التطورات السياسية، في مصر، منذ إطاحة حسني مبارك*

العدد الخامس - آذار ٢٠١٥
الدولة: 
مصر
الملف: 
الثورات العربية
تاريخ النشر: 
آذار (مارس), 2015

  هذه السطور جزء من خاتمة أطروحتي للدكتوراه، التي دافعت عنها في علم الاجتماع السياسي، في جامعة ميتشغان بالولايات المتحدة، في الصيف الماضي. وقد تمت مناقشتها وإجازتها بنجاح. وقد قام بترجمة هذا النص الى العربية الرفيق وليد ضو. لمجلة «الثورة الدائمة» الشكر لتقديم هذا النص للقراء بالعربية، وللرفيق كل الشكر على دوره بالترجمة. عنوان الاطروحة كان «أثر التحرير: المكان والتاريخ والاحتجاج في الثورة المصرية عام ٢٠١١».  هناك ثلاث ملاحظات سريعة أود الاشارة اليها للقارئ العزيز حول هذا النص. الملاحظة الاولى حول الرسالة نفسها. وهي ان الاطروحة تمت كتابتها وإجازتها في سياق الحصول على درجة علمية. ولهذا السبب فمعظم الادبيات التي اعتمدتُ عليها في الرسالة كانت ادبيات الثورة والحركات الاحتجاجية السياسية والاجتماعية المعروفة في علم الاجتماع، وخاصة علم الاجتماع الاميركي. بعض من هذه الادبيات يعتمد على المنهج الماركسي، اوالنظرية الماركسية، وتوابعها في التحليل الاجتماعي والطبقي لعمليات الاحتجاج والثورة. لكن ليست كلها كذلك. في العديد من المقاطع لجأت لاستخدام تحليل ماركسي وطبقي لعملية الثورة في مصر. وكنت أتمنى لو سمحت لي الظروف بتطوير هذا الامر. لكن طبيعة الدراسة وخاصة ظروف الحصول على الدرجة العلمية، ومناقشة الرسالة في قسم من الاقسام العريقة في علم الاجتماع بالولايات المتحدة، لم تكن تسمح لي بأكثر من هذا.

لديَّ يقين بسلامة الاستخلاصات التي وصلت اليها في الاطروحة، ولا سيما فيما يتعلق بنقاشات هامة حدثت في السنوات الاخيرة في مصر. ولكن في ذات الحين، العامل الهام الذي ينبغي النظر اليه هو عامل الوقت. وسأوضح ذلك الآن في عجالة. من أهم النقاشات التي احتدمت ولا زالت في مصر كان النقاش حول طبيعة ثورة يناير ٢٠١١، وآخر حول ما آلت اليه الثورة، ونقاش ثالث حول طبيعة ما حدث في تموز/ يوليو ٢٠١٣. استخلصَت الرسالة ان ثورة يناير كانت ثورة اصلاحية. وبرغم عظمة المشاركة الجماهيرية فيها، فالطليعة الثورية كانت تَغلب لديها الرغبة في الاصلاح فقط، بالاضافة الى دور المترقب للجيش في ذلك الوقت، والدور التخريبي لجماعة الاخوان، لاحقاً، وانتهازية الليبراليين والتنويريين والكثير من القوميين. واستخلصت ان الثورة لم تنته بعد. لكن، من جهة ثانية، اود ان أؤكد ان استخدام تعبيري السيرورة الثورية، والاعتراف بهزيمة الثورة، الآن، ليسا متناقضين. كما ان الاعتراف بالهزيمة لا يعني ابداً الاستسلام، من دون تعلم الدروس. والاستخلاص الثالث هو حول الانقلاب العسكري، الذي حدث في تموز/ يوليو ٢٠١٣. هناك نقاشات عقيمة كثيرة في مصر حول اختزال النقاش في توصيف ما حدث: هل هو ثورة أم انقلاب، وكفى. او اختزال النقاش بالقول إن استخدام تعبير الانقلاب معناه التسليم بأن حكم الإخوان كان ديمقراطياً، أو بخطأ الانضمام للجماهير الغفيرة، التي ثارت ضد حكم الاخوان.

وفي هذا السياق، اود ان استفيض حول مسألة ما متعلقة بهذا الامر. يلوم بعض اليساريين المتطرفين في مصر واوروبا والولايات المتحدة، من الذين تناقشت معهم، مثلاً، الرفاق في جماعة الاشتراكيين الثوريين في مصر لأسباب مختلفة معظمها غير سليم، في وجهة نظري، ومبني على اخطاء في المعلومات، او مزايدات عقيمة. اليساريون المتطرفون في مصر يلومون الاشتراكيين الثورين، بحجة ان شعارهم، في تموز/ يوليو ٢٠١٣، كان خاطئاً وغير عملي. والشعار كان يقول «ضد كل من خان: فلول وعسكر واخوان». والواقع يقول انه كان لا يمكن ابداً، من حيث الظروف الموضوعية الظاهرة، وقف طموحات الجيش في ذلك الوقت. وكاتب هذه السطور قد نشر مقالة في مجلة اوراق اشتراكية، التي ظهرت بتاريخ ٢٩ حزيران/ يونيو ٢٠١٣، حول خطورة اختزال مظاهرات ٣٠ حزيران/ يونيو ٢٠١٣ في التخلص من حكم الاخوان فقط. وكان عنوان المقالة «لا يجب ان تلدغ الثورة من جحر مرتين»، وكان جوهرها التحذير من تربص الجيش بالثورة. اما اختزال المظاهرات بضرورة التخلص من الاخوان، وفقط، فقد كان هو موقف اليسار العلماني في مصر، وبعض اليساريين المتطرفين، الذين نقدوا الاشتراكيين الثوريين في ذلك الوقت. اما الكثير من المجموعات اليسارية الاميركية، والاشتراكيين الاوروبيين الذين قرأت لهم، فيقولون إن الاشتراكيين الثوريين في مصر أيدوا الانقلاب. وهي معلومة غريبة وغير سليمة. الانضمام للجماهير الغفيرة شيء، وتأييد الانقلاب شيء آخر. ارتكب الرفاق الاشتراكيون الثوريون في مصر اخطاء عديدة، وهم ليسوا فوق النقد. ولكن لم يكن من بين هذه الاخطاء أبداً تأييد الانقلاب.

وفيما يتعلق بنقطة الوقت اود التركيز على ان الكثير من الثوريين يرددون، احياناً، تحليلاً سليماً طبقياً، بطريقة دوجمائية، ولكنه خارج التاريخ. من الدروس الاساسية التي ينبغي ان نأخذها في الاعتبار  عامل الوقت. الصراع الطبقي ليس خارج التاريخ. والقول بشعار يبدو اصلاحياً، في وقت ما، قد يكون ثورياً، في حالة وجود جَزْر جماهيري، وسلطة قمعية تقتل البشر كل يوم، مثل الذباب، بلا أي حساب. لكن ترديد ذات الشعار، في لحظة ثورية يكون فيها الملايين في الشوارع، يعتبر خيانة للثورة. فكرة عامل الوقت التي اقصدها هنا لها معنيان. الاول هو تقدير الوقت الملائم، من حيث علاقة الظروف الموضوعية والذاتية، قبل اي طرح سياسي. لكن المعنى الثاني هو دراسة ما حدث في وقت سابق. يعني دراسة أثر الوقت والتغييرات المختلفة السياسية، في ما حدث من احداث، وفي قراءتنا للواقع. فلقد ارتكب الكثير من الرفاق في مصر الكثير من الاخطاء، منذ اللحظة الاولى في يناير. ولكن لا يجب ان نجلد انفسنا. يجب ان نتذكر وندرس ما حدث، لاستخلاص الدروس، استعداداً للمعركة القادمة.

