أي لبنان ينبغي أن يظهر في نهاية النفق المديد الراهن؟

العدد الخامس - آذار ٢٠١٥
الدولة: 
لبنان
الملف: 
المسألة الطائفية والعلمانية الثورية
تاريخ النشر: 
آذار (مارس), 2015

يعيش لبنان، في الوقت الراهن، إحدى أكثر مراحل تاريخه ضبابية وإثارة للقلق، على مختلف المستويات، الاقتصادية، كما الاجتماعية، فالسياسية، ولا سيما في غمرة الارتدادات الرجعية، والمعادية للثورة، في المنطقة العربية، التي أعقبت رعب الطبقات الحاكمة الإقليمية، وهي ترى جماهير بلدانها تنتفض وتطالب بإسقاط النُّظم القائمة. مع ما صاحب ذلك الرعب من ردات فعل وصلت في أكثر من واحد من هذه البلدان إلى ما يقارب الحروب الاهلية، ولا سيما في سوريا، المحاذية للبنان، والداخلة معه في تاريخ طويل من العلاقات الملتبسة، وتبادل التأثيرات، في الاتجاهين، مع غلبةٍ لتلك التي تحدث في البلد المجاور، وتنعكس بشدة- كما الحال في السنوات الاربع الاخيرة- على الدولة والمجتمع اللبنانيين. هذا مع العلم بأن العقود الاخيرة شهدت تطوراً حاسماً في هذا المنحى، تمثَّل بدخول الجيش السوري، وأجهزته المخابراتية إلى لبنان، وتكريس هيمنة مديدة عليه، لصالح السلطة البعثية، الحاكمة في دمشق، قبل ان تضطر هذه للانكفاء، في ربيع العام ٢٠٠٥، في ظروفٍ معروفة، ولكن مع الإبقاء على جانب ليس ضئيلاً من نفوذها، عبر حلفائها المحليين، وفي مقدمتهم حزب الله، الذي يشكل ظاهرة خاصة جداً، تلعب دوراً جوهرياً في التسبب بما وصفناه، أعلاه، بضبابية الوضع اللبناني الحالي، وإثارته الشديدة للقلق، فضلاً عن تكريس الاسباب الاهم لعجز البلد عن المحافظة على جزء أساسي مما كان يتوفر لديه من سمات الديمقراطية البرجوازية، التقليدية، على الاقل، وما يتلازم معها من مقوِّمات الحياة المؤسسية، التي كان من شأن انتظامها أن يخدم السعي، وإن المتعثر، نحو استكمال شروط بناء دولة على هذا القدر أو ذاك من التماسك، يمكن أن تخاض في ظلها المعارك الحقيقية للجماهير الكادحة الواسعة، على قاعدة مصالحها الحقيقية، وفي مقدمتها بناء سلطة ديمقراطية علمانية ثورية، هي سلطة المنتجين الفعليين للثروة الاجتماعية، رجالاً ونساءً، ومن شتى المذاهب والطوائف، بعيداً من أي تمييز. الامر الذي جاء، على امتداد العقدين الأخيرين، ليعمِّق أزمات بلدنا، في السياسة، كما في الاقتصاد، فالحياة الاجتماعية. وهو ما سنحاول الإطلال عليه، في هذا المسعى لتحليل المأزق الراهن للدولة والمجتمع اللبنانيين، وذلك في سياق تسليطنا الضوء على ما نرى فيه مشكلات عميقة ينوء بها واقع بلدنا، في ظل سلطة طبقية رأسمالية رثة تعمل بكل ما تملكه من إمكانات لتأبيد الانشطار السياسي الطائفي والمذهبي، بما هو يخدم استمرار هيمنتها السياسية والاجتماعية، ونهبها لثروات البلد، وعرق الغالبية الكبرى من شعبه، وجهدها، ومصادرة مستقبل أبنائه، ولا سيما الاجيال الطالعة، التي يضطر قسم كبير منها إلى البحث عن العمل، وبالتالي إلى السعي لبناء حياةٍ له، في المهاجر، سواء منها المؤقتة أو الدائمة.

أولاً: الإخلال العميق بالحياة المؤسسية

على الرغم من عدم تعويلنا الجوهري، بتاتاً، على صفة تمثيلية حقيقية قد تكون تتميز بها المؤسسات البرجوازية المرتكزة على الانتخابات الشكلية، سواء منها الانتخابات النيابية، أو الرئاسية، أو البلدية، التي تتم بصورة دورية، كل عدد محدد من السنوات، فنحن نعتقد انه إلى حين يصبح وارداً اعتماد أشكال أخرى من الانتخابات تعكس تمثيلاً حقيقياً واعياً للغالبية الشعبية المنتجة، ويرتهن استمرار الهيئات المتولدة منها، او المنتخَبين/ات، الذين يصلون/ن إلى مواقع السلطة، بواسطتها، بمدى استمرار ثقة الناخبين/ات بمن سبق أن انتخبوهم/ن، ثمة فائدة جدية، لا بل ضرورة، لحدوث تلك الانتخابات، بصورة دورية منتظمة، ومن دون الإخلال بدوريتها الدقيقة إلا في الحالات الاضطرارية القصوى. وهو ما يتكرر، لدينا، تجاهله، من جانب القوى الطبقية الحاكمة، والضرب به عرض الحائط، انطلاقاً من مصالحها الاجتماعية، والسياسية الضيقة، أو مصالح قوىً إقليمية أو دولية مؤثرة في الحياة السياسية، لدينا، وذلك في ازدراء صريح لإرادة المواطنين/ات.

هكذا، ومن دون أن نعود إلى السوابق العديدة التي تكررت خلالها هذه الظاهرة، لدينا، يمكن الاكتفاء بما يحدث في السنتين الاخيرتين، سواء على صعيد رئاسة الجمهورية، أو على مستوى الانتخابات النيابية. ففي الحالة الأولى، يتم تهريب النصاب الدستوري لعدد النواب المفترض حضورهم، لأجل اعتبار الاقتراع لهذا المرشح أو ذاك موافقاً للقواعد الدستورية، منذ الربيع الماضي، بحيث أصبح عدد جلسات الاقتراع، الفاشلة، التي دعا إليها رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، ١٧ جلسة، حتى الآن، وبات يفصلنا عن شغور الرئاسة الأولى أكثر من ٢٧٠ يوماً، مع ما لذلك من انعكاسات سلبية على صعيد التعبئة الشعبية ذات الطابع الطائفي- المذهبي، في بلدٍ لا يزال منصب الرئاسة الاولى فيه حكراً على مذهب وطائفة معينين، في سياق التقاسم الطائفي لكل من رئاسات الجمهورية، والحكومة، والمجلس النيابي. وهو الامر الذي مَرَدُّه، كما يعلم الجميع، إلى الاستياء الشديد من جانب حزب الله، بوجه أخص، وجماعة ٨ آذار/مارس، من تجربتهما مع الرئيس السابق، ميشال سليمان، الذي اتخذ موقفاً واضحاً وصريحاً، في السنتين الاخيرتين من ولايته، ضد مشاركة الحزب المذكور في القتال في سوريا، دفاعاً عن نظام بشار الاسد، وبمواجهة من يقاتلون هذا الاخير، ويسعون إلى إطاحته، على اختلاف مواقعهم. وبالتالي لأن حزب الله وحلفاءه، المحليين والإقليميين، وفي مقدمتهم قادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يفضلون إبقاء موقع رئاسة البلد شاغراً، طالما لم يضمنوا مجيء شخص إلى سدة الرئاسة لا يربك مخططاتهم، في الصراع الإقليمي، والعالمي، على الساحة السورية.

من جهة أخرى، وبذريعة الوضع الامني، في السنوات الاخيرة، جرى للآن تأجيل الانتخابات البرلمانية اللبنانية، مرتين، منذ انتهاء ولاية المجلس الاخير المنتخب، في العام ٢٠٠٩: المرة الاولى، من حزيران/يونيو ٢٠١٣، إلى تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١٤، ومن ثم من التاريخ الأخير إلى العام ٢٠١٧، علماً بأنه مرت أوقات، في تواريخ سابقة، كان الامن خلالها أكثر تهديداً، ولم يتم  تأجيل الانتخابات، لأجل ذلك. ولكن بين الأسباب الأكثر دقة للتأجيل عدم التوافق على مضمون قانون الانتخابات،  الذي تم تكليف المجلس النيابي، الممدد له، بوضعه، على اساس إجراء الانتخاب على قاعدته، فضلاً عن تخوف الاكثر حماساً في دعم التأجيل من فشلهم المحتمل، في كسب موقع قوي داخل المجلس القادم، المفترض حلوله محل المجلس الحالي. وفي الحالتين، الرئاسية، كما النيابية، بات من الواضح مدى الاستهتار بالأصول الدستورية، والقانونية، التي يتم التعامل معها بالكثير من الازدراء والإساءة إلى أبسط قواعد الديمقراطية، بفهمها الليبرالي الغربي.

