برج بابل ومكافحة الإرهاب في العراق (النتائج والتوقعات)

العدد الخامس - آذار ٢٠١٥
الدولة: 
العراق
الملف: 
الحركات الاسلامية
تاريخ النشر: 
آذار (مارس), 2015

لا زال العراق، عقب احداث الموصل منذ شهر حزيران المنصرم، في صدارة اخبار الاعلام العالمي، ويبدو أن تطورات هذا البلد ومأزقه السياسي وتناقضاته انعكاس لما يجري من احداث وتطورات وصراعات في الإقليم والمنطقة والعالم بأسره. وهذا الامر ليس بمدعاة للدهشة والغرابة، فقد تحول البلد، في العقود الفائتة، وبشكل متدرج، الى بؤرة للازمة الإقليمية والعالمية، وارادت أميركا، من خلال شن الحرب على دولته واحتلال ارضه، ان تصفي حسابات مصالحها مع غرمائها، وتفرض هيمنتها بفضل قوتها العسكرية على عالم يتجه بخطوات متسارعة الى تعددية قطبية، بحيث يكون احتلال العراق وإخضاعه للولايات المتحدة خطوة هامة في هذا الاتجاه.

لم تجر الرياح كما اشتهى الاسطول الحربي الاميركي، لكون تناقضات النظام الرأسمالي العالمي كانت أكثر حدة من ان يجري تنفيسها، عبر شن حرب أميركية، ولم يكن بالهين وقف التشكل المتسارع للاقطاب الدولية الأخرى وافتعال الازمات او نقلها اليها. ولذلك انفجر كل شيء، وظهرت الثقوب السوداء لتبلع البلد برمته. انهارت المعادلات والترتيبات، وأصبح بقاء العراق، ككيان سياسي مستقل، موضع تساؤل، وبات الحديث عن الغاء الحدود المرسومة وفق اتفاقية سايكس بيكو القديمة حديث كل ساعة. كما ان الظهور الأخير لداعش، أي تنظيم الدولة الإسلامية، وركوبه أمواج الصراعات الجارية في بركة الدم العراقي، وقبله سلفه تنظيم القاعدة في العراق، لايمثل سوى زاوية صغيرة، رغم هول الفاجعة ووقع الصدمة، من تلاطمات دوامة سياسية وامنية واجتماعية أكبر.

هناك أسئلة كثيرة تؤرق بال الكثيرين، اقلها تتعلق بمصير البلد برمته، وبواقع الصراعات السياسية الجارية والعواصف والتسوناميات السياسية، التي تهب على البلد، بين فينة وأخرى. ولعل الأهم منها سؤال يتعلق بمغزى التحركات الاميركية الاخيرة وماهية التحالف السياسي الدولي الجديد بقيادتها، الذي تشكل للتو، ضد إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية، ومصير سفينة نجاة حيدر العبادي وحكومته، ومدى قدرتها السياسية والعسكرية على معالجة الازمة الراهنة، وإعادة التوازنات الطائفية والعرقية القديمة، او خلق حالة جديدة فيما بينها، بغية السيطرة على الأوضاع المتفجرة، وطرد داعش من المناطق التي سيطرت عليها، او تهميش دورها في المناطق المنكوبة الواقعة شماليَّ البلد وغربه، وكذلك مدى قدرتها على التكيف مع التحالف الدولي المعلن ضد الإرهاب! هذا التحالف الذي أبعدت إيران عنه، وترددت تركيا في قبول الانتساب إليه.

اوباما يصنع برج بابل!

ان من يستمع الى خطب الرئيس الأميركي أوباما وحلفائه الغربيين فيما يتعلق بالعراق والمنطقة، بعد ظهور داعش، ومن يتنقل بين وسائل الاعلام المعاصرة (صناع الرأي ومخدري العقول بامتياز) والمؤثرة، يتراءى له كما لو أن العالم اجمع جرفه طوفان الإرهاب، المتمثل بظهور داعش، وانه لا سبيل ولا خيار لنا غير مواجهة هذا الخطر المروع بغية إنقاذ البشرية، وان هذه القوة السوداء، في سبيلها لبلع العراق وسوريا برمتهما، وربما العالم بأسره، وان عليه، بقيادة أميركا وحلفائها بالطبع! ان يقوم بكل ما بوسعه لاحتواء الخطر المحدق. ومن هنا، وتحت تلك الذريعة، تمت الدعوة الى بناء تحالف دولي جديد، بقيادة أميركية، لمواجهة الكارثة المحدقة، وحماية الدول التي تبعثرت نتيجة الطوفان وتبلبلت السنتها- بحسب ما تقول الرواية التوراتية في سفر التكوين- وعليها الآن ان تتحدث بلغة واحدة، بحيث تكون قطباً جديداً، وبمثابة بوابة الهية مقدسة للحرب على الإرهاب، وبغية السيطرة على عالم الفوضى.