الملاحظة الاخيرة ترتبط بفكرة السيرورة الثورية. كما اشرت في الاطروحة، وكما يظهر في السطور التالية، فالثوار في مصر بدأوا في السخرية من ترديد تعبير «الثورة مستمرة»، كمجرد علكة تثير الشفقة. طبعاً، يجب ان نعترف بأننا في مرحلة هزيمة كبرى. وكما قلت ففكرة السيرورة وفكرة الهزيمة لا تتناقضان. النقطة المهمة التي اود التركيز عليها هنا هي ان ترديد أن الثورات- وخاصة في حالة كحالة مصر، لظروف ارتباط مصر بالامبريالية، ووجود الجيش وكامب ديفيد والنخبة الانتهازية الاصلاحية، ومنطقة كمنطقتنا، بكل تعقيداتها الحالية- في ظل هذه الظروف، تختلف عن الثورات الكلاسيكية؛ فهي ثورات طويلة، ويصعب القول ببدايات ونهايات محددة لها؛ هذا الترداد، بطريقة عمياء، لا يضيف للأمر شيئاً. اولاً، هذا لا ينفي ان نعترف بأننا في لحظة هزيمة للثورة، وانتصار للثورة المضادة، انتصار يبدو ساحقاً. هو ساحق، حقاً، ولكنه ليس نهائياً. ليس نهاية المطاف. كما أن هذا معناه توجيه انتباهنا الكافي، ودراستنا العميقة، لظروفنا الذاتية، وللحظة الراهنة، ودراسة كيف ابتعدت الملايين عن الثورة. هذا أيضاً ما وددت التأكيد عليه، حين قلت إنه يجب إعطاء عامل الوقت الانتباه الكافي.

حصل الكثير منذ إطاحة الرئيس المخلوع حسني مبارك في ١١ شباط/فبراير عام ٢٠١١، بحيث يستحيل تلخيص كل ذلك، بالشكل المناسب، هنا. ولقد أشرت، في الفصول السابقة، إلى بعض الامثلة المتناثرة المتعلقة بالتعبئة في ميدان التحرير. أما هنا فسوف أقَدِّم نظرة شاملة واسعة إلى التطورات، ومن ثم مناقشة عامة مسائل السياسة المكانية(١)، والتعبئة، والثورة ككل. ويمكن ان تكون القراءة البسيطة للأحداث، التي جرت في مصر منذ عام ٢٠١١ وإلى وقتنا هذا (نهاية شهر حزيران/يونيو عام ٢٠١٤)، على هذا الشكل: لقد خرج المصريون/ات إلى الشوارع بأعداد هائلة للاحتجاج، في ٢٥ كانون الثاني/يناير، من العام ٢٠١١. وبعد ١٨ يوماً من الاحتجاج، من ضمنها اعتصام مركزي في ميدان التحرير الشهير بالقاهرة، نجح المصريون/ات في إزاحة مبارك من منصبه. وأعقب مبارك في حكم مصر المجلسُ الأعلى للقوات المسلحة، وهو الهيئة القيادية  للجيش المصري. وقد استمر هذا الوضع سنة ونصف السنة، تقريباً، ومن ثم، في حزيران/يونيو عام ٢٠١٢، انتخب المصريون/ات بشكل ديمقراطي رئيساً جديداً، هو محمد مرسي. وقد تولى مرسي، زعيم حزب الحرية والعدالة الحاظي بدعم الإخوان المسلمين(٢)، مهامه الرئاسية، في ٣٠ حزيران/يونيو عام ٢٠١٢. ولكن في نهاية شهر حزيران/يونيو عام ٢٠١٣، نزل المصريون/ات إلى الشوارع مرة أخرى لإسقاط الرئيس الجديد. تدخل الجيش المصري وأطاح الرئيس من منصبه في ٣ تموز/يوليو عام ٢٠١٣. في حزيران/يونيو عام ٢٠١٤، انتخب وزير الدفاع، عبد الفتاح السيسي رئيساً جديدا. ومن نواح كثيرة، يمكن القول إنه، منذ إطاحة مبارك، عاشت مصر حالة «انتقالية» لا نهاية لها- وهي حالة انتقالية من المفترض أن تؤدي إلى الديمقراطية، ولكن يبقى من الضروري السعي للوصول إلى الديمقراطية الحقيقية، التي تأكَّلت، في الواقع، إلى أبعد الحدود.

إن عملية كتابة الدستور الجديد، على سبيل المثال، كانت محفوفة بالمشاكل وافتقرت لإجماع مجتمعي، وانطوت كذلك على تهميش معظم المجموعات الليبرالية واليسارية. وقد سيطر على هذه العملية الإخوان المسلمون والسياسيون الإسلاميون، من جهة، والمجلس العسكري، من جهة أخرى. وبعد إسقاط مرسي، في العام ٢٠١٣، تحكم العسكريون، كلياً، بكتابة دستور جديد. وقد أقصي الإخوان المسلمون أيضاً عن عملية كتابة الدستور المشار إليه، باعتبارهم جهة استهدفتها القيادةُ المصرية الجديدة، واضطهدتها. وبشكل عام، هيمن على العملية الانتقالية بأكملها (ثمة فترتان انتقاليتان، إلى اليوم) كيانان قويان، في مصر: المجلس العسكري والإخوان المسلمون، في حين لم تشارك مجموعات الشباب، أو ما يمكن وصفه بالتحالف الذي ظهر في ميدان التحرير، بصفته هذه، أو على الأقل، لم تنعكس رؤية ميدان التحرير الديمقراطية  في الدستور، أو لدى الحكومات الجديدة.