في كل حال، لا يظهر هذا الازدراء الفعلي، من جانب الطبقة السائدة، لدينا، لأسس الديمقراطية البرجوازية، على صعيد مشكلة المؤسسات التي تقوم عليها هذه الديمقراطية، وحسب، بل كذلك بما يخص القرارات العليا، والقوانين، والقواعد الدستورية، ومدى الالتزام الجدي بتنفيذها، كما الحال، بوجه أخص، فيما يتعلق باتفاق الطائف وما جرى إدخاله، على أساسه، من تعديلات إلى الدستور اللبناني، في اواخر العام ١٩٩٠.

ثانياً: الامتناع عن تنفيذ النص الدستوري على تجاوز الانقسام الطائفي والمذهبي

لقد نص كل من اتفاق الطائف، ومن ثم التعديلات الدستورية، التي جرى إقرارها، في أوائل تسعينيات القرن الماضي، على ضرورة تجاوز الانقسام الطائفي والمذهبي، في المجلس النيابي، لصالح ما سُمِّيَ إلغاء الطائفية السياسية. وفي الواقع، فمنذ العام ١٩٨٩، حين جرى اعتماد الاتفاق المذكور، لم تقم السلطات اللبنانية المعنية بأي خطوة جدية لتطبيق هذا الجانب الجوهري، للوهلة الأولى، من الاتفاق.

أكثر من ذلك، فالحكومات المتعاقبة التي امتنعت عن تطبيق المادة التي باتت دستورية، والمتعلقة بإلغاء الطائفية السياسية، امتنعت أيضاً عن تطبيق البند الجديد المفترض أن يتم، بموجبه، الامتناع عن التوظيف في القطاع العام، في غير الفئة الاولى، على أساس طائفي أو مذهبي، في المرحلة التي تسبق اعتماد الخطوات التي يفترض ان يتم بموجبها إنجاز عملية الإلغاء تلك. لا بل إن العكس هو ما يحصل، إذ بات يجري اعتماد المناصفة الطائفية، في كل الفئات والدرجات!!!! كما أنه باتت مختلف المشاريع، الإدارية، والاقتصادية، وما إلى ذلك، التي تنطرح على الحكومات المشار إليها، تخضع لمساومات طويلة، وبازارات مقرفة، فيما بين العصابات الطائفية والمذهبية المسيطرة على مفاصل الدولة اللبنانية، جميعاً، على اساس المحاصصة المنطلقة، في جوهرها، من رؤيةٍ للدولة ككل، كما للثروة الوطنية، بما هي مغانم يتم توزيعها على هذه الشريحة الاجتماعية المهيمنة، وعلى أزلامها، ضمن الطوائف والمذاهب، على اختلافها، وفقاً لنسبٍ يمكن ان تتعدل، بحسب موازين القوى السياسية، وحتى العسكرية، أحياناً، في هذا الظرف أو ذاك. وبالطبع، فكل ذلك يترافق مع تعمُّق "الوعي" الاجتماعي المتوافق مع هكذا ممارسات، بحيث بات أمراً واضحاً ان الانقسام العمودي التناحري للمجتمع اللبناني وصل إلى أقصاه، على مستوى غالبيةٍ من اللبنانيين، مع ما يلازم ذلك من إمكان اشتعال صواعق الاحتقان الطائفي والمذهبي، في أية لحظة تتراجع فيها كفايةً ضوابط لا زال يتحكم بها هذا الطرف او ذاك، ضمن الشريحة المسيطرة، ويمكن أن لا يحتفظ بقدرته على التحكم بها، أو لا تعود له مصلحة، بالضرورة، باستخدامها، في ظروف لاحقة تنحكم، في جانبٍ اساسي منها، بارتباطاته الخارجية.

ويذكر الجميع كيف ان السنوات، وحتى الاشهر، الاخيرة، شهدت انفجارات عديدة، في أكثر من مكان من الارض اللبنانية، من طرابلس (حيث طال أمد معارك التبانة- جبل محسن، قبل التوافق على ضبطها)، شمالاً، إلى صيدا (ولا سيما خلال صعود ظاهرة الشيخ الأسير)، جنوباً، صعوداً إلى عرسال والمناطق البقاعية الاخرى (مع محاولات الجماعات الإسلامية الظلامية، التي تقاتل في سوريا، التمدد بعملياتها نحو الساحة اللبنانية، وصولاً إلى الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت، في ردها على قتال حزب الله، في الاراضي السورية، بجانب نظام الاسد). وهي انفجاراتٌ كان يمكن ان تتطور، في أية لحظة، إلى ما لا تُحمد عقباه، قبل أن يجري ضبطها، ليس فقط لأسباب وقناعات عائدة للمتصارعين المحليين، ضمن الطبقة الحاكمة، بل ايضاً لأسباب مرتبطة بالمصالح الإقليمية، والدولية، في وقت لا يزال قائماً فيه ما يشبه التوافق الضمني، الإقليمي، والدولي، على ضرورة تحييد، ولو مؤقت، للساحة اللبنانية، عن انفجارات المنطقة العربية المحيطة.

وفي الواقع، لقد كان الشكل الذي اتخذته المواكبة اللبنانية لعاصفة الانتفاضات الشعبية ضد الأنظمة القائمة، في المنطقة العربية، في شتاء- ربيع العام ٢٠١١، يتمثَّل بالمظاهرات الثلاث، المتفاوتة، من حيث الحجم (تراوحت الأخيرة بين العشرين والثلاثين ألفاً)، وذلك في شباط/فبراير وآذار/مارس من ذلك العام، وقد تمت تحت يافطة إطاحة النظام الطائفي اللبناني، ولكن ليس فقط باتجاه إلغاء الطائفية السياسية، بل نحو إقامة مجتمع ودولة علمانيين يتم الفصل فيهما جذرياً بين الدين والدولة. بيد أن القوى السياسية الطائفية (وفي مقدمتها حركة امل اليمينية الرجعية)، ومعها العديد من القوى اليمينية الرجعية الاخرى، التي تدعي العلمانية، من مثل الحزب القومي السوري، و تفرعات حزب البعث، ومنظمات مشابهة غيرها، نجحت في ضرب المضمون الثوري لذلك الحراك، ولا سيما عن طريق انتزاع جزء أساسي من القوى اليسارية، وبالأخص الحزب الشيوعي اللبناني، منه، بذريعة كاذبة، هي ذريعة التحلق حول شعار أكثر قدرة على التجميع، ألا وهو شعار تطبيق اتفاق الطائف، فيما يخص المطلب المتعلق فيه بإلغاء الطائفية السياسية. هذا مع العلم بأن الاطراف المشار إليها موجودة في السلطة منذ أكثر من عشرين عاماً، وهي لم تفعل شيئاً، ولن تفعل، حتى لمجرد تطبيق الشعار المذكور، على جزئيته ومحدوديته. ذلك أن الإبقاء على الواقع الراهن أضمن بما لا يقاس في ما يتعلق بحماية النهب الطبقي للدولة والمجتمع اللبنانيين، وتصعيب التلاقي بين الفئات الاجتماعية صاحبة المصلحة في تغيير النظام الرأسمالي اللبناني العفن والتابع، وإحلال نظام ديمقراطي ثوري محله لا يشكل قيامه مدخلاً لتصفية حقيقية للبنية الطبقية المهيمنة، محلياً، وحسب، بل يشكل كذلك خطراً فعلياً على باقي الانظمة العربية. وهي الانظمة التي طالما تدخلت لأجل الحيلولة دون إطاحة النظام السائد في لبنان، على امتداد عشرات السنين، ومنذ موجة التجذر التي عرفها لبنان، في سبعينيات القرن الماضي، بحيث لم يكن صدفة أن يتم المؤتمر الذي أنهى الحرب الاهلية اللبنانية الطويلة الأخيرة (١٩٧٥- ١٩٩٠)، خارج البلد المعني، وفي إحدى مدن الدولة الاكثر اهتماماً، على المستوى العربي، بتكريس الوضع القائم في بلدنا، على مختلف المستويات، السياسي منها، كما الاجتماعي والاقتصادي، ونحن نقصد مدينة الطائف السعودية! وهو ما سمح، دائماً، في العقود التي تلت استقلال لبنان عن سلطات الانتداب الفرنسي، وحتى اليوم، بالإبقاء، تقريباً، على بنىً فاسدة، وتزداد ترهلاً، لن يكون ممكناً، طالما هي استمرت، ان يخرج البلد من هذه الأزمة أو تلك، إلا ليدخل في ازمات جديدة، غالباً ما تكون تكراراً لما سبقها، وإن بأشكال قد تختلف، على المستوى الكمي، ولكنها لا تتمايز كثيراً من حيث الجوهر.

