن مشاركتنا المكثفة في الحراك، كيسار ثوري، يملك ولو الحد الأدنى البرنامجي، والتعبوي، جعلت العديد من الناشطين/ات في الحراك، وحتى من المشاركين/ات الأقل نشاطية واستعداداً للنضال الفعلي الدائم، يتقبلون/ن دعايتنا وتحريضنا ويبدون استعدادهم/ن لحضور نشاطاتنا ومدارس التكوين لدينا. فضلاً عن الحاجة لإدراك أن عملنا ينبغي أن لا يقتصر على الدعاية والتحريض والتنظيم في صفوف اللبنانيين واللبنانيات، بل يجب أن يطول كل المقيمين على الأرض اللبنانية، من شتى الجنسيات والأقوام، ولا سيما في صفوف اللاجئين/ات.

لقد شهد لبنان في السنوات الخمس الأخيرة حراكَين متفاوتَين من حيث الأهمية، أولهما في شتاء- ربيع 2011، تحت شعار إسقاط النظام الطائفي، وثانيهما هو ذلك الذي حدث في الأشهر الاخيرة، ونجح في استقطاب عدد أكبر بكثير من عدد أولئك الذين شاركوا في الحملة ضد النظام الطائفي، مع استمرارية أطول بوضوح، ومع إبداء جاهزية أكبر أيضاً للتنظم والنضال على أساس برنامجي وسياسي وفكري متقدم. 

وإذا كنا سنخرج باستنتاج أكثر شمولاً وعمقاً فهذا الاستنتاج هو أن إنضاج القيادة الثورية مسألة أكثر من جوهرية، إذا كنا مهتمين بتحويل موجة القعر التي تصعد من عمق المجتمع المحلي إلى انتفاضة، وحتى ثورة، في السنوات القليلة القادمة. وهو الأمر الذي لا غنى عن امتلاك أدواته، وفي الوقت عينه دراسة  كل السبل المناسبة لكي نحوِّل الحلم إلى واقع.

وهذا ممكن!