جمهورية إيران الإسلامية والخواء في الشرق الأوسط

العدد الخامس - آذار ٢٠١٥
الدولة: 
ايران
تاريخ النشر: 
آذار (مارس), 2015

 لم يعد يمكن تجاهل دور جمهورية إيران الإسلامية، في الشرق الاوسط، بسبب الخواء والبلبلة الإقليميين، اللذين يتعمقان فيه. فالمنطقة المشار إليها تشهد تسارُعاً تاريخياً جديداً، بعد مرور عشرين عاماً على انهيار الكتلة السوفييتية، الذي فتح المنطقة أمام التدخلات الإمبريالية المتعددة، التي خاضتها الولايات المتحدة الاميركية وحلفاؤها، وبعد الانتفاضات الشعبية في المغرب الكبير والشرق الاوسط. وقد ادت عوامل عدة، تتمثل بالهجمة النيوليبرالية، في العقود الاخيرة، وفساد النُّخَب الحاكمة، والطابع الاستبدادي الخاص بدول المنطقة، والسياسة المدمِّرة التي ينتهجها كلٌّ من الإمبريالية والدولة الصهيونية، إلى التراجع الشديد في مستوى معيشة سكان المنطقة المشار إليها.

أما العناصر الاكثر بروزاً في هذا الوضع، فهي التالية: تفتُّت دولتي العراق واليمن وانهيارهما، وفقدان نظام بشار الأسد قدرته على السيطرة على جزء كبير من الأراضي السورية. ويضاف ذلك إلى انعدام استقرار لبنان الدائم، ومواصلة إسرائيل سياستها الاستيطانية في فلسطين. ويترافق ذلك كله مع صعود فاعلين جدد، من مثل بروز تنظيم الدولة الإسلامية، أو توطُّد إدارة البرازاني في المنطقة الكوردية الحاظية بالحكم الذاتي، هذه الإدارة المرتبطة بالإمبريالية والدول الرجعية الموجودة في المنطقة. ففي الواقع، كانت كوردستان العراقية قد حظيت بمستوى من الإدارة الذاتية لم يسبق له مثيل، في تاريخها. ولكن هذا الحكم الذاتي تعزَّز في الفترة الحالية، بسبب تعاون البرازاني مع الدول الإمبريالية، وتركيا أردوغان، وجمهورية إيران الإسلامية، وهما دولتان تدوسان بالاقدام حقوق الشعب الكوردي القومية.

الولايات المتحدة/إيران: تحالفات جديدة مع شعوب الشرق الاوسط

في هذا السياق المضطرب، بالذات، تعود جمهورية إيران الإسلامية إلى مركز مسرح السياسة الشرق أوسطية، وتبدو للإمبريالية الاميركية قوةً إقليمية صاعدة. فمنذ العام ٢٠٠١، وفي أفغانستان كما في العراق، عرف النظام الإيراني كيف يُظهر اتجاهه التصالحي حيال واشنطن. ووجدت الدولتان مصالح مشتركة بينهما، الأَمر الذي أدى إلى تعديل التوازنات والتحالفات، في المنطقة هذه.

وبانقلابٍ لا يعرف سرَّه غير التاريخ، وجدت المملكة السعودية تأثيرها، وهي حليفة واشنطن الأساسية، يتراجع سواء في أفغانستان او في العراق. فسقوط نظام طالبان، ووصول المالكي، حليف ملالي طهران، سهَّلا إعادة صياغة التوازنات في موازين القوى، في المنطقة، على حساب السلطة المَلَكية السعودية. كما ان التوترات المنتظمة، التي تهز انظمة الحكم الملكية في الخليج، هي مصدر توترات هامة بين المملكة السعودية ونظام طهران.

ففي الواقع، وتحت تأثير موجة الثورات العربية، شهدت السنوات الاخيرة هياجاً مستديماً للاقليات الشيعية السياسية، في ممالك الخليج النفطية. هكذا، جرى في العام ٢٠١١ سحق انتفاضة الطائفة الشيعية، في البحرين، عن طريق التدخل المشترك لكل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. ومن المعلوم أن الاقلية الشيعية، الحاظية بدعم طهران، تتعرض بصورة منتظمة للاضطهاد، والاعتداءات. ويترافق ذلك مع انعدام استقرار متزايد، مرتبط بصعود الاحتجاج الديمقراطي الداخلي، في عقر دار المَلَكِيّات الخليجية بالذات. ومن جهة اخرى، ينظر الحكام السعوديون بالكثير من الاستياء إلى التدخل الاقتصادي والسياسي الإيراني في المنطقة. فعلى سبيل المثال، تثير مشاريع التعاون المتعددة بين طهران وعُمان شجب النظام الملكي السعودي واستنكاره. هكذا، تقبل السعوديون بصعوبة شديدة مشروع الجسر الذي يربط عمان بإيران، عبر مضيق هرمز، ويجسد التحالف المعقود بمناسبة زيارة الرئيس الإيراني، حسن روحاني، إلى مسقط، في ١٢ آذار/مارس ٢٠١٤.

