يا حريه....

العدد السادس - كانون الثاني ٢٠١٦
الملف: 
الثورات العربية
تاريخ النشر: 
كانون الثاني (يناير), 2016

في أواسط الصيف الماضي، وبعد جولة دموية إضافية من القصف الأسدي، الذي لا يتوقف، بالبراميل المتفجرة، وأشكال أخرى من أساليب القتل الجماعي، على امتداد الارض السورية، ظهر ذلك الفيديو المعبِّر جداً، المأخوذ في مدينة دوما المدمرة، وهو ينقل صورة حشد من أهالي المدينة، بين الأطلال، وهم ينشدون "سوف نبقى هنا!". ولم يفُتْهم في ختام لقائهم، وقبل ان يتفرقوا - هم المحرومين حتى من النزر القليل من الحاجات الإنسانية الاساسية، على صعيد المأكل والمشرب، والتدفئة، والملبس، والأدوية، والنوم، وأبسط قدر من الأمن، الخ... - أن يهتفوا بما بات يشكل اللازمة الأهم، في تعبيراتهم عن المطالب والتطلعات، التي سبق أن صدحوا بها، في شوارع دمشق، ومدن سوريةٍ أخرى، في الاشهر الأولى لانتفاضتهم، قبل ما يقرب من الخمس سنوات. اختتموا لقاءهم ذلك، نقول، بشعار: "حريه للأبَدْ/ غَصْباً عنَّكْ يا أسَدْ

وبالطبع، كان في ذهنهم جميعاً، ليس فقط حريتهم هم - وسط حصار طويل قاتل لا يأتي فقط من جانب نظامٍ فريدٍ في إجرامه، بل كذلك من المجموعات السلفية المسلحة التي تمارس ضدهم، هي أيضاً، إجرامها الخاص بها – بل كذلك حرية كل اولئك الرجال والنساء القابعين في معتقلات كلا الطرفين المشار إليهما. ونحن نقصد، بوجه أخص، وبالتأكيد، زنازينَ السلطة البعثية المستمرة في البطش والقتل، بدعمٍ كثيف من حلفائها الإقليميين والدوليين، ابتداءً بالميليشيات المذهبية اللبنانية والعراقية، مروراً بالحرس الثوري الإيراني وما يتلازم معه من إمكانات عسكرية ومالية لدى الملالي وآيات الله، في طهران، وصولاً إلى الأكثر تطوراً في آلة الحرب الروسية، كل هؤلاء الحلفاء الذين يشاركون معها بكل ما أوتيَهم من وسائل الدمار والموت.

ففي تلك الزنازين التي شهدت إلى الآن، وعلى امتداد السنوات الأخيرة، أبشع انواع العذابات، التي تعرَّض لها خيرةُ أبناء الشعب السوري وبناته، الطليعةُ الرائعة التي كانت تشدد على سلمية نضالها ضد الطغيان، في تلك الزنازين، نقول، التي تكاد لا تضارعها من حيث الوحشية ُ إلا المعتقلات النازية، تستمر أدوات التعذيب والإبادة في جرف أجيالٍ بكاملها من التائقين للحرية، أمواجٍ لا تنضب من الشبان والشابات، وحتى الأطفال، الذين يدخلون تلك الاماكن القاتلة، وقد تركت غالبيتُهم الكبرى وراءها أيَّ أملٍ بالخلاص. كل ذلك فيما العالم بأسره، ولا سيما في بلدان الغرب الرأسمالي، غافلٌ كلياً عن هذا الواقع المرير المريع، هو الذي يستشيط غضباً وغيظاً، إزاء أبسط إساءة قد تلحق بأبنائه وبناته، وبالمنتسبين والمنتسبات إليه.

في كل حال، إن ما يحصل في الارض السورية يحصل شيءٌ شبيهٌ به، في مصر، بوجه خاص، وأقطارٍ عربية أخرى، وإن بنُسَبٍ أقلَّ حجماً، في غياب حربٍ  شاملة، هناك، يشارك فيها حلفاء من شتى الاقطار. ولكن آلة القهر والتعذيب والقتل تشتغل ثمة أيضاً، بالحجة نفسها، ألا وهي مقاتلة الإرهاب، فيما العالم نفسه غافلٌ عنها، بالدرجة عينها. والأمَرُّ من ذلك أن قوى اليسار، والديمقراطية هناك، إما متواطئة، على الاقلِّ بما يشبه الحياد، أو هي تعلن عجزها المطلق، بصورة أو بأخرى، وتصمت صمتَ القبور.

هل يمكن فعل شيء؟
أجَلْ! أقَلُّهُ بقرع طبول الاحتجاج. بالنزول إلى الشوارع والساحات، وممارسة كل أشكال الضغط لجعل الجمعية العامة للأمم المتحدة تسارع إلى الاجتماع، واتخاذ توصية، على اساس آلية "الاتحاد من أجل السلام" – طالما يهدد الفيتو الروسي المجرم بالحيلولة دون استصدار قرار في مجلس الأمن - يتم بموجبها إجبار السلطة السورية على إطلاق سراح عشرات الألوف من المعتقلين لديها، المهددين بالموت، في كل لحظة، إما تحت التعذيب، أو جوعاً وبرداً، أو بسبب الامراض القاتلة، المتفشية في المعتقلات، أو بالرصاص. إن إنقاذ هذه الطليعة من أبناء الشعب السوري وبناته دّيْنٌ في أعناقنا جميعاً، وفي اعناق جميع الاحرار، على مستوى البشرية بأسرها. فهذا النظام المتجبر، في وجه شعبه، هو في منتهى الجبن، إزاء أي قرار جدي ضد جرائمه، هو الذي سلَّم أسلحته الكيماوية، صاغراً ذليلاً، لمجرد التلويح له بعقابٍ رادع، على المستوى الدولي.

وقد يكون لسابقةٍ من هذا النوع، فيما لو حصلت، فِعْلُ السحر، على المستويين، العربي، والعالمي العام، في ما يتعلق بحرية المحتجزين، قهراً وظلماً، ضمن معتقلات الظلام والموت الحديثة. وسيكون في وسعنا آنئذٍ أن ننشد، مع المنشدين والمنشدات: "يا حريه... يا زهره ناريه!"
وأن نهتف مع أهالي دوما، المصرين على البقاء، وسط دمار مدينتهم:
"حريه للأبد!"