الرفيق باسم، الذي عاش ومات، تحت راية التغيير الثوري للعالم

العدد الخامس - آذار ٢٠١٥
الدولة: 
لبنان
الملف: 
لا تذكروا من بعدنا إلا الحياة (ملف باسم شيت)
تاريخ النشر: 
آذار (مارس), 2015

 في أحد النصوص الروائية المرموقة لصديقٍ لي، يصف الموت بالفضيحة الكونية. وهو ما أشعر به، أنا ايضاً، في علاقتي بما ينطوي عليه من العبث موتُ الكائن البشري، بشكل عام. فكيف الحال حين يصبح الرابط الذي يشدُّنا إلى الشخص المغادر أكثر عمقاً وأشد خصوصية: رابطُ صداقةٍ عميقة أو، بوجه أخص، رابطُ الرفاقيَّة. وأقول بوجهٍ أخصَّ لأني أعيش هذا الرابط على أنه أحد أسمى الروابط، وأكثرها جوهرية، ولا سيما حين يكون المشروع المشترك بين الرفاق تغيير العالم، بحسب تعبير ماركس، وتغيير الحياة، كما أعلن، ذات يوم، أحدُ مؤسسي السوريالية الأساسيين الكبار – وكان بالمناسبة ماركسياً ثورياً – الشاعرُ الفرنسي أندريه بروتون.

كان باسم شيت أحد هؤلاء الرفاق، ومن الأكثر حماساً بينهم لتغيير العالم والحياة. ولأجل ذلك، فهو منذ البداية، وربما قبل زمنٍ من انخراطه في العمل المنظم لبلوغ هذه الغاية، كان يشعر بذاته على طرفي نقيض مع ما ينطوي عليه هذا العالم، إلى الآن، من لاعقلانيةٍ، واستبدادٍ، وظلمٍ، وازدراءٍ لقيم الحرية والعدالة والمساواة. وهو ما أمكنني أن ألاحظه منذ اللحظات الأولى لمعرفتي به، ذاتَ مساءٍ من خريف العام ٢٠٠٢، خلال لقاءٍ موسَّع، نسبياً، في مكتبي، كنتُ دعوتُ إليه مجموعةً من اليساريين اللبنانيين والفلسطينيين، لأجل تشكيل تجمُّعٍ للقوى التي توافق على مواجهة الحرب الإمبريالية المزمَعَة على العراق، بالتلازم مع مواجهة الدكتاتوريات العربية، وفي مقدمتها تلك التي كانت قائمةً في البلد المشار إليه.

في ذلك المساء، كان الرفيق باسم بين الأشد جذرية في تبَنِّي شعار التصدي، في آنٍ، لكلٍّ من الحرب القادمة والدكتاتورية القائمة. وشارك بعدئذٍ بنشاطٍ وفعاليةٍ في التعبئة لإنجاح المظاهرة التي ستنطلق، في ٢٥ شباط/فبراير ٢٠٠٣، من المتحف إلى رياض الصلح، تحت الشعار المنوَّه به، أعلاه، وجمعت ما لا يقلُّ عن الألفي متظاهرةٍ ومتظاهر، بمقابل تلك التي انطلقت من البربير إلى المكان عينِه، وضمَّت مناوئين فقط للحرب الإمبريالية، وكانوا يناهزون الستة آلاف تقريباً.

وبالطبع، لن أتمكن، في هذه العُجالة، من إيفاء الرفيق حقَّه، بالتوسع في ذكر مناقبه ومآثره، على قاعدة تجربة العلاقة به، مذاك،  لذا سأقتصر على بعضها، مهما يكن في ذلك من غبنٍ لذكراه.

على الرغم من ظنونٍ خاطئة جداً، لدى البعض، كان باسم بعيداً من العصبوية، ومن الانكفاء إلى الذات التنظيمية، وشارك، في العامين ٢٠٠٨ و٢٠٠٩، عن كثبٍ، في مسعى وحدة اليسار المحليِّ ككل، بمعناه العام. كان بين القلَّة الذين حضروا كلَّ جلسات لجنة صياغة مسوَّدة النصوص التأسيسية لما عُرف باليسار التشاوري، ولعبوا دوراً مميَّزاً في المسعى المتناقض، والمليء بأسباب التعثر، لإنجاح محاولةٍ يدفع بلدُنا، وحتى المنطقةُ المحاذية، ثمناً باهظاً، بسبب إخفاقها. ولكنه نجح، بالمقابل، في استجابة تحدِّي توحيد اليسار الثوري، الذي أفضى لاندماج كلٍّ من التجمع الشيوعي الثوري والتجمع اليساري من أجل التغيير، في ما بات يعرف بالمنتدى الاشتراكي، وبقي حتى اللحظة الأخيرة من حياته يناضل لأجل تطوير هذه التجربة، واستكمالها، وبالتالي ضمان نجاحها النهائي، وذلك في سياق النضال الجدي لتجاوز العمل التنظيمي المحلي البحت إلى الأفق العربي الأوسع والأممي، العام، كما سأوضح بعد قليل.