فعمان وجمهورية إيران الإسلامية تسعيان لزيادة التبادلات التجارية، التي بلغت في العام ٢٠١٣ مليار دولار. وفي العام ٢٠١٤، كان من المفترض ارتفاع الاستثمارات في البلدين إلى عشرة مليارات دولار.

هذا وتتمنى جمهورية إيران الإسلامية توظيف اربعة مليارات دولار في مشاريع متنوعة، في ميناء دقم، على بحر عمان، من ضمنها مئة خزان لتخزين النفط والغاز الإيرانيين، ومشروع لصناعة الحديد، فضلاً عن استثمار ملياري دولار في مشاريع متوقعة في مرفأي صلالة وصحار. في حين تنوي عمان توظيف اربعة مليارات دولار في إيران، ولا سيما في البتروكيمياء والاستثمار النفطي. واخيراً، سيتم، في السنتين القادمتين، إنجاز مشروع بناء أنبوب ناقل للغاز تحت البحر، بين البلدين، لأجل تصدير الغاز الإيراني، وهو مشروع تم الاتفاق بشأنه خلال زيارة قابوس لطهران.

انعدام الاستقرار الإقليمي والمواجهة بين الرياض وطهران

تستعر حرب النفوذ، بين الرياض وطهران، من اليمن، مروراً بممالك الخليج، والعراق، وسوريا، وحتى لبنان، وفلسطين، من دون ان ننسى أفغانستان. فعلى صعيد مجمل هذه البلدان، ومن دون الاقتصار على عامل عدم الاستقرار والحرب، ومن دون اختزال الوضع بمواجهة بين نظامي طهران والرياض الاستبداديين، تتحول حرب النفوذ بين هاتين الدولتين إلى حرب حقيقية يخوضها فاعلون محليون بالوكالة.

إن مملكة آل سعود، إذا حدث ان منيت بهزيمة على يد جمهورية إيران الإسلامية، ستعيش هذه الهزيمة كتهديد وجودي لها. وعلى هذا الصعيد، تبدو برقيات الولايات المتحدة الدبلوماسية، التي كشفتها ويكيليكس، مثيرة جداً للاهتمام، لأنها تسلط الضوء على كراهية العائلة الحاكمة السعودية لنظام الملالي الإيراني، ومخاوفها حياله.

هكذا، لمواجهة نفوذ طهران، ولحماية مصالح المملكة الوهابية، المالية والسياسية في المنطقة، تستخدم هذه الاخيرة الوسيلة الحقيقية الوحيدة، التي في متناولها، ألا وهي مقدرتها المالية العظيمة، التي تسمح لها بدعم التيارات السنية المتطرفة، والدكتاتوريات، ومدِّها بالسلاح. وبموازاة ذلك، تحاول الرياض مواجهة طهران بمحور يتضمنها هي وتركيا، على ان يتم ضمان الدعم الدائم من جانب الدول الكبرى الإمبريالية. والحال ان هذا الدعم الحاسم من جانب الولايات المتحدة يتعرض أكثر فأكثر للخطر، لأنه لم تعد لمملكة آل سعود، لدى الإمبرياليين، الوظائف السياسية عينها، التي سبق أن كانت لها. وحتى من وجهة نظر متعلقة بموضوع الطاقة، اندفعت واشنطن في خطة واسعة لاستثمار النفط والغاز المستخرجين من صخور الشيست، الامر الذي يخفف من تبعيتها لنفط بلدان الخليج.

هكذا، باتت الولايات المتحدة، بحسب وكالة الطاقة الدولية (و. ط. د.)، تسبق العربية السعودية، منذ أيلول/سبتمبر الماضي، في إنتاج النفط والغاز المسيَّلَيْن. وهذه السياسة المعتمدة، على مستوى الطاقة، تُفضي إلى تغيير في العلاقات الاقتصادية، والسياسية، والتجارية، مع بلدان الخليج.

