حول هجمة أواخر الربيع للدولة الإسلامية، ومستتبعاتها

العدد الخامس - آذار ٢٠١٥
الملف: 
الحركات الاسلامية
تاريخ النشر: 
آذار (مارس), 2015

س) ما رأيك بوجهة النظر التي يعبّر عنها عديدون، حين يتطرقون إلى وصف الطبيعة الاجتماعية- السياسية، بوجه أخص، لتنظيم «الدولة الإسلامية» (إذ نادراً ما نجد بينهم من يتناول الجانب الاقتصادي لديه، وإذا فعل فبصورة غير علمية)، كما إلى شكل الحكم الذي يقيمه في مناطق سيطرته، معتبرين إياه ظاهرة فاشية؟

(ج) ثمة استخدامان لتعبير «الفاشية»، أحدهما علميّ يشير إلى مجموعة من السمات ميّزت الفاشية التاريخية، كما قامت في أوروبا، بين الحربين العالميتين، والآخر لا أدنى علاقة له بالعلم يجعل «الفاشية» بمثابة شتيمة تُطلَق على كل ظاهرة قمعية، مهما كانت طبيعتها الاجتماعية والسياسية، شرط أن تكون خصماً لمطلقي الصفة بالطبع. فقد وصفت الحركة الشيوعية، في الخمسينيات من القرن الماضي، نظام عبد الناصر بالفاشي، قبل أن ترى فيه نظاماً تقدمياً، ورأت في الأنظمة البعثية أنظمة تقدمية، قبل أن تعود فترى فيها أنظمة فاشية، أو تصف النظام البعثي العراقي بالفاشي والسوري بالتقدمي، وكلها أمثلة تشير إلى انعدام الصفة العلمية في التوصيف. والحقيقة أن السمات العامة للفاشية التاريخية- حزب جماهيري ذو انضباط عسكري، إيديولوجية مغالية في التعصّب القومي، دكتاتورية الحزب الواحد، نظام توتاليتاري يفرض سيطرة الدولة على  جوانب الحياة الاجتماعية كافة، مضافةً إليها وظيفة الفاشية التاريخية كحركة تجنّد البورجوازية الصغيرة في معركة طاحنة مع الحركة العمالية لإنقاذ الرأسمالية، والخوض في مشروع إمبريالي- إنما هي سمات تجعل من الفاشية ظاهرة خاصة بالبلدان الصناعية الإمبريالية. ولو تركنا وظيفة الفاشية التاريخية جانباً واكتفينا بالسمات العامة، لوجدنا أن أقرب ما شهده الواقع العربي للفاشية هما بالفعل النظامان البعثيان في عراق صدام حسين وسوريا آل الأسد. أما الأصولية الإسلامية بشتى أنواعها- من المعتدل نسبياً على غرار جمعية الإخوان المسلمين، إلى المغالي في التطرف على غرار داعش، ومن النظام الملكي، حليف الإمبريالية الأميركية، في المملكة السعودية، إلى النظام الجمهوري المعادي للإمبريالية الأميركية، في إيران، مروراً بظواهر خارقة كحكم الطالبان في أفغانستان، و«الدولة الإسلامية» في العراق وسوريا- فلا تمت بصلة إلى الفاشية التاريخية، بل هي ظواهر تنتمي إلى نمط خاص من الرجعية الدينية، مختلف اختلافاً كبيراً عن الرجعية القومية، التي تنتمي إليها الفاشية.

والحقيقة أن إطلاق صفة الفاشية من قبل أطراف تنحدر من تراث الحركة الشيوعية، غالباً ما تكون له غاية سياسية جلية هي تبرير التحالف مع قوة رجعية أخرى، بحجة أولوية مواجهة الفاشية، مع الإشارة إلى تحالف الاتحاد السوفييتي مع الامبرياليتين الأميركية والبريطانية، في مواجهة المحور الفاشي الإيطالي- الألماني. فقد وصف الشيوعيون الجزائريون جبهة الإنقاذ الإسلامية بالفاشية، تبريراً لدعمهم للانقلاب والحكم العسكريَين، مثلما يلجأ اليوم بعض الشيوعيين المصريين إلى وصف الإخوان المسلمين بالفاشيين، تبريراً لدعمهم الانقلاب والحكم العسكريَين. أما بعض اليساريين المرتدّين فيصفون كل تلك الظواهر بالفاشية، تبريراً لمطالبتهم الإمبرياليات الغربية بالاحتلال. والطريف في الأمر أن من بين أكثر المتحمسين لنعت داعش بالفاشية أنصاراً لنظام بشار الأسد الذي، هو أشبه بالفاشية مما هي داعش، بما لا يقاس.