اما السؤال البسيط الذي يتبادر الى الذهن فهو هل ان العالم، بشكل عام، والعراق بشكل خاص، بحاجة الى هذا التحالف الدولي غير المقدس؟ وهل ان الخطر ماحق الى درجة يتطلب إزاءها بناء برج دولي معاصر تجتمع فيه دول العالم، وتواجه من خلاله العدو المتوحش المزعوم؟

بخصوص الشق الثاني من السؤال، من المؤكد أن أوباما يكذب- مثل كذبة سلفه بوش بشأن امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل- في ما يتعلق بحجم خطر داعش الدولي، حيث انه يريد من خلال اطلاق تلك الاكاذيب، بشكل او بآخر، وعبر خلق البعبع الداعشي، واستعظام دوره- بعد أن كان غض الطرف عن المساعدات والتغذية، بالمال والسلاح، التي تلقتها القوى الإرهابية الجديدة في العراق وسوريا، والمنطقة بأسرها- توليد «الصدمة» و«الرعب» من داعش، ومن ثم صناعة «الإذعان»، والاستحصال على التسليم بالحاجة إلى الدور البطولي لأميركا وقواتها العسكرية.

وهذا الامر ليس بجديد على العراقيين، حيث انه يمثل المشهد الثاني بالنسبة لهم. في المشهد الأول، تحولت ارض العراق الى ساحة لشن معركة عالمية ضد الإرهاب. ففي السنة ٢٠٠٣، طلب دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأميركي الأسبق، إبان الحرب الأميركية، إلى كل الإرهابيين في المنطقة والعالم، الظهور لأجل المنازلة الكبرى في العراق، اما اليوم فيكرر أوباما، ممثلاً المشهد الثاني، نفس الخطاب، ولكن بفارق بسيط: حيث اكدت وتؤكد كل التقارير الاستخبارية أن عملية تربية وتفقيس الإرهابيين في أوروبا قد تمت، وان نزوحهم ومغادرتهم الى سوريا والعراق، عبر البوابة التركية، قد اكتملا بنجاح، وان المزيد منهم قد التحق بركب الإرهاب الداعشي من الاراضي الكويتية والسعودية والتركية ايضاً، ولم تعد هناك حاجة الى تكرار ما كان دعا اليه رامسفيلد في حينه، وان الواجب يتطلب النزول مباشرة الى ارض المعركة، من الفضاء كبداية، وعبر شن ضربات انتقائية، على أن يعقب ذلك نزول عسكري محدد المدة، إن تطلب الامر، ومراقبة ما يجري في الارض من برج أربيل (برج بابل سابقا)، وعبر الشاشات الالكترونية، مع نزول الملائكة المسلحين (مستشارين عسكريين، وفرق عسكرية خاصة لمحاربة الإرهاب)، بين فينة واخرى، لمساعدة الأنبياء والمرسلين الحلفاء (!)، ومن ثم تعزيز التواجد العسكري المباشر عبر بناء قواعد عسكرية جديدة في العراق (قاعدة الحرير في محافظة أربيل) واستحداث قوات عسكرية ميليشياوية بديلة وموالية (جيش القوى السنية- العشائرية)، ومستقبلاً تنفيذ غيرها من المهمات والخطط العسكرية، التي يعِدُّها البنتاغون، لاعادة احتلال العراق، بشكل أو بآخر، او ربما المناطق الحيوية في المنطقة باسرها.

اما فيما يتعلق بالشق الاول من السؤال، فمن المؤكد ان أميركا الآن بأمس الحاجة الى تشكيل تحالف دولي من هذا القبيل، لا لدحر الإرهاب او ما شابه، بل بغية التعويض من الخسارة، ووقف انحسار دورها كقطبٍ دولي شهد بعض التفكك، بسبب زيادة الدور الروسي في أوروبا، ودور الأقطاب الاخرى، وبسب الانسحاب من العراق وتداعيات احداث الربيع العربي، وتفاقم الوضع السوري، وانهيار التعاون الروسي-الأميركي الذي استمر لبرهة لاحتواء ما يجري.