أخيراً، لم تعد  تكفي مقدرة الرياض الماليةُ المملكةَ العربيةَ السعودية لتضمن لنفسها نفوذاً سياسياً، وإديولوجياً، ورمزياً، قوياً، على الشعوب العربية. فيوماً بعد يوم، يصطدم دعم الرياض لأكثر الانظمة رجعية، وللتيارات السلفية السنية، بالتطلعات الديمقراطية والاجتماعية التي يتم التعبير عنها بقوة، منذ بدء موجة الانتفاضات الشعبية.

إن الديناميات المباشَر بها، في الشرق الاوسط، تفلت جزئياً من سيطرة القوى الإمبريالية، التي ينبغي ان تواجه، كذلك، ازمة عنيفة تتعرض لها المنظومة الرأسمالية، ومنافسة شديدة الحدة. وعلى واشنطن أن تواجه الإخفاقات المتعددة التي تُمْنى بها سياستها، في المنطقة. ففي أفغانستان، كما في العراق، لم تسمح تدخلات الولايات المتحدة للإمبريالية بأن تجعل المنطقة تستقر، وبأن تستفيد هي من ذلك. على العكس، ففي حين باتت المنظومة الرأسمالية في ازمة، تزايدت الكلفة المالية والعسكرية، على المستوى السياسي.

في الوقت ذاته، تفرض استراتيجية الإمبريالية الاميركية، ومواجهتها مع الصين، على إدارة اوباما، ان تعزز تجهيزاتها العسكرية، في المنطقة الاسيوية الموجودة في المحيط الهادىء، على حساب الشرق الاوسط. ففي الواقع، وعلى الرغم من الاقتطاعات من الموازنة المخصصة للبانتاغون، أعاد مسؤولو إدارة اوباما، مراراً، تأكيد توجهات الولايات المتحدة الدفاعية. هكذا، فإن ٦٠% من القوات الجوية الخارجية بات، منذ الآن، في منطقة المحيط الهادئ الاسيوية، وتعهدت الولايات المتحدة بأن يصبح ٦٠% من قواتها البحرية، هناك، في المدة التي تتراوح بين أيامنا هذه والعام ٢٠٢٠، أي ثماني بوارج إضافية لما هو موجود في الوقت الراهن. وثمة نتائج، في الشرق الأوسط، لهذه الاستراتيجية الجديدة، التي تتسارع، مع انسحاب الامبريالية الأميركية من أفغانستان.

إن إعادة التحديد الاستراتيجية هذه تفتح فضاءات للدول التي تتطلع للعب دور قوى إقليمية، كتركيا، أو جمهورية إيران الإسلامية، أو المملكة العربية السعودية، أو قطر.

وفي نطاقٍ آخر، تتجه دولة إسرائيل الكولونيالية، للتحرر من وصاية واشنطن، وتشكل بالنسبة للبيت الأبيض عامل انعدام استقرار دائم، في المنطقة. من هنا حالات التباعد، والعوائق المعتادة، ما بين إدارة اوباما ونتانياهو.

وفي هذا السياق من إعادة تحديد التحالفات والحروب الدائمة، تملك الجمهورية الإسلامية أوراقاً رابحة كبرى ينبغي أن تحصل على مقابل لها من القوى الإمبريالية. إن دولة الملالي الدكتاتورية، بملايينها الـ ٧٩ الذين يمثلون عدد سكانها، وباحتياطيها من الغاز الذي تبلغ به المرتبة الثانية، ومن النفط الذي تبلغ به المرتبة الثالثة، تبدو دولة مستقرة وقوية، في حين يقع عدد من جيرانها المباشرين ضحايا الحرب واضطرابات هامة.

إن الانغلاق النسبي للسوق الإيرانية، بسبب العقوبات الدولية يُخضع الجمهورية الإسلامية، حتماً، وشعوب إيران بوجه خاص، للعقوبات، ولكن هذه السوق تثير كذلك مطامع الشركات الغربية، والتنافس فيما بينها. هكذا، وبحسب صحيفة «الاقتصاد» اليومية الإيرانية، عبرت شركة جنرال إلكتريك عن استعدادها للقيام، في حال رفع العقوبات، بنشاطات اقتصادية في إيران. فلقد أعلن جون رايس، نائب رئيس الشركة الأميركية، أن «فرصاً اقتصادية جديدة تظهر في الشرق الاوسط، وإيران هي أحد البلدان المقبولة، في هذا المجال»، وأضاف: «إن لدى الشركات الاميركية اهتماماً شديداً بالقيام بنشاطات في إيران».