وتجدر الإشارة إلى ما يراه البعض واحداً من الانجازات الكبرى للثورة، بالإضافة إلى إسقاط مبارك، وبالتحديد الفرصة التي حققتها الثورة لتشكيل أحزاب سياسية جديدة. فتحت حكم مبارك، كان تشكيل حزب سياسي جديد بالغ الصعوبة ويتطلب إجراءات قانونية وسياسية مرهقة لناحية تقديم طلب إلى لجنة إدارية يسيطر عليها أمن الدولة والحزب الحاكم. وبعد الثورة تغير هذا المسار بأكمله فاستبدلت اللجنة بأخرى قضائية. ولكن الانفتاح عنى أيضاً فتح الباب أمام العديد من الأحزاب، بما فيها «الأحزاب الدينية»، وهي خطوة رأى فيها العديد من الناشطين مساهمة في تأجيج الطائفية، والمضي قُدُماً ضد الطبيعة الديمقراطية للثورة (٣). كما أن الثورة سمحت أيضاً بتشكيل نقابات عمالية مستقلة جديدة، وأنهت هيمنة الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، الذي كانت الدولة والأجهزة الأمنية تسيطر عليه. ولكن من سخرية الاقدار أنه، في حين  كانت تحدث هذه التطورات، بقيت القوانين الاستبدادية، وخاصة تلك التي تتحكم بالحق في التظاهر والإضراب، كما هي ومن دون أي تغيير. وبعبارة أخرى، اكتسب المصريون الحق في التنظيم، قانونياً، بعد عقود من القيود الشديدة، ولكن حقوقهم في ممارسة السياسة، بالمعنى الأوسع للكلمة، بقيت مراقبَةً ومقموعة. ليس هذا فحسب، بل صدرت أيضاً قوانين استبدادية جديدة. ولم تضمن أي من الإدارات الرسمية، منذ إطاحة مبارك، حرية التعبير والحق بالتجمع. وفي الواقع، لقد أصدر النظام العسكري الحالي قانوناً صارماً جديداً يحد (في الواقع، هو يحظر) من الحق  في الاحتجاج (٤).

هذه هي الصورة العامة، بكل بساطة، ولكن عند النظر إلى أبعد من السطح، شهدت مصر العديد من المناقشات الهامة، في كل من مستويات الحكم، وفي ظل كل شكل مختلف من أشكاله: في ظل المجلس العسكري، ومن ثم في ظل المجلس العسكري/الإخوان المسلمين/مرسي، وبعد ذلك إثر عودة الحكم العسكري. باختصار، أعتقد أنه يوجد ثلاثة نقاشات رئيسية. النقاش الأول يتعلق بمعنى الديمقراطية، حيث يعتبر البعض أن الديمقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع، في حين يؤكد البعض الآخر أنه حتى في ظل انتخابات تشوبها العيوب، فإن ذلك أفضل من غياب الديمقراطية. وقد كان الناشطون/ات حاسمين/ات ضد التعريف الإجرائي الضيق للديمقراطية، الذي  اعتمد عليه المجلس العسكري والإخوان المسلمون، تباعاً، خلال فترة حكم كل منهما، واستعمل لممارسة القمع السياسي. وقاوم كل من المجلس العسكري والإخوان المسلمين الإصلاحات وأصروا على أن الديمقراطية محققة بالفعل من خلال إجراء الانتخابات. والمفارقة التي تجسدت بأن التوافق الذي حصل في ميدان التحرير ارتكز على نموذج من الديمقراطية التمثيلية، وبعد ثورة عام ٢٠١١، كان هذا النموذج الضيق للديمقراطية الذي عاد ليشكل هاجسا للناشطين/ات، إذا جاز التعبير، وهو يستعمل كحجة ضد أشكال جوهرية للديمقراطية، من ضمنها أشكال أوسع من العدالة الاجتماعية والاقتصادية.

وعلى مدى السنوات الثلاث والنصف الماضية، أشار بعض الناشطين/ات إلى أن مصر قد شهدت حتى اليوم العديد من الانتخابات والاستفتاءات حيث أرهق الناس من السياسة الشكلية والديمقراطية الإجرائية. وأعلنوا عن غياب ديمقراطية «حقيقية» هي تلك التي يعتبرون أنها تعني احترام الرأي العام، والسماح بحرية التعبير، والحق بالتجمع. من ناحية أخرى، فإن كلاً من الإخوان المسلمين والمجلس العسكري، والعديد من الأصوات المحافظة، اعتبرت أن الانتخابات كانت خطوة حاسمة معترفاً بها على أنها الآلية الرئيسية للديمقراطية التمثيلية، عبر العالم بأكمله. وهذه النقاشات حول معنى الديمقراطية ليست دلالية وحسب، بل كانت لها مستتبعات وآثارجدية. فعلى سبيل المثال، يقول، اليوم، مؤيدو الإخوان المسلمين، وأولئك الذين انتخبوا مرسي، إن الديمقراطية قد تعرضت للخيانة في مصر. حتى أنهم يعتبرون أن الثورة قد فشلت عندما أطيح الرئيس المنتخب بشكل ديمقراطي، محمد مرسي، في تموز/يوليو عام ٢٠١٣. ويرى آخرون أن هذا الرأي هو قراءة تبسيطية، لكونه  كان يغالي، منذ البدء، في تقدير الطابع الديمقراطي للمرحلة الانتقالية. وقد أشار هؤلاء إلى أن المرحلة الانتقالية، في جميع مراحلها، إنما تحكَّم بها مزيج من المجلس العسكري، والإخوان المسلمين، والأجهزة الأمنية والعسكرية. بعبارة أخرى، لقد فشلت الديمقراطية في جميع مراحل العملية الانتقالية (٥).

ويرتبط النقاش الثاني بما سبق، ويتمحور حول ما إذا كانت أحداث ٣ تموز/يوليو عام ٢٠١٣، تشكل ثورة أم انقلاباً (٦). والسؤال معبِّرٌ، لأنه كانت هناك تعبئة جماهيرية ضد مرسي، وحصل انقلاب عسكري. وتتعلق تعقيدات أخرى بالدليل الذي تكشَّف، في وقت لاحق، على ان الجهاز الأمني والمخابراتي للدولة العميقة كان على علاقة مع  بعض قادة حركة تمرد، الشبابية، التي لعبت دوراً هاماً في الاحتجاجات ضد مرسي. والقصة ليست بهذه البساطة، لأن القول إن الملايين نزلوا إلى الشارع، ضد مرسي، لأنهم كانوا جميعاً متواطئين/ات في مؤامرة أمنية وعسكرية، هو أمر غير منطقي. ولقد تجنب العديد من الناشطين/ات المصريين/ات، في ذلك الوقت، هذه المناقشة، و/أو اعتبروا ذلك تزييفاً مبسطاً للنقاش. فاعتبار ما حصل انقلاباً يعني الاعتراف بأن مرسي كان منتخباً بشكل ديمقراطي، وبالتالي تجاهل الاحتجاجات الجماهيرية ضد مرسي؛ واعتبار ما حصل ثورة يعني نكران أن انتخابه كان ديمقراطياً، وتجاهل تدخل العسكر. وإذا كان هناك من درس واحد قد تعلمته أثناء كتابة هذه الرسالة فهو دلالة الوقت، وقدرته على زعزعة استقرار المعنى. فلقد كان الوقت هو الذي أدى بالناشطين/ات لأن يصبحوا أكثر نقدية للأحداث التي شهدها ميدان التحرير، حسبما سبق أن اوضحت في الفصل الخامس (من هذه الاطروحة). في ذلك الوقت، كانت الأحداث كناية عن مزيج من المظاهرات والتدخل العسكري، الأمر الذي أجج الارتباك وعدم اليقين بشأن كيفية تحديد ما يجري. ولكن بصورة متأخرة، باتت الأمور أكثر وضوحا. ففي الحقيقة، كان الجيش هو الذي اغتنم الفرصة، التي أتاحتها الاحتجاجات الشعبية ضد مرسي. وساهمت الأجهزة الأمنية ووسائل الإعلام في تأجيج الغضب على هذا الأخير. وفي الواقع، ساهم مرسي، نفسه، وإدارته، في تفاقم المشكلة من خلال الاستمرار في استبعاد كل الأحزاب العلمانية من عملية كتابة الدستور. وتظهر مجريات الأحداث، مذاك، أن العسكر استعادوا السيطرة الكاملة الآن على مصر، مما يجعل من أحداث حزيران/يونيو/تموز/يوليو عام ٢٠١٣، بكل تأكيد، انقلاباً عسكرياً، تقريباً (٧). وفي ٣٠ حزيران/يونيو ٢٠١٤، الذكرى السنوية الأولى لاحتجاجات حزيران/يونيو ٢٠١٣، كتب «الفرعون الكبير»، وهو مدون مصري، على التويتر، ما يلي: «٣٠ حزيران/يونيو ليست بالتأكيد ثورة وليست انقلاباً. ٣٠ حزيران/يونيو + ٣ تموز/يوليو= انقلاب حاظٍ بدعم الشعب» (٨). وبالمثل، كتب الصحافي والمعلق السياسي، عمر خليفة، على التويتر، في اليوم نفسه: «في ٣٠ حزيران/يونيو عام ٢٠١٣، وصفت ما حدث بانقلاب ثوري. وكنت على خطأ. كان انقلاباً، بحصر المعنى. ولكن [فقط] القليلون بيننا كانوا يضعون النظارات المناسبة» (٩).