(س) كيف تنظر إلى التطور النوعي في مسيرة الثورة المضادة، في المنطقة العربية، المتمثل باندفاع تنظيم الدولة الإسلامية، في أواخر الربيع الماضي،  في كل من العراق وسوريا، وسيطرته على مناطق واسعة فيهما، ولا سيما في البلد الاول، وقد استولى تقريباً على ثلثه، واقام في مناطق السيطرة تلك، في كلا البلدين، سلطة ظلامية دينية؟

(ج) في الحقيقة، فإن داعش، أو «الدولة الإسلاميّة»، كما أطلقوا على أنفسهم عندما أعلنوا «الخلافة»، ليست بنتاج للانتفاضة العربية كما يحلو للبعض التصور، أو الادعاء، بغية التشهير بالانتفاضة. بل هي ظاهرةٌ موروثة من زمن ما قبل الانتفاضة العربيّة الكبرى، ونتيجة فاقعة لمّا أسميتُه في عام ٢٠٠٢ «صدام الهمجيّات»، تدليلاً على التصادم بين الهمجيّة الإمبرياليّة الكبرى وهمجيّة التطرّف الوهّابي الأصغر شأناً، والتي كان تنظيم «القاعدة» أهم تعبير عنها حتى انبثاق داعش. والحال أن الساحة السورية قد شهدت تطوّر همجيّةٍ أشرس من همجيّة الإمبرياليين، متمثّلة بالنظام البعثي- الأسدي، فولّدت همجيّة مقابلة أشرس من همجيّة «القاعدة»، متمثّلة بداعش. وتجمع داعش رافدَين من روافد الثورة المضادة الإقليميّة، ألا وهما التكفيريون من جهة والبعثيون (العراقيون) من الجهة الأخرى، وهي بذلك نتاج للمواجهة الطائفية بين الوهّابيين والخمينيين. وبوجه عام، فإن انتشار داعش لهو تعبيرٌ صارخ عن مأزق الانتفاضة العربيّة، الناجم عن فشل القوى التقدميّة في شقّ طريق ثالثة، على مسافة واحدة من قطبي الثورة المضادة الإقليميّة المتمثّلين بالأنظمة القائمة، من جهة، والمعارضات الأصوليّة الدينيّة، في الجهة المقابلة.

(س) بالمقابل، كيف تقيِّم ردود الفعل الإقليمية والدولية، المختلفة، في شتى تجلياتها، بما فيها العسكرية، على ما حدث، فيما لم تفعل الدول التي صدرت عنها ردود الفعل الصاخبة تلك شيئاً يُذكر، من قبل، بمواجهة ظاهرة بهذه الخطورة، وتركتها تستفحل، وهي تنظر إلى كل ذلك من بعيد، على مدى اكثر من عام ونصف، تقريباً؟

(ج) لا أستهجن عدم اكتراث الدوَل لتطوّر داعش حتى الربيع المنصرم بقدر ما أستهجن، وبفارق شاسع في حدّة الاستهجان، عدمَ اكتراث الدوَل ذاتها للمجزرة الهائلة التي ذهب ضحيتها مئات الألوف من أهلنا في سوريا، وللتدمير المذهل الذي محا أحياءً وقرىً بكاملها من سطح الأرض، وحوّل بعضَ معالم التاريخ العربي إلى أطلالٍ، بعد أن كانت قد صمدت طوال القرون. فهمجيّة بشّار الأسد ومن لفّ لفّه فاقت بما لا يُقاس همجيّة هولاكو التتاريّ، التي كانت أكثر انسجاماً مع عصرها بكثير. ويصبح السؤال بالتالي: بعد أن كانت الدول غير مبالية بمأساة الشعب السوري العظمى، بما في ذلك تطوّر داعش نفسها، لماذا تراها استفاقت فجأة عند اكتساح داعش لمساحات هامة في العراق، فأنشأت «ائتلافاً» غربياً-عربياً لغاية تسديد الضربات الجوّية لداعش؟

(س) كيف تفسر إذاً الموقف الاميركي المعضَّل المستجد، بعد ان كان الرئيس أوباما يستبعد، في سنوات حكمه الست السابقة، ايَّ انجرار إلى التدخل العسكري، خارج بلده، ولا سيما على صعيد إنزال قوات، والزج بها في عمليات قتالية، على الارض؟ كما كيف تنظر كذلك إلى التمايز بين طريقة تدخله في سوريا، وطريقة تورطه في العراق، وكيف ترى إلى أسباب ذلك؟