ففي عالم يشهد انقساماً الى اقطاب دولية متنافسة، ويتجه بشكل متزايد الى ان يكَوِّن اقطاباً متعارضة، لا تستطيع دولة ما، مهما امتلكت من قوة وهَيْبة، ان تخوض غمار المواجهة لوحدها، ومن المحتم بناء قطب دولي فاعل ومؤثر، يواجه الأقطاب الأخرى ويتصارع معها، مع السعي الى اضعاف الدول التي تدور في فلكها، واعداد العدة لانهيار بعضها وتفكيك بنيتها (التجربة الأوكرانية وهزيمة حكومة يانوكوفيتش الموالية لروسيا).

وهذه الحاجة الاستراتيجية، التي تتخذ ابعاداً سياسية وعسكرية واقتصادية شتى، تفرض نفسها كمنطق وقانون، لدى الدول التي تمتلك عقيدة راسخة بأنها هي زعيمة العالم المعاصر، وان العالم يجب ان يتكيف مع صورتها، وان عليها ان لا تقبل بمبدأ «التنافس الحر» والتراجع الاقتصادي، ناهيك عن التورط في أزمات كبرى، قد تنجم عنه؛ وإن حصل ذلك، مثل ازمة سنة ٢٠٠٨، فإن العالم يجب ان يدفع ضريبة ازمتها وتراجع اقتصادها، وهي في سبيل تنفيذ ما تذهب اليه، تضرب عرض الحائط بمبادىء القانون الدولي، والمنظمات الدولية المنوطة بها حماية الامن الدولي، مثل مجلس الامن الدولي، الذي لا بد من الاستحصال على موافقته، بشأن العمليات العسكرية في العراق، او في سوريا، او في أي مكان آخر. ومن هذا المنطلق، يجري التلاعب بأسعار النفط والغاز الطبيعي، كسلاح للهيمنة القطبية، مثلما جرى التلاعب بذلك ابان عقد الثمانينيات، لتضييق الخناق على الاتحاد السوفييتي، آنذاك، ويتم اللجوء إلى ذلك، مرة أخرى، بغية ضمان انخفاض مداخيل الدب الروسي، الذي تُقدر خسارته، جراء الهبوط الأخير في أسعار النفط، بقرابة ٦٠ مليار دولار، او تفتعل أزمات اقتصادية وسياسية أخرى، بابعاد مختلفة، في مناطق حيوية شتى.

اما والى أي مدى ستكون للعالم الرأسمالي- الامبريالي الغربي قيادة جديدة حكيمة، في بحر الازمات والعواصف الرعدية، التي ستهب مرة أخرى، مثلما هبت عام ٢٠٠٨، والى أي مدى سيبقى قطباً دولياً متماسكاً، بوجه الأقطاب الأخرى التي تتشكل للتو، فذلك يتوقف على صراعات سياسية واقتصادية تتخذ ابعاداً دولية وإقليمية متلونة، تلعب فيها الدول الأخرى، القادرة على المنافسة والتحدي العسكري والسياسي والاقتصادي والتكنولوجي، دوراً لا يستهان به، علماً بأن «عالمنا الصغير» لا يتسع لامبراطورية كبيرة، وان الاحلام التي راودت كيسنجر في الآونة الأخيرة مجرد أحلام، وربما تعبر عن خرف الشيخوخة، ولكن المصيبة تكمن في السعي الى تحويل تلك الاحلام إلى واقع، من قبل دولة بدأ المتطرفون (في الحزب الجمهوري) يهيمنون عليها بشكل تدريجي، وتمتلك ترسانة كبيرة من أسلحة الدمار الشامل، تكفي لوحدها لمحو البشرية جمعاء، وتؤمن بمبدأ الضربة النووية الأولى، والحرب الاستباقية، لكسر ظهر خصومها.

العراق والتحالف الدولي ضد داعش!

ان التحالف الدولي الجديد لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية لايخرج عن الأهداف والأُطُر المار ذكرها اعلاه، بل انه يمثل انتهاكاً صارخاً لسيادة دول المنطقة، وتدخلاً فظا في شؤونها، ولايمثل بأي شكل من الاشكال احتراماً لقرارات دولية، وشرعية دولية. واختيار العراق من قبل هذا التحالف، ليكون ارضاً لتشكله وليس افريقيا، مثلاً، واستعظام دور داعش واستهدافه، لا بوكو حرام النيجيرية، او حركة الشباب الصومالية، مرده وجود مصالح حيوية كبرى لأميركا وحلفائها الغربيين فيه، ما يقتضي توسيع دائرة هذا التحالف، وجر دول المنطقة الى فلكه، دونما الإحساس بالحاجة للعودة الى أي قرار دولي، ومن هنا فقد تم جر العراق اليه، ولهذا الغرض تحديداً، حقنت العملية السياسية المتأزمة فيه بدماء جديدة، واعيد ترميم دولته الهرمة، مع التمسك بسياسة العصا والجزرة ازاءها، وابقائها ضعيفة ولاحول لها ولا قوة، على ان تبقى كذلك، بغية املاء الشروط الجديدة، والترتيبات السياسية والعسكرية المقبلة، ومنها إعادة بناء بعض القواعد العسكرية الجديدة، وفرض وجود اسطول من المستشارين العسكريين، والهرولة لكسب النفوذ في المناطق المنكوبة في الوسط العشائري، و.......الخ.