النقاش الثالث هو الأكثر تلاؤماً مع هذه الأطروحة، ويتعلق بنتائج الثورة «الأصلية» بالذات، ومعناها، ليس فقط في ضوء مجريات السنوات الثلاث والنصف المضطربة، إنما أيضا في ضوء النقطة التي وصلنا إليها اليوم. وفي السياق الحالي، إن النظام العسكري الجديد لا يستعيد فقط نظام ما قبل مبارك، بل يعاقب المجتمع والشباب على ثورتهم بقمع مفرط. وجزء كبير من النقاش، في مصر، يدور اليوم حول ما إذا كانت ثورة كانون الثاني/يناير فاشلة أم لا؟ ومن نواح كثيرة، هذا هو النقاش الدائر منذ إطاحة مبارك، في ١١ شباط/فبراير عام ٢٠١١. فمنذ تلك اللحظة، كل من المجلس العسكري والإخوان المسلمين، وكذلك أجزاء واسعة من النخب والمثقفين، أكدوا أن الثورة «نجحت بالفعل بإطاحة مبارك، وبالتالي حثوا جميع الأصوات الراديكالية، في ميدان التحرير وأماكن أخرى، على وقف الاحتجاجات، وممارسة الديمقراطية فقط، من خلال القنوات الرسمية. ولكن العديد من المحتجين/ات قاوموا هذه الرواية، واعتبروا أن شيئاً لم يتغير حقاً، ورفعوا شعار «الثورة مستمرة»- الذي يعني أن الثورة ستستمر حتى تحقق مطالبها الأساسية: «خبز، وحرية وعدالة اقتصادية».

لم يكن الاتجاه السائد في الأبحاث الأكاديمية بعيداً عن هذه النظرة التي ترددها النخب المحافظة والحاكمة، في مصر، ولكن القليل من الباحثين رددوا الحجج التي يستعملها الناشطون. من بينهم جلبير الأشقر (٢٠١٣)، على سبيل المثال، حيث اعتبر أن ما يحصل في مصر (والربيع العربي بشكل عام) يجب أن يُنظَر إليه بأنه سيرورة ثورية طويلة الأمد. ويشير الأشقر إلى نقطتين لدعم هذه الحجة. النقطة الأولى هي قابلية الانتشار، أو العدوى، التي أطلقتها هذه الأحداث؛ ويعتقد أن من المحتمل جداً أن تشهد العديد من البلدان في المنطقة استمرار الانتفاضات، خلال الأشهر والسنوات الآتية. والنقطة الثانية هي ان «التحولات الاجتماعية- الاقتصادية العميقة»- وهي الأسباب الحقيقية وراء هذه الانتفاضات- هي التي سترضي الجماهير، وليس  الاصلاحات السياسية السطحية (الاشقر 2013: الفصل الرابع). وفي وقت سابق، استعملتُ تعبير «ثورة إصلاحية» لوصف الإجماع الحاصل، في ميدان التحرير. ويمكن أيضاً أن نذكر توصيف آصف بيات، الذي يستخدم تعبير «refolution»، أو ما يمكن تعريبه ب[الثورة الإصلاحية]. وخلال السنوات الثلاث والنصف الماضية، اقترح بعض الناشطين/ات اعتبار أن ثورة 2011 المصرية هي «ثورة سياسية غير كاملة» أو «ثورة اجتماعية فاشلة». والناشطون/ات أنفسهم الذين رددوا، مراراً وتكراراً، أن «الثورة مستمرة»، بدأوا بالسخرية من الشعار نفسه، معتبرين، بدلاً من ذلك، أن «الثورة لن تستمر من تلقاء ذاتها». وبعبارة أخرى، لقد بدأ الحكم على الحدث من خلال نتائجه، والإشارة إلى أن ثورة كانون الثاني/يناير قد فشلت (على الأقل، في الوقت الراهن).

إن وجهات النظر المختلفة، أعلاه، الصادرة سواء عن أكاديميين/ات أو ناشطين/ات، تعكس اختلافاً، من الناحية النظرية،  في النظر إلى الثورة. وإذا ألقينا نظرة إلى المسافة التاريخية الأوسع للأحداث، يمكننا رؤية إن الأحداث لا زالت تتوضَّح للعيان؛ في حين، إذا نظرنا إلى النتائج الفورية، يمكن للمرء أن يقول إن هذه الثورة قد فشلت، في الواقع. وفي هذه الأطروحة، أجادل ضد فكرة أن للثورة بداية ونهاية واضحتين؛ وأسعى للتركيز على الثورة كسيرورة. وبقولي هذا، لا أرفض التحليل القائم على النتائج، تماماً. فمن الأصح القول إن أولئك الذين احتجوا في كانون الثاني/يناير، عام ٢٠١١، قد عاشوا نكسات كبيرة، حتى لا نقول «نصراً حاسماً» للنظام القديم على الثورة. وهذا الوضع قد يستمر لبعض الوقت، ولكن ليس إلى الأبد. وأنا أتفق مع ما ذهب إليه، مؤخراً، هـ. أ. هيللير، حول أن الثورة المصرية لم تنته بعد، على الرغم من أن الجيش أعاد فرض سيطرته، في العام  ٢٠١٣ (١٠). وبالطبع، إن حصول ثورة أخرى في مصر (أو استئناف ما بدأ في كانون الثاني/يناير، بنفس الطريقة) هو أمر غير مرجح؛ فالأوضاع الثورية لا تتكرر تاريخياً بنفس الطريقة، على الأقل، في فترة قصيرة من الزمن. كما أني أتفق مع النقطة الثاقبة التي أشار إليها جلبير الأشقر، والقائلة إنه حين يكون ظرفٌ ثوريٌّ محدداً تحديداً تضافرياً، لا يكون النجاح الثوري محدداً بالطريقة نفسها. فهو يكتب:

