باسم، كأنك دخلت في النَّص

العدد الخامس - آذار ٢٠١٥
الدولة: 
لبنان
الملف: 
لا تذكروا من بعدنا إلا الحياة (ملف باسم شيت)
تاريخ النشر: 
آذار (مارس), 2015

مات باسم.

نعم هي حقيقةٌ أخرى أكتشفُها في خريفٍ بدأ للتو. أما اليوم، فتجتمعُ الأماني والرغبات بإكمالِ ما بدأناه مع باسم معاً.

كم هو مؤلمٌ أن أتحدث عن باسم بصيغة الماضي. فصوتُه لا يزال يرن في بالي، وسلامُه ووداعُه الأخير في الليلة الأخيرة، والعشاء الأخير.

وعندما أتكلم على العشاء الأخير، لا أقصد إقامة أي مقارنة أو تشبيه بين باسم ويسوع المسيح، ولست بالطبع الرسول بطرس.
ولأنني لست الرسول بطرس، فإنني لم أنكره ثلاث مرات، فهو ليس المسيح المخلص وليس إلهاً.

باسم تحدى باكراً الحياة بعنادٍ بالغ، وبإصرار شديد حاول العبور إلى الضفة الأخرى، فهل يُلام من حاول الوصول إليها؟

وهل قتل نفسه بيديه بسبب هذه الخصال التي ميزته؟

طبعاً لا،

هل ماهينور المصري هي التي سجنت نفسها؟
هل خليل معتوق هو الذي اعتقل نفسه؟
وهل أنس عمارة هو الذي قتل نفسه؟
وهل خالد بكراوي نسي أن يتنشق الهواء؟

طبعاً لا،

فثمة قاتل ومقتول أو ميت، وسجان ومعتقل. والأنظمة لم تعد تنتظرنا لإسقاطها، إنما هي التي تشن الهجمات اليوم. فهل سنتمكن من الوقوف على أقدامنا؟

الجواب الأكيد، هو أننا لن نقبل بأقل من ثورة جارفة تفضي بنا نحو الضفة الأخرى. هذه الضفة ليست مكاناً أو زماناً. هي محاولة. قد لا نصل إليها. لكننا على الأقل نكون قد حاولنا، ولا ندم.

الخسارة الكبيرة التي أراها في موت باسم هي أنه لو قُدِرَ له أن يعود من حيث هو، فلا شك بأنه سيصاب بعدة مفاجآت قد تكون قاتلة. لماذا انتظرتم موت باسم حتى يقول البعض منكم ما يقوله اليوم؟ كان رقمُ هاتفِ باسم معروفاً، كان بإمكانكم أن تقولوا له ذلك قبل الوداع، كان يمكن أن تقولوا مثلاً: سأعملُ معك، سأفعلُ كذا، أو أريدُ الاعتذار منك، أو أرغب بشتمك. وكان يمكن أن تقولوا له نحن نُحِبُكَ. وأنا على يقين أن باسماً كان ينتظرُ ذلك منكم.

باسم، هل تذكر مظاهرة ١ أيار عام ٢٠٠٨؟ يومها مشينا من الأونيسكو حتى شارع ميشال شيحا، حيث قررتُ الانخراط فعلياً في التجمع. ومنذ البداية، عملتُ بصمتٍ وباسمٍ مستعار، إلى أن تخليت عنه، بعد مرور أشهر قليلة على انطلاق الثورة في سوريا. يومها ابتسمتَ لي تلك الابتسامة العريضة، فظننتُ لحظتها أن النظام السوري قد سقط. ولكن عندما يحصل ذلك، يا باسم، سأتذكرُ بريقَ عينيك، وسأبتسم.

في اللقاء الأخير، حين اجتمعنا لإصدارِ ملفٍ جديد من المقالات، على موقع المنشور الالكتروني، بعد تكاسلٍ صيفي، كانت مجموعة من الرفاق والرفيقات «يكسرون» رؤوسهم، لإنجاز موادهم في الليلة نفسها، الليلة التي طالت بنا. وأنا أخرجُ من دارِكَ راقبتُك تكتبُ عدة كلماتٍ، خلال لحظاتِ مروري من أول الغرفة إلى آخرها. لم تلتفت إلى الخلف. ظننتُ لوهلةٍ أنك دخلتَ النص. وخرجتُ، وأغلقتُ الباب.

عام ١٩٦٩ غنى باكو ايبانيز قصيدة الشاعر الاسباني بلاس دي اوتيرو، تقول كلمات القصيدة التالي:

«سينادونني، سينادون الجميع.

أنت، وأنتِ، وأنا، سندور،

حول الزجاج، أمام الموت.

وسيعرضونك، سيعرضون الجميع

سيفتتوننا بطلقات الرصاص.

وكما تعلمون. سيأتون

إليكَ، إليكِ، إلي، إلى الجميع.

وأيضاً

إليك.

(هنا، حتى الله، قتلوه)

هذا ما كُتِبَ علينا. اسمك جاهز،

يرتجف على ورقة. حيث كُتِبَ أيضاً عليها:

هابيل، هابيل، هابيل... واسمي، واسمك، واسمه…

أما أنت، يا شعبي العظيم،

فستلفظ كلمات مديدة،

كلمات دائمة لن تبعثرها الرياح…»