وكون البلد لاسيادة له، وفي قبضة الاحتلال الأميركي، رغم جلاء قواته العسكرية عنه، وفضاؤه (ارضه وسماؤه) مفتوح للأسطول الأميركي الحربي، ولطائرات أميركا النفاثة والمقاتلة، ولطائرات حلفائها، وتحكمه طبقة تستغيث باميركا في كل لحظة حرجة (مطالبة المالكي، سابقاً، والبارزاني، بالتدخل الفوري لحمايتهما من داعش!)، ان كل ذلك يشكل بالنسبة للشعب العراقي مصائب، اما لاميركا وتحالفها فما هو الا نقاط قوة وفوائد.

من اول نظرة يتراءى للجميع الآن بأن العراق بحاجة ماسة الى هذا التحالف، حيث انه ضحية إرهاب تنظيم الدولة الإسلامية  تحديداً، وان «العالم الحر» ينبغي ان يجتمع ليخلص الفريسة من مخالب وحش خرج للتو من جحوره، براية سوداء دولية، معلنة عن دولة إسلامية في العراق والشام، تتجاوز كل الحدود، بالغائها الحدود المرسومة القديمة، بين العراق وسوريا.

وبغية ان يقتنع العراقيون والعالم اكثر فأكثر بخطر البعبع الداعشي، وبهول الفاجعة، حدث ما حدث بشكل أدى الى خلق حالة من «الصدمة» و«الرعب» في المشهد العراقي، حين استولى الوحش على مدينة كبيرة، مثل الموصل، مع الاستيلاء، فضلاً عن ذلك، على الكثير من الاسلحة والاموال، والزحف باتجاه مناطق استراتيجية أخرى. والعالم اجمع رأى من خلال شاشات التلفزة كيف ان الوحش يأكل ضحيته، ويشرب من دمها، ويشتهي المذابح والوليمة البشرية، (كمجزرة مدينة شنكال مثلا ضد اليزيديين)، بحيث يؤدي ذلك الى صدمة عالمية وإقليمية تبرر كل تدخل امبريالي، وكل نوع من التحالفات، خارج اطار الشرعية الدولية، بغية احتواء الازمة، وتدارك الموقف...

وظاهر الحال يفيد بأن هذا التحالف هو لأجل العراق ولمصلحته (مثلما سبق ان جرى تصوير الاحتلال الاميركي على أنه أيضا لمصلحة الشعب العراقي!)، ولكن هل الامر كذلك؟ هل هذه هي القصة الحقيقية، ام ان هناك قصة إعلامية مفبركة، وفارساً دونكيشوتياً اميركياً، يواجه «الطاحونة الإرهابية»؟

ربما اقتنع العالم بالرواية الغربية والأميركية الغالبة، متأثراً بنقل الصورة عبر شاشات التلفزة، اما بالنسبة للعراقيين، في بلد الاقاصيص والف ليلة وليلة وتوالد الحكايات، فليست تلك الا مجرد قصة فرعية اخرى، متولدة من القصة الرئيسة، تتلاشى فيها الحدود المرسومة بين الجلاد والضحية، وبين البطل والشرير في القصة السابقة، ويتبادلان الأدوار فيما بينهما...

وللتذكير ليس الا، فإن بطل اليوم، رأس حربة محاربة الإرهاب، وفارسه المقدس، كان في السابق محتلاً وجلاداً بامتياز، والقوى المتعاونة معه ضالعة في الإرهاب، وفي خلق بيئة لتربية وتفقيس الارهابيين الداعشيين بصورة مباشرة او غير مباشرة، اما بعض القوى التي تدعي أنها الضحية وتحارب أميركا وتحارب السلطة الطائفية، مرة باسم الإسلام ومرة أخرى باسم الثورة والعشائر وغيرها، فكانت في السابق جلاد الشعب العراقي، ومؤسسةً لنظام دكتاتوري حكم البلد بقبضة من الحديد والنار، وارتكب ابشع المجازر...