(ج) إن الجواب عن هذا السؤال ليس في حرص أميركا وحلفائها الغربيين والعرب على الإيزيديين أو على المسيحيّين، كما يرى الذين باتوا يفسّرون كل الأمور تفسيراً طائفيّاً، بل في وصول داعش إلى آبار نفط في العراق، وتهديدها باجتياح بغداد ذاتها، الأمر الذي أخرج النزاع من الدائرة السوريّة، وهدّد بتفجير المنطقة برمّتها. اما أهميّة العراق بالنسبة للإمبرياليّة الأميركيّة فهي التي جعلتها تخوض في حربٍ على بلاد ما بين النهرين، وفيها، منذ ما يقارب ربع قرنٍ من الزمن. وأما سبب تلك الأهمّية فمتعلّق بالنفط- مثلما لا يوجد تفسيرٌ للفرق بين التدخّل العسكريّ الدُولي في ليبيا، وعدمه في سوريا، سوى النفط، منظوراً إليه كعاملٍ استراتيجي فائق الأهمية.

(س) سواء في العراق أو في سوريا، كان واضحاً إن الإدارة الأميركية الراهنة تنظر نظرة خاصة إلى مسألة حماية المناطق  الكوردية،  في كل من البلدين، وتعطيها اهتماماً مميَّزاً. إلام تعزو ذلك، وما الخلفيات الفعلية لهذه المسألة، وهل يمكن ربط ذلك بإمكانية دعم الولايات المتحدة، لاحقاً، تقسيماً جديداً للمنطقة العربية، غير ذلك الذي جاءت به اتفاقات سايكس- بيكو؟ وهذا، أكان على أساس طائفي -  مذهبي، أو على أساس قومي؟ ومن ثم إلى أي حد قد يكون من ضمن المخططات الاميركية دعم قيام دولة كوردية مستقلة، أكانت تشمل كوردستان العراق فقط،  أو تتعدى ذلك إلى جزء آخر، أو اكثر، من مناطق التواجد السكاني الكوردي الغالب؟

(ج) في الحقيقة، فإن كوردستان العراق دولةٌ مستقلة فعلياً - وإن لم تكن قانونياً - منذ عقدين من الزمن، تملك كل مقوّمات الاستقلال، وهي تُبقي على علاقة محدودة من الطراز الكُنْفِدِرالي (أي الاتحادي بين كيانات مستقلة) مع سائر العراق. والذي حال حتى الآن دون إعلان دولة كوردستان العراق المستقلة هو ارتهانها بحليفيها وعرّابيها التركيّ والأميركيّ، المتخوفَيْن من آثار مثل ذلك الإعلان في تشجيع سائر الكورد - ولا سيّما غالبيّتهم القاطنة في الأراضي الكورديّة التي تسيطر عليها الدولة التركيّة - على مواصلة النضال لتحرير كامل الأمة الكورديّة وتوحيدها. أما الذين يظنّون أن واشنطن هي التي تخطط لإقامة دولة كورديّة، فلا يسعهم فهم اعتراضها، اي واشنطن، على إعلان تلك الدولة، على الرغم من اكتمال شروطها الماديّة، منذ سنين عديدة. والحال أن أميركا وسائر الدول الإمبرياليّة، بما فيها الإمبرياليّة الروسيّة، حريصة على إبقاء الحدود الاستعماريّة، على حالها، حرصَها على استقرار المنطقة بوجه عام، صوناً لمصالحها. لذا تدخّلت في العراق لمنع داعش من نسف الحدود الاستعماريّة، على طريقتها، مثلما تدخّلت عام ١٩٩٠ لمنع صدّام حسين من تغييرها على نسقه. ولن ترضى عن تغيير في خريطة المنطقة، إلا إن كان من شأنه إعادة الاستقرار إليها وضمان مصالحها. وهذا أمرٌ مستبعد تماماً في المستقبل المنظور، حيث ليس من مشروع «تقسيمي» إلا ومن شأنه تسعير اللهيب الإقليمي.