ثالثاً: في الواقع الاقتصادي- الاجتماعي، الممعن في الفساد والاهتراء

لقد خرج لبنان من حربه الاهلية المديدة، وما صاحبها من خراب كبير، وهو يكاد يعيش حالة مديونية كانت إجمالاً غير مقلقة، على الرغم من الظروف البالغة الصعوبة التي تسببت بها حرب أهلية طويلة جداً، ومكلفةٌ للغاية. بيد أن الحكومات التي تعاقبت، منذ أوائل التسعينيات، على ممارسة السلطة، في لبنان، جعلت البلد ينوء تحت إحدى المديونيات الأشد فحشاً وإثارة للاستغراب، حيث أنه، بحسب تقارير الهيئات الاقتصادية، والمصرف المركزي، في لبنان، «تجاوز الدين العام اللبناني الـ ٦٦ مليار دولار مع نهاية شهر تشرين الأول من العام ٢٠١٤، لتبلغ نسبته الى الناتج القومي العام ١٤٦ في المئة، وهي من الأعلى في العالم»، ولا سيما إذا أخذنا بالاعتبار نسبة الدين إلى عدد السكان. وقد اشار صندوق النقد الدولي في اكثر من تقرير الى ان لبنان يحتل المرتبة الرابعة عالمياً، من حيث حجم الدين من الناتج الوطني الاجمالي.

وقد بيَّن وزير المال، علي حسن خليل، في الخريف الماضي، ان نسبة النمو انخفضت في العام ٢٠١٤، وان نسبة العجز ارتفعت الى نحو ٤ آلاف مليار ليرة، نتيجة الاحوال المختلفة التي مر بها البلد، وبسبب زيادة الانفاق وعدم زيادة الموارد المالية، متوقعاً ان تبلغ كلفة خدمة الدين العام، في السنة ٢٠١٤، قرابة ٩ آلاف مليار ليرة لبنانية.

وكان أحد رموز المرحلة الحريرية، الفضل شلق، قد اعترف، قبل سنوات، حين كان يرأس مجلس الإنماء والإعمار، وفي حين كان لا يزال الدَّين العام يقارب الـ ٤٠ مليار دولار، بأن الجزء الأكبر منه هو فوائد فاحشة جداً للمصارف اللبنانية، بلغت آنذاك، بحسبه، حوالى ٢٦ ملياراً!! ما يُظهر مدى النهب الذي تمارسه هذه المصارف، بما هي الجزء من الطبقة الرأسمالية اللبنانية، الذي يتحكم بمقدرات البلد، وبالسياسة الاجتماعية- الاقتصادية المعتمدة، في الوقت نفسه الذي يلعب فيه الدور الاهم في قيادة البلد نحو المزيد من العجز، مع ما يلازم ذلك من انعكاسات خطيرة على الواقع المعيشي للغالبية الكبرى من المواطنين/ات. وهو الأمر الذي  يستدعي بالتالي رفع مطلب أساسي جداً، على المستوى الاقتصادي، هو إلغاء الديون المستحقة لهذه المصارف، على الدولة اللبنانية. وهو مطلب أساسي في البرامج الانتقالية لليسار الثوري، عبر العالم، وبالضبط إلغاء هذا النوع من الديون، لا مجرد جدولتها.

والجدير بالذكر أن النهب الذي درجت على ارتكابه المصارف الخاصة، في لبنان، يحظى بغطاء سياسي فضفاض جداً من جانب كل ممثلي الطبقة الحاكمة، سواء على مستوى جماعة ٨ آذار، أو على مستوى جماعة ١٤، من دون نسيان الكتلة التي يتزعمها وليد جنبلاط، والتي تتنقل بين الجماعتين، وفقاً لمصالحها الظرفية، وبما يضمن لها أجزى المكاسب، وأعلاها نفعاً. وهو الامر الذي يكشف مدى نفاق جميع هؤلاء، في صراعاتهم التي تقترب بهم، في احيان متكررة، من الصدام التناحري، في حين يبدون جاهزين بالكامل للتوحد، في كتلة متراصة، بمواجهة الفئات الشعبية، حين تبدأ هذه الاخيرة بخوض معارك صارمة وحازمة بمواجهتهم، على قاعدة مصالحها الطبقية، كما حصل في السنتين الأخيرتين، في موضوع سلسلة الرتب والرواتب، الذي تضافرت فيه جهود كامل الطبقة الحاكمة، إلى أي الأحزاب والتجمعات السياسية كان انتماؤها، لإنزال الهزيمة بهيئة التنسيق النقابية، ورئيسها، على امتداد الصراع المنوه به، القيادي في الحزب الشيوعي، حنا غريب، ولا سيما أن الهيئة المشار إليها كانت قد بدأت تعبر عن تطلعاتها لبناء اتحاد عمالي مستقل يواجه الخيانة الموصوفة للاتحاد العمالي العام، بقيادة النقابي الأصفر، غسان غصن، ويشكل أداة نقابية طبقية بديلاً، تدافع بثبات عن مصالح العمال والعاملات، والكسبة، وباقي ذوي الاجر وذواته.

ولم يكتف «تكتُّل» ١٤، و٨، وجنبلاط، بتوجيه ضربة قاسية جداً للنضال الطويل لهيئة التنسيق ورئيسها، على مستوى سلسلة الر تب والرواتب- في سيره الحثيث نحو تمرير سلسلة تنال من موقع الأساتذة الوظيفي، ومكتسباتهم التاريخية، مع فتح الباب واسعاً أمام فرض ضرائب غير عادلة لتمويل العجز المتنامي في الموازنة، في الواقع، في حين يتم التذرع بالحاجة لتمويل الزيادات البائسة لمعاشات الموظفين المعنيين، التي جرت الموافقة عليها، مبدئياً، وتظهر ميول جدية لفرض إجراءات إدارية تهدد ما تبقَّى من الوظيفة العامة- بل عمد إلى تدفيعها، هي ورئيسها، خلال الانتخابات الأخيرة لرابطة الأساتذة الثانويين- التي طالما شكلت، بقيادتها السابقة، العمود الفقري للهيئة المذكورة- ثمناً باهظاً لإخلاصها وحزمها الطبقيين، عن طريق تشكيل لائحة موحدة (باسم «لائحة التوافق النقابي») تضم كل أحزاب وحركات التكتل الظرفي، المشار إليه، المتصارعة عادةً، ضد اللائحة التي قادها غريب، تحت اسم «لائحة الحفاظ على الحقوق والموقع الوظيفي لأساتذة التعليم الثانوي». وهو الامر الذي أدى إلى انتزاع الرابطة من قيادتها السابقة، بحصول اللائحة الأولى على ١٦ عضواً من اصل ١٨. هذا وقد يكون مفيداً، في هذا المجال، الاستشهاد بالتحليل الوارد في مقالة تلت الانتخابات المذكورة، بعنوان: «الصراع الطبقي يمنع الحرب الأهلية» (السفير ٦/٢/٢٠١٥)، وقد كتبها السيد شلق، بالذات، المشار إليه اعلاه- المتنقل، في العقدين الأخيرين، بين ممثلي الرأسمالية المحلية، ومن ضمنهم الحريري الأب،  قبل رحيله، وما تلا ذلك من خلاف مع وريثه السياسي- ولكن الذي ربما عاد يتذكر، على ما يبدو، في خطابه ومصطلحاته، ماضيه البعيد في حزب العمال الثوري العربي، الذي سبق أن أسسه المفكر الماركسي الراحل، ياسين الحافظ، بعد طلاقه النهائي، في أواخر ستينيات القرن الماضي، مع حزب البعث. يقول الأستاذ شلق:

«بدا القائد النقابي، الذي كان رأس الحركة الشعبية للمطالبة بسلسلة الرتب والرواتب، كالأيتام في مأدبة اللئام، حين وقف، مصرحاً، بعد إجراء الانتخابات النقابية، وقد أدرك أن النظام اقوى منه. وادرك اللبنانيون أنهم محكومون بنظام مهما قيل في ديمقراطية طائفيته، إلا ان المصالح المالية المصرفية هي الاقوى. وقفت هذه المصالح وراء اتفاق أطراف ١٤ آذار مع ٨ آذار، لإذلال آخر ما تبقَّى من الحركة النقابية، ولحرمان طبقة واسعة من اللبنانيين من حقوقهم. ولقد برهن طرفا الطبقة السياسية، في لبنان، على انهما جناحان لحزب واحد تقوده جماعة اصحاب المصارف، وغيرها من الرأسماليين».

