أحييك، باسم أجدادنا القرامطة، تحية العمل والأمل

العدد الخامس - آذار ٢٠١٥
الدولة: 
لبنان
الملف: 
لا تذكروا من بعدنا إلا الحياة (ملف باسم شيت)
تاريخ النشر: 
آذار (مارس), 2015

 لست‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬باسم‭ ‬شيت. ‬ولما‭ ‬كان‭ ‬قسمٌ‭ ‬لا‭ ‬بأس‭ ‬به‭ ‬منكم‭ ‬لا‭ ‬يعرفني،‭ ‬اسمحوا‭ ‬لي‭ ‬بهذا‭ ‬الـ‭ ‬cv‭ ‬الموجز‭:‬

كنت‭ ‬في‭ ‬عمر‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬بينكم،‭ ‬عندما‭ ‬ترجمت‭ ‬كتاب‭ ‬ليون‭ ‬تروتسكي‭ ‬"الثورة‭ ‬الدائمة". ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الترجمة‭ ‬بلا‭ ‬أغراض‭. ‬وجدنا،‭ ‬الرفيقات‭ ‬والرفاق،‭ ‬ممن‭ ‬كانوا‭ ‬يؤسسون‭ ‬مجموعة‭ ‬"لبنان‭ ‬الاشتراكي"،‭ ‬ان‭ ‬نظرية‭ ‬تروتسكي‭ ‬تشكل‭ ‬ردّاً‭ ‬بليغاً‭ ‬على‭ ‬نظرية‭ ‬مرحلتي‭ ‬الثورة‭ ‬- ‭‬الوطنية‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬بقيادة‭ ‬البرجوازية‭ ‬الوطنية،‭ ‬فالثورة‭ ‬الاشتراكية،‭ ‬بقيادة‭ ‬الطبقة‭ ‬العاملة‭ .‬استخدمت‭ ‬اسماً‭ ‬مستعاراً‭ ‬للترجمة،‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬الطليعة‭ ‬في‭ ‬بيروت،‭ ‬لأن‭ ‬رفيقين‭ ‬من‭ ‬مؤسسي‭ ‬حلقة‭ ‬"لبنان‭ ‬الاشتراكي" ‬كانا‭ ‬ينويان‭ ‬ممارسة‭ ‬"الدخولية"‭،‬entrisme‭ ‬  في‭ ‬الحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬اللبناني،‭ ‬ولا‭ ‬يريدان‭ ‬ان‭ ‬تلحق‭ ‬بهم‭ ‬التهمة‭ ‬التي‭ ‬علقت‭ ‬بي‭.‬

كنت‭ ‬تروتسكياً،‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬الاحزاب‭ ‬الشيوعية‭ ‬العربية. والتروتسكية‭ ‬حينها،‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬الشيوعيين‭ ‬واليساريين‭ ‬التكفيريين،‭ ‬هي‭ ‬الكفر‭ ‬عينه‭. ‬ولعلها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬لدى‭ ‬كثيرين‭.‬

من‭ ‬جهة‭ ‬اخرى،‭ ‬لم‭ ‬أُخفِ‭ ‬مرة‭ ‬إعجابي‭ ‬وتأثري‭ ‬برفيق‭ ‬لينين،‭ ‬ومهندس‭ ‬الثورة‭ ‬الروسية،‭ ‬وقد‭ ‬ترك‭ ‬لنا‭ ‬علامات‭ ‬استدلال‭ ‬نظرية‭ ‬بالغة‭ ‬الاهمية‭: ‬في‭ ‬تأريخه‭ ‬للثورة‭ ‬الروسية،‭ ‬وفي‭ ‬نظرية‭ ‬الثورات؛‭ ‬وفي‭ ‬نقده‭ ‬للبيرقراطية؛‭ ‬وفي‭ ‬فهمه‭ ‬للفاشية،‭ ‬وفي‭ ‬حياته‭ ‬الرائعة‭ ‬والمأسوية‭ ‬ذاتها،‭ ‬الخ. وما‭ ‬دام‭ ‬لم‭ ‬يبقَ‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الآونة‭ ‬مَنْ‭ ‬لم‭ ‬يبلّ‭ ‬يده‭ ‬بسايكس‭- ‬بيكو،‭ ‬يجدر‭ ‬التذكير‭ ‬بأن‭ ‬ليون‭ ‬تروتسكي‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬كشف‭ ‬الاتفاقية‭ ‬السرية،‭ ‬في‭ ‬اواخر‭ ‬العام ‭ ‬١٩١٧،‭ ‬عندما‭ ‬قرر‭- ‬بصفته‭ ‬مفوّض‭ ‬الشعب‭ ‬للشؤون‭ ‬الخارجية‭- ‬نشر‭ ‬المعاهدات‭ ‬السرية‭ ‬للعهد‭ ‬القيصري‭.‬

بالرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬لم‭ ‬اكن‭ ‬تروتسكياً،‭ ‬او‭ ‬لم‭ ‬اكن‭ ‬تروتسكياً‭ ‬بما‭ ‬فيه‭ ‬الكفاية،‭ ‬لدى‭ ‬التروتسكيين،‭ ‬حتى‭ ‬أنه‭ ‬حامت‭ ‬حولي‭ ‬شبهة‭ ‬الستالينية،‭ ‬لدى‭ ‬البعض‭. ‬مهما‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬امر،‭ ‬"بستاهِل‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬العَملة"‭. ‬ ولست‭ ‬نادماً‭ ‬على‭ ‬شيء‭. ‬  ولا‭ ‬انا‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬الشكوى‭. ‬أنا‭ ‬بصدد‭ ‬التأشير‭ ‬إلى‭ ‬درسٍ‭ ‬آنَ‭ ‬لليساريين،‭ ‬والماركسيين،‭ ‬أن‭ ‬يتعلّموه‭: ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬للمرء‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬تكفيرياً،‭ ‬ويَصْدُق‭ ‬في‭ ‬نقضه‭ ‬التكفيرية،‭ ‬او‭ ‬يستقيم‭ ‬في‭ ‬نضاله‭ ‬ضدّها‭ . ‬وقد‭ ‬آن‭ ‬الأوان‭ ‬لأن‭ ‬تنتهي‭ ‬معادلات‭ ‬"الأقرب‭ ‬اليك‭ ‬هو‭ ‬الأخطر‭ ‬عليك"،‭ ‬وكل‭ ‬مؤمن‭ ‬بالعقيدة‭ ‬"منحرف‭ ‬ومرتدّ‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬يثبت‭ ‬العكس"،‭ ‬وعادةً‭ ‬ما‭ ‬يُنفَّذ‭ ‬الحكم‭ ‬به،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬المحاكمة‭.‬

إني‭ ‬أستحضر‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬القريب،‭ ‬أولاً‭ ‬لأني‭ ‬اكتشفت،‭ ‬وأنا‭ ‬أُعدّ‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة،‭ ‬أننا‭ ‬على‭ ‬ابواب‭ ‬الذكرى‭ ‬الخمسين‭ ‬لترجمة‭ ‬أحد‭ ‬اوائل‭ ‬كتب‭ ‬ليون‭ ‬تروتسكي،‭ ‬ولعله‭ ‬الأول،‭ ‬الى‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ .‬وهي‭ ‬مناسبة‭ ‬تستحق‭ ‬التحية‭ ‬لصاحب‭ ‬الكتاب‭ ‬وتراثه‭ ‬والمستمرين‭ ‬على‭ ‬نهجه‭.‬

وإني‭ ‬أستحضر‭ ‬هذا‭ ‬التاريخ‭ ‬القريب،‭ ‬أيضاً،‭ ‬وخصوصاً،‭ ‬لأن‭ ‬باسم‭ ‬شيت‭ ‬ورفاقه‭ ‬يذكِّرونني‭ ‬بسنوات‭ ‬الستين‭ ‬والسبعين‭. ‬  أقصد‭ ‬بحلاوة‭ ‬البدايات. ‬والعودة‭ ‬الى‭ ‬البدايات،‭ ‬او‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬بدايات‭ ‬جديدة،‭ ‬خير‭ ‬وسيلة‭ ‬لتجديد‭ ‬المسار،‭ ‬بعد‭ ‬الانتكاسات‭.‬