«بيد أن التحديد التضافري لا يجب فهمه كتحديد تضافري لنجاح الثورة، أي إطاحة السلطة السياسية وقلب ما أسماه ماركس في مقدمة ١٨٥٩، التي شكلت نقطة بداية هذا الكتاب، «البنية الفوقية القانونية والسياسية». فالانفجار الثوري وحده هو المحدد تضافرياً، بمعنى أن تفاقم الإعاقة البنيوية لتنمية القوى المنتجة، مصحوباً بعوامل ظرفية محلية وإقليمية ودولية تسهم في تأجيج التوترات، يفضي حتماً إلى هبة شعبية تقود إلى أزمة سياسية جسيمة. ولكي تُطلق الانتفاضة سيرورة تغيير ثوري، يجب أن تكون الجماهير المنتفضة في وضع يتيح لها التنظيم والتحرك بفعالية لهذه الغاية. وبعبارة أخرى، فإن تحول الانتفاضة من هبة إلى ثورة يقتضي قدرة ذاتية، وهذه الأخيرة لا يمكن أن تكون «محددة تضافرياً» (١١).

لنلقِ الآن نظرة كيف أن قضايا السياسة المكانية، والاحتجاجات، قد تأثرت بهذه التطورات، منذ إطاحة مبارك. يمكن للمرء أن يشير ببساطة إلى كون العلاقة الإجمالية بين النظام ومجموعات الاحتجاج مستمرة. وعلى وجه التخصيص، سأحاول البرهان على أنه في حالة سياسة الشارع، استمرت كل الإدارات في مصر، منذ بداية الثورة، في استعمال العنف بدرجات متفاوتة، وكانت غير متسامحة إلى حد ما مع الاحتجاجات في الشارع. وبناء على ملاحظاتي ومناقشاتي مع الناشطين/ات، توصلت لتمييز النمط التالي: العنف يكون أعلى كلما كان عدد المتظاهرين/ات قليلاً. وهذا لا يعني غياب عنف الشرطة عندما يكون عدد المتظاهرين/ات كبيراً. لكن عنف الدولة يتراجع، أو يصل إلى الحد الادنى، عندما يكون عدد المتظاهرين/ات مرتفعاً جداً، كما الحال عندما يتجاوز عددهم/ن مئات الآلاف. والمنطق هنا يشير إلى أنه لا يمكن استهداف عدد كبير من المتظاهرين/ات، لأن ذلك قد يزيد من الغضب ضد النظام. وفي المحصلة، كل الإدارات استعملت العنف، ولكن بلغ العنف ذروته مع النظام الذي جاء بعد مرسي. والمفارقة، أن النظام بقيادة مبارك لم يستعمل الرصاص الحي ضد المتظاهرين/ات، قبل الثورة. ولكن خلال الثورة، وبعدها، تواصل إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، وبلغ ذروة رهيبة في آب/أغسطس ٢٠١٣، عندما أجْلَت الدولة مؤيدي مرسي والإخوان المسلمين، المعتصمين في رابعة العدوية، وأطلقت الرصاص عليهم.

هذا ومن جانب المتظاهرين، لم تؤدِ هجمات النظام إلى وقف احتجاجاتهم، في الشوارع. وكما أشرت في الفصل الثالث، فإن التجمعات العامة، في الثلاث سنوات ونصف الأخيرة،شملت المسيرات الحاشدة في الشوارع (ما يسمى بالمظاهرات المليونية)، والاعتصامات في ميدان التحرير، وفي مناطق أساسية أخرى، كما تواصلت الإضرابات العمالية، والوقفات في وسط القاهرة، وفي مراكز مدينية أخرى. ولكن بخصوص كل من هذه المظاهرات، لا أود الإيحاء، على الإطلاق، بأنه تم التعامل معها، بنفس الطريقة، (أو ان  الإدارات المتعاقبة على حكم مصر استخدمت الدرجة نفسها من التسامح أو العنف). على العكس، فكما أشرت، من قبل، لقد تم  ذلك، في سياق معركة، بين النظام والمحتجين/ات. وقد ازدادت الأمور سوءاً إلى درجة أن إطلاق النار على المتظاهرين، أصبح أمراً معتاداً للغاية، في ظل الحكم العسكري الجديد، في مصر، كما جرى حظر التظاهر تقريباً، في مصر، كما سوف أشرح ذلك، أدناه.

وعلى وجه التخصيص، أشيرُ هنا إلى أنه كانت  هناك ثلاث ميزات رئيسية، في سياق السياسة المكانية، والاحتجاجات، في مصر، في السنوات الثلاث والنصف الأخيرة (١٢). الميزة الأولى هي وجود معركة حول ميدان التحرير. ولم يكن هذا فقط بين النظام والمتظاهرين/ات، إنما أيضاً بين فصائل مختلفة، كانت متحدة، ذات يوم، خلال الثورة. وبسبب القوة الرمزية لميدان التحرير، وهو أمر كان قائماً، تاريخياً، قبل الثورة، ومن ثم تكثف بواسطتها، بدأت مجموعات مختلفة تنظيم اعتصامات، داخل الميدان، بعد الثورة. ولكن في سياق ذلك، نشبت خلافات عديدة حول أي مجموعة يحق لها المطالبة لنفسها بتلك المساحة، والادعاء أنها تجسد  روح ميدان التحرير، والثورة. والاحتجاجات بدأت فور إطاحة مبارك، في ظل المجلس العسكري، عندما بدأ المحتجون/ات، في الميدان، بإدراك أن المجلس العسكري يقاوم الإصلاح. وقد استمر المحتجون/ات في السير إلى ميدان التحرير، وحاولوا عدة مرات إقامة اعتصامات مفتوحة هناك. وفي السنة الأولى التي أعقبت إطاحة مبارك، انفصلت الأحزاب والمجموعات اليسارية والعلمانية، من جهة، عن الإسلاميين، من جهة أخرى. وأحد أسباب هذا الافتراق، على الارجح، كان العلاقة الوثيقة التي ظهرت بين الإخوان المسلمين والإسلاميين، من جهة، والمجلس العسكري، من جهة أخرى. خلال ذلك الوقت، استمرت المجموعات العلمانية واليسارية، والشبيبة، في السير إلى ميدان التحرير، وتنظيم الاعتصامات، كذلك، مستلهمة الاعتصام المشهور، الذي تم خلال الثورة. وفي بعض الحالات، لم تهاجم الدولة هذه الاعتصامات. ولكن في كثير منها، قام المجلس العسكري والأجهزة الأمنية بمهاجمتها. كما انه، خلال فترة التفاوض والتنسيق مع المجلس العسكري، فضل الإخوان المسلمون تنظيم تجمعاتهم الخاصة، في ميدان التحرير. فالإخوان المسلمون فضلوا، عموماً، عدم تنظيم اعتصامات مفتوحة، ولكن، بالطبع، مع وجود القليل من الاستثناءات (١٣).