ومما لا شك فيه أن العراق والشعب العراقي ضحيتان، ولكن قبل كل شيء ضحيتا من؟ انهما يدفعان، بشكل عام، ضريبة تناقضات النظام الرأسمالي وافرازاته من الصراعات الامبريالية والدولية التي تدور في المنطقة، ويشكل العراق وما زال بؤرة من بُؤره، وهو ايضاً ضحية نظام قومي بعثي دكتاتوري حكم البلد لعقود، بدعم امبريالي اميركي مكشوف، وتعاون روسي مفضوح، ومن ثمَّ وطوال عقد كامل، بات ضحية الحرب الاميركية والاحتلال الغاشم، وبناء دولة عاجزة وفاشلة موالية لأميركا لاحول لها ولا قوة، وضعت خارطتها الإدارة الاميركية عقب احتلالها للبلد، وكانت «دولة المكونات» الطائفية والعرقية، وتأسست على مبدأ المحاصصة السياسية والسلطوية فيما بين تلك المكونات...

ان العراق اليوم ضحية لتفكك هذه الدولة الفاشلة، التي مارست بدورها دور الجلاد، وتربعت على عرشها قوى سياسية إسلامية ومذهبية وقومية تمثل الطبقة البرجوازية العراقية، بمختلف تلاوينها، هذه الطبقة المتهافتة، والتي تصارعت فيما بينها، باسم الطائفية والقومية والمذهبية ومسميات شتى، على السلطة والنفوذ والمال، واستنجدت واستقوت بالخارج لكسر بعضها عظم بعض. دولة خلقت فراغاً امنياً كبيراً، ومهدت لخروج داعش من احشائها لتنهش جسدها، ولتكون دولة مسخة باسم الدولة الإسلامية.

مرة أخرى دولة المكونات: زرع التنين وحصد البراغيث!

على الرغم من الحديث عن ضرورة التغيير السياسي، عقب احداث الموصل وتفريخ داعش، فان ما يجري، في العراق، من إعادة احياء للعملية السياسية التي تأزمت، ليس الا ادخال دولة المكونات القديمة، المصابة بجلطة، الى غرفة الإنعاش السياسي، ونفخ الروح مرة اخرى في جسدها الهامد، وحقنها بدماء جديدة، مع اجراء ترتيبات امنية وعسكرية واقتصادية فاشلة أخرى.

وما جرى في الأشهر الأخيرة، وابان تشكيل حكومة حيدر العبادي، لم يكن الا مهزلة أخرى، بل الاصح كان ام المهازل، بحسب تعبيرالعراقيين، حيث بلغ الصراع على المناصب الرابحة ذروته، والمزايدة عليها تجاوزت كل الحدود، وجرى بيع وشراء الحقائب الوزارية كأننا في سوق النخاسة، وتم تحويل البرلمان العراقي الى بورصة، وامام الملأ اجمع وعبر شاشات التلفزة، لمنح الثقة الى الوزاء المهرجين.

كما ان وعد العبادي، في برنامجه الحكومي الطموح، الذي أعلن عنه ابان منح الثقة لحكومته في البرلمان العراقي، بحفظ التوازن بين المكونات! والعمل على حل الخلاف مع الكورد، وإعطاء الأولوية لمعالجة الملف الأمني، على رغم حدة الصراع على الحقائب الوزارية الأمنية (الدفاع والداخلية)، وغيرها من الوعود لا تمثل أي تغيير في الوجهة، رغم ان القليل منها قد تحقق، ولعل الابرز منها هو الاتفاق البدائي الأخير بين بغداد واربيل بشأن النفط وتقاسم الثروة النفطية بين الطرفين، وتنسيق ميداني- عسكري، لاسترداد بعض المناطق من الدولة الإسلامية، في الشمال الشرقي من البلد (مدينة جلولاء والسعدية).

اذن عاد العراق مرة أخرى الى «دولة المكونات» القديمة، التي أطلقت عليها حكومة المالكي، في السنوات السابقة، طلقة الرحمة، بخاصة عقب جلاء القوات العسكرية الاميركية، باسم حكومة الأغلبية السياسية، وهو ما لم يكن في واقع الامر سوى قلب للتوازن الطائفي، مع رجحان الكفة لسطوة الاغلبية الطائفية الشيعية، بالطبع، والعودة الى التركة البعثية، المتمثلة باستبدال هيمنة طائفة سياسية بأخرى.