ونحن لن نستفيض أكثر في الحديث عن المزيد من الفضائح والكوارث، التي تأخذ مجراها، في ظل السلطة الطبقية السائدة، وقد تأخذ البلد، بصورة متزايدة، إلى الهاوية، وإن كنا سنتوقف، ولو باقتضاب، عند ثلاث منها، تتعلق الاولى بقضية استخراج النفط والغاز من المياه الإقليمية اللبنانية، والثانية بالموقف من الهيمنة المصرفية والمالية على الدولة اللبنانية، والثالثة بقضية التعامل مع اللاجئين السوريين إلى لبنان.. على أن نتناول، في إثر ذلك، ومع بعض التوسع، الظاهرة الخاصة جداً، المتمثلة بموقع حزب الله، وسلاحه، في الحياة السياسية اللبنانية، وما يطرحه ذلك من مهام: 

أ- حول  استخراج النفط والغاز

لقد بدأ الاهتمام، منذ عهد الانتداب الفرنسي، بمسألة النفط والغاز، في لبنان، إلا أن الضغوط السياسية وظروف الحرب الاهلية، وعدم الاستقرار السياسي في البلاد، وصعوبة استخراجهما في الماضي، فضلاً عن بؤس الطبقة الحاكمة، وغيابها العميق عن الاهتمام الجدي بما يمكن فعله، انطلاقاً من دراسات خلاقة للكثير من الطاقات الفعلية المتوفرة، في البلد، كلها عوامل أخّرت عملية التنقيب والبحث. وقد أكّدت آخر الدراسات أن «بحر لبنان يعوم على غاز يفوق ١٢٢ تريليون قدم مكعب و٣٠ إلى ٤٠ بليون برميل من النفط الخام».

وفي الواقع، ليست هذه الاسباب كافية، تماماً، لتفسير تأخر لبنان في السعي الجدي لاستخراج النفط والغاز من مياهه الإقليمية والاقتصادية، في حين بدأت إسرائيل تفعل ذلك، منذ أكثر من ٢٠ سنة، وهي تستخرج كميات منهما، بالفعل، منذ العام ٢٠٠٩، فيما هي تقوم حالياً بعقد اتفاقات مع دول مختلفة، من بينها الأردن ومصر، على بيعها كميات منهما، على مدد طويلة، وذلك بمبالغ تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، فضلاً عن العمل على تحقيق اكتفائها الذاتي من هاتين المادتين...

ويمكن أن ننظر إلى اسباب اخرى، فيما يتعلق بمماطلة الحكومات اللبنانية المتعاقبة في تسريع العمل على الاستفادة من مصدر دخل للبلد، بهذه الاهمية، يمكن أن يحل مشكلات عديدة أساسية للشعب والمواطن اللبنانيين، وفي مقدمة ذلك تحريرنا من مدفوعات خيالية، على صعيد استيراد حاجة السوق المحلية إلى النفط والغاز، ولا سيما لأجل توليد الكهرباء، كما قد يسهم بشكل فعال في تسريع التنمية، في البلد، وترشيدها، ووضع لبنان على طريق التقدم والازدهار. وبين أسباب المماطلة الملمَّح إليها، أعلاه، الخلافات فيما بين القوى السياسية المحلية على طرق الاستفادة من مصدر الثروة هذا، وعلى حصص كل منها في هذه الثروة، وطرق تحصيلها، وإن كان يجري تمويه هذه الاسباب بطرق مختلفة، يسمح بها ما يستفحل لدينا من إغراقٍ في الفساد يتورط فيه جزء كبير من المسؤولين في مواقع الإدارة المختلفة، كما في شتى مواقع السلطة السياسية. هذا مع العلم بأن كل تأخر إضافي في الانضمام إلى الدول المنتجة للنفط والغاز، أو التي على الطريق إلى ذلك، في البلدان المشاطئة للحوض البحر المتوسط، سيعرِّض لبنان لسرقة قسم هام جداً من حصته القانونية في مصدر الثروة هذا، وبوجه خاص من جانب إسرائيل، كما سيحرمه من العثور على اسواق كافية ومناسبة لتصريف إنتاجه منه.

ويعزو البعض تباطؤ الحكومة الحالية، مثلها مثل سابقاتها، في هذا المجال، وبخاصة في إصدار التشريعات الحكومية التطبيقية للتنقيب، إلى خلاف بين كتلتي  ميشال عون ونبيه بري يقال الآن إنه جرى تذليله، وإن المراسيم التطبيقية ستصبح ناجزة في النصف الاول من العام الحالي. هذا مع العلم بأنه حتى بعد تذليل كل هذه العقبات، بحسب ما يقول الخبراء في استخراج النفط والغاز، يحتاج لبنان إلى ما لا يقل عن سبع سنوات أو ثمانٍ لتصبح له اكتشافات تجارية قابلة للاستخراج.

في كل حال، إن الخلافات بين الكتل السياسية الحاكمة، لدينا، سوف تبقى تلعب دورها التخريبي في الحيلولة دون انتفاع البلد بشكل جدي، وإلى اقصى الحدود الممكنة، من مصادر دخل بالغة السخاء، بعد أن طال تحجج الكثيرين لدينا بافتقار لبنان إلى مواد أولية كان يمكن، لو توفرت، ان يحقق ازدهاراً صناعياً وزراعياً كافياً لرفع مستوى شعبه المعيشي إلى مستويات عالية، ولنقله إلى مستوى البلدان النامية، على الاقل، إذا لم يكن كافياً لانتقاله إلى مصاف البلدان المتقدمة. أما السبيل إلى القضاء على ذلك الدور البالغ الإيذاء فلا ينفصل عن إعادة النظر جذرياً في البنية الطائفية والمذهبية، أولاً، للحياة السياسية والاجتماعية عندنا، لصالح مجتمع ودولة علمانيين، فضلاً عن التخلي عن التوجهات التي اعتمدتها حكومات ما بعد انتهاء الحرب الاهلية اللبنانية، القاضية باللجوء المكثف إلى الخصخصة، والسعي، على عكس ذلك، إلى إعطاء الأولوية، في السياسة التنموية، للقطاع العام، وتأميم مصادر الثروة الاساسية، بالتالي، ومن ضمنها قطاع النفط والغاز (وقطاع المياه، المتوفرة بشكل كاف لدينا، والتي ثمة شبه إجماع عالمي على أنه سيكون لها دور اساسي، في هذا القرن، في عملية التنمية)، ولكن من ضمن سياسة شاملة تقضي بتشجيع عودة الاعداد الواسعة من خريجي الجامعات والمعاهد العليا، وخريجاتها، والكوادر العلمية، رجالاً ونساءً، في شتى المجالات، للعمل، مع غيرهم/ن من الكوادر العلمية التي بقيت في البلد، وذلك في المشاريع العامة، تحت رقابة مشددة، ولكن ديمقراطية، في آن، من جانب لجان المنتجين/ات، التي يتولون انتخابها هم/نَّ، بالذات، ويكون من اختصاصاتها الاساسية، عبر تفعيل مبدأي الرقابة والمحاسبة، ضمان التسيير السليم للمنشآت، على اختلافها، والحيلولة دون تفشي الفساد في القوى العاملة، كما في الهيئات الإدارية، والامراض البيروقراطية في هذه الاخيرة، فضلاً عن ضمان المعاملة العادلة للمنتجين، والمنتجات، جميعاً، وفي شتى مواقع العمل، على مختلف المستويات، بما في ذلك على صعيد قضية الاجور والرواتب، والضمانات الاجتماعية، على اختلافها. وهي أمور يستحيل التفكير فيها، بصورة تتسم بما يكفي من الجدية، والشجاعة، والإبداع، من دون اتخاذ موقف حاسم من أحد مواقع القرار الأهم، والأكثر نفوذاً في السلطة اللبنانية، حتى ايامنا هذه، ونحن نقصد الهيئات المصرفية والمالية.

ب- الموقف من الهيمنة المصرفية والمالية

على الرغم من انهيار الاتحاد السوفييتي، والمعسكر الذي كان يتحلق حوله، والتبدل العميق في موازين القوى العالمية، قبل انعقاد المؤتمر السادس للحزب الشيوعي اللبناني، في أوائل العام ١٩٩٢، بأشهُرٍ عديدات، جاء مشروع الورقة الاقتصادية المقدم، في المرحلة التحضيرية للمؤتمر، يدعو لتأميم المصارف اللبنانية، وإن كان هذا المطلب المتقدم اختفى، فجأة، قبل انعقاد المؤتمر المذكور بفترة غير قصيرة. كان واضعو المشروع، ضمن  لجنة الحزب المركزية، المنتخبة في المؤتمر الخامس، أكثر شجاعة وتقدماً من رفاقهم، في المؤتمر المنوه به، وإن مؤقتاً، حين دعوا- قبل ان يحال مشروعهم هذا، سريعاً، لسلة المهملات- إلى «فك تبعية الاقتصاد الوطني للاستعمار الجديد، ووقف هيمنة الرساميل الاجنبية، والأميركية خاصة، وتصفية الشركات الاحتكارية الاجنبية، وتأميم مؤسسات التمويل والتأمين، وحصر التجارة الخارجية في مؤسسات تابعة للقطاع العام».

والآن، بعد ٢٣ عاماً على ذلك التاريخ، نجد أنفسنا نتبنى طروحات أساسية في ذلك المشروع، وإن بشكل متفاوت بخصوص هذا أو ذاك من المطالب الواردة فيها، ومع التشديد على الجانب منها المتعلق بـ «مؤسسات التمويل والتأمين»، وذلك إزاء واقع بلدنا، الذي تملك فيه المصارف الخاصة، وغيرها من المؤسسات المالية، سلطة لا تضاهى، وتسيطر بصورة شبه مطلقة على الاقتصاد الوطني وطرق تسييره، وتقترف كل أشكال الجرائم المالية، ومن ضمنها تبييض الأموال المشبوهة والوسخة، بأشكال مختلفة، في سعيها للمزيد من تكديس أرباحها الخيالية، في الوقت نفسه الذي يعيش فيه البلد ازمات اقتصادية واجتماعية قاسية، وتعيش نسبةٌ عالية جداً من مواطنيه، عند خط الفقر أو تحته بكثير. والأنكى من ذلك ان السيد رياض سلامة، حاكم المصرف المركزي، بلا انقطاع، منذ أول آب/أغسطس من العام ١٩٩٣(!!!)، والمسؤول إلى حد بعيد عن سياسة التساهل شبه المطلق مع تضخيم أرباح القطاع المصرفي، بصورة غير محدودة، وبالتالي مع تعظيم دوره في توجيه سياسة البلد، والتحكم بمساراتها الاساسية، يجد دائماً، في كل مرة يقترب فيها استحقاق انتخابات رئاسة الدولة، جوقة واسعة، لدينا، من المطالبين باختياره لهذا المنصب. وهو ما تساعد كثيراً في تسهيله الصورة التي تحاول إعطاءها له- بسبب دوره المشار إليه، أعلاه، في الحقيقة- وسائلُ الإعلام، المحلية كما الاجنبية، ولا سيما الأوروبية منها، كما الحال مع المجلة الشهرية البريطانية المعروفة، المتخصصة في الاقتصاد، يوروماني Euromoney، التي اعتبرته «أفضل حاكم مصـرف مركزي في العالم للعام ٢٠٠٦»، بذريعة أنه «واجه تحديات كثيرة شائكة استطاع أن يتخطاها بنجاح»... «وبقيــت أسواق لبنان المالية صامدة، ولم يحدث أي تهافت على المصارف، لسحب ودائع أو بيع مبالغ كبيرة من العملة اللبنانية». هذا في حين قدّمت له منظمة «مصرفيون من أجل مستقبل أفضل»، وهي منظمة مصرفية دولية، مركزها فرنكفورت - ألمانيا، جائزة أفضل حاكم مصرف مركزي للعام ٢٠٠٤، مختارةً إياه من بين ٢٠ حاكم مصرف مركزي في العالم1.

ج- قضية اللاجئين السوريين إلى لبنان

في صيف العام ٢٠٠٦، حين شنت إسرائيل حربها الإجرامية البشعة على لبنان، بذريعة اختطاف حزب الله جنديين إسرائيليين، لجأ الآلاف من المواطنين اللبنانيين المتأذين من العدوان الصهيوني، وممن دُمرت بيوتهم بنتيجة القصف المُرَكَّز الذي استهدف المواطنين الآمنين، إلى سوريا، حيث استقبلهم المواطنون السوريون العاديون، في بيوتهم بالذات، إلى حين انتهاء تلك الحرب.

هذا في حين سيطرت صورة مختلفة تماماً، من حيث النتائج، على قضية لجوء مئات الألوف من السوريين، في السنتين الاخيرتين إلى لبنان، في ظروف أكثر مأسوية بكثير، وهرباً من عملية إبادة منظمة يمارسها النظام القائم إلى الآن، في دمشق، ضد الشعب السوري، الذي تمرد، منذ ربيع العام ٢٠١١، على عقود من الاستعباد والإذلال والقهر؛ وقد بات يتعاون مع ذلك النظام، في عملية الإبادة تلك، رهط واسع من الظلاميين الدينيين لعب نظام آل الأسد دوراً أساسياً في إنتاج حالتهم، في مسعاه لأن يعطي العالم انطباعاً زائفاً بأنه إنما يقاتل قوى إرهابية، لا أكثر ولا اقل. هذا مع العلم بأن عدداً كبيراً جداً من اللاجئين فروا من ديارهم، بسبب تدخل فريق لبناني مسلح، هو حزب الله، إلى جانب النظام المذكور، بعد أن بات قاب قوسين أو ادنى من الانهيار، وذلك بآلافٍ من مقاتلي النخبة لديه، الذين كان من المفترض انهم يحملون السلاح لقتال العدو الصهيوني، لا لإنقاذ عصابة من السفاحين، في النظام المذكور، يفضلون تدمير بلدهم بالكامل، وإبادة نسبة عالية جداً من مواطنيهم، على الانهزام امام إرادة غالبية كبرى من الشعب السوري قررت، في إحدى اللحظات، أن تكافح لأجل الحرية والكرامة الإنسانية والعدل الاجتماعي، أياً يكن الثمن.

إن الصورة هذه، لنتائج اللجوء المذكور، أبعد ما تكون عن المشهد الاخوي الذي ظهر في استقبال دمشق الشعبية (أي دمشق الطبقات الفقيرة، بعامة، وجانب من الطبقة الوسطى)، وريفها، ومناطق أخرى من سوريا، للبنانيين الهاربين من قصف الجيش الصهيوني قرى الجنوب اللبناني، ومدنه، وضاحية بيروت الجنوبية، ومناطق لبنانية أخرى. ونحن نقصد بكلامنا هذا المواقف العنصرية التي بدت فاقعة، على صعيد جزء غير بسيط من اللبنانيين العاديين، المرتبطين بأحزاب وحركات سياسية يمينية رجعية، أو الذين تتحرك لديهم مشاعر عدائية ذات خلفية مذهبية. وهو ما بلغ، لدى البعض، درجة من العدوانية عبرت عن نفسها بفرض ما يشبه منع تجول، على اللاجئين السوريين في مناطق سكنها، على امتداد ساعات طوال، يومياً، فيما اتسمت لدى غيرهم بدرجة أعلى من العدوانية، وصلت إلى حدود الضرب الشديد، والإهانة، وحتى القتل، في بعض الاحيان!

ولكن الأسوأ من ذلك هو أن الطبقة الحاكمة، لدينا، بمختلف اطرافها، وسواء على مستوى جماعة ١٤ آذار، أو على مستوى خصوم هؤلاء، في جماعة 8 آذار، توافقت، منذ البدء، على رفض التعامل مع الهاربين من جحيم القتال في سوريا، على انهم لاجئون، مطلقة عليهم تسمية النازحين، وذلك لغاية فعلية هي التنصل من الواجبات التي يفرضها عليها، وفقاً للاتفاقات والعهود الدولية، التي ترتبط بها، بصورة أو بأخرى، اعترافُها للاشخاص المعنيين، رجالاً ونساءً، وشيوخاً، وشبيبةً، وأطفالاً، بصفة اللاجئين/ات. ولأجل ذلك، يعيش هؤلاء، في مناطق لجوئهم اللبنانية، أسوأ الأوضاع، مقارنةً باللاجئين إلى بلدان ثانيةٍ، كتركيا، والاردن، ودول اخرى. وذلك سواء فيما يخص المأوى، أو مياه الشرب، أو المأكل، أو التدفئة، أو غير ذلك من مقومات الحياة، وشروطها الدنيا، على الاقل. حتى ان عديدين يموتون، جوعاً، أو برداً، أو بسبب الامراض المتفشية بينهم، والتي لا يتم التعامل معها بما تفرضه المعاهدات والقرارات الدولية، على صعيد المعالجة والاستشفاء. هذا بالإضافة إلى حرمان الغالبية العظمى من الأطفال والاولاد السوريين والسوريات من التعليم، في المدارس الرسمية اللبنانية، وتركهم عرضةً للتشرد والضياع.

وقد كانت الطامة الكبرى، في الخريف الاخير، تتمثل بالقرار الذي اتخذته الحكومة اللبنانية، مجتمعةً، بمنع دخول لاجئين إضافيين، عن طريق فرض حصول كل منهم، إذا هو أراد القدوم إلى لبنان، على تأشيرة على الحدود بين البلدين، علماً بأن شروط هذه الاخيرة الصعبة تجعل من الاستحصال عليها أمراً يقارب الاستحالة.

