تونس في ظل "النهضة"

العدد الثالث - أذار ٢٠١٣
الدولة: 
تونس
الملف: 
الثورات العربية
تاريخ النشر: 
آذار (مارس), 2013

أسند الاتحاد الأوروبي يوم ١٩ نوفمبر/تشرين ثاني، خلال اجتماع ‹مجلس الشراكة الأوروبي التونسي›، في دورته التاسعة ببروكسيل، صفة الشريك المُميّز لتونس، هذا الامتياز الذي طالب به بن علي، الحارس الوفيّ لمصالح أوروبا في تونس، ولم يتحصل عليه إلا حين طردته الثورة من السّلطة.

وتأتي هذه المبادرة الأوروبية، عقب منح الادارة الأمريكيّة، في أفريل/نيسان الماضي، ضماناً للحكومة التونسيّة للحصول على قرض خارجي بقيمة نصف مليار دولار. في هذه الأثناء واصل البنك العالمي مدّ الحكومة التونسيّة بالقروض، بقيمة إجماليّة تجاوزت مليار دولار. كما انضافت دولة قطر إلى الأطراف المُقرضة لتونس.

وعندما نعلم أن صفة الشريك المُميّز لم تمنح من قبل إلا للمغرب وللكيان الصهيوني، في جنوب الحوض المتوسط، كما أنّ الإدارة الأمريكية لم يسبق لها أن منحت ضماناً مماثلاً إلا في حالة فريدة سنة ١٩٩٢، لفائدة دولة إسرائيل، فإننا نُدرك إذاً المعنى السّياسي لهذه المُبادرات، التي تصبّ في اتجاه واحد، ألا وهو دعم الطرف السياسي المحلّي الأقدر على وقف مسار الثّورة، ويُبرهن على استعداد حقيقي لخدمة المصالح الرأسمالية الاستعمارية، ويقدّم الضّمانات الكافية للحفاظ على الهيمنة الامبرياليّة على تونس.  

توفّر الثّورة التّونسية والثورات العربيّة فرصة تاريخية نادرة لتغيير العلاقة الاستعمارية الجديدة، التي تربط القوى الامبرياليّة وعُملاءها المحليّين، من جهة، والطبقات الشّعبية، من جهة أخرى، لصالح هذه الأخيرة. ويتوقف نجاح هذا التغيير الثوري للوضع السياسي على مآل المسار الثوري الرّاهن، فإمّا أن تُوفّق القُوى الثّوريّة في قلب ميزان القُوة لصالح المُجتمعات المحليّة، أو العكس، أي أن تتمكّن القوى الامبرياليّة من خنق الثورة وتبديد طاقاتها، وهو الأمر الذي دفع بالقوى العظمى المُهيمنة على المنطقة العربيّة إلى مراجعة حساباتها. وتندرج مُراجعة سياسة الشراكة الأورو- متوسطية التّي يقوم بها الاتحاد الأوروبي، في وضع خطّة جديدة وصفها بـ ‹الشاملة› و›العميقة›، ضمن مناورات الثورة المُضادّة الرّامية إلى إيقاف المدّ الثوري حفاظاً على نظامها القائم، ومصالحها بالمنطقة العربيّة.

وبالتّالي فإنّ انشغال القوى الامبرياليّة البالغ، حيال الاهتزاز الثّوري للمنطقة العربيّة، يفسّر كثافة دعمها السّياسي والمالي للائتلاف الحكومي الحاكم في تونس، وخاصّة مكوّنه الأساسي حزب النّهضة الاسلامي. ولقد وجدت هذه القوى ضالتها في هذا الحزب الذي استطاع أن يبرهن للقوى الاجنبيّة أنه جدير بثقتها، وأنه بإمكانها التعويل عليه، لحراسة مصالحها في تونس. ويحمل تواطؤ حزب النهضة في طيّاته تهديدات حقيقيّة، ليس فقط لمطالب الثورة بل أيضاً لمستقبل البلاد التونسيّة.

هذا ويبرهن دعم القوى العظمى المالي والسّياسي الهامّ للحكومة الائتلافية، ذات الغالبية الاسلاميّة، على مستوى عال من الثقة في هذا الحليف السياسي الجديد، بعد أن اقتنعت من خلال العديد من اللقاءات والمباحثات السريّة ومن خلال السّياسة المطبقة على الأرض، كما بناء على ما أظهرته من طاعة وإذعان تامّ لإملاءاتها ولبرامجها، وتحمّسها لحماية مصالح تلك القوى، الاستعمارية، المعادية لمصالح الطبقات الشعبية وللأغلبية الساحقة في تونس.

هكذا استطاع حزب النهضة الحفاظ على دعم الاتحاد الأوروبي، وكسب دعماً قويّاً من الادارة الأمريكية، الشيء الذي فشل في تحقيقه بن علي، من قبل، بل إنّ هذه الأخيرة قد ناصبته العداء خلال سنوات حكمه الأخيرة. حيث لم تخصص الإدارة الأميركية ولو سنتاً واحداً لدعم سلطة بن علي، خلال فترة حكمه التي دامت ٢٣ سنة، على عكس الدّول العظمى الأخرى، التي منحت هذه السلطة ما يقارب ٧ مليار دولار، في إطار الإعانة العموميّة، وفرت منها الدولة الفرنسية نسبة ٣٧ بالمائة، والاتحاد الأوروبي نسبة ٣١.

