باسم شيت... أو الحالم الأبدي بالتحرر الوطني والتغيير

العدد الخامس - آذار ٢٠١٥
الدولة: 
لبنان
الملف: 
لا تذكروا من بعدنا إلا الحياة (ملف باسم شيت)
تاريخ النشر: 
آذار (مارس), 2015

استوقفتني في الفترة الأخيرة بعض كتابات المناضل الراحل باسم شيت، حول الطائفية وتوظيفاتها المستجدة في لبنان والمنطقة. وقد تحاشى (باسم) المقاربات الثقافوية، والاختزال الضيّق والتعسفي للصراع السني- الشيعي، بأنه امتداد لصراع على السلطة، منذ وفاة النبي، قبل ١٤٠٠ عام، معتبراً أن هذا الانقسام الأصلي لا يمكنه – عبر نظرة خطية وتبسيطية للتاريخ- أن يتجاهل أو يتجاوز كل التطورات والتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي حصلت خلال تلك الحقبة (١٤٠٠ عام)، وبخاصة بعد الحقبة الاستعمارية، ومن ثمّ مرحلة الاستقلال، ونشوء الدول المسماة حديثة، وتكوّنها، في المنطقة.

وبهذا المعنى، اعتبر باسم أن الطائفية ظاهرة (حديثة نسبياً) جرى ويجري استخدامها، والعمل على توظيفها المتعدد الأشكال، في الحقل السياسي أو الجيو-سياسي، كلما نشأت ظروف ومتطلبات تقضي بإعادة تجديد وتوسيع آليات السيطرة الطبقية والثقافية للاقوياء على الضعفاء، في المجتمعات المعنية. وهذا ما يجعل بالتالي دور الطائفية، في ساحة الصراع السياسي والايديولوجي، يتمحور حول حرف تعريف مفهوم الأزمة عن مضمونها الفعلي، والعمل على إسباغ شكل ايديولوجي هجين عليها، في محاولة لإعادة انتاج هيمنة «جديدة» تخفي العوامل الحقيقية لأزمة هذه المجتمعات.

ففي الازمات الكبرى، تلجأ القوى المسيطرة (البرجوازية) الى إعادة نبش إيحاءات مستخلصة من صلات هذه الظاهرة بالماضي- بهدف الفوز بمعارك اليوم (كما يقول باسم)، وليس الانتقام لمعركة قديمة، ما يعني أن الطائفية هي بمثابة «توظيف للتاريخ في خدمة الصراعات الراهنة» (المقولة لماركس). يقول ماركس عن تلك القوى إنها تعمد «الى استحضار أرواح الماضي لخدمة أهدافها، وتستعير من ذلك الماضي الاسماء والازياء وشعارات المعارك، لكي تمثل مشاهد جديدة، في هذا الرداء التنكري، الذي اكتسى بجلال القدم وبهذه اللغة المستعارة».

والمرجح أن باسماً يقصد بالأزمات الكبرى تلك المتعلقة ب: ازمة النظام الرأسمالي الأم؛ وأزمة البلدان التابعة، وبخاصة بلداننا التي قامت على توليفة بنيوية معقدة من اقتصاد الاستهلاك والريع- لا الانتاج-  وعلى العنف وعدم المساواة والاستبداد والبطش والإقصاء وقمع الحريات؛ وأزمة البديل اليساري الذي يقف شبه عاجز أمام قديم يموت، وجديد لا يجد الطريق نحو الولادة، بالرغم من توفّر الشروط الموضوعية، التي تستعجل تلك الولادة. ولكن الأزمة هي أيضاً، وخصوصاً، أزمة الانتقال من عالم مستقطب أحادياً الى عالم ربما يكون متعدد الاستقطابات، ويعاد بموجبه- عبر عملية تاريخية طويلة ومعقدة - تقاسم مناطق النفوذ والموارد ومصادر الطاقة وقنوات التبادل التجاري، السلعي والخدماتي، والممرات الاستراتيجية، البحرية والبرية الخ....

هكذا استخدمت الطائفية، لبنانياً، منذ عام ١٨٦٠، عبر الصراع الماروني- الدرزي (يقول باسم)، كأداة للتحكم بادارة التناقضات الناجمة عن دخول الرأسمالية الى جبل لبنان، وإبراز دور البرجوازية  التجارية التابعة. كما استخدمت بعدها، في سبعينيات القرن المنصرم، لوقف المدّ الشعبي والنقابي، الديمقراطي والعلماني، الذي كاد يتهدد مرتكزات النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي اللبناني. وهكذا أعيد كذلك استخدام الطائفية، لاحقاً، لحرف نضالات هذا المدّ الديمقراطي بالذات عن الغايات الأصلية، التي كان يستهدفها، ما ساهم في ضمور القاعدة الاجتماعية، التي كان يغرف منها ذلك المدّ عوامل قوته.