ومن الجدير بالذكر أن غالبية المسؤولين، في الدولة اللبنانية، لا يشغل بالهم الوضع الكارثي لهؤلاء اللاجئين، بقدر ما يقلقهم العدد الكبير جداً الذي بات موجوداً في الساحة اللبنانية، وأي إضافة جديدة إلى هذا العدد. وهو أمر لا يليق، على الإطلاق، بالسلطات الطبقية، السائدة، عندنا، التي لا تنظر إلى الامر من زاويته الإنسانية، بل فقط لجهة ما قد يرتِّبه استقبالهم من تبعات واكلاف مادية، بوجه أخص، فضلاً عن تخوفها من المشكلات الأمنية، التي قد يتسبب بها وجودهم على الارض اللبنانية. حتى أن البعض بينهم بدأ يعبر عن تخوفه من أن يتحول وجودهم، في لبنان، مع مرور الوقت، إلى ما يشبه مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، في لبنان، ولا سيما إذا لم يتأمن حل للمشكلة السورية، يضمن عودة اللاجئين السوريين إلى مناطق سكنهم الاصلية، في المدى المنظور.

وبالطبع، إن أبسط شروط التعامل الإنساني مع هذه المشكلة لا تتمثل فقط بضرورة إبداء اللبنانيين/ات العاديين/ات أقصى درجات التضامن مع من يتعرضون لها، أو لا يجدون إلى الآن، التعاطف الإنساني المطلوب لمواجهتها، وذلك بشتى طرق المساعدة الاخوية لهم، ومن دون أي تمنين، بل كذلك، ومن جهة أخرى، باعتراف  الدولة اللبنانية، قبل كل شيء، بكل هؤلاء، كلاجئين، أولاً، مع تقديم كل أشكال المساعدة الضرورية لهم، في شتى المجالات، الصحية، والسكنية، والمعيشية، والتعليمية، والعمل على تأمين مخيمات لائقة لهم، مزودة بالماء الصحي، غير الملوث، وبأسباب النظافة الاخرى، فضلاً عن الحد الادنى، على الاقل، من مقومات التدفئة، في شهور البرد، والصقيع. على أن تسعى الدولة اللبنانية للحصول لهم على أقصى ما يمكن من الدعم من شتى الحكومات الإقليمية، كما من الجامعة العربية، والمنظمات الدولية، وغيرها، وضمان وصول كل تلك المساعدات، فور توفُّرها، إلى وجهتها الصحيحة. وهو أمر يمكن ان يشكل ضمانة له التعاون الأقصى، في هذا المجال، بين الدولة المذكورة ولجان شعبية يختارها اللاجئون لهذه الغاية، بحُرية تامة. كل ذلك، من دون ان ننسى الأهمية القصوى لتأمين الحماية، الأمنية، كما القانونية، لجميع اللاجئين/ات، وممارسة كل أشكال الردع القانوني ، كما المادي، لكل ضروب الاعتداء عليهم/ن، والإساءة إليهم/ن، من اي جهة أتت، وأياً تكن الظروف. هذا فضلاً عن إبقاء الأبواب مفتوحة أمام كل حالات اللجوء الاضطرارية، اللاحقة.

رابعاً: ظاهرة حزب الله، وسلاحه، الخاصة جداً

على الرغم من التاريخ الملتبس للغاية، الذي لازم نشوء هذا الحزب، في اوائل ثمانينيات القرن الماضي، والمرحلة الأولى من نموه، وصعوده، كطرف مشارك في أعمال مقاومة الاحتلال، ولكنه منحكم، في آن معاً، بعلاقته الوثيقة جداً بطرف خارجي، هو الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي كان ولا يزال يتلقى منها المال، والسلاح، واعمال التدريب القتالية، في الوقت عينه الذي يعتنق فيه الإديولوجيا الدينية، والسلطوية، للجناح الاكثر تشدداً فيها، جناح ولاية الفقيه، ويلتزم بتنفيذ كل المهمات التي يرى هذا الجناح إسنادها إليه، بما فيه تلك المقترنة باستخدام السلاح، وذلك في مشاريع الهيمنة الإقليمية لديه، على الرغم من ذلك، نقول، ظللنا، كيسار ماركسي ثوري، في لبنان، نؤْثِر ترجيح الثقل الذي اكتسبه، في وعينا، كما في مواقفنا، دورُه الوازنُ في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، سواء حتى أيار/مايو من العام ٢٠٠٠، حين اجبر هذا الاحتلال على مغادرة الشريط الحدودي، في الجنوب والبقاع الغربي، أو خلال حرب صيف العام ٢٠٠٦، التي سبقتها سنوات ست من الهدوء، شبه الكامل، مع قليل من النشاطات العسكرية اقتصر، إجمالاً، على منطقتي مزارع شبعا ومرتفعات كفرشوبا، الباقيتين تحت الاحتلال. وبالطبع من دون أن نتجاهل أو ننسى فكره وممارسته اليمينيين الرجعيين، في ما يتعلق بسياسته الداخلية، لا بل حتى في رؤيته لحل المشكلة الفلسطينية، كما من دون ان يغيب عن رؤيتنا خطابُ العديد من قادته الاوائل، بخصوص تطلعه لقيام دولة إسلامية في لبنان تسترشد بأوامر «الولي الفقيه»، أو الدورُ الذي اضطلع به، سابقاً،  في تصفية المقاومة الوطنية، واغتيال العديد من قادتها، وعناصرها القاعدية.

بيد أن هذه الموازنة لصالح موقف إيجابي إجمالاً، حياله، من دون الكف عن نقدنا للجوانب السلبية لديه، بدأت تتعدَّل، وإنْ بصورة تدريجية، منذ قبوله، الضمني، على الأقل، بالقرار ١٧٠١، وتنفيذه العملي لبنوده، على الرغم من بقاء أجزاء هامة من الارض اللبنانية تحت الاحتلال، وذلك في المزارع والمرتفعات المشار إليها أعلاه؛ ومن ثم التحول بأعماله القتالية، وهذا الأهم، والأخطر، إلى الداخل اللبناني، كما حصل إبّان احداث ٧ أيار/ مايو ٢٠٠٨، التي سقط خلالها حوالى ٧١ قتيلاً، وعدد غير قليل من الجرحى، مع توظيف ذلك في الصراع على السلطة المحلية، والمساومة على موقعه ضمنها، كما رأينا خلال التفاوض على اتفاق الدوحة، الذي أعطاه وحلفاءه موقعاً أساسياً حاسماً، في الحكومة الناجمة عن ذلك الاتفاق. وهو ما تكرَّر (ونقصد هنا توظيف قوته العسكرية في تقاسم جبنة السلطة)، عبر ما سمي عراضة القمصان السود، في كانون الثاني/يناير ٢٠١١، التي تم استخدامها، بما هي تهويل باستخدام القوة العسكرية، لإسقاط حكومة سعد الحريري، والإتيان بحكومة نجيب ميقاتي، عن طريق إجبار وليد جنبلاط على الانخراط بتلك اللعبة البائسة، بحيث يدعم قيام ما سمي حكومة اللون الواحد، بمواجهة المحكمة الدولية، والقائلين بالمطالبة الرسمية بها، للنظر في قضية اغتيال رئيس الحكومة الأسبق، رفيق الحريري، ورفاقه. وقد برر جنبلاط خضوعه، آنذاك، لتلك الضغوط، بأن «المسدس كان مصوَّباً إلى رأسه، بعد عراضة القمصان السود».