استمر النظام في مهاجمة ميدان التحرير وتحميل الممحتجين/ات المسؤولية عن زعزعة الاستقرار، مستعملاً مختلف الأعذار، ولكن في معظم الحالات، استخدم مجدداً روايات مألوفة من الثورة: أن المتظاهرين/ات  مجرد مجموعة من العملاء المتسللين والبلطجية. كما أن النظام بدأ باستعمال الرصاص الحي. ومن ناحية أخرى، بدأ المحتجون/ات بلوم الإخوان المسلمين على ما بدا كما لو كان صفقة مع المجلس العسكري. وهذا لا يعني أن الإخوان المسلمين قد توقفوا عن التظاهر. ولكن بشكل عام، حصل ذلك بواسطة  قوى إسلامية، حصراً، وليس بالتنسيق مع  القوى العلمانية والليبرالية. وفي ٢٩ تموز/يوليو عام ٢٠١١، على سبيل المثال، تجمعت كل القوى الإسلامية، كالإخوان المسلمين، والسلفيين، وحشدٍ  واسع من المجموعات الإسلامية، من ضمنها ما يسميه الناشطون والصحافيون مجموعات جهادية(١٤)، في ميدان التحرير. وقد ردد المتظاهرون شعارات اسلامية، من بينها أن مصر يجب أن تكون دولة إسلامية. وبعض الناشطين/ات قالوا إن الإسلاميين حاولوا إظهار قوتهم، خلال تفاوضهم مع النظام. والمشهد الأوسع، هنا، لم يكشف فقط أن وحدة ميدان التحرير لم تعد موجودة، إنما أيضاً أن انقسام تحالف ميدان التحرير قد انعكس رمزياً في المعارك، التي نشبت حول من يحق لهم الحديث باسم التحرير (١٥). ففي معظم الوقت، منذ العام ٢٠١١، كان ميدان التحرير مخصصاً، بشكل أساسي، لاعتصام المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية، ولكن بعد أن استولى النظام العسكري على الحكم عام ٢٠١٣، جرى حظر المظاهرات في ميدان التحرير، عملياً، ما عدا في حالة أنصار الجنرال السيسي والنظام الجديد. وفي الذكرى الثالثة لانطلاق الثورة، اعتقل ناشطون/ات مؤيدون/ات للديمقراطية، في التحرير، ويواجهون اليوم المحاكمات. في غضون ذلك، وبعد أن تولى السيسي الحكم، احتفل أنصاره في ميدان التحرير.

التطور الثاني، في مجال التظاهر والسياسة المكانية، هو ظهور ما أصفه بساحات الاحتجاج المتنافسة. وقد أشرت إلى ذلك، باختصار، في مدخل اطروحتي. وهذا يحيل إلى الحالة التي احتلت خلالها مجموعات مختلفة ساحات شتى، أو احتشدت فيها، في الوقت نفسه. وهذا ما حصل خلال الثورة نفسها، عندما احتل المحتجون المؤيدون للديمقراطية ميدان التحرير، في حين تظاهر مؤيدو مبارك، ومؤيدو المجلس العسكري، بالقرب من مسجد مصطفى محمود، في المهندسين (كما استخدم الناشطون المؤيدون للديمقراطية المكان نفسه، في بعض الأوقات)، وأيضا في ساحات أخرى، مثل العباسية، وبالقرب من منصة مدينة نصر/ النصب التذكاري للجندي المجهول. ولكن خلال ذلك الوقت، حافظ التحرير على امتيازه، باعتباره الرمز الرئيسي للثورة، والميدان الأكبر، ولهذا السبب، هناك صراع شديد حول من يحتل ميدان التحرير اليوم. وقد عكست هذه المنافسة المزدادة على المساحة العامة، أيضاً، تزايد الاستقطاب في الوضع المصري. إن ظاهرة الساحات المتنافسة بلغت ذروة جيشانها الدموي، بعد إطاحة مرسي. ففي حين تجمع مؤيدو الانقلاب، في ميدان التحرير، لعدة أيام، بعد تموز/يوليو عام ٢٠١٣، احتل مناصرو الإخوان المسلمين والمجموعات الإسلامية ساحتَين، احتجاجاً على إطاحة مرسي. وقد كانت الساحة الأولى هي ميدان النهضة، المواجه لجامعة القاهرة، والثانية ساحة رابعة العدوية، المواجهة لمسجد يحمل الاسم نفسه، في مدينة نصر بالقاهرة. وقد نجحوا في احتلال هاتين الساحتين لمدة شهر ونصف الشهر، تقريباً. ولكن في ١٤ آب/أغسطس من العام ٢٠١٣، اجتاحت الشرطة والجيش الاعتصامَين، وأخلتهما بالقوة. استخدمت السلطة العنف المفرط وقتلت الكثير من المعتصمين. وقد قدرت منظمات عاملة في مجال حقوق الإنسان حصيلة هذا الاجتياح بأنها لا تقل عن ١٠٠٠ قتيل. وقد وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش ذلك بـ«أسوأ حادث قتل جماعي غير مشروع، في تاريخ مصر الحديثة» (١٦).

الميزة الثالثة الرئيسية للتظاهر والسياسة المكانية، منذ الثورة، هي تكثيف معارك الشوارع، بين النظام والمحتجين/ات. هذه المواجهات بلغت ذروة جديدة، عندما فرضت الحكومة شروطاً قاسية للتظاهر، عام ٢٠١٣. ففي ٢٤ تشرين الثاني/نوفمبر، أصدرت الحكومة الجديدة تشريعاً من المفترض أنه ينظم الحق في التظاهر، ولكنه كان، في الواقع، يهدف بشكل أساسي إلى الحد من الاحتجاجات، أو منعها، تماماً. وقد وصفته منظمات حقوق الإنسان بقانون شديد القسوة (١٧). ويبدو أنه كذلك، لأنه جرى استهداف العديد من الناشطين/ات، منذ أن وضع موضع التنفيذ. وقد صدرت أحكام بحق البعض، لمدة تتراوح بين ٧ و١٥ سنة، لمجرد كونهم عمدوا للتظاهر، من دون ترخيص. فعلاء عبد الفتاح، أحد رموز الثورة، ومن مؤسسي حركة المدونين، حكم عليه بـ١٥ سنة سجن، فقط لافتراض تظاهره، من دون ترخيص. والأمر نفسه حصل مع أحمد ماهر، أحد مؤسسي حركة ٦ نيسان/أبريل، الذي حكم عليه بسبع سنوات سجن، للسبب عينه (١٨). وهذه التطورات شديدة الأهمية، فالعديد من الناشطين/ات في مصر، وخاصة بعد الثورة، وجدوا أن السياسة الرسمية ضيقة الأفق، وفاسدة للغاية، بحيث لا يمكن معها إحداث أي تغيير حقيقي. وباختصار، فالعديد من الناشطين/ات رأوا أن السياسة الرسمية لا زال النظام القديم يتحكم بها. ولقد كانت الباحثة، منى الغباشي، على حق، عندما أشارت إلى أنه، في مصر ما بعد الثورة، وحدها سياسة الشارع لديها القوة الكافية لتحقيق تغيير حقيقي (١٩). وهذا بالضبط ما أكده العديد من الناشطين/ات. فقد أكد لي العديد منهم/ن أن «المكسب الأساسي للثورة هو أننا اكتسبنا الحق في الاحتجاج، في الشارع». وهذا القانون أنهى ذلك. إن هذا الملمح يعكس القضية الاهم، التي وصفتُها، من قبل، حول واقع ان العديد من الناشطين/ات، في مصر، لا يثقون  بالسياسة الرسمية، ويعتبرونها، بشكل خاص، بعد تجربتهم في ظل الاستبداد، مجرد وسيلة إضافية تعتمدها الأنظمة، لممارسة الألاعيب السياسية، وتأخير التغيير الحقيقي.

