المغرب وحركات الاسلام السياسي- الجزء الثاني*

العدد الخامس - آذار ٢٠١٥
الدولة: 
المغرب
الملف: 
الحركات الاسلامية
تاريخ النشر: 
آذار (مارس), 2015

٣- حزب العدالة والتنمية: مخاض التأسيس

يتحدر الكادر التنظيمي المؤسس لحزب العدالة والتنمية من حركة «الشبيبة الإسلامية»، ذات التوجه المعارض للنظام السياسي. حظي بترخيص العمل في الحقل السياسي الرسمي، بعد سيرورة مراجعات عديدة لتجربته السابقة.

تجلت تلك السيرورة في إعلان القطيعة التنظيمية مع حركة «الشبيبة الإسلامية»، التي يعود تأسيسها لسنة ١٩٦٩، بقيادة «عبد الكريم مطيع»، ورفض الطابع السري لعمل التنظيم، والتبرؤ من العنف سبيلاً لبلوغ الأهداف، والأهم من هذا كله الاعتراف بالنظام الملكي وبشرعيته السياسية والدينية. تلك ممهدات تأسيس «الجماعة الإسلامية»، ولاحقًا حركة «الإصلاح والتجديد»، ثم «حركة التوحيد والإصلاح» التي اندمجت مع حزب ملكي برجوازي مغمور، برئاسة الدكتور الخطيب، لتأسيس حزب العدالة والتنمية بشكله الراهن. إنه مسار أُرغم الحزب على سلوكه ليبرهن على حسن طويته، وعلى ولائه لثوابت نظام الملكية الحاكمة.

انتهى الحزب بالاندماج، في لعبة سياسية أتقنتها الملكية المغربية جيداً، حيث تستعمل آلية تناوب سياسي لتمويه استبدادها. اندماج كان واعياً من طرف هذا الجزء القيادي  من تنظيم حركة «الشبيبة الإسلامية»، فقناعته السياسية  قائمة على تجنيب الملكية أخطار تطرف اليسار، وكذلك حمايتها من أخطار التطرف الديني، وكان هذا واضحاً من رسائل عبد الإله بنكيران (رئيس الحكومة الحالي) لوزير الداخلية آنذاك، إدريس البصري، مستجدياً إياه فتح أبواب المشاركة السياسية، أمام حركته، كصمام أمان في وجه التطرف اليساري الملحد، والتطرف الديني الانقلابي.

لم يكن اندماج حزب «العدالة والتنمية»، في الحياة السياسية الرسمية، التي تهندس تفاصيلها الملكيةُ، اندماجاً سلساً، على الرغم من كل التطمينات والنوايا المعلنة من جانبه، وقد كان مخاض هذا الاندماج شاقاً، فالملكية تتقن جيداً انتزاع التنازلات من «خصومها السياسيين». فبعد أن أتاحت لـ«الجماعة الإسلامية» الوجود القانوني، رفضت مشاركتها في التنافس السياسي، ولا سيما في مرحلة لم  تكن حُسمت فيها بعد تفاعلات تجربة «جبهة الإنقاذ الجزائرية»، ما أدى بالجماعة للتراجع، والاكتفاء بالعمل الجمعوي.

ولاحقاً سُمح  للحزب بالمشاركة في انتخابات ١٤ نوفمبر ١٩٩٧، مشاركة محدودة ومطوقة بشروط النظام، حيث أجبر الحزب على الاقتصار على دوائر انتخابية، وفق هندسة مسبقة لخريطة البرلمان اللاحق، الذي حاز فيه 9 مقاعد. استغل الحزب، بإيعاز من الدولة، فرصة وضع حكومة التناوب، التي ترأسها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، لما سمي مشروع «الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية»، للخروج إلى الشارع واستعراض قوته وقدرته على تعبئة «الجماهير»، وفي الآن ذاته اغتنام الفرصة، وعرض خدماته على  الملكية. لجأ حزب العدالة والتنمية «إلى مطالبة الملك بتفعيل صلاحياته، كأمير للمؤمنين، للتصدي للعلمانيين وخطتهم»!