لقد وصل حزب النهضة الاسلامي إلى السلطة بفضل ثورة لم يشارك فيها، وتحديداً بواسطة انتخابات حرّة مَنح من خلالها أكثر من ٤٠ بالمائة من النّاخبين ثقتهم إلى مرشحي الحزب الاسلامي، الذين رفعوا طوال حملتهم الانتخابية شعار ‹تحقيق أهداف الثورة›، وتلحفوا بلحاف التقوى والورع الدّينيين، فيما كان برنامجهم يَعد المُفقّرين والمُهمّشين والمُعطلين عن العمل، وكلّ الذين استبد بهم نظام بن علي وأضرّ بهم، يعدهم بتلبية مطالبهم وشدّ أزرهم، من خلال جعل تحقيق مطالبهم، وضمان حقوقهم وتعزيز كرامتهم الانسانية وسيادتهم الوطنيّة، الدّليل الذي يحدّد سياسة حزب النهضة الاسلامي. لكن زعماء الحزب الاسلامي كانوا في ذات الوقت يتآمرون، في السر، مع الدوائر الرأسمالية وحكومات الدّول الامبرياليّة، على هذه الحقوق، بهدف كسب ثقتها.

لم يعد بخافٍ اليوم مدى تنكر جماعة حزب النهضة للوعود الانتخابية، التي قدّموها للطبقات الشعبية، ومدى سعيهم للالتفاف على مطالب الثورة. وهو ما يُؤدّي إلى سقوط شرعيّة هذه الحكومة التي اصطفت بشكل سافر في خندق الثورة المضادّة. فبالإضافة إلى افتقادها للشرعية الثوريّة، فإنّ شرعيتها الانتخابية التي كانت محدودة في البداية هي في تراجع مستمرّ، منذ انتخابات ٢٣ أكتوبر/تشرين اول ٢٠١١ لاختيار نوّاب المجلس الوطني التأسيسي، لكتابة دُستور جديد. ولقد ترشّح لها أكثر من 12 ألف شخص ضمن ١٥١٧ قائمة للتّنافس على ٢١٧ مقعداً. لكن رغم أهميّتها السّياسيّة وظرفيّتها الاجتماعيّة السّاخنة، إلاّ أنّ نسبة المُشاركة فيها لم تتعدّ ٥٢ بالمائة من إجمالي النّاخبين، أي السكّان البالغين من العمر ١٨ سنة فما فوق.

تحصّلت ٥ أحزاب بمفردها على ١٨٠ مقعداً، أي ما يعادل ٨٣ بالمائة من المجلس، فيما لم تُمّثّل أصوات أكثر من مليون ونصف ناخب داخل هذا المجلس، بحكم النظام الانتخابي الذي وقع اعتماده، وبالتالي لا يمثل النّوّاب ال ٢١٧ في المجلس التأسيسي سوى ٦٤ بالمائة من أصوات المُشاركين في الانتخابات أو ثلث مجموع النّاخبين.

وبناء على نتائج الانتخابات، شكلت ثلاثة أحزاب هي حزب حركة النّهضة )الاسلامي(، وحزب المُؤتمر من أجل الجمهوريّة )عروبي إسلامي(، وحزب التكتل من أجل العمل والحريّات )اشتراكي ديمقراطي(، ائتلافاً حكومياً يتزعّمه الاسلاميّون، وهو الذي يُباشر الحكم في الوقت الرّاهن في انتظار الانتهاء من صياغة الدّستور وإجراء الانتخابات التشريعيّة والرّئاسيّة، وفق ما سينصّ   عليه هذا الدستور.

عند عقد أول اجتماع للمجلس التأسيسي، كان الائتلاف الثلاثي الحاكم يحتل ١٣٨ مقعداً في المجلس التأسيسي، أي ٦٤ بالمائة من إجمالي مقاعده. أمّا اليوم وبعد مُغادرة ٢٥ نائباً حزبي المؤتمر والتكتل، المنتميين لهذا الائتلاف، إلى أحزاب أخرى، فإن تمثيليّته قد تراجعت بشكل ملحوظ، حيث تراجع عدد نّوابه إلى ١١٣ نائباً، أي ٥٢ بالمائة من مقاعد المجلس، وثلث أصوات المُشاركين في الانتخابات، و١٧ بالمائة من إجمالي النّاخبين. 