معركة‭ ‬اسبينيزب‭ ‬تنتمي‭ ‬الى‭ ‬سلالة‭ ‬المعارك‭ ‬المعملية‭ ‬لتلك‭ ‬الفترة،‭ ‬عند‭ ‬مواجهة‭ ‬التركيبة‭ ‬النقابية‭ ‬المتخشبة‭ ‬والمتواطئة،‭ ‬بواسطة‭ ‬اللجان‭ ‬العمالية‭ ‬والاضرابات‭ ‬المعملية،‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬غندور‭ ‬ومثيلاتها،‭ ‬مثلما‭ ‬جوبهت‭ ‬المسألة‭ ‬الزراعية‭ ‬لتشكيل‭ ‬اللجان‭ ‬الفلاحية،‭ ‬وتنظيم‭ ‬انتفاضات‭ ‬مزارعي‭ ‬التبغ‭ ‬وفلاحي‭ ‬عكار،‭ ‬ومرابعي‭ ‬الاديرة،‭ ‬في‭ ‬ميفوق‭ ‬ووطى‭ ‬حوب،‭ ‬هذا‭ ‬عدا‭ ‬عن‭ ‬معارك‭ ‬الطلاب‭ ‬والاساتذة‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬الجامعة‭ ‬اللبنانية‭ ‬والبناء‭ ‬الموحّد‭ ‬والتفرّغ،‭ ‬والمعارك‭ ‬الوطنية،‭ ‬والمعارك‭ ‬الشعبية‭ ‬ضد‭ ‬الاحتكار‭ ‬والغلاء‭ ‬ولفرض‭ ‬تطبيق‭ ‬الضمان‭ ‬الصحي،‭ ‬وغيرها‭ ‬وغيرها‭.‬

نوستالجيا‭ ‬رومنطيقية؟‭ ‬أبداً،‭ ‬غرضي‭ ‬التذكير‭ ‬بإحدى‭ ‬وسائل‭ ‬تجديد‭ ‬الحركة‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬وتنشيطها،‭ ‬وإعادة‭ ‬بناء‭ ‬الحركة‭ ‬العمالية‭ ‬والنقابية،‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬القواعد‭ ‬العمالية،‭ ‬ولكن‭ ‬على‭ ‬معرفة‭ ‬واعية‭ ‬بما‭ ‬طرأ‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬تغيّرات‭.‬

ذكريات‭ ‬ماضوية؟‭ ‬أبداً،‭ ‬لا‭ ‬تُجيب‭ ‬عن‭ ‬الاسلام‭ ‬السياسي،‭ ‬التكفيري‭ ‬المتعكسر،‭ ‬أو‭ ‬الاقل‭ ‬تكفيراً‭ ‬وعسكرة،‭ ‬إلا‭ ‬رؤيةٌ‭ ‬شاملة‭ ‬للحياة‭ ‬والمجتمع‭ ‬والسلطة،‭ ‬وهذه‭ ‬الرؤية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تملك‭ ‬افضل‭ ‬الادوات‭ ‬النظرية،‭ ‬ليس‭ ‬لفهم‭ ‬الرأسمالية‭ ‬المتعولمة‭ ‬وحسب،‭ ‬بل‭ ‬لفهم‭ ‬دور‭ ‬الدين‭ ‬والتركيبات‭ ‬قبل‭ ‬الرأسمالية،‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬المعاصرة،‭ ‬أيضاً‭. ‬ليست‭ ‬الماركسية‭ ‬الجواب‭ ‬الوحيد،‭ ‬ولكنها‭ ‬حافز‭ ‬ودليل‭ ‬لليساريين‭ ‬لكي‭ ‬يستعيدوا‭ ‬دورهم،‭ ‬في‭ ‬معارك‭ ‬شعوبهم‭. ‬

