...وباسم، ممتداً في القطيف!

العدد الخامس - آذار ٢٠١٥
الدولة: 
السعودية
الملف: 
لا تذكروا من بعدنا إلا الحياة (ملف باسم شيت)
تاريخ النشر: 
آذار (مارس), 2015

نحن من يصوغ نسيج الوقت. نحن من يجعل السماء تبتسم كل صباح. نحن من نحمل الوقت على أكتافنا صلباناً من أزهار. نحن أولاد الهواء والصداع والظلام. نحن الخطأة في سجون الجنة. نحن صوت التراب، ووجه الرماد. نحن آلهة الحركة في مملكة السبات. نحن من حفر التاريخ كلماته على أجسادنا. نحن قطرات الحياة في فضاء الموت. نحن الروح الثائرة التي تنبعث في الأغنيات البائدة. نحن الكلمات والحروف التي تصعد من القصائد الحالمة. نحن الحلم الذي ينهض من ناموس النسيان. نحن من يخجل العار والشرف من قبلاتنا. ونحن الجسد الذي ذبح على مذابح الآلهة، ليصعد كالهتاف، كخطيئة عذبة تصدح في زنازين المعابد، فمن نحن؟

نحن الشعب الذي سيقتلع الموت من أزقة الأيام العابرة، ونحن من سيجعل الصلاة أغنية للحرية، تنكسر فيها آيات الخشوع أمام شغف التمرد. ونحن كما نحن ياسمين ينبت في الحديد، ونار تنبعث من المياه المتساقطة، نحن الشتاء والربيع والصيف والخريف، نحن الطحين والسماد والذكريات المنتشية، نحن كما نحن، كما كنا وكما أصبحنا، نحن هنا، فأين أنتم..؟!

باسم شيت الجسد الذي ذبح على مذابح الالهة، ليصعد كال هتاف، كخطيئة عذبة تصدح في زنانزين المعابد، فمن نحن؟

لم تهدأ القطيف! منذ اندلاع الثورات العربية وإلى اليوم والقطيف تثور، وتدفع في سبيل الحرية والعدالة الاجتماعية أثماناً باهضة بلغت حوالى عشرين شهيداً، مرورا بعشرات المعتقلين، وصولاً إلى احكام جائرة بالإعدام ضد ثوار الحراك الشعبي، وآخرهم رجل الدين المناضل نمر النمر.

إنها لمرحلة تاريخية مفصلية في ذاكرة الثورة، ليس لأنها انتفاضة شعبية تلت الانتفاضات العربية، بل لأنها خرجت وتخرج من المعقل الرئيسي للثورة المضادة والرجعية والاستبداد. فأبناء القطيف العزل الأحرار، في مواجهة أعنف منظومة قمعية واستبدادية كانت وما زالت تصدر الخراب والإرهاب والاستغلال، وتسرق آمال الشعوب العربية، التي تناضل من أجل حريتها وكرامتها..

في هذا الزخم الثوري الذي نعيشه، تفقد الثورة واحداً من أهم مناضليها، باسم شيت الرفيق اليساري الماركسي، الذي رحل فجأة، تاركاً لنا تراثه الأوحد ومصيره الأوحد وحلمه الأوحد.. الثورة!

رحل باسم ببساطة شديدة، بلا ضجيج؛ وهو ذلك الثوري الذي كان يصرخ، يومياً، لتمتلئ الشوارع العربية بصراخه.

رحل باسم ولم يتسنَ لنا، نحن رفاقه في السعودية، أن نلتقي معه ونناقشه ونسأله: ما هي قراءتك يا باسم لسيرورة الحركة الشعبية في القطيف؟

رحل باسم بصمت. صمت لم نعتده منه. ونعترف هنا أن صمت رحيله لم يكن أقل ضجيجاً من صوته وقلمه.

باسم لم يكن مجرد مناضل ماركسي تروتسكي صلب نتعلم منه، فتتجسد كلماته في أطروحاتنا ومقالاتنا وأفكارنا.. باسم كان ذلك الثوري الذي اختزل وجوده معنى عميقاً للحياة، معنى أن تكون ممتلئاً بها، وعاشقاً لها. علَّمنا باسم كيف نحلم، ولماذا نحلم، وكيف نجعل الحلم واقعاً يخترق بواقعيته بلادة التاريخ، وبطء الأزمنة.

كانت أطروحاته وآراؤه بمثابة الوطن الصغير، الذي نسكن فيه ونستكين به..
كم حملَنا باسم، من دون أن يدرك، على أجنحة الحب والحرية والانبهار.
كم طمأننا باسم، بإيمانه الذي لا يتزعزع بالنضال.
باسم كان طيراً يحمل إلينا الياسمين والزنابق، ونحن كنا نستقبله دائماً بالورود.
باسم كان اكتشافنا الأول؛ حيث الاكتشافات الأولى لها نكهة أخرى، وشغفٌ آخر.
انت رحلت، يا باسم، فلمَ العجلة؟ فكوفيتك هنا ما زالت تنتظرك. والثوار في القطيف ما زالوا ينتظرون. والدموع التي لم تكفكف ما زالت تنتظر!
ولكنك رحلت. غيرأننا نزف إليك هذه البشرى:
الثورة مستمرة في القطيف. ثورة دائمة لن تهدأ. سنقاتلهم يا باسم. سنقاتلهم بأظافرنا وبأهدابنا، وستكون أنت معنا، في قلب حركتنا الشعبية، والنضال، ووسط أعلامنا التي ترفرف للحرية. في قلب دموع أمهات الشهداء. وفي قلب النظرية الثورية.

كن مطمئناً يارفيقي، ونم بسلام وقوة..
المجد للشعوب الثائرة.. وليسقط الاستبداد!