ظلت مشاركة حزب العدالة والتنمية في الانتخابات تخضع لاتفاقات مسبقة مع وزارة الداخلية، ففي انتخابات ٢٧ سبتمبر ٢٠٠٢ البرلمانية، كانت تلك المشاركة مشروطة ومحددة في ثلثي الدوائر الانتخابية، وهو ما أقر به أحد قادته، مصطفى الرميد، وزير العدل الحالي.

دمجت الملكية حزب العدالة والتنمية في إطار إعادة ضبط الحياة السياسية الرسمية، بين فريق حكومي وآخر يؤدي دور المعارضة الرسمية، مع بقاء الملكية ماسكة وحيدة بالسلطة الفعلية.

وقد استجاب الحزب لهذه المهمة، برنامجاً وعملاً، ما عبرت عنه وثيقة للحزب، بقولها: «الفكر السياسي لدى الحزب حالياً لا يقوم على انتزاع السلطة من أحد أو محاربة توجه معين، بل هو رؤية فكرية وسياسية، تستمد أصولها من «المرجعية الإسلامية للدولة والشعب المغربيين، ومن الرصيد الحضاري للمغرب وقيمه الثقافية، وتعطي الأولوية للنضال الديمقراطي».

ليس حزب العدالة والتنمية إلا تنويعاً من الأحزاب التي تعج بها الحياة السياسية الرسمية بالمغرب. تشكيلة من  أحزاب ليبرالية برجوازية تتنافس في خدمة الملكية الحاكمة، ولا يميز حزب «العدالة والتنمية « من غيره سوى ما يتخلل خطبه من اقتباسات دينية، لتدويخ جمهور انتخابي يئس من سياسيين وصوليين يمتهنون العمل السياسي، لتحقيق مصالح خاصة صرفة.

هذا ويسعى هذا الحزب إلى أن يكون معبراً عن مصالح طبقات وسطى، متضايقة  مما يلحق بأعمالها من ضغوط ومنافسة، من جانب رأسمال كبير مرتبط بالمَلكية والرأسمال الأجنبي. لكنها مدركة لدور الملكية الحاكمة، كدرع يقي من صعود نضال شعبي يهدد أسس النظام الطبقي القائم.

كان حزب الاتحاد الاشتراكي بتوابعه، وحزب الاستقلال، هما المعبران عن مصالح  ذاك القسم من البرجوازية، ولكن مشاركتهما في حكومة «التناوب التوافقي»، وتنفيذهما لسياسة شرسة مست مصالح أقسامٍ من قاعدتهما، انتهيا بهما إلى إعادة نظر في برنامجهما المعلن، فمن سعي للنضال لانتزاع إصلاحات سياسية/اقتصادية، تحولا إلى أداة تدمير لمكاسب تاريخية للشعب المغربي، ما أوصلهما إلى عزلة وتفكك تنظيمي مستمرَّيْن، وفقدانهما لحاضنتهما الشعبية. ويسعى حزب «العدالة والتنمية» إلى شغل المكانة التي أخلتها أحزاب اليسار الليبرالي.

العدالة والتنمية: من معارضة جلالة الملك...

طابق الحزب، بعد تأسيسه، أقواله بالأفعال، في الإتيان بالدليل القاطع على انه ذخر للملكية، وزايد في إثبات حرصه على ثبات نظام الملكية الاستبدادي، وسعى جاهداً إلي طمأنة البرجوازية النهابة إلى أنه صديق موثوق.

أبدى الحزب معارضة شرسة لتطلعات الشعب التحررية. وعارض بقوة مطالب الحركة النسائية، وفي مقابل أماني المعارضة الليبرالية بتقليص سلطة الملكية شبه المطلقة، وقيام نظام ملكية برلمانية، رفع الحزب شعار «نريد ملكاً يسود ويحكم». وقد ركز حملات تشهيره على أمور أخلاقية جزئية، مخاطباً أقساماً متخلفة سياسياً، مدغدغاً عواطف الجمهور، بإثارة قضايا لا تمت بصلة لجوهر الاستغلال والاستبداد، مع الحرص على أن لا يتماهى نقده الأخلاقي مع خطاب جماعات رجعية دينية لها موقف ملتبس من حكم الملكية القائم.