وباسم‭ ‬شيت‭ ‬ورفيقاته‭ ‬ورفاقه‭ ‬من‭ ‬الذين‭ ‬يتجرأون‭ ‬على‭ ‬الجهر‭ ‬بالانتماء‭ ‬للاشتراكية،‭ ‬بدل‭ ‬التأتأة‭ ‬واللعثمة‭ ‬والوسطية‭ ‬والانتقائية،‭ ‬العاجزة،‭ ‬أو‭ ‬بدل‭ ‬القبول‭ ‬بالالتحاق‭ ‬بأحد‭ ‬قطبي‭ ‬الانشطارات‭ ‬السائدة،‭ ‬حالياً‭.‬ ومن‭ ‬أسفٍ‭ ‬أنهم،‭ ‬وآخرون‭ ‬مثلهم،‭ ‬باتوا‭ ‬اقلية‭ ‬امام‭ ‬طوفان‭ ‬ما‭ ‬اورثته‭ ‬انظمة‭ ‬الاستبداد‭ ‬السوفياتي‭ ‬لليسار‭ ‬من‭ ‬عبادة‭ ‬الفرد،‭ ‬وكرهٍ‭ ‬للديمقراطية،‭ ‬واستعلاء‭ ‬طليعي‭ ‬وتعليمي‭ ‬وتأديبي‭ ‬على‭ ‬الشعب‭.‬

أعلم‭ ‬ان‭ ‬باسماً‭ ‬كان‭ ‬باشر‭ ‬بمشروع‭ ‬لقراءة‭ ‬التركيب‭ ‬الطبقي‭ ‬للمجتمع‭ ‬اللبناني،‭ ‬وموقع‭ ‬النظام‭ ‬الطائفي‭ ‬فيه‭. ‬  هي‭ ‬مهمة‭ ‬تأخرنا‭ ‬عليها‭ ‬جميعاً‭. ‬  المهم‭ ‬أن‭ ‬تبدأ. ‬ وأملي‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬الالتزام‭ ‬المتجدد‭ ‬بالاشتراكية‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬مبتدى‭ ‬الجهد‭ ‬النظري‭ ‬والمعرفي،‭ ‬لا‭ ‬منتهاه‭.‬

وباسم‭ ‬شيت‭ ‬من‭ ‬دعاة‭ ‬الحلم،‭ ‬الحلم‭ ‬الذي‭ ‬يستحق‭ ‬ان‭ ‬يُحمَل‭ ‬على‭ ‬محمل‭ ‬الجد‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬فبالأحلام‭ ‬الكبيرة،‭ ‬بمثل‭ ‬أحلام‭ ‬عشرات الملايين من الشباب العرب - في العمل والحرية والخبز، وبالعدالة الاجتماعية والكرامة الانسانية - يتم التغيير وتبنى الاوطان التي تستحقها شعوبنا.

يكفي باسم انه ورفيقاته ورفاقه لم يفقدوا البوصلة التي تؤشر دوما الى البدء من حيث يعبّر الشعب عن نفسه فكيف اذا تم التعبير عن طريق عشرات الملايين من ابناء والشباب منهم؟ خصوصا. تضامنوا مع الثورة السورية قدر ما تضامنوا مع ثورة البحرين ولم يضعوا الواحدة في وجه الاخرى او بديلا لها.

واني أحسب انهم لم يتوهموا بأن نقد حدود الديمقراطية السياسية، او هجوم التكفيرية المتعسكرة، يبرّر دعم الانظمة الاستبدادية، دكتاتورية عسكرية اكانت ام سلالية نفظية، او التواطوء معها. ولم يجدوا اي تعارض بين الدعوة والنضال من اجل الحقوق الفردية والشخصية وبين الدعوة والنضال من اجل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.

لن ازيد.أحيي ذكرى باسم. لاسرته العزاء ولرفيقاته ورفاقه التضامن الرفاقي.

سوف يفتقده اليسار اللبناني والعربي قدر ما تفتقده ساحات وشوارع ومناسبات النضال من اجل الحرية والمساواة.

احييك يا باسم، يا ابن كفركفلا ولبنان والثورات العربية والاممية بإسم أجدادنا القرامطة "تحية العمل والامل".