ثم ها هي الطائفية تُستخدَم، مجدداً، منذ نحو عقد، ليس فقط للتحكم بعملية اعادة صياغة التوازنات، داخل النظام السياسي الطائفي اللبناني، في حقبة ما بعد سقوط «المارونية السياسية»، وتنامي المراهنات الرعناء وغير المضبوطة، التي تعبّر عنها أطراف شتّى مما يصطلح على تسميته «السنية السياسية» و«الشيعية السياسية». وهي تستخدم كذلك – وهذا هو الأكثر خطورة وتداعيات- كجزء من المحركات والرافعات الأساسية، التي تُراد من خلالها إعادة رسم وصياغة توازنات القوى والحدود الجيو-سياسية، وربما أيضا الكيانية، لغالبية بلدان هذا الجزء المضطرب من العالم، إن لم يكن لمجملها.

في إطار اللقاءات المتعددة التي جمعتنا، على هامش مشروع إطلاق اللقاء اليساري التشاوري، قبل عدة أعوام، التقيت مع  باسم حول نقاط أساسية كثيرة تتناول خصائص مجتمعاتنا العربية، وآليات التبعية المتنوعة والمتجددة، التي تخضع لها بأشكال متفاوتة مجموعات البلدان المتفرعة عن تلك المجتمعات. ولكن في الوقت ذاته تباينت وجهات النظر، بعض الشيء، حول نقاط أعترف بأنها تبقى ذات طابع خلافي، مثل: تقييم الحقبة الناصرية، وتحديد مساحة التقارب والتباين  بين القومية والدين، والموقف الفعلي للقوى الاستعمارية من القومية العربية، فضلاً عن العديد من القضايا، التي تتصل بواقع البنية الاقتصادية والاجتماعية اللبنانية، وبخاصة تركيب الطبقة العاملة في لبنان.  

مع ذلك، لا يسعني- مع الرحيل المبكر لباسم شيت- إلا أن أتوقف عند بعض مزايا هذا المكافح الصلب، لا لتصفية الضمير حيال رجل مضى، بل لأسلط الضوء على مزاياه، التي تشكل قوة مثال للمئات بل للآلاف من الشباب المنخرطين، بأشكال شتى، راهناً- أو قد ينخرطون مستقبلاً- في معترك عملية التحرر الوطني والتغيير الاجتماعي.

أبرز مزايا باسم أنه كان مجتهداً، وهو لم يكن يكتفي في تحليله للواقع العربي واللبناني  بالاستناد الى الكلام اليومي، أو الخطاب الصحافي السائد. كان يسعى دوماً الى دعم ما يكتبه أو يقوله، بمقاربات فكرية ونظرية رصينة، وبدروس وعبر حيّة مستخلصة من تجارب ملموسة لبلدان سبقتنا، على طريق التحرر الوطني والاجتماعي. فلا حياة للفكر من دون تعزيز بيئة المحاججة الصحية، المقرونة بالاجتهاد والعلم.

من مزاياه أيضاً أنه كان رجلاً صلباً، من النوع الذي لا ينكفىء،  بسهولة، في النقاش مع محاوريه أو رفاقه، فيظل يتمسك بحجته، ويمعن في تعميقها وتطويرها، حتى يفرض على أولئك المحاورين الارتقاء- هم أيضاً بحججهم الى مستوى عالٍ من الندّية، وهذا ما يجعل النقاش فرصة للتنافس الايجابي، والبنَّاء، والمتحرر من «القوالب الإنشائية الجامدة» التي يستسهل كثيرون تردادها.

في الوقت ذاته، كان باسم رجلاً حرّاً لا يخضع لحاجات اللحظة، أو للمواقع والوعود والإغراءات. كان في صميم ذاته متواضعاً، ومتقبّلاً بقناعة لما هو عليه، وغير مستعد تحت أي ضغط لإجراء مقايضات من النوع الذي يمسّ ثوابته الفكريه وقناعاته وموقفه السياسي المستقل. وهذه ميزة بالغة الأهمية، في زمن أدت فيه الجوانب السلبية للعولمة الى فقدان  العديد من الشباب لتوازنهم وحريتهم.

نفتقد باسماً. ولعل ما يقلل من حجم هذه الخسارة هو أن يكمل رفاقه وأصدقاؤه المشوار، مستظلين تلك المزايا، التي جسّدها هذا المناضل الشاب، الذي رحل باكرا.