لم يكن حزب العدالة والتنمية معارضاً للملك، ولا لحكومته، بل هو حزب معارض لتطلعات الشعب المغربي في التحرر والديمقراطية، وإنْ يكُن لطَّفَ خطابه المضاد لتلك التطلعات فبسبب تراجع النضال الشعبي، وكل نهوض يستثير انكشاف الطبيعة الرجعية المضادة للثورة، لدى حزب العدالة والتنمية. وهو ما ظهر جلياً مع حراك ٢٠ فبراير/شباط ٢٠١١.

... إلى حكومة صاحب الجلالة

قبل ٢٠١١ لم يكن إدخال حزب العدالة والتنمية في حكومة الواجهة وارداً. بل كان عرضة منذ ٢٠٠٣ لحملات إعلامية موجهة، بغاية الحد من توسعه التنظيمي، وتقليص قاعدته الانتخابية. وجاء تأسيس حزب «الأصالة والمعاصرة» من طرف «فؤاد عالي الهمة»، صديق الملك ومستشاره الحالي، بهدف واضح ومعلن، منافسة حزب العدالة والتنمية، والحد من احتمال اكتساحه الانتخابي، بالاستفادة من انهيار تنظيمي، وتراجع حاد، في قاعدة لفيف الأحزاب الليبرالية التقليدية.

مارس إعلام النظام ضغطاً شديداً على الحزب، بعد التفجيرات الإرهابية بالدار البيضاء ١٦ أيار/مايو/ماي ٢٠٠٣، بتحميله المسؤولية المعنوية عن تلك الجرائم. غاية النظام منع الحزب من أن يحول إلى نصر انتخابي موجةَ التعاطف مع الأحزاب الدينية، التي تجتاح المنطقة، بتأثير من انتصارات حزب الله اللبناني ضد آلة الدمار الصهيونية، وصمود المقاومة الفلسطينية، ومثال حركة حماس، مقابل الإفلاس المريع للأنظمة القومية وجبنها، وخنوع المعارضة الليبرالية، وضعف اليسار الثوري.

أقصى ما كان يحضر له الحزب تحسين موقعه في المؤسسات البرلمانية والمجالس المحلية، والتظاهر بممارسة معارضة قوية، أما المشاركة في الحكومة فكانت مستبعدة ليس لضعف القاعدة فحسب (إذ أن قوة الحزب بالدرجة الأولى ليست تنظيمية، فعدد «منخرطي الحزب، بحسب آخر إحصاء داخلي أجراه الحزب، بعد بضعة شهور من المؤتمر الوطني السادس، لم يتعدَّ ١٢ ألف عضو». 

إن حزب العدالة والتنمية- كغيره من تنظيمات الإسلاميين- يتغذى من ضعف اليسار، فحتى نتائجه الانتخابية تظهر وزنه الحقيقي في المجتمع. ففي انتخابات ٢٠٠٧ البرلمانية «اعتبرت حصة حزب العدالة والتنمية ضعيفة، مقارنة مع ما حصده الحزب خلال انتخابات ٢٠٠٢، التي حصل خلالها على ٤٢ مقعداً، مع العلم أنه لم يكن يغطي آنذاك سوى ٥٦ دائرة من أصل ٩١، ما حدا الكثيرين على اعتبار تلك النتيجة آنذاك «اختراقا انتخابيا» للحزب. وفي انتخابات ٢٥ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١١،  التي تولى على إثرها رئاسة الحكومة، لم تمثل مقاعد الحزب الـ ١٠٧ من أصل ٣٩٥، إلا ٢٧% من مقاعد البرلمان. وبالنظر إلى عدد من صوتوا، ١٣ مليون مسجل في قوائم الانتخابات من ٢٤ مليونا ممن يحق لهم التصويت، يتضح أن ناخبي حزب العدالة والتنمية يمثلون ٧،٥% من المسجلين، و٤% من مجموع الكتلة الناخبة.