ولكن ما قصم ظهر البعير، عملياً، واستكمل التحول في الموقف حيال حزب الله، في اتجاه سلبي شبه مكتمل، في السنوات القليلة الماضية، إنما حصل بعد ان وافق قادته على تغيير ساحة معركتهم، كلياً، للدخول في مواجهة مخزية للغاية، باتت هذه المرة، ضد الشعب السوري، ولأجل سحق انتفاضته على سلطة قائمة على القهر، والاستغلال، والاضطهاد، وتخفي في جعبتها تاريخاً من المجازر الإجرامية، واعمال القمع البشع  بحق الشعب السوري، في حين هي تمتنع منذ عشرات السنين، ليس فقط عن أي عمل نضالي لتحرير أرضها من الاحتلال الصهيوني، في مرتفعات الجولان المحتلة، بل عن أي شكل من الرد على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الاراضي السورية، وحتى على العاصمة دمشق. هذا مع العلم بأن معركة الحزب المذكور، في تلك الساحة، إنما تتخذ، كذلك، طابعاً مذهبياً مثيراً للخجل، عدا خطورتها الشديدة، بما هي تغذي احتمالات التشظي الطائفي للمنطقة العربية، ككل، مع ما يعنيه ذلك من تقديم خدمات كبرى للمشروع الصهيوني القاضي بتمزيق بلدانها، ورسم خارطة مختلفة لها تعكس درجة عالية من التفتيت والشرذمة، في شرق أوسط جديد تكون إسرائيل كلية السيطرة فيه. بمعنى آخر، فإن هذا يأتي ليطرح علامات استفهام كبرى على مدى صدق الحزب المذكور، أو على العكس نفاقه، في ادعائه أن معركته الأساسية هي مع العدو الصهيوني. أكثر من ذلك، إن قتال الحزب، في سوريا، لصالح النظام القائم هناك، وبالقيادة الفعلية للجنرال قاسم سليماني، جنباً إلى جنب مع الحرس الثوري الإيراني، وميليشيات مذهبية عراقية، إنما يظهر مدى انحكامه بمصالح طهران، التي تسعى، في المرحلة الراهنة، لفرض نفسها كقوة مسيطرة إقليمية كبرى، على حساب وحدة البلدان العربية، وأي مشروع لإعادة توحيد المنطقة المشار إليها، ككل، بعد ان كان الاستعمار الغربي قد عمد إلى تجزئتها، عن طريق اتفاقية سايكس- بيكو، خلال الحرب العالمية الاولى. وليس مستبعداً أن تكون طهران- التي بات واضحاً أن ما تفعله، وفعلته، سواء في العراق، او في سوريا، أو في اليمن (مع الدور بالغ الخطورة، حالياً، للميليشيا المذهبية الحوثية، المرتهنة بعلاقة وثيقة للغاية بالجمهورية الإسلامية الإيرانية)، يخدم تفجير هذه الكيانات، لصالح تمزيقها المذهبي، وإحكام سيطرة الجمهورية الإسلامية، على الاقل على أجزاء من هذه البلدان، على قاعدة مذهبية واضحة- إنما تخطط لاستخدام الحزب، لاحقاً، في عملية تمزيق لبنان، بالذات، هو الآخر، وتقسيمه إلى كانتونات مذهبية مستقلة كلياً، بعضها عن البعض الآخر، أو داخلة في فدرالية، أوكونفدرالية، لكانتونات مذهبية صرفة. ونحن نعرف تماماً موقف حزب الله السلبي، حيال أية خطوة، على المستوى اللبناني، تخدم تحقيق التقارب بين المواطنين، ولا سيما انطلاقاً من المسعى المعروف لإقرار الزواج المدني الاختياري. والكثيرون منا لا بد أن يكونوا يتذكرون ما قاله امينه العام، السيد حسن نصر الله، بعد انتهاء حرب صيف ٢٠٠٦، بقليل، في المقابلة التي أجرتها معه مريم البسام، من قناة الجديد التلفزيونية، عن الزواج المشار إليه، ورفض حزبه المطلق له، بحجة تناقضه مع أحكام الشريعة الإسلامية. وهو ما كرره مجدداً نائبه، الشيخ نعيم قاسم، قبل حوالى العامين، ليعود النائب والوزير محمد فنيش فيؤكد عليه، في الأسابيع القليلة الماضية، في سياق التعبير عن رفض حزبه تسجيل وزارة الداخلية لعقود الزواج المدنية التي أجراها، في السنوات الاخيرة، العديد من المواطنين والمواطنات، داخل الاراضي اللبنانية، واعترفت بدستوريتها، وقانونيتها، الهيئةُ العليا للاستشارات التابعة لوزارة العدل .

حول سلاح حزب الله

إن قسماً واسعاً، في كل حال، من أبناء الشعب اللبناني، حين لا يرفضون بالكامل واقع حزب الله، الطائفي- المذهبي، المدجج بشتى أنواع الأسلحة المتطورة، التي وضعتها طهران تحت تصرفه، ودربته على استخدامها، لا بل جعلته يكسب خبرة عالية جداً في طريقة استخدامها، ولا سيما خلال سنوات ثلاث من زجها له في القتال المحتدم، داخل سوريا، في إحدى أشرس الحروب، واكثرها تدميراً وقتلاً، إنما يشعرون بالريبة العميقة حيال هذا الواقع، ويتساءلون هل يمكن التعايش معه، وإلى كم من الوقت؟ وهو الواقع، الذي يتحول فيه حزب طائفي تماماً إلى قوة ذات جبروتٍ أين منه جبروتُ الدولة الرسمية؟! لا بل إلى دولة داخل هذه الاخيرة، لكن أقوى منها بمراحل!! وهو أمر يحق للجميع، ضمن بلدنا، أن يتوجسوا منه، على ضوء الاستخدامات التي تمت بالفعل، وتتم، لسلاح هذا الحزب، أو لسلاح هذه «الدولة»، بالتحديد.

لقد أورد لينين، في كتابه، «الدولة والثورة»، في سياق تعريفه بالدولة، ما يلي: «يوضح إنجلز مفهوم «السلطة» المسماة بالدولة، تلك السلطة التي نشأت من المجتمع، ولكنها تضع نفسها فوقه، وتنسلخ عنه أكثر فأكثر. ممَّ تتألف هذه السلطة، أساساً؟ إنها تتكون من فصائل خاصة من الرجال المسلحين..الخ».

وهذا هو، بالضبط، في الوقت الراهن، واقع حزب الله! وحزب الله هذا، الذي يلتزم بجدية صارمة بالقرار الأممي ١٧٠١، وبات، منذ سنوات طوال، يمتنع عن مجرد استفزاز إسرائيل، فكيف المبادرة لقتالها، لا يجمع هذا الكم الهائل من السلاح المتطور، لأجل التباهي بامتلاكه إياه، أو لأجل استعراض القوة وحسب. لقد كان يخزنه منذ سنين، ولكن لاستخدامه، حين يقتضي الامر. وهو لم يستخدمه فقط ضد إسرائيل، بل أيضاً ضد خصوم له، في بلده. وهو يستخدمه، حالياً، خارج هذا الأخير.

هذا ولقد كانت انعقدت، في سنوات سابقة، سلسلة من الاجتماعات لتدارس مصير هذا السلاح، تحت يافطة البحث في خطة تتعلق بما جرى الاصطلاح على تسميته «الاستراتيجية الدفاعية» الخاصة بالدولة اللبنانية. وليس نافلاً، على الإطلاق، في تقديرنا، أن يعاد الاعتبار لعقد مثل تلك الاجتماعات، مجدداً، وتحت اليافطة نفسها. أما ما ينبغي ان يطرحه الثوريون، ويسعوا لتشكيل تحالف متقدم واسع، قدر الإمكان، على هذا الصعيد، للضغط معاً لمحاولة فرضه، فيتمثل بما يلي:

- إلى الآن، وعلى الرغم من إساءة استخدام حزب الله سلاح المقاومة، منذ وقف انشغاله بالمهمة الوحيدة التي كان ولا يزال يُفترض ان يضطلع بها، على وجه الحصر، ألا وهي قتال الدولة الصهيونية، لا يدعو الثوريون، حتى إشعار آخر، لسحب هذا السلاح من بين يديه، بل إلى إعادة تصويبه، في الاتجاه الصحيح، ضد دولة إسرائيل.

- ولكنهم يعتبرون ان واقع الحزب المذكور، حتى هذا الحين- ولا سيما بصفته يحمل السلاح، ويزعم إعداد نفسه لقتال إسرائيل، سواء لأنها لا تزال تحتل أراضي لبنانية، او لأنها دولة محتلة لفلسطين التاريخية- إنما يتسم بمذهبية مقيتة تتناقض مع المواطنية السليمة، المفترض أن يعيشها اللبنانيون، في هذا العصر، بحيث يتم تجمُّعهم، حين يتجمعون، في احزاب عابرة للطوائف والمذاهب. وهو ما يستوجب إعادته النظر في واقعه الحالي، جذرياً، لصالح تحوله، في الاتجاه المشار إليه، في لا أكثر من سنة واحدة، أو سنتين، على أبعد تقدير. هذا في حين لا بد من ان ينطبق تطلبنا من الحزب المعني على غيره من الاحزاب اللبنانية، من حيث ضرورة تخلصها من أي بنود في نظامها الداخلي، واهدافها، وبرامجها، تتسم بطابع طائفي أو مذهبي، فضلاً عن ضرورة الابتعاد المطلق عن اي ممارسات من هذا النوع.