إن انتخاب روحاني رئيساً للجمهورية عبر عن إرادة مرشد الثورة خامنئي، وقيادة الحرس الثوري، الوصول إلى تسوية كبرى مع الإمبريالية الاميركية، وهذا التغيير في الموقف يستجيب أيضاً للوضع الداخلي الذي تجتازه إيران.

المساومة الكبرى خلف المفاوضات بخصوص النووي الإيراني

«لم يعد أحد يستطيع قرع طبول الحرب. فالجو العدائي الذي كان خُلِق حولنا قد زال، وأدرك العالم أن المصالح المشتركة يمكن ان تؤدي إلى اتفاق». إن هذه الكلمات، على لسان محمد جواد ظريف، رئيس الدبلوماسية الإيرانية، أعقبت المفاوضات بخصوص ملف الطاقة النووية التي انتهت في ٢٤ تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، هذه المفاوضات التي جرى تمديدها إلى أول تموز/يوليو ٢٠١٥.

ويتشابه تحليل كل من واشنطن وطهران، وفحواه ما يلي: عاجلاً او آجلاً  سيتم توقيع اتفاق، بالنسبة لسلطة الملالي، وموقف القوى الاوروبية الثانوية، كفرنسا والاتحاد الاوروبي، ليس جوهرياً. بالمقابل، إن ثمة وراء اتفاق بخصوص الطاقة النووية استراتيجيةَ.

تحالفٍ كبرى ترتسم بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة. فمنذ سقوط الكتلة السوفييتية وشتى التدخلات الإمبريالية في العراق وأفغانستان، لم تنفك دكتاتورية الملالي والإمبريالية الاميركية تتقاربان، واجدتين العديد من المصالح المشتركة.

لا ريب في أن المفاوضات حول الملف النووي ستطول وتكشف تباين المصالح بين الدول الكبرى. هكذا، تقوم فرنسا بكل ما لديها للحيلولة دون حصول اتفاق، بحيث يجعل فابيوس من نفسه ناطقاً بلسان نتانياهو والمملكة السعودية. ففرنسا تنوي الاستفادة من انقطاع الود بين واشنطن والرياض لتوطيد موقعها في المنطقة. ويتم ذلك على حساب الوصول إلى السوق الداخلية الإيرانية. هكذا، تحتل فرنسا المرتبة الـ ١٦، مع اقل من ٥٠٠ مليون أورو من التبادلات السنوية مع جمهورية إيران الإسلامية. وهي تجد مكانها خلف منافسيها الاوروبيين والاسيويين بمسافة كبيرة، لا بل حتى خلف الولايات المتحدة. فخلال الاشهر التسعة الاخيرة من العام ٢٠١٤، شهدت المبادلات التجارية بين إيران والمانيا نمواً بنسبة +٣٣%، بحيث بلغت ١،٦ مليار يورو (مقابل ٣٥٠ مليوناً بخصوص فرنسا)، بغض النظر عن الاهمية الكبيرة للصادرات الأميركية في اتجاه السوق الإيرانية.

يبقى ان نقول إن الجمهورية الإسلامية لن تتخلى كلياً عن برنامجها النووي. فقيادة حراس الثورة والمرشد الاعلى يتمنيان أن تكون جمهورية إيران الإسلامية «بلد العتبة»، أي ان تكون قادرة على التزود بالسلاح النووي عند الاقتضاء، ولكن من دون تطوير جبخانة على هذا الصعيد. وفي الاخير، تلعب سلطة الملالي على المنافسة بين الدول الإمبريالية، وتواصل برنامجها النووي المدني، خلال المفاوضات. هكذا، وقعت كل من روسيا والجمهورية الإسلامية، للتو، اتفاقاً، في ١١ نوفمبر/ت٢، لبناء مفاعلين جديدين. ففي الواقع، عمدت منشأة روزاتوم الروسية إلى توقيع عقد مع مثيلتها الإيرانية NPPD، بخصوص بناء مفاعلين، مع إمكانية التوسع نحو أربعة مفاعلات، وذلك على مستوى محطة بوشهر. وفي الوقت الراهن، تتعثر المفاوضات بين جمهورية إيران الإسلامية  ومجموعة ٥+١، على صعيد نقطتين بوجه خاص: روزنامة رفع العقوبات الدولية ومقدار برنامج تخصيب الأورانيوم الإيراني. وفي ما يخص الوقت الحالي، يؤكد نظام الملالي أنه يريد ان يضاعف عشر مرات برنامجه الحالي، من الآن حتى سبع سنوات، ولا سيما عبر استخدام آلات أحدث وأسرع، في حين ان الدول الكبرى لا تتمنى الحديث عن رفع العقوبات، بل عن تعليقها لا أكثر. وعلى الرغم من هذه الانسدادات، من المرجح حصول اتفاق بين نظام طهران الدكتاتوري وإمبريالية الولايات المتحدة.

وفي الواقع، إن السياق الإقليمي المشوَّش الذي يطرح مشكلة على البيت الابيض، والوضع الاجتماعي والاقتصادي الكارثي في إيران، يدفعان باتجاه التقارب.. فبالفعل، إن الفساد المعمَّم في أعلى ذرى سلطة الملالي، وانفجار البؤس والبطالة، والتضخم المتنامي (أكثر من ٤٠%)، وانهيار أسعار النفط (فقد برميل النفط الخام ٥٠% من قيمته في ستة أشهر)، والعقوبات الاقتصادية والمالية، تنزل بثقلها على الشعوب الإيرانية. ومن جهة أخرى، إن القمع اليومي للتطلعات الديمقراطية والاجتماعية، والهجمات ضد المناضلين العماليين الذين يكافحون لاجل حقوقهم، و«الإصلاحات» ضد قانون العمل، وإرساء تشريعات أكثر نفعاً باستمرار للطبقة الحاكمة والزُّمَر المتربعة على كراسيِّ السلطة، تزيد من حدة القطيعة بين النظام والغالبية الكبرى من السكان.

وفي هذا السياق، يريد مرشد الثورة، خامنئي، ورئيس الجمهورية، روحاني، رفع العقوبات لاستعادة هوامش في إعادة التوزيع الزبائنية، بهدف إنعاش النظام.

وبالنسبة لواشنطن، يدفع انعدام الاستقرار الإقليمي وفشل كل تدخلاتها الإمبريالية الماضية نحو «إعادة موازنة» التحالفات. والأمر يتعلق بتسجيل موازين القوى الإقليمية ونفوذ الجمهورية الإسلامية. وهذا يثير قلق السلطة الملَكية السعودية، التي كان دعمها لشتى تيارات الإسلام السياسي الرجعية والمعادية للثورة أحد عوامل مفاقمة الحروب وصعود داعش. فالرياض وطهران تخوضان، الواحدة ضد الأخرى، حرباً غير مباشرة، وبالواسطة. وهذا يشجع منطق المواجهات بين الاديان، في حين تختفي وراءها مصالح رأسمالية ومصالح دُوَل. وبالطبع، تمد الأشكال، التي تتخذها تلك المواجهات وعنفها الطائفي، جذورها في المصالح السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، المتداعية، الخاصة بالمنطقة. ويستند هذا الواقع إلى الفراغ الذي خلفته هزيمة الحركات القومية العربية، واليسار الثوري. وبصورة أكثر إجمالية، تحيل تلك المواجهات إلى انماط اندراجات معدَّلة في العولمة الرأسمالية، وإلى تعريض بلدان وشعوبٍ بكاملها لنمط اقتطاع القيمة المضافة والثروات، الذي يحيل إلى اقتصاد نهبٍ احتيالي أكثر مما إلى نموٍّ رأسمالي كلاسيكي يرتكز على دولٍ- أمَمٍ.

واليوم، لا تدافع السلطة الملَكية السعودية فقط عن مكانتها في الجغرافيا السياسية الإقليمية، بل كذلك عن مصالحها المالية. والحال أن البيت الابيض يعلق اهمية على كبح طموحات داعش العابرة للحدود، التي تضرب التوازنات الإقليمية بعمق، وتهدد ممالك الخليج النفطية، ومصالح الإمبريالية الاميركية. فأبعد من عنفها المذهبي وهمجية أفعالها، تكمن إحدى خصائص داعش وفرادتُها في كونها بدلت «قواعد اللعبة»، وعبرت صراحةً عن نيتها في أن تضرب عرض الحائط بالحدود التاريخية، على الاقل بين الأردن، ولبنان، وسوريا، وفلسطين، والعراق. فهذه المساحة يتم النظر إليها كبنية جغرافية وسياسية واحدة.