فرض تفجر الوضع الثوري بالمنطقة، وصعود النضال الشعبي في شباط/فبراير ٢٠١١، على الملكية، تكيفاً مع ما تتعرض له من ضغوط ومخاطر. لذا أقدمت على إجراء تعديلات دستورية لا تمس جوهر سلطاتها، لكنه تعديل تجاوز ما كانت تأمله أحزاب المعارضة الليبرالية. بعده جاءت الانتخابات البرلمانية المبكرة، التي احتل فيها حزب العدالة والتنمية المقدمة، ما أتاح له تشكيل الحكومة، بتحالف مع أحزاب عديدة، يوحدها ولاؤها للاستبداد السياسي، وحرصها علي دوام الاستغلال الاقتصادي لثروات الشعب، من طرف أقلية برجوازية محلية، وامبريالية.

منذ تشكيل حكومة، برئاسته، أبدى حزب العدالة والتنمية شجاعة استثنائية، في الهجوم على مكاسب ما كان لأي حزب آخر إلا أن يرفقه بتبريرات، عكس الأخير، الذي زايد بكونه يخدم مصالح مستقبلية تتطلب من الشعب التضحية والصبر.

نالت حكومة حزب العدالة والتنمية ثناء صندوق النقد الدولي ورضاه، فقد عبرت مديرته العامة عن اندهاشها لمدى الإجراءات التي نفذتها الحكومة، والتي في طور الانجاز. فالمديونية الخارجية تفاقمت، وأقدمت الحكومة على إجراءات عاجلة تتعلق بأنظمة المعاشات الخاصة بالموظفين، وطرحت منظوراً لإصلاح عاجل لتلك الصناديق، وفق ما يوصي به صندوق النقد الدولي، لضرب الطابع التوزيعي لأنظمة الحماية الاجتماعية، والاستعاضة منه بنظام الرسملة، والقضاء على مكاسب الشغيلة، في طريقة احتساب سنوات الاشتراك ونسب التعويض وسن الإحالة على التقاعد.

وواصلت حكومة العدالة والتنمية تنفيذ أخر الحلقات ضد صندوق  دعم أسعار بعض مواد الاستهلاك (غاز البوتان- المحروقات-  السكر- نوع من الدقيق- الفيول لإنتاج الكهرباء....). وكرست ما بدأته حكومات سابقة من كف الدولة عن تشغيل العاملين الجدد، والتحضير لإصلاح عميق لقانون الوظيفة العمومية، ليسمح بالتوظيف المؤقت، وإعادة توزيع العاملين بين القطاعات الحكومية، بحسب الحاجات، والتشجيع على المغادرة المهنية، والحصيلة تَفاقُم نسب العاطلين عن العمل من الخريجين، وشروط عمل متدهورة للعاملين.

ولقد كان نصيب الرأسماليين المحليين والأجانب الرعاية وتوفير شروط الاستثمار، وتهيئة المناطق الصناعية، واضطلاع الحكومة بالإعفاءات الضريبية، والدعم المالي السخي للعديد من القطاعات، وغض الطرف عن انتهاكات تشريعات الشغل، والتهرب من أداء مستحقات الضمان الاجتماعي، والتهرب الضريبي. بل إن الحكومة سنت قانون العفو على مهربي الثروة، وحددت سقفاً زمنياً لمن يريد أن يضفي على التهريب صبغة قانونية، بأن يصرح بالمبالغ المهربة، ويؤدي واجبات الضريبة، مع كل التسهيلات المطلوبة.

انتهى حزب العدالة والتنمية إلى الإقرار بأنه عاجز عن محاربة الفساد، واكتشف أنه في بداية الإصلاح، وتحقيقُه يتطلب زمناً أكثر. واكتفي بإجراءات شكلية غايتها دعاية انتخابية، كالإعلان عن لوائح المستفيدين من أذونات النقل الطرقي، والكشف عن تمويل الجمعيات الأهلية. أما الفساد الكبير فقد تغاضى عنه. فالفساد والاستبداد جوهر النظام القائم الذي أتى بالعدالة والتنمية للواجهة، ليؤدي المطلوب منه من أدوار.