ومع استكمال مراحل هذه العودة الهزلية– التراجيدية، بات للعراق، مرة أخرى، حكومة مسخ جديدة، بعدة رؤوس طائفية وعرقية، وهو لايعرف وجهته، حيث يسعى رأسٌ حكومي لتحريكه باتجاه، ويعيق بل واحياناً يعاكس رأسُه الآخر ما يصبو اليه. انه يتحرك بكل اتجاه، برؤوس كبيرة وجسم هرم وهزيل، وعلى أرجل عديدة، فيما هو مقطوع اليد، يحتاج الى يد إيرانية، وأخرى اميركية، وأخرى سعودية وقطرية، لادارة شؤونه وتغذية نفسه.

اما على الأرض، وبعيداً من المنطقة الخضراء وحكومتها، وأصحاب العبيد ومشاجراتهم، وعالم البراغيث وريحتها النتنة، فتسود حالة من الاحتراب بين ما يطلق عليه بـ«المكونات» الكبيرة، والثقة معدومة بين أطرافها السياسية، مع تفشي حالة من الإحباط التام لدى المكونات الصغيرة، والأقليات المهمشة، بخاصة بعد ان بلع الإرهاب الداعشي «المكون اليزيدي»، في مجزرة جماعية، وسط ذهول العالم، وتخلي القوى الكوردية الحاكمة عن الذود عن منطقة شنكال، وتملص حكومة المالكي، السابقة، من كل مسؤولية.

العراق: بين صناعة البعبع وحقيقة داعش..

ليست داعش والداعشية ذلك الغول، الذي يستعظمه الاعلام الغربي، أكثر مما هو في الواقع، لغايات امبريالية واضحة ومبطنة، على السواء، ولكن لايمكن أيضاً الاستخفاف بقوتها، وبقوة جذورها الراهنة في سوريا والعراق. ففيما يتعلق بالبلد الاخير، فان داعش لن تزول فيه بمجرد الإعلان عن حكومة جديدة، برئاسة العبادي، ولن تتخلى بسهولة عن المناطق التي استولت عليها مع القوى الأخرى المتعاونة معها (الموصل، وسهل نينوى وصلاح الدين وغيرها).

ان تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، نبتة لسلطة الأحزاب الإسلامية ونشاطاتها، بشكل عام، وثمرة لتطرفها الفكري وممارساتها السياسية ذات البعد الدولي، كما ان للتنظيم حاضنة سياسية- طائفية واضحة بشكل خاص، حيث تعاون معه ايتام البعث والقوى العشائرية السنية، ودخل كل هؤلاء معه، في جبهة واحدة، بغية محاربة حكومة المالكي السابقة واسقاط سلطتها. اما حكومة المالكي في حينه، فدعمت «الداعشية» بشكل شبه مباشر، من خلال غض الطرف عن عمليات مقاتليها في الانبار والفلوجة والموصل، وعبر إطلاق سراح معتقليها في سجن ابو غريب، وغير ذلك، بغية قصم ظهر خصومها ولصق تهم الإرهاب والداعشية بكل تحرك مناوئ لها في المحافظات الغربية، واجهاض الحراك الشعبي في تلك المناطق، مقلدة بذلك ما قام به بشار الأسد ضد الثورة السورية. ودعم المالكي التنظيم، بشكل غير مباشر، من خلال العزف على الاوتار المذهبية، والاحتراب الطائفي، ودفع شركائه في السلطة، من السنة الطائفيين، وخصومه من البعثيين القدامى، والقوى العشائرية السنية، المناوئين له، الى تشكيل جبهة واحدة، والمراهنة على «الداعشية» بهدف إسقاطه. بالإضافة الى ذلك فإن لتركيا مصلحة مباشرة في تعزيز دور داعش في سوريا وغرب العراق، تحديداً، بغية كسر شوكة قوات حزب العمال الكوردستاني، التي استولت على مناطق كبيرة في سوريا، واسست هناك ادارات ذاتية. والبديل المتوفر بالنسبة لتركيا لم يكن الا داعش واخواتها، وتوفير الملاذ الآمن لمقاتليها على أراضيها.

النتائج والتوقعات

ان استمر الحال على هذا المنوال، فلا يمكن للعراق ان يضطلع بأي دور مستقل، وسيبقى قاعدة وارضاً لمعركة، بين أطراف مختلفة، تشير اغلب التوقعات إلى أنها ستكون طويلة، ولن يكون بمقدوره محاربة الإرهاب، بشتى اشكاله ومسمياته، وتجفيف مصادره، بل قد يصبح مرة أخرى فريسة للدول الإقليمية، وضحية لقوى الإرهاب التي أصبح لها باع طويل، في الفراغ الأمني الناشىء، بسبب الاستمرار في تلك السياسات والممارسات. ولايبدو أن العراق وحده سيعاني، بل ان المنطقة باسرها قد تبقى بؤرة لصراعات سياسية وطائفية جديدة، لا تتسم بطابع تقليدي او مألوف، بين دول وشعوب، وامبريالية وبرجوازية، من هذا النوع او ذاك، بل بين أطراف مختلفة ومتداخلة ومتلونة.