--  *جزء من خاتمة أطروحة الاشتراكي الثوري المصري، عاطف سعيد، التي ناقشها وحاز على اساسها درجة الدكتوراه، بامتياز، في جامعة ميشيغان الاميركية، في أوائل صيف ٢٠١٤، بعنوان «أثر ميدان التحرير: التاريخ، والمكان، والاحتجاج، في ثورة ٢٠١١ المصرية»، وقد أضيفت إلى النص مقدمة مقتضبة ضرورية وضعها الكاتب، مشكوراً، بطلب من هيئة تحرير «الثورة الدائمة».

الهوامش:

١- لا توجد ترجمة واحدة متفق عليها لتعبير Spatiality في اللغة العربية. اتفق كل من الباحث والرفيق المترجم على استخدام تعبير السياسة المكانية بدلاً من استخدام كلمة واحدة: المكانية. يقصد الباحث من هذا التعبير السياق العام والممارسات التي يقوم بها المتظاهرون لاستخدام المكان في احتجاجاتهم. والمقصود هنا ليس فقط استخدام المكان بمعناه الفيزيقي والجغرافي فقط، ولكن أيضاً استخدام المعاني والرموز والتاريخ،  المرتبطة بالمكان نفسه. وتجدر الإشارة إلى أن استخدام المكان في الاحتجاج من كل الزوايا السابقة من قبل المحتجين هو محل صراع دائم بينهم وبين السلطة والطبقة الحاكمة؛ أي أن سياسات المكان بصفة عامة هي محل جدل وصراع دائم بين الطبقات والفئات المسيطرة، والطبقات والفئات المهمشة.

٢- كثيراً ما تختلط الأمور عند المراقبين المحدِدين للفرق بين الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة. من الناحية النظرية، يعود ذلك إلى أن جماعة الإخوان المسلمين موجودة تاريخياً باعتبارها مجموعة تعظ عن الأخلاق الإسلامية، والتربية. ومع ذلك، أصبحت المجموعة مسيسة مع مرور الوقت. وقد كانت موجودة بطريقة غير شرعية تحت حكم مبارك، ولكنها استمرت وتنامى حجمها. وبعد الثورة، أسست جماعة الإخوان المسلمين حزب الحرية والعدالة، من أجل الترشح إلى الانتخابات، والمشاركة في الحياة السياسية الرسمية. ليس كل أعضاء جماعة الإخوان المسلمين أعضاء في الحزب، وفي الواقع، العلاقة بين التنظيمين لا تزال متناقضة. في العديد من المقابلات التي أجريتها مع أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين، أخبروني أن الجماعة ستبقى مستقلة عن حزب الحرية والعدالة. والمقابلات عينها أقرت لي أنه من الصعب التفريق بين الاثنين. وكنت قد أجريت المقابلات قبل إطاحة مرسي، خلال صيف العام ٢٠١٢. وبعد إطاحة مرسي، واصلت الحكومة التي يسيرها الجيش استهداف جماعة الإخوان المسلمين، وصدرت أوامر قضائية بحظر الحزب والجماعة.

٣- النقاشات لا زالت مستمرة بشأن الأحزاب الدينية في مصر وكيفية تحديدها. التعريف البسيط يقول إنها أحزاب تُدخِل الدين صراحة في برنامجها. والمناطق الرمادية لهذا التعريف استغلها الإخوان المسلمون والأحزاب الإسلامية، خلال الفترة الانتقالية الأولى (تحت حكم المجلس العسكري، بل بمباركة الأخير، بحسب العديد من الناشطين/ات). هذا الواقع خلق انقسامات داخل تحالف التحرير، وذلك مع بعض المجموعات، التي شعرت بخيانة الإخوان المسلمين، فوراً، في فترة ما بعد مبارك. ولكن الدستور الجديد، في ظل حكم العسكر، حظر الأحزاب الدينية؛ ومنع تأسيس الأحزاب على أساس «ديني أو عرقي أو جنسي أو جغرافي». ومع ذلك، تعاون النظام العسكري مع بعض السلفيين، بهدف تجنب الظهور بمظهر معاد للدين، ومن أجل تعزيز أهدافه، في سياق حربه ضد الإخوان المسلمين. وهكذا فإن حزب النور، المجموعة السلفية الرئيسية، تعاونت مع العسكر لإطاحة مرسي، وتواصل تعاونها معهم حتى اليوم.

٤- كما لا يمكن التقليل من أهمية الانتصار على مبارك عبر إطاحته بثورة شعبية.  ويذكِّرُنا جوان كول (٢٠١٤) بأن للربيع العربي، أيضاً، العديد من الانجازات الرئيسية. أهمها إنهاء فكرة استمرار الرئيس لمدى الحياة، والانتهاء من فكرة «كارتيلات العائلات المتحكمة بالجمهوريات العربية». للمزيد إقرأ(ي) هنا:

 http://www.huffingtonpost.com/juan-cole/arab-spring_b_5542452.htm

٥- إقرأ(ي)، أيضاً، نقاش خبراء مصريين، حول الانقلاب وعلاقته بالديمقراطية في مصر، في مقال محمد فاضل Mohammad Fadel, “What Killed Egyptian Democracy?,” Boston Review, January 21, 2014,

http://www.bostonreview.net/forum/mohammad-fadel-what-killed-egyptian-de...