٤- التيار السلفي الوهابي

تمثل «السلفية الوهابية» (بشقيها التقليدي والجهادي) القطب الرئيسي الثالث من أقطاب الحركة الإسلامية بالمغرب. وبعكس حزب العدالة والتنمية، وحركة العدل والإحسان، تتحرك السلفية «بشقيها»، خارج العمل السياسي المهيكل، الذي تشتغل فيه العدالة والتنمية بشروط الملكية، وتسعى العدل والإحسان للاندماج فيه، بشروطها.

فبينما كانت السلفية التقليدية ترفض أي عمل في الميدان  السياسي، وتدعو إلى «طاعة أولي الأمر»، وتركز على إعادة تعبئة الأتباع على اساس تأويلها الخاص للإسلام، والحرص على  مظهر وسلوك يميزها من التيارات الإسلامية الأخرى، تكشفت، مع تفجر السيرورة الثورية بالمنطقة، الحقيقة السياسية لهذه الجماعات، التي تحولت إلى ممارسة نقيض ادعاءاتها، حول تحريم الممارسة السياسية، والتظاهر السياسي، وتشكيل الأحزاب، وكذلك الديمقراطية  المعتبرة كفراً، لأنها تؤدي إلى انتخاب برلمان يشرع القوانين، وهو ما يمس من مبدأ حاكمية الله، في التشريع، بحسب اعتقادهم.

السلفية التقليدية من تحريم السياسة... إلى مباركة سياسة الاستبداد

هذه السلفية جحدت في برهة ما كانت تلقنه لأتباعها، استناداً إلى نصوص دينية. فدعا أحد شيوخها، المغراوي، أتباعه، إلى التصويت ومساندة دستور الملك، وحشد أنصاره ضد حركة ٢٠ شباط/فبراير: إنها سلفية مدافعة عن النظام وتحرم ممارسة سياسة معارضة. هذا ويرفض تيار السلفية الجهادية بصفة عامة التحزب السياسي.

«شكَّل التيار السلفي حليفاً دينياً وسياسياً تقليدياً للنظام السياسي المغربي، منذ منتصف السبعينيات، حيث عملت الدولة على دعم هذا التيار مادياً ومعنوياً، مقابل قيامه بالإسناد الأيديولوجي لها، من خلال العمل على ترسيخ واجب الطاعة لأولي الأمر، لدى أتباعها، من جهة، ومن خلال القيام بمحاربة التيارات «المنحرفة»، التي ستشكل في وقت من الأوقات خصماً مشتركاً للطرفين، من جهة أخرى».

استمر هذا التعاون المتبادل حتى مع الانشقاق الذي تعرض له هذا التيار، في بداية التسعينيات، والذي أدى إلى بروز تيار سلفي «جهادي».. ستراقبه الدولة وتشدد قمعه بعد تفجيرات ١٦ أيار/مايو ٢٠٠٣ بالدار البيضاء. ويمكن تفسير هذا الانشقاق الداخلي للتيار السلفي بأنه كان امتداداً للانشقاق، الذي سبق ان تمَّ، نتيجة تداعيات أزمة الخليج، والخلاف حول دخول القوات الأميركية إلى الأراضي السعودية.

جهاد فردي يغذي سلبية الجماهير

لكن «جهاد السلفية الجهادية جهادٌ فردي، لا يعتمد على أية خطة استراتيجية، ولا يرسم أي أهداف سياسية. والدليل أنه لم يرسم أية خطة لما بعد ١١ أيلول/سبتمبر ٢٠٠١. إن شيوخ السلفية الجهادية يرفضون تأسيس الجمعيات، ويعتبرون ذلك طريقة بدعية في ممارسة الدعوة، ويتجهون إلى ممارسة النشاط في خلايا صغيرة».