(س) إلى أي حد يمكن أن نتصور تقارباً، ولو نسبياً، في رؤية كل من الإدارة الاميركية، من جهة، وإسرائيل، من جهة أخرى، لمجريات الصراع الحالية، في منطقة ما يسميه البعض الهلال الخصيب، ولآفاق هذا الصراع؟ وكيف يتمظهر هذا التقارب المرجح، وما حدوده؟

(ج) هذا السؤال يفترض وجود تباعدٍ بين الرؤيتين، بينما لا أرى مثل هذا التباعد، سوى في ما يتعلّق بالملفّ الفلسطينيّ، حيث تختلف نظرة واشنطن عن نظرة نتانياهو (وتتفق مع نظرة بعض خصوم نتانياهو الإسرائيليين). بالنسبة للملفّ الفلسطينيّ، تتمنّى واشنطن، ومعها الحلفاء الأوروبيّون، أن يكفّ نتانياهو عن التضييق على محمود عبّاس، وهو، وعلى الرغم من انبطاح هذا الأخير، يدوس على ظهره باستمرار. أما بالنسبة للأوضاع الإقليميّة، فالرؤيتان الأميركيّة والاسرائيليّة متقاربتان في الأساس، ترَيان في الدور السعوديّ الإقليميّ خيرَ حليفٍ لمصالح دولتيهما. وإن ما نسمعه من تحذير اسرائيلي مستمر من تليين الموقف من إيران إنما يلتقي مع التحذير السعوديّ، وإن كان الأول علانياً، والثاني مستوراً شيئاً ما.

(س)  منذ الحرب على العراق سنة ١٩٩١، بات من الواضح أن الإدارة الاميركية تؤْثِر عدم الدخول في اعمال عسكرية في المنطقة العربية، بوجه أخص، إلا من ضمن أحلاف واسعة، إقليمية ودولية. وهو ما تكرر في احتلال العراق سنة ٢٠٠٣، أيضاً، ويتكرر الآن، في ما بات يعرف بالحرب على الإرهاب، المستهدف فيه تنظيم الدولة الإسلامية، وباقي مكونات الحراك العسكري الأصولي الإسلامي. ما الذي يميز، في رأيك، التحالف الحالي، مما سبقه من احلاف عسكرية دولية، بالقيادة الاميركية، خاضت اكثر من حرب طاحنة ضد منطقتنا؟ وما هي الأهداف الفعلية المرجَّحة، لأطراف هذا التحالف، من ورائه، ولا سيما أميركا، من جهة، وبوجه اخص، واوروبا، من الجهة الأخرى؟

(ج) لا أرى تمايزاً جديراً بالذكر بين التحالفات المذكورة، غير ضيق الائتلاف الذي أشرف على احتلال العراق سنة ٢٠٠٣، بالمقارنة مع ائتلافي سنة ١٩٩١ و٢٠١٤، وكذلك ائتلاف سنة ٢٠١١، الذي تدخّل في النزاع الليبيّ. في عمليّة استيلاء أميركا على العراق، تحت قيادة إدارة بوش سنة ٢٠٠٣، نشب خلافٌ بين جزء من الإمبرياليّة الأوروبيّة، متمثلٍ بفرنسا وألمانيا، والإمبرياليّة الأميركيّة. أما في التدخّلين العسكريّين الآخرين في العراق، سواء عام ١٩٩١ أو ٢٠١٤، فالاتفاق واسع إلى حدّ أن التدخّل حاز رضى موسكو والنظام السوري، ومشاركة هذا الأخير في القتال، سواءً كعضو رسمي في الائتلاف سنة ١٩٩١، أو كعضو غير رسمي حالياً.

(س) كان هنالك، في مستهل عمليات التحالف المذكور، الكثير من البلبلة، والتخبط، على الاقل، في الظاهر، حيال الدور الذي يتصوره أوباما وإدارته للنظام الإيراني في الحملة العسكرية على تنظيم الدولة، و«أخواته»، فيما بات واضحاً اكثر فاكثر، ومنذ أسابيع عديدة، انهما يحبذان مشاركته (وهو ما يحصل بالفعل). لماذا؟ وهل يمكن ربط ذلك بتقدم جدي للمفاوضات الغربية معه بخصوص النووي الإيراني، وبإعادة نظر عميقة في رؤيتهما لتلاقٍ محسوس في المصالح مع النظام المشار إليه؟ وإذا كان ذلك صحيحاً، فما الانعكاسات الممكنة لهكذا إعادة نظر على قضايا منطقتنا، بعامة، ومن ضمنها ما نراه من مشاركة معظم قوى التحالف، العربية منها والغربية، فضلاً عن إيران وروسيا، ومن لفَّ لفّهما، في تنظيم وإسناد سيرورة الثورة المضادة، في مواجهة ما كان بدا قبل سنوات اربع انطلاقاً باهراً، وإن متعثراً، نسبياً، لسيرورة ثورية واعدة؟