كما ان العراق كبلد قد يتجه، في ظل الأوضاع القائمة وتفاقم الوضع في سوريا، الى المزيد من التقسيم، والى نوع من الكونفيدرالية والاقاليم المنفصلة، مع سيطرة كبيرة للميليشيات في بعض اجزائه، وقد يشهد حروباً بالوكالة تدور رحاها على الأرجح في وسطه وشماله وغربه، وسوقاً رائجاً لبيع الأسلحة، مع المتاجرة الرخيصة بالنفط والغاز، من قبل امراء جدد، ووسط تدهورات امنية خطيرة.

ويشهد البلد حاليا صراعاً بين إيران وحلفائها، من جانب، وأميركا وحلفائها، من جانب آخر، بغية استمالة القوى العشائرية السنية، وبخاصة في محافظة الانبار وصلاح الدين، وتوتراً متزايداً فيما بين هذه الاطراف جميعاً، فيما يتعلق بمحاربة داعش في تلك المناطق، وبخاصة عقب اعلان الإدارة الاميركي عن تبني مشروع وحدات «الحرس الوطني»، وبناء قوة عسكرية عشائرية سنية بديلة، قوامها مئة ألف مقاتل، بذريعة محاربة داعش، ويتم تزويدها بالعتاد والأسلحة، بعد الاستحصال على موافقة الكونغرس الأميركي، في تطور ينذر بفتح صفحة جديدة لاطالة امد صراع مرير بين الميليشيات الطائفية السنية والشيعية، وفتح صفحة أخرى في توتر العلاقة بين القوى الشيعية الحاكمة والإدارة الاميركية. ويمكن ان يتخذ هذا نوعاً جديداً، في لحظةٍ ما، من المقاومة العسكرية ضد الجانب الاميركي، بدعم إيراني، حيث من المحتمل بأن قواعد اللعبة ربما تقتضي اللعب بورقة جديدة، مكتوب عليها مناهضة الاحتلال الأميركي، من قبل بعض أطراف شيعية.

بالإضافة الى كل ذلك، ينبغي ان نضيف أن البلد تم وسيتم استنزافه اقتصادياً، وسوف يواجه أكثر من قبل نزيفاً للموارد، بسبب النققات العسكرية والحربية الباهظة، والتي تتعاظم باستمرار، مع كل هبوط في اسعار النفط. كما سوف يسجل عجزاً متعاظماً في الميزانية، بسبب اعتماده شبه التام على العائدات النفطية، ونقصاً حاداً في الموارد ومصادر التمويل، ما قد يوقعه مرة أخرى في فخ المديونية، وسياسة التقشف واملاءات المؤسسات المالية الاحتكارية النقدية، مثل صندوق النقد والبنك الدوليين. 

لا يمكن توقع نتيجة أخرى من تحالف امبريالي جديد، يتمسك باستراتيجية «الحرب على الإرهاب» الكارثية، ويتشكل على ارض العراق، لإدارة تناقضات النظام الرأسمالي العالمي، وحماية المصالح الحيوية لبعض دوله الكبرى على حساب الاخرى، ويُدخل العالم في عصر جديد للتطرف بكافة اشكاله، تتفكك فيه وتنهار انظمة رأسمالية مختلفة، بسبب طاحونة التناقضات الرأسمالية بين الدول الكبرى، وتفرخ تنظيمات إرهابية وحشية قل نظيرها، مع تمهيد السبيل لافلات اليمين المتطرف في اسرائيل، بغية ممارسة أبشع الجرائم بحق الشعب الفلسطيني.

كما لا يمكن توقع نتيجة أخرى في العراق من «دولة المكونات» الفاشلة، التي تعتاش على الاحتراب الطائفي والعرقي وتشرب من بركة دمها، ولا من دول الجوار التي تنهش البلد كفريسة لها، ولا من قوى إرهابية كالدولة الإسلامية واخواتها، التي تريد عودة العراق القهقرى الى زمن التوحش والبربرية، قوى لا تعرف لغة غير القتل والذبح وارتكاب المجازر وحفر المقابر الجماعية.