واجهت الدولة هذا التيار بقمع شرس، فمنذ تفجيرات ١٦ أيار/مايو ٢٠٠٣ حتى العام ٢٠١١، بلغ عدد الخلايا الجهادية التي تم تفكيكها حوالى ٦٠ خلية، كما تمت محاكمة ما يقارب ٢٣٠٠ متهم، من أصل ٥٠٠٠ معتقل.

«السلفية الجهادية (محليا)، ظاهرة انحصرت في البداية في مجموعات  صغيرة، على هامش المجتمع، فبلغت حداً اكتسبت معه صدى جماهيرياً، في ظل بن لادن وتنظيم القاعدة الذي أسسه. بيد أن طبيعة التنظيم الإرهابية حالت دون تمكنه من تعبئة الدعم الشعبي، وتنظيم حركة جماهيرية». لذلك لم يتعدَّ نشاط هذه الخلايا في المغرب «في الحد الأقصى عمليات استفزازية محدودة، بينما يظل الهدف الأساسي للقاعدة في المغرب ذا طبيعة استقطابية: البحث عن مرشحين انتحاريين للعبور بهم إلى أماكن التوتر».

تعبير رجعي عن استياء اجتماعي

تختلف القاعدة الاجتماعية للسلفية (بشقيها) عن القاعدة الاجتماعية للحركتين، اللتين تناولناهما أعلاه: «من الناحية الاقتصادية، بيَّن التصنيف السوسيو- مهني لأفراد العينة المدروسة أن العاطلين والممارسين لمهن هامشية وموسمية يأتون في مقدمة أتباع الحركات السلفية، فهم ينتمون في العادة إلى مدن الصفيح أو هوامش المدن، فغالبيتهم باعة متجولون ومستخدمون وعمال مياومون، ثم ممارسون لمهن صغيرة، كالبقالة وبيع الخضر. وهكذا دواليك حتى نصل إلى الخياط والإسكافي وبائع الماء والأعشاب، وبائع السمك وسائق سيارة الأجرة، والميكانيكي والكهربائي... إنها مهن يومية لا تتيح لأصحابها انخراطاً قوياً في العالم، وبالتالي فهي مجال مهم للنشاط التعبوي للحركات السلفية، التي يمكن اعتبارها حركة تمارس التعبئة على مستوى القاعدة المجتمعية».

«يتعلق الأمر، إذن، بشعور بدونية اقتصادية واضحة، لكنه وإذا كانت الحركات الجهادية تواجه هذه الدونية الاقتصادية بتعبئة أتباعها بالدعوة إلى نصرة الجهاد أو إلى القيام به، فإن الحركات السلفية التقليدية تواجهه بالوعظ الديني، وبذلك فهي تقوم، في واقع الأمر، بإخفاء الأسباب الحقيقية التي رجحت الإقبال عليها. إنها تقوم بمكافحة الفقر بالمعاني الجمعية التي تتشكل من خلال العيش داخلها، فليس من مصلحة الحركة أن يعي أتباعها طبيعة الحرمان، الذي كان في مصدر انتمائهم لها، لأنها ستضطر عندئذ إلى وضع حلول عقلانية ودنيوية للتغلب على الحرمان، ما سيقضي عليها كحركة دينية. فالحل الديني الذي يتمثل في حالتنا بخطاب الوعظ هو في الحقيقة تعويضٌ من الشعور بالدونية الاقتصادية، أكثر مما هو مجهودٌ للتغلب عليه».

طابور خامس للاستبداد مستقبلاً

قام العديد من أقطاب «السلفية الجهادية»، بعد الإفراج عنهم، بعفو ملكي سنة ٢٠١١، على إثر نضالات حركة ٢٠ شباط/فبراير، بمراجعة «للتكتيك الصدامي مع الدولة».. وهي مراجعة كانت بدأت في السجن لتصل عند بعضهم الى ترؤس احدى الصلوات لصالح الملك، والدعاء له بالنصر، والتمكين، والنصح بالولاء له وطاعته، مع نقل حي على التلفزيون لكل ذلك. وأصدر آخرون بيانات مراجعة لمواقفهم السابقة، وانتقاد ما اعتبروه أخطاء ونقصَ رشدٍ، وميلاً للغلو والتطرف. 