- إلى حين يصبح حزب الله مستوفياً هذا الشرط، أي شرط التخلص من واقعه الراهن كحزب طائفي- ديني (بما فيه على صعيد التسمية التي يتخذها)، يستحيل التسليم بمشاركته في أي من مواقع السلطة السياسية. أكثر من ذلك، طالما هو يحتفظ بسلاح المقاومة، فإن ذلك يستدعي بقاءه خارج تلك السلطة، وإلا لأتيح، بادىء ذي بدء، لإسرائيل، أن تعتبر أي عدوان لها على لبنان، رداً على أعمال قتالية من جانب حزب الله ضدها، لاحقاً، امراً مشروعاً، بحسب القوانين الدولية، على أساس أن هذا الحزب جزء لا يتجزأ من الدولة اللبنانية، وله ممثلون في كل مواقع السلطتين، التشريعية، والتنفيذية. هذا بالإضافة، من جهة أخرى، إلى واقع أنه طالما بقي هذا السلاح، بين يديه، وبقي هو في السلطة القائمة، يمكنه أن يستعمل حيازته له، دون باقي الاطراف المشاركة في السلطة، كما سبق ان فعل، في الماضي غير البعيد، لفرض وجهات نظره، ورؤيته لما يجب اتخاذه من قرارات، على مختلف الصعد، وبالتالي تعطيل اي ممارسة معقولة للديمقراطية. 

- إن استخدام الحزب للسلاح الذي في متناوله، بما هو يزعم كونه حزباً مقاوماُ، في غير وجهة مقاومة العدوان الإسرائيلي، من جهة، وتحرير باقي الاراضي اللبنانية المحتلة، من جهة أخرى، يستدعي إعادة النظر، جذرياً، في الموقف الوطني، الشعبي، والرسمي، من حيازته له. ولأجل ذلك، ينبغي أن ينسحب مقاتلوه، في الحال، وبكامل السلاح الذي في متناولهم، حالياً، من الاراضي السورية.

- بالمقابل، وتحسباً لأي حروب إسرائيلية ضد لبنان، في القادم من السنوات، سوف يكون على الدولة اللبنانية ان تعمد لتدريب كل المواطنين القادرين على استعمال السلاح لاجل الانخراط في مهام قتالية، دفاعاً عن البلد وشعبه، بمواجهة اي عدوان خارجي، وبالتالي دفاعاً عن أنفسهم، وعن عائلاتهم، وذلك كلما لزم الامر. لا بل ينبغي ان يتلازم مع ذلك بناء ملاجىء كافية، وتمتلك أكبر قدر ممكن من السلامة والأمان، في كل ارجاء البلاد، ولا سيما في المناطق المتاخمة للدولة الصهيونية.

- هذا وسيكون  قرار شن الحرب حكراً على الدولة اللبنانية، بحيث يقتصر دور المقاومة المسلحة على الدفاع في وجه الاعتداءات الإسرائيلية، وصد الاحتلال وطرده، في حال نجاحه في التقدم داخل الارض اللبنانية.

خامساً: لأجل جمعية تأسيسية ودستور جديد

لقد تم إقرار الدستور اللبناني، في العام ١٩٢٦، وبالضبط، خلال الانتداب الفرنسي، وكان من الطبيعي جداً أن يتم اعتباره دستوراً مؤقتاً، تماماً كما ذلك الجانب منه الذي يتعلق بطائفية الوظيفة، في المادة ٩٥ منه، والذي جرى النص، فيه بالذات، على طابعه المؤقت. وهو ما بقي من دون تطبيق، في الواقع، حتى العام ١٩٨٩، حين جرى إقرار اتفاق الطائف، الذي أشرنا، سابقاً، إلى جوهر مضمونه، من حيث طريقة تعامله مع هذه المسألة، كما مع موضوع الطائفية السياسية، وكيف ان هذا الجانب من الاتفاق بقي للآن حبراً على ورق، لا بل بلغ الشطط بالقوى السياسية التي وصلت السلطة منذ ذلك الحين حدَّ ارتكاب المزيد من تشويه القدر المحدود من الديمقراطية البرجوازية الشكلية القائمة، وذلك عن طريق ما بات معروفاً، في الوسط السلطوي الراهن، بالديمقراطية التوافقية. هذا بالإضافة للترهل العميق للدستور الحالي، وعجزه المطلق عن تلبية حاجات المواطنين/ات الفعلية، وتطلعاتهم لتجاوز المآزق التي يُدخلهم فيها الواقع الدستوري، والقانوني، السائد إلى الآن. وهو ما يجب أن يضع على أعلى جدول الاعمال إعادة النظر جذرياً في هذا الواقع، على الأسس الاولية التالية:

- تمتنع السلطات اللبنانية، بعد الآن، عن قبول العلم والخبر لأي تجمع، أو جماعة، لا يعلنان عن رفضهما الالتقاء، انطلاقاً من الهوية الطائفية أو المذهبية، وعن التزامهما علمانيةً مستنيرة يتم بموجبها الفصل الكامل للدين عن الدولة، بحيث في حين يمارس المرء حرية المعتقد من دون أي إزعاجات، سواء  من جانب الدولة أو من جانب أيٍّ كان، يتم، على المستوى القانوني، اعتبار مسألة المعتقد، وقضايا الإيمان والعبادات، قضايا شخصية بحتة، لا علاقة لها بتاتاً بالحياة السياسية.

- تدعو الحكومة اللبنانية لانتخاب جمعية تأسيسية، في مهلة ستة أشهر، عدد أعضائها المئة، وذلك خارج القيد الطائفي، بالكامل، وعلى أساس علماني، ويكون عليها كتابة دستور تقدمي ديمقراطي ينظر إلى المواطنين والمواطنات، بصفتهم/ن أفراداً احراراً، بمعزل عن أي تمييز جنسي، أو ديني، أو طائفي، أو قومي، أو على أساس اللون، او الإتنية..الخ..، دستور ينص، كذلك، في ما ينص عليه، على إطلاق أوسع الحريات الديمقراطية، ومن ضمنها، بوجه أخص، حريات التجمع، والاجتماع، والإضراب، والتظاهر، والرأي، والتعبير عن الرأي، والتنقل، فضلاً عن حرية الاعتقاد، الديني، كما السياسي، كما الفلسفي، وحرية التملك، ولكن بما لا يتيح استغلال أي من الناس لأيٍّ غيره.

- يضمن الدستور كذلك المساواة التامة بين المواطنين/ات، وبين المرأة والرجل، بالكامل. كما يضمن احترام حقوق الاطفال، وفي آن معاً حقوق الإنسان، المنصوص عليها في العهود الدولية، وذلك لكل المقيمين على الارض اللبنانية، إلى اي  بلد أو شعب انتموا، او انتمين. وفي هذا السياق، وضمن  هذه الروحية، يعترف بحق اللجوء، ويؤمن للاجئين/ات كل الحقوق التي تنص عليها العهود والمعاهدات، الدولية. كما يضمن الدستور حق المواطن/ة في العدالة الاجتماعية، والعمل، ضمن اختصاص الشخص المعني، وعلى اساس كفاءاته، فضلاً عن الاجر العادل، وكامل الضمانات الاجتماعية والصحية، بما فيها ضمان الشيخوخة للجميع.

- تكون كل الثروات الطبيعية، ومنها الماء والنفط والغاز، ملكية عامة، في إطار قطاع عام يتم تسييره بصورة ديمقراطية، وتحت الرقابة الذاتية للعاملين فيه، ويخضع هؤلاء في كل المستويات الوظيفية للمحاسبة العادلة والديمقراطية.

- تلغى نهائياً عقوبة الإعدام من القانون الجزائي.

***

ويبقى السؤال: أي لبنان ينبغي ان يظهر في نهاية النفق المديد الراهن؟ أما الجواب فهو ذلك الذي يتفق تماماً مع الرؤية الديمقراطية الثورية للحياة الإنسانية، ومع اعتقادنا بالأهمية القصوى للتضامن الأممي، وللكفاح المشترك مع كل شعوب المنطقة العربية والمغاربية، والشعوب الاخرى المجاورة في تركيا وإيران وأبعد منهما، نحو مجتمعات عادلة تكافح لأجل حياة كريمة لكل سكانها، بعيداً عن اي قهر، أو اضطهاد، او استغلال، وعلى أساس سيادتها الكاملة على ثرواتها الوطنية. كما مع الإيمان الثابت بالحاجة القصوى لإلغاء كل اشكال الاستعمار القديم والجديد، ومن ضمنه الاستعمار الاستيطاني القائم في فلسطين التاريخية، وذلك مع ضمان استجابة رغبة كل اللاجئين الفلسطينيين ممن يودون العودة إلى ديارهم، وتعويض من لا يريدون ممارسة حقهم في العودة تلك.                                               

  • 1. *انظر‭/‬ي‭ ‬مجلة‭ ‬الجيش،‭ ‬العدد‭ ‬277‭ | ‬تموز‭/‬يوليو‭ ‬2008‭.‬