(ج) يصعب التكهّن بما قد تؤول إليه المفاوضات، بين واشنطن وطهران. فأميركا تريد تدجين النظام الإيراني، لا إسقاطه، وقد أمَلت أن يكون حلول حسن روحاني محلّ محمود أحمدي نجاد، رئيساً للجمهوريّة، بادرةً تشير إلى استعداد طهران لتليين موقفها. وفي نهاية المطاف، تتمنّى أميركا، مثلما يتمنّى الحكم السعوديّ، أن تتوصّل المساعي الدُولية إلى إجبار إيران على الإقلاع عن طموحاتها الإقليميّة، والاكتفاء بحصةٍ تُضمن لها، لقاء عدم تحريكها القنوات الطائفيّة وغيرها، في بسط هيمنتها على أجزاء من المنطقة.

وقد رأَيَا أن طهران ذهبت بعيداً، في هذا الاتجاه، حيث أصبحت مسيطرةً فعلياً على جزء هام من العراق، كما هي مسيطرة على النظام السوري، الذي بات كامل الارتهان بها. والحقيقة أن هذا الانتشار للهيمنة الإيرانيّة أخطر بكثير، في نظر واشنطن والرياض (ناهيك عن الدولة الصهيونيّة)، من انتشار داعش. وقد رأيا في ذلك الانتشار الأخير عاملاً مضاداً استعملته واشنطن، في إعادة تعزيز ما تبقّى لها من نفوذ، في العراق، وتسعى لاستغلاله أيضاً في إقناع طهران، بالتعاون في الملفّ السوري. أما طهران فتحاول الحصول على ضوء أخضر لها، في تطوير طاقتها النووية، وعلى ضمانة لاستمرار حلفائها في مواقع السلطة، في بغداد ودمشق، واحترام واشنطن والرياض لذلك الاستمرار. وقد بات سلاح النفط سلاحاً رئيسياً، في هذه المواجهة، إذ إن تخفيض السعوديين لأسعار النفط، إنما هو، بالدرجة الأولى، بغية الضغط على طهران وموسكو، وهو ضغط فعّال بلا شكّ.

(س) في سياق كل هذه الصورة المعقدة للصراع التناحري الراهن، في منطقتنا، وعليها، هل تنظر بجدية إلى ما يرشح من أخبار وتسريبات، حول اتفاقات جديدة، أميركية - روسية (مع إيلاء وزن، هذه المرة، لدور إيراني، على عكس ما حصل خلال مؤتمر جنيف- ٢)، بخصوص إعادة اعتبار فعلية لمساعي حل للوضع في سوريا، على أساس اتفاق جنيف واحد، وفي إطار يستبعد استمرار بشار الاسد، في السلطة؟ وإذا لم يكن ذلك وارداً، كيف تتصور التطور المحتمل للصراع، على الأرض السورية، في المديين، المنظور والمتوسط؟

(ج) أعتقد أن سقف أي اتفاق، بالنسبة لطهران، هو استمرار الهيمنة الطائفيّة العلويّة، على مقالد الدولة والقوّة العسكرية الرسميّة، في سوريا، ليس حبّاً بالعلويين، بل لاقتناع إيران بأن علوييّ السلطة باتوا مرتهنين بها، بينما فكّ هيمنتهم على الدولة من شأنه أن يؤدّي إلى فكّ الارتباط بين دمشق وطهران، وكسر المحور الاستراتيجيّ، الممتدّ من إيران إلى لبنان، مروراً بالعراق وسوريا، تحت قيادة طهران. ولا تمانع واشنطن في بقاء دور بارز للعلوييّن في الدولة السورية، إنما تريد أن تقلّص ذاك الدور، شيئاً ما، وتزيد من دور النخبة الطبقيّة السنيّة، على غرار ما باتت تسعى وراءه، في العراق. ولو وجدت طهران طريقةً لإزاحة آل الأسد عن السلطة، من دون المخاطرة بفرط عقد الهيمنة العلويّة، على مقالد الحكم في دمشق، فقد تقبل بتنفيذها، ثمناً لمبغاها الأشمل، إلا أن ذلك يبدو مستعصياً، في الوقت الراهن.