وكانت هذه المراجعة باتجاه «المشاركة السياسية»؛ ففي حوار مع جريدة التجديد صرح أبو حفص «أن رياح الربيع العربي قلبت كثيراً من الموازين، وهدمت بقوتها كثيراً من النظريات الفكرية، التي كانت معتمدة عند السلفيين، في تحريم العمل السياسي، والتحذير منه»، مشيراً إلى أن «قوة اللحظة كان لها أثرها العجيب، حتى إن كثيراً ممن أصَّلوا سابقاً للتحريم بل وصفوا المشاركة بالعمل الكفري، رأيناهم أصبحوا من كبار الداعين للمشاركة، حتى من دون أن يكلفوا أنفسهم تصحيح نظريتهم السابقة، أو التأصيل للواقعة الجديدة، فالوقت وتوالي الأحداث لم يسعفاهم للقيام بذلك، خاصة وأن قوة ما يجري على الأرض، سهَّلت عليهم حتى إقناع الأتباع».

مراجعة رفضها سلفيون جهاديون لا زالوا معتقلين بالسجون.

تجسدت هذه المراجعة بالتحاق عدد من قادة السلفية الجهادية بحزب «النهضة والفضيلة»، المنشق عن «العدالة والتنمية»، في خطوة شبيهة بما قام به حزب الخطيب، في نهاية التسعينيات، مع قيادات حركة «التوحيد والإصلاح». وهو التحاق رحب به قياديو العدالة والتنمية، لأنه بالنسبة لهم يشكل انتصاراً لنفس التكتيك الذي قاموا به سابقاً، وتعرَّض لانتقادات السلفية. إن التيار السلفي يتأثر بما يخترق السلفية الوهابية، في عموم المنطقة، من نقاشات وانشقاقات، ومما لاشك فيه أن انقسام تنظيم القاعدة في العراق وسوريا سيكون له امتداد في البلد، ويمثل مئات المقاتلين المغاربة، في كل من سوريا والعراق، قناة لإيصال تلك الانقسامات إلى الأتباع بالمغرب. بالرغم من كون التيار السلفي، بمجمله، ليس بصاحب الحجم الكبير جماهيرياً، مقارناً بحزبَي العدالة والتنمية، والعدل والإحسان، فإن البيئة  المواتية  لتوسعه متوفرة، فالظروف الاقتصادية والاجتماعية، المتسمة باتساع الفقر والبطالة والهشاشة، تمثل التربة الخصبة لانتشار أعشاش السلفية، في غياب بديل عمالي قوي منغرس يعبر عن طموحات الكادحين.

٥- لا سبيل لهزيمة السلفية خارج استنهاض فعل جماهيري تقدمي

تشكل التنظيمات السياسية الدينية خطراً على أي نضال جماهيري بالمغرب، بحكم ما تنطوي عليه من رجعية، وقدرتها على تعبئة شرائح واسعة من البرجوازية الصغيرة، المستاءة من أوضاعها الاجتماعية، ومن المنحدرين طبقياً- déclassés- ممن يجري حشدهم بشعارات دينية تحرف حقيقة الاضطهاد والاستغلال.

تشكل هذه التيارات حالياً عقبة كأداء على طريق الثورة، أو أي نضال اجتماعي ذي منحى تقدمي.. وقد تكون هذه التيارات طرفاً في نضالات ضد الاستبداد السياسي، بشكل رئيسي، لكن مستقبل مشاركتها بهذه النضالات رهينُ أمرين: تطور النضال لحدود يهدد فيها المجتمع البرجوازي، وظهورُ قيادات تقدمية تنافس قيادات هذه الحركة، أو أي تبدل في رؤية الاستبداد لعلاقته بهذه الحركات الرجعية... آنذاك سيستدير الإسلاميون ضد الجماهير (مصر وتونس).

لكن قد يجد الثوريون أنفسهم جنباً إلى جنب مع هذه التيارات، في نضال سياسي ضد الاستبداد، أو نضال وطني ضد الإمبريالية... «هنا ليست مشروعيّة العلاقة في ذاتها (وأنا أراها مشروعةً تماما) بل مسألة شروطها وكيفيّتها: كيف تكون العلاقةُ بأطرٍ دينيّةٍ مشاركةٍ في كفاحٍ وطنيّ؟ الشرط الرئيسيّ هنا هو أن تكون العلاقةُ من موقع الاستقلال التامّ، مع ممارسة الصراع الإيديولوجيّ ضدّ الطرف المعنيّ، وإنْ كان حليفًا في الكفاح الوطنيّ. وبالطبع يرتبط ذلك بضرورة قيام اليسار بواجبه الثوريّ (المقاوِم بشتّى الوسائل) من دون تقصير، كي يَظهر في نظر الجماهير بمظهر الطرف الأكثر تعارضاً مع الوضع القائمِ المطلوب تغييرُه» (جلبير الأشقر).

إن انتصار الحركة الثورية على نفوذ التيار السلفي لن يتم إلا عن طريق تطور حركة عمالية ثورية، قادرة على بث الثقة في إمكانياتها التغييرية الجذرية في صفوف الشرائح الفقيرة من البرجوازية الصغيرة. وآنذاك فقط، سيكون بالإمكان الحديث عن هامشية التيار السلفي والحد من مخاطره.

إن حرباً أيديولوجية بلا هوادة ولا مهادنة، ضد التيار السلفي، لهي أحد الشروط الرئيسية لاستنهاض الحركة الجماهيرية التقدمية..

وهو أمر ممكن وضروري، على رغم الأحجام التي تبدو عليها تنظيمات الحركة الإسلامية، اليوم، والتي تبث الإحباط في نفوس المناضلين التقدميين، وتجعل العاجزين يعولون على الأنظمة الحاكمة لقمع الإسلاميين.. وهم يتغافلون أنه بذلك يقدمون أحسن خدمة للإسلاميين، بإظهارهم بمظهر المعارضة الوحيدة لأنظمة الاستبداد بالمنطقة:

«إنّ رهاب الإسلام أفضلُ حليف موضوعيّ للسلفيّة الإسلاميّة، والحال أنهما ينموان معًا. وكلّما بدا اليسار متّفقًا مع رهاب الإسلام السائد، نفّر عنه المسلمين المتديّنين ويسّر مهمّة الأصوليين الإسلاميين، الذين يظهرون بالتالي وكأنّهم وحدهم القادرون على التعبير عن احتجاج الناس المعنيّين على «التعاسة الواقعيّة».

إن الفئات التي تستقطبها الحركة الإسلامية ليست، على حد تعبير تروتسكي، إلا غباراً بشرياً «اكتسب قوة جرف، فقط لأنه كان يتنقل في الفراغ السياسي، ولا يصادف أي مقاومة متماسكة».

إن قوة الإسلاميين تستمد من ضعف الحركة العمالية وضمور يسارها، لذلك فالبديل هو استنهاض فعلهما. فـ»عندما يتعلق الأمر بالنضال، فإن كل عامل يساوي قيمة عشرة برجوازيين». (ليون تروتسكي: الجبهة الشعبية ولجان النضال).

سبق وأكدنا أن تعبير الإسلاميين عن الاستياء الاجتماعي ليس حتمية سياسية، وبالتالي «لماذا إذن استبعاد فكرة تعبير الاستياء الاجتماعي عن نفسه، ملتفاً حول مشاريع انعتاقية؟ لم يثبت أحد أنه يتوجب على الاستياء سلوك نهج الانكفاء الهوياتي، أو «الإثني»، أو الديني. ليس هناك حتمية اقتصادية، ولا وضع سياسي غير قابل للتعديل، بتأثير فعل القوى الاجتماعية».

* نشر الجزء الأول من هذا المقال في العدد الرابع من الثورة الدائمة، كانون الثاني/يناير ٢٠١٤