الثورة، لديه، ليست مجرد أحلام

العدد الخامس - آذار ٢٠١٥
الدولة: 
بريطانيا
الملف: 
لا تذكروا من بعدنا إلا الحياة (ملف باسم شيت)
تاريخ النشر: 
آذار (مارس), 2015

الموت المفاجئ، الناجم عن نوبة قلبية أصابت الاشتراكي الثوري اللبناني باسم شيت، هو ضربة هائلة لحراكنا؛ فقد كان باسم رجلاً يتمتع بطاقة هائلة. ولقد كانت شجاعته غير عادية، وتمتع بعقل تكتيكي واستراتيجي واضح.

قابلته للمرة الأولى عام ٢٠٠١، عندما كان طالبا في جامعة البلمند بشمال لبنان. عامذاك كان الحزب الشيوعي قد دعاني إلى الجامعة للتكلم حول سياتل والحركة المناهضة للرأسمالية مع الطلاب. قال لي باسم إن الحرم الجامعي تحت سيطرة حزب طائفي حقير، ولذلك ساهم في تنظيم مجموعة صغيرة من اليساريين تحت غطاء نادٍ حقوقي. وأعلن بفخر أنهم نظموا أول احتجاج يساري منذ ٣٠ عاما في مدينة طرابلس بشمال لبنان، وإثر ذلك استُدعي للمثول أمام محكمة عسكرية، لكنه رفض الحضور.

ولم يمضِ وقت طويل قبل أن يبرز من بين مجموعة صغيرة من الناشطين، كانت خرجت من بين «أنقاض» الحرب الأهلية. كان باسم طفلاً من أطفال الحرب الأهلية.
عائلته من كفركلا، قرية حدودية احتلها الكيان الصهيوني عام ١٩٧٨، وترعرع في الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت، ولكن على عكس العديد من أصدقائه، تلقى تعليمه في مدرسة مسيحية. قُتِلَ العديد من أقاربه في المعارك التي اجتاحت البلاد، الأمر الذي غرس في باسم كراهية للطائفية، وعزماً على رؤيتها تزول.

درس تجربة إيرلندا الشمالية، من أجل العثور على التحليل الذي يفسر جذور الطائفية في لبنان. وكانت الفكرة المسيطرة على اليسار آنذاك أن الطائفية ردة إلى الماضي الاقطاعي في البلاد، وثمة حاجة لـ«ثورة» لتحرير الرأسمالية من سلاسل الإقطاعية. في هذه الحالة، تحالف اليسار التقليدي مع الأحزاب البرجوازية.

كرس نفسه لدراسة تاريخ لبنان، ودرس بالتفصيل انتقال البلاد من الإقطاع إلى الرأسمالية. وأكد أن الطائفية لا تتعارض مع «الحداثة»، ولكنها جوهرية لتطور الرأسمالية، وسر نجاحها. من خلال تحويل هذا السؤال رأساً على عقب، أثبت أنه من أجل القضاء على الطائفية، علينا تدمير النظام الذي أنشأها.

وقال إن الأنظمة العربية، وتحديداً في لبنان وسوريا، ليست من الحصون ضد «الفوضى الطائفية»، مثلما كان العديد من اليساريين يجادلون، ولكن هذه الأنظمة تستخدم الطائفية للحفاظ على حكمها، وتدمر أي حركة قاعدية. باسم أدرك أن الأفكار الطائفية التي تهيمن على أقسام واسعة من الطبقة الكادحة، في لبنان، كانت في تناقض مباشر مع مصالحها، وعندما بدأ العمال بنضالهم، بدأت هذه الأفكار بالتلاشي.

بعد أن بلور هذه الأفكار، سعى باسم لوضعها موضع التنفيذ. كان باسم في الفترة الأكثر إبداعاً، في تجربته، متسلحاً بشجاعة اقتربت من التهور. فمن أجل اختبار التأييد المتزايد للفلسطينيين في لبنان، قرر باسم أن ينظم اعتصاماً تضامنياً في قلب بيروت الشرقية، «معقل » القوات اللبنانية اليمينية المتطرفة. كانت الفكرة الأساسية تمكين العائلات المسيحية المحلية من المشاركة في المظاهرة. سجل الاعتصام نجاحاً كبيراً، وأثبت أنه لا وجود لأي مناطق محظورة، بالنسبة لليسار.

كان يحمل هذه الروح خلال العدوان الصهيوني على لبنان عام ٢٠٠٦. عندما بدأت الصواريخ بالتساقط، احتشد مجموعة من الناشطين في ساحة الشهداء، بالقرب من خطوط المواجهة الطائفية القديمة. وعندما وصل اللاجئون الشيعة، فتح باسم مع آخرين المدارس والحدائق العامة لهم، في المناطق ذات الغلبة السكانية المسيحية(وغيرها). كانت فكرة عبقرية. فساعد على تأمين مأوى للاجئين، لإنقاذهم من التشرد في بلدهم.

الحركة التي ساعد باسم في إطلاقها وتنظيمها كانت معروفة باسم «صامدون»، وقد تطورت لتصبح واحدة من أهم حملات الإغاثة في الحرب. بدون أي تمويل أجنبي، أو داعمين أغنياء. اعتمدت صامدون على تضامن الناس العاديين، وعززت المنظمة الشعور بين الناشطين الشباب بإمكانية أن يكون لهم تأثير كبير في الأحداث.

سعى باسم لتنظيم هؤلاء الناشطين ضمن مشروع طويل الأمد، لبناء أسس الحزب الثوري. بدأ يتصل بالنقابات ويوفر منبراً لمجموعات صغيرة من العمال كانت تناضل. وقد كان جزء من استراتيجيته استجابة مطلب الجمع بين رفاق من الأممية الرابعة في لبنان وجيل جديد من الناشطين، أنصار للتيار الاشتراكي الأممي، تحت اسم «المنتدى الاشتراكي».

ساعد باسم على إصدار المنشورات الثورية، بما في ذلك المجلة الشهرية «اليساري» و«المنشور»، فضلاً عن المجلة النظرية الماركسية العربية، «الثورة الدائمة». ضمن كل أعماله، كان يرفض الكلام الفارغ، وكان يرى أن الأفكار لا بد من أن ترتبط بالواقع العملي.

مجريات الربيع العربي قدمت له هذه الفرصة. يقول باسم إن حركة إسقاط النظام الطائفي في لبنان كانت أمام فرصة لتجذير نفسها، داخل أحياء الطبقة العاملة. حصلت الحركة على دعم الناس، بسبب اعتماد استراتيجية المظاهرات المحلية الموزعة بين المناطق، بدلاً من المسيرة التقليدية نحو مجلس النواب. المسيرات داخل الأحياء استقطبت آلاف الأشخاص من منازلهم، وأثبتت أن الثورة لم تكن مجرد أحلام، ولكنها احتمال حقيقي، إذا تدخلنا في الأحداث وأخذنا المبادرات.

في اليوم الذي مات فيه باسم، كان من المقرر أن يلقي محاضرة عن الماركسية والطبقات الاجتماعية، أمام طلاب في الجامعة الأميركية. لم يحضر إلى الاجتماع، ولكن إرثه وعمله الدؤوب يستمران من خلال مجموعات من الثوار الشباب، المؤمنين بأفكاره وأعماله.

* ترجمة إيليا الخازن