لذا فما يلوح في الأفق إنما هو اتفاق يبقي على بشار الأسد رئيساً، ويضيف إليه رئيساً للوزراء، سنّياً كالعادة، بصلاحيّات موسّعة، ومعاذ الخطيب هو مرشّح لذلك الدور.

وبكلام آخر، ما يجري الإعداد له هو نوعٌ من «اتفاق الطائف» السوري، على طراز اتفاق سنة ١٩٨٩، الذي أنهى الحرب الأهليّة اللبنانيّة، تحت وصاية سعودية- سورية، بمباركة أميركية. وفي الحالة السورية سوف تكون الوصاية سعودية- إيرانية، مع المباركة الأميركية، بالطبع.

(س) هنالك في اوساط المعارضة السورية الجذرية اعتقاد ان أي بديل من النظام السوري الحالي، مهما كان بائساً، يبقى أفضل من بقائه، فيما لا يشارك أصحابَ هذه الرؤية رأيَهم عديدون آخرون، بحجة أن خطر التكفيريين الإسلاميين أشد جسامة بكثير. لا بل يرى الاولون أنه بسقوط بشار ونظامه، يصبح هؤلاء في وضع بالغ الهشاشة، بسبب افتقادهم الحاضنة الشعبية، ويسهل عند ذلك التخلص منهم. ما رأيك في كل هذا؟

(ج) في الحقيقة، لا يمكن تصوّر زوال النظام السوري الحالي، بغير اتفاق إقليميّ دُوليّ لن يقوم سوى على أنقاض داعش، وبلجم التكفيريين السنّة، على أنواعهم، ومعهم كل السلفيّين المتشدّدين. طبعاً، لو أرادت واشنطن مدّ المعارضة السورية بالأسلحة- ناهيك عن التدخّل المباشر، في فرض حظر جوّي فوق سوريا، وقصف بنية النظام العسكرية، على غرار ما جرى في ليبيا- لَسقط نظام آل الأسد بسرعة، ولَحلّت محلّه فوضى على الطريقة الليبية، وتنازعٌ بين شتّى الأطراف المسلّحة. وهذا هاجسُ واشنطن، منذ البداية، وسببُ رفضها للتدخّل المباشر، ضد نظام دمشق، ولمدّ خصومه بوسائل تحقيق الانتصار. وقد رأت واشنطن كيف فلتت الأمور من يديها، في الحالة الليبيّة، وقام الثوّار بإطاحة النظام والدولة، بلا ضوء أخضر غربيّ، لتقوم محلّهما حالة استباحة يبدو الغرب عاجزاً إزاءها. وفي الحقيقة، فإن مقياسي الأول والأهم بات مصير الملايين من السوريين، بين المهدّدين بالموت، والمشرّدين، في أحلك الظروف. وأمام تلك المأساة الهائلة، أرى أن أيّ مزايدة من الخارج، كمن يريد مواصلة القتال حتى آخر سوريّ، منافية لأبسط الأخلاق الإنسانيّة. فأي حلّ، مهما كان بائساً، يسمح بإيقاف المعارك، وعودة اللاجئين، سيكون خطوةً إيجابيّة لا يمكن الاعتراض عليها. وقد بات مصير سوريا كياناً وشعباً، ناهيك عن مصير الثورة السوريّة، رهناً بوقف صدام الهمجيّات، الذي غدا مخيّماً على الوضع السوري، والعودة بهذا البلد إلى حراك سياسيّ، واجتماعي، يتيح للشريحة الواسعة جداً من الشباب السوري التقدّمي أن تلتحم، وتسعى إلى «إسقاط النظام» الطبقي، برمّته، فسحاً في المجال أمام إعادة بناء سوريا، على أسس تضمن الحريّة، والديمقراطيّة العلمانيّة، والتنمية السليمة، والمساواة الاجتماعية.
--
* أُجريت هذه المقابلة مع د. جلبير الأشقر، الاستاذ في معهد الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) في جامعة لندن، وذلك في أواخر ديسمبر/كانون الاول ٢٠١٤، الماضي. من بين اهم الكتب التي صدرت له، بالفرنسية، تحديداً، مع ترجمات لها إلى العديد من اللغات الأساسية، وبينها الإنكليزية، والإسبانية، والعربية، وغيرها: «صدام الهمجيات» (٢٠٠٢)، و «الشرق الملتهب» (٢٠٠٤)، و «العرب والمحرقة النازية» (٢٠١٠)، وصولاً إلى كتابه «الشعب يريد» (٢٠١٣).