٦- ومن سخرية الامور أن الدستور الجديد، الذي صدر في ظل حكم العسكر، والذي وضع موضع التنفيذ في كانون الثاني/يناير عام ٢٠١٤، يعترف بـ»ثورة ٢٥ كانون الثاني/يناير عام ٢٠١١»، وأيضاً بـ»ثورة ٣٠ حزيران/يونيو عام ٢٠١٣». والمثير للسخرية أنه في حين يقر الدستور بهذه الأحداث، فإن النظام الحالي يرمم النظام القديم،  ويستهدف كل ما يمت بصلة بهذه «الثورات» والاحتجاجات. يمكن قراءة كامل الدستور المصري على هذا الرابط: http://www.sis.gov.eg/Newvr/Dustor-en001.pdf

٧- في ٢٩ حزيران/يونيو عام ٢٠١٣، وقبل بداية الاحتجاجات، نشرت مقالاً لي في مجلة أوراق اشتراكية التي  يصدرها تنظيم الاشتراكيين الثوريين في مصر. في هذا المقال، حذرت الثوار/الثائرات من الانخداع من الجيش، مرتين. للمزيد أنظر(ي)، هنا: http://revsoc.me/politics/l-tldg-lthwr-mn-jhr-mrtyn-ljysh-wlthwr-fy-msr/

٨- ما يشير إليه الفرعون الكبير هنا هو أن هناك فرقاً بين ٣٠ حزيران/يونيو عام ٢٠١٣ و٣ تموز/يوليو عام ٢٠١٣. إن تفسيره ما حصل في هذين التاريخين هو سبب إضافي للمناقشات في مصر. شهد يوم ٣٠ حزيران/يونيو عام ٢٠١٣ احتجاجات جماهيرية واسعة ضد مرسي في مصر. أما ٣ تموز/يوليو فقد كان اليوم الذي أطاح فيه الجيش مرسي. وقد قال بعض الناشطين إنهم يدعمون المظاهرات ضد مرسي، لكنهم ليسوا موالين بالضرورة للانقلاب. الفرعون الكبير يعتبر هنا أن الجمع بين ما حدث في ٣٠ حزيران/يونيو وما حدث في ٣ تموز/يوليو، يعني حدوث «انقلاب حاظٍ بدعم الشعب».

٩- نشرت التغريدتين/التدوينتين، بإذن منهما.

١٠- H. A. Hellyer, “A Year After Morsi, Egypt’s Revolution is Not Over,” The Guardian,June30,2014,

 http://www.theguardian.com/commentisfree/2014/jul/01/a-year-after-morsi-...

١١- جلبير الأشقر: الشعب يريد، بحث جذري في الانتفاضة العربية، ترجمة عمر الشافعي، ط ١، دار الساقي، بيروت، ٢٠١٣، ص.115-116.

١٢- هناك ميزة رابعة لن أناقشها هنا تتعلق باستمرار المسيرات في الشوارع، المعروفة بالمسيرات المليونية. لن أتكلم عليها لأنه لا جديد بشأنها. هذه المسيرات استمرت حتى إطاحة مرسي. استمر الاسم (مسيرة مليونية)، بينما في الكثير من الحالات، لم يكن هناك كل هذا العدد فيها.

١٣- هذا، بشكل رئيسي، خلال فترة حكم المجلس العسكري. في ذلك الوقت، بدأ بعض الناشطين/ات اليساريين/ات بالسخرية من طريقة تظاهر الإخوان المسلمين والإسلاميين، بشكل عام، آنذاك. يومها لم يكن الإخوان المسلمون والإسلاميون قد نظموا، على الإطلاق، اعتصاماً مفتوحاً، بهذا الشكل، فلقد كان يطمح الإخوان إلى تنظيم مسيرة تصل إلى ميدان التحرير، حيث تلقى بعض الخطب، ومن ثم يغادرون في نهاية النهار. بعض الناشطين سخروا من الإخوان المسلمين قائلين إن شعار الجماعة هو «ثورة حتى بعض الظهر»، والشعار هو نسخة معدلة لشعار ثوري مشهور آخر، هتف به المتظاهرون، خلال الثورة، وهو: «ثورة ثورة حتى النصر». وعندما وصل الإخوان المسلمون إلى السلطة، نظم الإسلاميون بعض الاعتصامات المفتوحة؛ منها أمام مقر المحكمة العليا، أو بالقرب من المراكز الإعلامية، في مصر. والاعتصام المفتوح الرئيسي كان في رابعة العدوية، بعد إطاحة مرسي، وقد أنهاه الجيش والشرطة عبر ارتكاب مجزرة بحق المعتصمين.

١٤- السبب الرئيسي وراء ذلك هو أن المراقبين والناشطين قد شاهدوا أعلام القاعدة السوداء الشهيرة، بين الجماهير. وقد وصف ناشطون مصريون هذا اليوم بـ»جمعة قندهار»، على اسم ثانية كبرى مدن أفغانستان، في إشارة إلى تحالف الإخوان المسلمين مع الإسلاميين المتطرفين. ولقد كتب بعض الناشطين عن ذلك اليوم: «نحن نعلم أن الثورة قد سرقت في هذا اليوم». لمشاهدة مقاطع فيديو على موقع اليوتيوب أنقر(ي) هنا:

 https://www.youtube.com/playlist?list=PLnJKbEpCMbiG3iKGTvfeIQ2sy1aEQQjza

١٥- أشرت إلى ذلك، في المدخل إلى هذه الاطروحة. كما وصف المؤرخ خالد فهمي تلك الفترة بمقال عنوانه:»الميدان لمن؟»

 http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=23092012&id=e9eeb0ef-...

١٦- http://www.hrw.org/ar/news/2013/08/19-1

١٧- لم أناقش مسألة مشروعية التظاهر في مصر، ضمن هذه الأطروحة. والسبب الرئيسي وراء ذلك هو أن الشرعية جرى التلاعب بها تاريخياً، على يد النظام، ولم يحترمها بكل الأحوال. بعبارة أخرى، وتاريخياً، قدم الناشطون والمجموعات الحقوقية طلبات للشرطة للترخيص للاعتصامات، وهذه الطلبات لم تتم استجابتها أبدا. وهذا الأمر لا ينطبق فقط على ما يعتبره النظام مجموعات غير شرعية، إنما ينطبق أيضاً على الأحزاب السياسية الحالية. فحتى خلال أوقات الانتخابات، تتحكم  الشرطة بالمسيرات، ولا تسمح بها. ما هو مسموح به خلال الانتخابات هو التجمعات فقط. ولقد سبق ان ناقشت، في هذه الاطروحة، في الفصل الثاني منها، التراث  الكولونيالي لاختيار ميدان التحرير مركزاً للاحتجاجات، منذ عام ١٩١٩، وهذا يعود إلى أن= الثكنات البريطانية تركزت في منطقة الميدان، في ما هو معروف، حالياً، بكوبري قصر النيل. وهناك تراث كولونيالي آخر للتحكم بالاحتجاجات، في مصر، ويتمثل بالقانون الصادر عن برلمان غير شرعي، ويحمل الرقم ١٠، في العام ١٩١٤. هذا القانون أصدرته الإدارة الكولونيالية لمصر، ولا زال ساري المفعول حتى يومنا هذا. ولكن على ما يبدو أن النظام الجديد وجد أن هذا القانون «القمعي» غير كاف، وبالتالي أصدر قانوناً أكثر قمعية، ضد المظاهرات. http://www.hrw.org/ar/news/2013/10/30

١٨- لقراءة التغطية الصحفية حول القضية: https://www.ifex.org/egypt/2014/06/27/23_anti_protestlaw_activists_detai...؛ http://www.nytimes.com/2013/11/26/world/middleeast/egypt-law-street-prot...؛

١٩- Mona El-Ghobashy, “Politics by Other Means,” Boston Review, November 1, 2011, http://www.bostonreview.net/mona-el-ghobashy-egypt-revolution-tahrir-square