إمبريالية الولايات المتحدة ودكتاتورية الملالي

لقد ساندت طهران وواشنطن، معاً، حكومة المالكي، وتساندان من الآن وصاعداً خليفته حيدر العبادي. فلقد عزز اختراق داعش وحدة المصلحة بين الإدارة الاميركية ونظام الملالي. ومعروف على نطاق واسع أن حراس الثورة يتدخلون منذ اشهر في الأراضي العراقية.

إن التعاون بين إمبريالية الولايات المتحدة ودكتاتورية الملالي تفقد من سريتها أكثر فأكثر، في كل حال. هكذا، كشف البنتاغون، يوم الثلاثاء، الثاني من كانون الأول، أن الطيران الإيراني كان قد قصف مواقع لداعش في العراق. وهي ضربات حياها جون كيري على الفور.

وفي سوريا، يشكل تقاسم الادوار بين إمبريالية الولايات المتحدة وسلطة الملالي واقعاً ضمنياً، ولكنه فعلي. فالطيران الاميركي يوجه ضربات ضد داعش، غير ان حراس الثورة هم الذين يقاتلون، على الارض، الثائرين السوريين، فيما يواجهون، من جهة أخرى، قوات «الدولة الإسلامية»، في الامكنة التي تضايق فيها نظام بشار الاسد الدكتاتوري.

أما السلطة السورية، الحاظية بدعم حزب الله اللبناني والجمهورية الإسلامية، فتتابع، من جهتها، مجزرتها اليومية ضد المدنيين. وبشار الاسد، الذي جدد للتو عروضه لتقديم خدمات للإمبريالية الاميركية، لأجل «القتال ضد الإرهاب»، تُطلق له حرية سحق الثورة السورية.

وحتى بخصوص كوردستان العراقية، ثمة مقاربات مشتركة بين إدارة أوباما وطهران. فهما تدعمان البرازاني وتسلحانه، في حين تمنعان مكونات اليسار الكوردي من التسلح، وتعارضان حقوق اكراد تركيا، أو إيران، الديمقراطية، وتطلعاتهم. هكذا تعرَّض أكراد إيران، الذين حاولوا إبداء تضامنهم مع معركة كوباني، للقمع الشديد على يد حراس الثورة، من دون أن يؤثر هذا في مشاعر الدول الكبرى. وبالنسبة لتيارات اليسار الثوري الكوردية، التي كانت قد استفادت حتى ذلك الحين من الحكم الذاتي في كوردستان العراقية، ولا سيما فيما يخص منظمات اليسار الثوري لاكراد إيران، بعد سقوط صدام حسين، يمكن القول إن وضعها محفوف بالمخاطر، على الاقل. فهي اليوم، أكثر مما بالأمس، تحت رحمة الاتفاقات والتقارب بين جمهورية إيران الإسلامية، والإمبريالية الاميركية، وقيادة البرازاني. ويتمثل الخطر، بالنسبة لهذه المنظمات، بكونها تجد حرياتها خاضعة، بصورة أو بأخرى، لـ«الرقابة».

مقاومة كل قوى الثورة المضادة

تواجه الشعوب، في الشرق الاوسط، كما في كل العالم العربي، تيارات الإسلام السياسي، والقوى الكبرى الإمبريالية. والوضع يتطلب، على المستوى العالمي، إعادة تفعيل معسكر مناهض للإمبريالية، واشتراكي، وعلماني، يطرح على نفسه الحاجة إلى التضامن الملموس مع القوى التقدمية، التي تصارع الهمجيات، وتناضل لأجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، في الشرق الاوسط. وإنها لَمَسؤوليةُ التيارات الثورية والمناهضة للرأسمالية أن تساعد في بروز هذه المعركة لأجل التحرر، والتقدم بها إلى النصر.

--

عن الكاتب:
باباك كيا (اسم مستعار). وهو ماركسي ثوري، مناضل في التضامن الاشتراكي مع شغيلة إيران (ت ا ش ا)، والحزب الجديد لمناهضة الرأسمالية (NPA، فرنسا)، والأممية الرابعة. وهو يُبقي على روابط عديدة له داخل إيران.