ان من يتوقع او يريد نتيجة أخرى يجب عليه الرهان على قوى سياسية جديدة، وعلى بناء حركة سياسية يسارية تقدمية تفصل صفوفها قبل كل شيء عن القوى السياسية الإسلامية والقومية والمذهبية، وخطاباتها وممارساتها، وتضع حداً فاصلاً بينها وبين ما يجري من إرهاب وممارسات وفساد وسلطوية، وترفع بقوة وبشكل مباشر راية الاشتراكية، راية بناء مجتمع آخر، تقدمي وحر ومزدهر. ومن ذلك المنطلق، ومن هذا الهدف الثوري، تحديداً، تناضل في سبيل اجراء تغييرات اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية في قلب المجتمع الراهن، وصولاً الى تغيير السلطة السياسية، بالكامل، ودحر الإرهاب من دون هوادة، والقوى الإرهابية بقبضة من حديد، بغية معالجة الملف الأمني، وانهاء الاحتراب الطائفي والمذهبي، والاتيان بتغييرات سياسية واجتماعية جذرية لصالح العمال والكادحين.

وهذه المهمات ليست بالمستحيلة، حيث قدمت مدينة كوباني- بغض النظر عن ارتهانها بقيادة  حزب الاتحاد الديمقراطي الكوردستاني، وزعيمه صالح مسلم- نموذجاً حديثاً للمقاومة، ورمزاً للعزم وإلارادة، واتباع سياسة معاكسة للتيار السائد، مبنية على الرهان على قدرة الجماهير وحدها، في التصدي للأوضاع الراهنة، وفي إدارة شؤونها بنفسها، إلى هذا الحد او ذاك، وفي بناء إدارات ذاتية، تعود المرأة فيها، ولو نسبياً، الى مكانتها الطبيعية الحقيقية التي تليق بها، بل تعود لتمثل الآلهة عشتار، وتصبح رمزاً للجمال والحرب، لجمال الإرادة والمقاومة، والحرب ضد إله الشر الداعشي وحلفائه، بدلاً من ان تكون ضحيته.

ولا تمت هذه التجربة بأية صلة إلى التحالف الدولي الجديد، بقيادة أميركا لمحاربة داعش، والتي تستهدف ذلك التنظيم بشكل انتقائي، ولا هي بامتداد لتجربة المعارضة السورية التي لحقت بركاب الغرب، وتوزَّع اصطفافها بين كل من المحاور، التركي والسعودي والقطري. انها تمثل حالة متميِّزة، ولهذا السبب بالذات تحاك ببراعة سيناريوهات عديدة، من قبل دول وأطراف لا حصر لها، للنيل منها والقضاء عليها.

ينبغي الرهان على أهمية تلك التجارب الشعبية، للتصدي للتنظيمات الإرهابية التي تفرخها الدول الامبريالية والإقليمية والدول الطائفية، وللسيناريوهات الرجعية التي تستهدف اشعال وإطالة امد حروب طائفية مذهبية في المنطقة، تعانيها لعقود على غرار ما سبق ان عانت اوروبا، طيلة قرن كامل.

ومن هذا المنطلق، تحديداً، ينبغي ان نسعى الى ان يبقى العراق ارضاً للحضارات والشعوب والأديان والمذاهب، والتعايش الدائم فيما بين مكوناته، وان لا تصل مستويات الاحتراب الطائفي والعرقي الى المستويات الخطيرة التي يشهدها البلد حاليا.

لازال قلب البلد نابضاً، وغالبية الشعب العراقي، وبخاصة القوى الشابة، ملت بشكل تام من سياسات وممارسات القوى السلطوية، المسيطرة، من جهة، كما القوى الاسلامية، الإرهابية، من جهة اخرى، وطوال عام ٢٠١٣ شهد البلد مظاهرات صاخبة عمت غالبية المحافظات العراقية تطالب بالتغيير الديمقراطي، وبإلغاء امتيازات الطبقة الحاكمة، المغرقة في الفساد والمحسوبية، وتدعو الى توفير الخدمات والضمان الاجتماعي والعدالة الاجتماعية.

وبالطبع، يجب ان لا يترك العالم الشعب العراقي وجماهيره في نضالاته التحررية، وحيداً. واليوم هناك تعاطف إقليمي ودولي كبير مع محنته، على الرغم من أن القوى الغربية تستثمره لصالح استراتيجيتها. وقد يتحول هذا التعاطف الى تضامن إقليمي واممي مؤثر، إن احرزت تلك النضالات بعض التقدم، ميدانياً.

يجب المراهنة على تلك الحركات والاعتراضات، وعلى القلب النابض للبلد، وعلى إرادة الجماهير التحررية، وعلى مد جسر التضامن الشعبي، الإقليمي والدولي.