ولقد كان استقبال الرفيق باسم للانتفاضات العربية جميلاً وبهيجاً لأبعد الحدود. رأى فيها بداية تحقُّقِ ما طالما سعى إليه وآمن بحتمية حدوثه، وانخرط حتى العظم، كما يقولون، في الدفاع عنه بضراوةٍ، ضد أولئك الذين اعتبروا تلك الانتفاضات مؤامرةً إمبرياليةً ضد شعوب منطقتنا، في مسعاهم لحماية الوضع القائم، وما يشوبه من بؤسٍ وفسادٍ وهيمنةٍ لأنظمةٍ دكتاتورية جاهزة لممارسة أقصى الإجرام، في محاولتها تأبيدَ سلطانها. وكان لا يزال، حتى رحيله، في مطلع هذا الشهر الحزين، يدافع بجسارةٍ عن ثورة الشعب السوري ضد الدكتاتورية، في دمشق، في الوقت نفسه الذي يفضح فيه القوى المحلية هناك، التي حاولت مصادرتها وتشويهها، سواء منها الإسلاموية المتطرفة، من أمثال الدولة الإسلامية (داعش)، والنصرة، وغيرها، أو البرجوازية المرتهنة بالعلاقة مع الحكومات الخليجية ومالها السياسي، فضلاً عن القوى الإقليمية والدولية المعادية للسيرورة الثورية في المنطقة العربية. وقد لعب الرفيق باسم دوراً هاماً للغاية في تنظيم التحركات الشعبية، لدينا، من اعتصامات وتظاهرات، على تواضع حجمها، تضامناً مع انتفاضة الشعب السوري، كما مع حقوقه الإنسانية، في مناطق لجوئه داخل لبنان، وفي مواجهة ما يتعرض له من مواقف عنصرية، عندنا.

ولا يمكن ان نتغاضى، على الإطلاق، عن الأهمية القصوى للدور النظري، كما الميداني، الذي اضطلع به، في ربيع العام ٢٠١١، في لبنان بالذات، خلال التظاهرات المشهودة، آنذاك، لإسقاط النظام الطائفي البرجوازي العفن، وإقامة دولةٍ ومجتمع علمانيين. وهو الدور الذي كان يواصله، بأشكالٍ اخرى، ولا سيما في كتاباته، في قنواتٍ عديدة، ومن ضمنها، بوجه أخص، من على  صفحات مجلة «الثورة الدائمة»، بما هي مجلةٌ يشارك في إصدارها العديدُ من المنظمات الثورية العربية، في لبنان وسوريا ومصر وتونس والعراق والمغرب، من ضمن منظور النضال المشترك لأجل انتصار السيرورة الثورية، في منطقتنا، كما في العالم بأسره. ولقد كان له إسهامٌ أساسيٌّ في ضمان القدر الممكن من انتظام صدورها، حيث أنه عدا دوره المركزي في هيئة تحريرها، كما في كتابة مقالاتٍ فيها، وضمان استلام مقالاتِ أكثر من منظمة من البلدان المذكورة، أعلاه، كان يشرف على تصميمها وطباعتها وتوزيعها.

ولقد كنا نعمل، في الفترة الأخيرة على الإعداد لصدور العدد الخامس منها، حين غادرَنا. ومن المحزن للغاية أن يكون هذا العدد، الذي قد يتأخر صدوره بعض الشيء، سيظهر هذه المرة مجللاً بالحداد، مع ملفٍّ عن الرفيق باسم، الذي عاش ومات وهو يكافح بلا كلل، تحت يافطة التغيير الثوريّ للعالم، كما للحياة.

* كلمة "المنتدى الاشتراكي" في تكريم الرفيق باسم شيت، وقد ألقاها الرفيق كميل داغر