بالتّوازي مع تراجع تمثيليّة التّرويكا الحاكمة الملحوظ، وتصدع ائتلافها، خاصّة بسبب هيمنة حزب النّهضة السّياسيّة عليه، والتآكل الهامّ لحزبي المؤتمر والتكتل، فإن حصيلة حكم هذا الائتلاف تبدو هزيلة. فبالإضافة إلى عجزه عن الاستجابة للمطالب الاجتماعيّة الأكثر حدّة وإلحاحاً وعدم قدرته على إنعاش الاقتصاد، ما غذّى بدوره هذه الأزمة وفاقمها، فإنّ حكومة هذا الائتلاف تُحاول في المقابل الالتفاف على الحريّات، التي افتكتّها الطبقات الشّعبيّة بفضل الثورة، وذلك من خلال تجريم الاحتجاجات الاجتماعية، والتضييق على الحريّة النقابية وحريّة الاعلام، فيما تتعمّد المماطلة والتسويف بالنسبة للعديد من الملفّات الحارقة الأخرى، مثل استقلاليّة القضاء ومُحاسبة السياسيّين ورجال الأعمال الذّين أجرموا في حقّ الشّعب التّونسي، تحت غطاء السّلطة الدّكتاتوريّة، وملفّ شُهداء الثورة وجرحاها...

في هذه الأثناء، تشهد السّاحة السّياسيّة تقارب العديد من الاحزاب، وانصهارها في تشكيلات سّياسيّة جديدة، مثل ‹الحزب الجُمهوري›، وحزب ‹المسار الدّيمقراطي والاجتماعي›، وخاصّة مبادرة الباجي قايد السبسي، أحد رموز دولة بورقيبة وإلى حدّ ما دولة بن علي، خاصّة في سنواتها الأولى، حيث شغَل منصب رئيس البرلمان في بداية التّسعينيات، ليشغل بعد الثورة منصب رئيس الحكومة، من مارس/آذار حتّى انتخابات أكتوبر/تشرين اول ٢٠١١. ولقد أصبح هذا الحزب الذي يضمّ خليطاً سياسيّاً يتكوّن من أعضاء بارزين في النّظام السّابق، وقياديّين سابقين في الاتحاد العامّ التونسي للشّغل، وقياديين قادمين من أحزاب ديمقراطيّة عديدة، خاصّة حزب حركة التجديد، ومُناضلات ومُناضلين من الحركة التّقدميّة، بالإضافة إلى سياسيّين جدد برزوا بعد الثورة.

كما برزت مُؤخّراً على السّاحة السّياسيّة قوّة سياسيّة ائتلافيّة جديدة، باسم ‹الجبهة الشعبيّة›، وهي مبادرة لمجموعة من الأحزاب اليساريّة والقوميّة والاشتراكيّة الديمقراطيّة، والبيئيّة، وجمعيّات ومُناضلات ومُناضلين غير مُنتمين إلى أحزاب. ولئن كانت الجبهة الشعبية في طور بناء شبكتها التنظيميّة، التي امتدت في مدّة وجيزة إلى كامل تراب البلاد، ليقارب عدد تنسيقياتها المحليّة والجهوية ما لا يقل عن ثلاثمائة تنسيقيّة. فهي استطاعت في مدّة وجيزة أن تكسب ثقة قطاع واسع من الجماهير الشعبية. وبالتالي فإن الساحة السياسيّة تشهد في الأشهر الأخيرة تغيرات جذريّة، من أبرز علاماتها نشأة قوتين سياسيتين جديدتين، إلى جانب حزب النهضة الاسلامي، ألا وهما نداء تونس والجبهة الشعبية.

إنّ ما يميّز حزب نداء تونس، ويفسّر في ذات الوقت صعوده السّريع، هو عداؤه لإيديولوجيا حزب النّهضة الاسلاميّة الوهّابيّة السّلفيّة المُتزمّتة، ودفاعُه عن ‹اسلام تونسي› سُنّي مالكي مُعتدل، وبوجه خاص شخصيّة مُؤسّسه الذّي ورث عن بورقيبة القُدرة على التّخاطب مع الطبقات الشعبيّة، وعقيدة الدّولة العصريّة، التي تضمن أمن المواطنين، وتُحافظ على النظام العامّ، ولا سيما في ظل الارتباك الكبير الذي طرأ عليها اثر فرار الدكتاتور، وحلّ الحزب الحاكم، وكذلك الانفلات الأمني والفوضى العارمة التي اكتسحت المجال العامّ بعد الثورة. إن الاختلاف الوحيد ما بين نداء تونس وحزب النهضة يكمن على المستوى الايديولوجي، فيما يشترك الحزبان في تمسكهما بالنظام القائم، في حين تقف الجبهة الشعبية في صفّ الثورة، حيث تعلن أرضيتها صراحة أنها جبهة سياسية تهدف إلى استكمال أهداف الثورة. 

سوف تخبرنا الأسابيع والأشهر القادمة مَن مِنْ هذه الأحزاب الثلاثة سيكون أكثر فهماً لمتطلبات المرحلة الراهنة، وبالتالي أكثر تجاوباً معها وقدرة على الاقناع. ونظراً لتفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وازدياد حدّة التوتّر، فإن الوضع في تونس يظل مفتوحاً على كل الاحتمالات.