أكملوا الزرع... ليحصدوا!

العدد الخامس - آذار ٢٠١٥
الدولة: 
لبنان
الملف: 
لا تذكروا من بعدنا إلا الحياة (ملف باسم شيت)
تاريخ النشر: 
آذار (مارس), 2015

بعد ظهر الأحد الماضي، تنادى الأصحاب إلى اللقاء في الـ«مانشن» لشرب نخب «باسم» في حضرة غيابه... لم يُسمَع، بالرغم من تتابع وتيرة الوافدين، سوى صوت الصمت الذي كان يحتل المكان... وعبارة «العوض بسلامتك» (بالفتحة والكسرة)، كل فرد كان يعزّي الكل ويتقبّل التعازيَ من قبل الكل في الوقت ذاته... قبل أن أغادر، حاولتُ إيجاد كلمات أخصّ بها «غسان» (مكارم) رفيق عمر «باسم»، لكني لم أحتج لذلك، لأن «غسان» سبقني بالكلام، طالباً مني تأجيل ما أود قوله إلى لقائنا اليوم...

«غسان»، يا رفيقات ورفاق «باسم»، ما أصعبها لحظةً، أن أقف أمامكم، لأودّع «باسمَكم» الذي رحل فجأة... رحل من غير سابق تصميم خلافاً لعادته، رحل من غير وداع...

أخشى أن «تزعلوا» إن اعترفت بأني وأنا أتطلّع في وجوهكم الآن، أرى كما رأيتُ الأحد الماضي، وكما رأيت مجدداً بعد أيام قليلة في البناية، في الشقة حيث كان مكتبه فوق مسرح «زقاق»، ملامحَ باسم في وجه كل منكم، رأيت باسماً في كل الوجوه، صار  وجهه كل الوجوه..!

«باسم»، لا أعرف إن فكّرتَ بالموت مرة.. بموتِك أنت بالتحديد.. عُذراً على السؤال، فأنا، وإن كنتُ أعرف أنك خزّانُ فكر كبير وعميق... يغرفُ ولا يتوقّف، يضخُّ فلا ينضب ولا يتجمّد... لكنك صغير على الموت... والصغار عادة لا يفكّرون بالموت، بموتهم، خصوصاً إذا كانت أجندتُهم مثل أجندتِك ملأى بمهمات وقضايا آمنتَ بها، عاهدتَ نفسك وعقدتَ العزم على النضال من أجل تحقيقها، سعياً إلى مجتمع آمن ينعم أبناؤه بالحرية والعدالة والمساواة..

أخالك يا «باسم» تناقشُ الموتَ عندما داهمك... لاأظنُ أنك خفتَ منه... ولا فارقتْك ابتسامتُك المعهودة.. ربما حاولتَ إقناعه بتأجيل تنفيذ مهمته ما يكفيك من الوقت كي تتمكّنَ من إنجاز ما التزمتَ به، أو للاعتذار عن موعدٍ ارتبطتَ به، أو على الأقّل لإعلام مَن يلزم  بخبر وفاتِك..؟!!

الآن أقول كلاماً ليس لي. حدا: «لعمى شو كنت بحبّك، كنت اتعلّم منّك كتير وبلا ما تعرف». حدا تاني: «كاسك يا «باسم» من الهند. كاس آخر يُشرب في بريطانيا، فرنسا، البرازيل... آخر: «الخسارة أكثر من كل ما نفعله لتكريمه وتخليد ذكراه». وعاشِر: «كتار كانوا يسمعولوا هلّق رح يحكو عنّو»... هذا بعض ما سمعته أو قرأته من عدد من أصدقائك ورفاقك يا «باسم».

ويمكن لو الصوت «بيودّي»، كنا سمعنا أطفال فلسطين عم يسألوا بحرقة: «وينك رايح يا باسم»..

ولأنّو ممنوع الصوت على النازحين السوريين، اكتفوا برسم شارة الخسارة لحليف حقيقي، لمدافع عن حقوقهم وإنسانيتهم...

«باسم»، أنا لا أريد اختصارك بـ «باسم» المناضل، الثوري، اليساري... وإن كانت هذه الصفات ملتصقة بك إلى حد التماس والالتحام.. .

على كل حال، أنا لا أقدر ولا أملك معلومات كافية عن كل نضالات «باسم»، التي خاضها داخل لبنان وخارجه. ما أعرفه أنه، وانطلاقاً من قناعاته النظرية، أعطى، من دون حساب لوقت أو لجهد أو لمال أو لمنصب، كل القضايا التي اعتبرها محقّة... لم يبخل بعطاءاته يوماً للقضية التي أحمل، قضية المفقودين التي نالت نصيباً وافراً من فكره واهتمامه. لقد ساهم «باسم» في إدخالها إلى المواقع النضالية التي خاض غمارها، أدخلها في وعي وقاموس الحركات الشبابية التي عمل معها، ساهم في تنظيم محكمة شعبية لمحاكمة الحرب وجرائمها مطالباً بانصاف ضحاياها... تأبطّ العريضة في كل مسيرة أو تجمع أو ندوة شارك فيها، أو دعا اليها، يجمع التواقيع للمطالبة بحق أهالي المفقودين بمعرفة مصائر أحبتهم...

أسرّت لي «يلدا»، الأحد الماضي إياه، أنك تداولتَ معها مؤخراً بضرورة التحضير لموعد جديد للمسيرة العلمانية، قالتْ إنك أبْلغتها عن أهمية ذلك وعن جهوزيتك واستعدادك للمساعدة.. «يلدا» أخبرتني أيضاً أنها ستفعل  لأن موت «باسم» لا يعني موت أفكاره وأهدافه..

هديتي إليك، «باسم»، بضعة أبيات اخترتها من قصيدة لمحمود درويش «نشيد للرجال»:

«لأجمل ضفة أمشي/ فإما يهترئ نعلي/ أضع رمشي/ نعم.. رمشي!/ ولا أقفُ

ولا أهفو إلى نوم وأرتجفُ

إلى الأعلى/ حناجرنا

إلى الأعلى/ محاجرنا

إلى الأعلى/ أمانينا

إلى الأعلى/ أغانينا

سنصنع من مشانقنا

ومن صلبان حاضرنا وماضينا

سلالم للغد الموعود..»

بقية النشيد تقول:

«دعوني أكمل الانشاد

فإن هدية الأجداد للأحفاد:

«زرعنا.. فاحصدوا!»

أما هدية «باسم» إلى  «يلدا»، و«غسان»، و»فرح»  وباقي الرفيقات والرفاق،

أما هدية «باسم» الانسان، الشاب الذي يحلم، يحب، يأكل، يشرب، ينام، يلهو، يعبث، يرقص...

أما هدية  «باسم» كما أخالها:  

«أكملوا الزرع.. ليحصدوا!»

* رئيسة لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان