المغرب ما بعد انكفاء الحراك النضالي لعام ٢٠١١

العدد الثالث - أذار ٢٠١٣
الدولة: 
المغرب
الملف: 
الثورات العربية
تاريخ النشر: 
آذار (مارس), 2013

متأثراً بالموجة الثورية التي امتدت بتفاوت على أقسام من المنطقة العربية، شهد المغرب في العام ٢٠١١ دينامية نضال سياسي واجتماعي غير مسبوقة. وكانت حركة ٢٠ فبراير طليعته السياسية، منذ انطلاقها مطلع العام حتى خفوتها عملياً مع نهايته.

لم تكن الدينامية النضالية انفجاراً مفاجئاً، إذ كانت في سياق نضالات اجتماعية تمتد إلى السنوات الأخيرة من حكم الحسن الثاني. فمذاك بدأت الصعود ببطء، لكن بقوة متزايدة، حركة نضال اجتماعي في المناطق المهملة، القروية بوجه خاص، وفي بعض المدن الصغيرة. هذه الحركة عفوية إلى حد بعيد، بمعنى خروجها عن أي تأطير سياسي أو نقابي مباشر ومن فوق. كانت مطالبها مركزة على الحاجات الأساسية، من خدمات اجتماعية وفك العزلة. بلغت هذه الحركة ذرى في مدن صغيرة وثيقة الروابط بمحيطها القروي، مثل طاطا (عام ٢٠٠٥) وسيدي ايفني (٢٠٠٥ ثم ٢٠٠٨)، اللتين شهدتا مظاهرات شعبية غير مسبوقة دامت مدداً طويلة نسبياً، ومثلت تحولاً نوعياً، قياساً بتفجرات الغضب المقموعة في حينها.

تميزت هذه التحركات النضالية بغياب أشكال تنظيم تحتية، واقتصار المطالب على أمور اجتماعية ببعد محلي. وبصفة عامة لم يكن لقوى اليسار التاريخية دور في تلك الكفاحات، فيما كان للشباب المعطل ولبعض الفروع النقابية المحلية ومناضلي اليسار الجذري دور فعال.

أما في المدن الكبرى، فقد تبلورت، بدءاً من العام ٢٠٠٦، حركة نضال ضد غلاء المعيشة، بلغت مستوى مواجهات ضارية بمدينة صغيرة (صفرو) في سبتمبر ٢٠٠٧. هذا وكانت حركة الشباب الجامعي المعطل مستمرة في كفاحها من اجل حق الشباب في العمل وفي حفز نضالات اجتماعية لا سيما بالمدن الصغيرة.

تلقت هذه الدينامية الاجتماعية حفزا قويا بسقوط بنعلي في تونس، ثم مبارك في مصر، وعمت مناطق عديدة مكتسية أشكالاً اشد تجذراً، وشاملة فئات اجتماعية أخرى. فقد شهدت مناطق استخراج الفوسفاط (خريبكة، اليوسفية..)، وتصنيعه اسفي... حركة شباب مطالب بالعمل، عمدت الى احتجاجات قوية بلغت حد الاعتصام فوق سكك حديد القطارات الناقلة للفوسفاط. وانطلق الشباب بكافة أرجاء البلد في نضالات من اجل العمل، وتشكلت مجموعات انضافت الى الجمعية الوطنية لذوي الشهادات المعطلين، والى مجموعات الأطر العليا، هذه التي اتخذت من الشارع أمام البرلمان حلبة رئيسية لكفاحاتها. وتحفز فلاحون صغار ببعض المناطق المسقية فخرجوا في مظاهرات حاشدة من اجل حل مشاكلهم. 

كان هذا المكون الاجتماعي من الدينامية النضالية، إذاً، اتساعاً وتعمقاً لظاهرة قائمة من قبل. وتمثل الجديد، وليد السيرورة الثورية بالمنطقة المغاربية والعربية، في حركة ٢٠ فبراير التي أطلقها شباب، منه المتسيس حديثاً، ومنه المنتمي الى قوى اليسار الإصلاحي والجذري. إذ لقي النداء الى التظاهر يوم ٢٠ فبراير ٢٠١١، من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، استجابة لم يسبقها نظير في تاريخ المغرب «المستقل». حركة ٢٠ فبراير ليس لها هيكل تنظيمي، ولا برنامج سياسي دقيق، بل هي راية احتجاج ضد الاستبداد والظلم الاجتماعي بمختلف أوجهه. انضوى تحت لوائها الشباب حديث التسيس وقوى اليسار الجذري، وقسم من اليسار الإصلاحي كحزب اليسار الاشتراكي الموحد وحزب الطليعة غير المشاركين في حكومة ١٩٩٨ التي ترأسها الاتحاد الاشتراكي، علاوة على أحد مكونات الحركة الاسلاموية، جماعة العدل والإحسان، غير المعترفة بشرعية سلطة الملكية، والممتنعة عن اي مشاركة في آليتها السياسية.

خرج في احتجاجات حركة ٢٠ فبراير مئات آلاف المواطنين بكل ربوع البلد، من الطبقات الشعبية أساساً، وفرضت حق التظاهر بلا ترخيص، على رغم صنوف ما تعرضت له من قمع وتنكيل. وبلغت الحركة مستويات متقدمة جداً من التعبئة في بعض المدن الكبرى مثل طنجة والدار البيضاء.

مباشرة بعد انطلاق الحركة واتضاح حجم التجاوب الشعبي معها، سارعت الملكية الى مناورات سياسية، وتنازلات اجتماعية، موازاة مع تحريك آلة القمع بجرعات مضبوطة مع حرص شديد على تفادي سقوط قتلى.

استقبل مستشار الملك القيادات النقابية اسبوعاً بعد انطلاق الحركة، ونجح، بحسب ما اتضح لاحقاً، انه استدرجها الى تجنب الانخراط في حركة ٢٠ فبراير. لم ينجح في ذلك بفعل ما قدم من تنازلات، ابرزها زيادة غير مسبوقة تاريخياً في أجور الموظفين، بل لأن تلك القيادات مصطفة أصلاً مع الملكية وحريصة على تفادي ثورة تحدث تغييراً حقيقيا بالبلد. وعلى صعيد آخر تنازل النظام بإتاحة فرص عمل أكثر للشباب المعطل، وزيادة مخصصات صندوق دعم مواد الاستهلاك الاساسية.

وبقصد وقف تدفق طاقة النضال من روافد أخرى، تسامح النظام بشكل غير مسبوق مع لجوء كادحي القرى وهوامش المدن إلى بناء سكنهم، متحدين العراقيل المألوفة، وغض الطرف عن تدفق العاطلين لتضخيم جيش باعة الرصيف. [بحسب دراسة لوزارة الصناعة والتجارة، ثمة ٢٣٨ الف بائع رصيف بالمدار الحضري يعيلون 2,3 مليون شخص. كما رد النظام على مطلب اسقاط الفساد بتحريك بعض ملفات الفساد الصغيرة أمام المحاكم، وفتح المتابعات في قضية نهب صندوق الضمان الاجتماعي، بعد عشر سنوات من تقرير رسمي كشف اكبر عمليات نهب اموال الشغيلة في تاريخ البلد.  

وعلى الصعيد السياسي، منحت الملكية كل الإصلاحات المجهرية التي طالما التمستها، بلا جدوى، قوى المعارضة البرجوازية المندمجة في آلية النظام السياسية. فكان دستور ١ يوليو ٢٠١١ الذي لم يمس سلطة الملك الفردية، لكنه حمل تنازلات ساعدت على تلافي اتساع دائرة المعارضين الفاعلين في حركة ٢٠ فبراير. فعلى سبيل المثال كان الاعتراف دستورياً باللغة الأمازيغية لغة رسمية عاملاً رئيسياً لإضعاف مشاركة الحركة الامازيغية في دينامية ٢٠ فبراير. ومع ذلك يبقى أقوى مبادرات النظام وقعاً في الساحة السياسية هو إتاحة وصول حزب العدالة والتنمية الى حكومة الواجهة، وترؤسها.

كان هذا الحزب قسم الحركة الإسلاموية، الذي قام بمراجعات سياسية انتهت به الى الاعتراف بشرعية النظام الملكي السياسية والدينية، ومن ثمة السعي الى الاندماج في الآلية السياسية التي تسيِّر بها الملكية الساحة السياسية. وقد أبقاه النظام منذ دخوله الحلبة السياسية في حدود متحكم بها بدقة، حيث جرى تحجيمه وترويضه. وكان هدفاً لهجمات قوية من حزب القصر، حزب الأصالة والمعاصرة (مؤسسه من اقرب المقربين الى الملك، ومن مستشاريه حاليا).

كان هذا الحزب الإسلاموي وسَّع قاعدته الانتخابية بخطاب أخلاقي ديني يلائم حالة المناخ العام السائد بالبلد كتنامي التدين والتعاطف مع موجة صعود الإسلاميين بالمنطقة، واستفاد أيضاً من تآكل الرصيد الشعبي لليسار، منذ استعمال الملكية لحزب الاتحاد الاشتراكي في حكومة الواجهة، لما استشعر الحسن الثاني خطر السكتة القلبية، محدقاً بنظامه (حكومة ما يسمى بالتناوب التوافقي التي ترأسها «الاشتراكي» عبد الرحمن اليوسفي عام ١٩٩٨).

بعد أن ارتعدت فرائص النظام من الموجة الثورية التي هزت المنطقة، لجأ إلى حزب العدالة والتنمية ليسيِّر به حكومة الواجهة، بقصد امتصاص النقمة الشعبية، كما فعل بحزب الاتحاد الاشتراكي. 

لا شك في أن كل مناورات النظام أفادته في تجنب تطور دينامية ٢٠ فبراير إلى وضع ثوري، لكن ما أدى إلى خفوت حركة ٢٠ فبراير هو عجزها عن تعبئة قوى شعبية أعظم. فبعد اتضاح ضعف تجاوب القاعدة الشعبية العريضة مع المطالب السياسية للمجلس التأسيسي لوضع دستور ديمقراطي، ملكية برلمانية، (...)، وحتى عدم اكتراث قسم كبير من الجماهير الشعبية بكل مطلب سياسي، سعت الحركة إلى التركيز على المطالب الاجتماعية بالتأكيد عليها في الشعارات، وحتى جعلها أحيانا محور مطالب المسيرات. لكن لا تركيز على مطلب بعينه، ناهيك عن السعي لتحقيقه، ليكون رافعة لتعبئات أعظم نحو مطالب اكبر. فبدت الحركة وكأنها تعمل بمنطق تبليغ الرسالة وانتظار جواب الحاكمين.

كما ظلت الحركة محكومة إلى حد بعيد بالحساب السياسي لمحركها الرئيس، جماعة العدل والاحسان. فقد ادى ظهور حركة ٢٠ فبراير في سياق ضعف اليسار، بقسميه الاصلاحي والجذري، إلى تبوؤ هذا الحزب الإسلاموي، الذين راكم تنظيمياً، طيلة ٣٠ سنة، في مناخ مناسب له، مكانة رئيسية في جسم الحركة، وظهر ذلك ايضاً بعد انسحابه منها شهر ديسمبر/ك1 ٢٠١١.

ورغم ان القسم الأعظم من المشاركين في مسيرات ٢٠ فبراير جماهير شعبية لا تأثير لحزب جماعة العدل والإحسان فيها، فإن قوى اليسار لم تجد لها حضناً للنمو بين تلك الجماهير. ويبدو أحد مكامن ضعف حركة ٢٠ فبراير في انعدام جسور نحو النضال الشعبي، ذي المطالب الاجتماعية، وفي عدم استجلاء سبل تطوير الحركة وانغراسها، ولا سيما بعد رد النظام على مطالبها بتجديد دستوره ومؤسساته، وبعض التنازلات المادية. 

نقاط الارتكاز لإنماء النضال الشعبي أعظم من أي وقت مضى، ورغم مصاعب العمل النقابي يظل انخراط الشغيلة في الدينامية النضالية الجارية اكبر شروط تطورها، وبلا شك ستسهم الاجواء النضالية السائدة في مد النقابات بقوى جديدة ومقدامة، وما يختمر بين التلاميذ سيكون له في السنوات المقبلة انعكاس بالساحة الجامعية، وفي ما بعد على حركة المعطلين، هذه كلها مقومات تطوير الحالة النضالية كمياً، ونوعياً، بشرط اضطلاع الثوريين بدور الخميرة.

الحركة النقابية واليسار في دينامية النضال العمالي والشعبي

مكونا الحركة النقابية المغربية الرئيسان هما اتحادان عماليان: الاتحاد المغربي للشغل والكونفدرالية الديمقراطية للشغل. الأول انساقت بيروقراطيته مع النظام منذ مطلع سنوات ١٩٦٠، في عز المعركة بين القصر ويسار الحركة الوطنية [قائدة النضال من أجل الاستقلال، مستندة إلى امتيازات مادية كبرى وفساد هائل. أما الثاني فانشقاق عن الأول، قام به الاتحاد الاشتراكي، وكان له حتى منتصف التسعينيات دور رئيس في الكفاحات العمالية.  ثم بدأ انزلاقاً متسارعاً نحو التعاون الممنهج مع النظام، مذ دخل حزب الاتحاد الاشتراكي حكومة الواجهة. وقبل الدينامية النضالية لمطلع العام ٢٠١١، كان الاتحادان النقابيان في تعاون مع النظام لتمرير السياسات النيوليبرالية، سواء في تعديل تشريعات العمل بمنطق «المرونة» الرأسمالية، أي إضفاء الهشاشة على أوضاع الشغيلة، بتسهيل التسريح والحد من تعويضاته، وكل الترسانة النيوليرالية المعروفة في هذا المجال، او على صعيد ضرب مكاسب طفيفة في مجال الخدمات العامة من تعليم وصحة بالدرجة الأولى. إذ ساندت القيادات النقابية سياسة تسليع التعليم [ما سمي الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وإلغاء ما تبقى من مجانية خدمات الصحة وإحداث تغطية صحية ناقصة ومقتصرة على قلة من الأجراء. كما أبدت البيروقراطيات النقابية استعدادها للمساعدة على تمرير مشروع قانون ضد حق الإضراب، وآخر يقيد حرية العمل النقابي، ويزيد تحكم الدولة في المنظمات النقابية، وكذا على إحداث تغييرات في أنظمة معاشات التقاعد، على نحو يلغي مكاسب عمالية عديدة. 

وكما سبقت الإشارة، تجاوبت هذه البيروقراطيات مع سعي النظام الى احتواء الاستياء الجماهيري، الذي حفزته السيرورة الثورية بالمنطقة. ومع إعلانها اللفظي تأييد حركة ٢٠ فبراير، تفادت أي مشاركة فعلية في كفاحاتها، وحتى التضامن معها بوجه القمع. ووقعت اتفاقاً مع أرباب العمل والدولة في متم شهر أبريل/نيسان ٢٠١١، تضمَّن مكاسب هزيلة لتبرير الاستنكاف عن النضال. وقد سهل نجاح البيروقراطية النقابية في عزل المنظمات العمالية عن الدينامية النضالية العامة غيابُ يسار نقابي منظم وذي قدرة كافية على تجسيد قطب مضاد لسياسة التعاون الطبقي مع الدولة البرجوازية. فاليسار الاصلاحي شبه الديمقراطي هو ذاته المسيطر في قيادة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل (حزب المؤتمر الوطني الاتحادي، وحزب اليسار الاشتراكي الموحد، وحزب الطليعة، وبعض عناصر حزب النهج الديمقراطي، وإن كانت لنقابيي حزب النهج الديمقراطي مواقع في أجهزة الاتحاد المغربي للشغل، فلم تكن يوماً تحت راية معارضة للبيروقراطية، بل بامتناع عن أي تصد سياسي لها، واقتصار على ممارسة محض نقابية. وحتى هذا الوضع أنهته بيروقراطية الاتحاد المغربي للشغل بحملة طرد منذ مطلع شهر مارس/آذار ٢٠١٢، وضعت غالبية مناضلي اليسار الجذري خارج النقابة).

رغم أزمة قوى الإصلاحية البرجوازية، بعد إفلاس توافقها مع الملكية الذي لم يكن سوى استعمال ظرفي لها من طرف النظام، تظل الحركة النقابية المغربية تحت هيمنة بيروقراطيات متعاونة مع الدولة وأرباب العمل. ويعود هذا الوضع الى ضعف اليسار الجذري الذي لم يتمكن عملياً، بفعل عوامل منها أخطاؤه اليساروية، ومنها ما تعرض له من إبادة، من الانغراس في النقابات العمالية إلا بدءاً من مطلع سنوات ١٩٩٠. وحتى مع تنامي قواه في بعض قطاعات الوظيفة العمومية (تعليم، بلديات، إدارة الفلاحة...)، افتقد منظوراً ثورياً للعمل النقابي، فاقتصر على ممارسة محض نقابية لا تخرج الشغيلة المتقدمين من نير الخط السياسي للبيروقراطيات النقابية.  

وعلى رغم أن الحركة النقابية بقيت خارج دينامية ٢٠ فبراير، فقد كان لهذه تأثير متمثل في حفز نضالات عمالية، ابرزها إضراب شغيلة الاتوروت، الذي دام زهاء ٣ اشهر، وامتداد التنظيم النقابي الى وحدات صناعية عديدة. وقد دل نجاح المسيرة العمالية، يوم ٢٧ مايو/أيار ٢٠١٢ بالدار البيضاء، التي دعت إليها قيادة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل وشقيقتها الصغيرة المنشقة عنها (الفيدرالية الديمقراطية للشغل)، على الدور الكابح الذي تمارسه القيادات البيروقراطية، لا سيما أن كل العنترية الكلامية التي أبانت عنها، يوم المسيرة، لدرجة التهديد بإطاحة الحكومة، انفضحت بعد أقل من أسبوع لما أقدمت الحكومة على رفع أسعار المحروقات.

اليسار الجذري ومتطلبات الوضع السياسي

ابرزت دينامية النضال السياسي تحت راية ٢٠ فبراير، وما رافقها من نضالات اجتماعية، واقع قوى اليسار الجذري والثوري. فهي، من جهة، ضئيلة ومتنافرة، وبعضها فاقد البوصلة. وقد مثلت الجامعة، تاريخياً، الرافد الرئيس لقوى اليسار الثوري، ولا زالت تغذي عدداً من المجموعات الطلابية التي تعتبر نفسها «ماركسية لينينية». لكن عدم استيعاب عِبَر التجربة المحلية تفكك منظمة إلى الإمام وزوال منظمة 23 مارس، وهيمنة قوى اصلاحية برجوازية على الحركة النقابية...، أو العالمية كانهيار الستالينية، وتحول الصين الى الرأسمالية ومأزق التجربة الكوبية...، يجعل تلك المجموعات الطلابية، في آخر المطاف، آلية لهدر قوى ثورية فتية لا غير.

وأفضت أزمة الجناح الطلابي للحركة الماركسية اللينينية الى انحطاط مجموعات منه الى عصبوية ودوغمائية منقطعة عن واقع نضال الشغيلة والكادحين، وتردّى بعضُها الى مستوى ممارسة العنف (المعتبر، لديها، ثورياً) ضد اي رأي مخالف وإلى اقتتال مع الحركة الثقافية الامازيغية. ويوجد فوج من المناضلين الراديكاليين المتحدرين من المجموعات الطلابية في تجارب نضالية محلية بروح قتالية عالية، ولكن يعوزها وضوح سياسي وافق استراتيجي. أما حزب النهج الديمقراطي فيمثل قسماً من كادر منظمة الى الأمام القديم، وقاعدة اغلبها من متحدري التيار القاعدي بالجامعة، ويضطلع بدور نضالي بجبهات عديدة أبرزها الحقوق الإنسانية والعمل النقابي، وإن كانت تشوبه أوجه قصور سياسية عديدة. أما تيار المناضل-ة فقد نشأ خارج التجربة التاريخية للحركة الماركسية اللينينية، ويتدخل نقابياً، وطلابياً، وفي نضالات شعبية محلية، لكن في نطاق جغرافي محدود.

ولقد أبان الانخراط في حركة ٢٠ فبراير، نقصَ قوى اليسار المناضل، وضعفها السياسي الذي وضع بعضها خارج النضال الشعبي، بمبرر وجود قوة إسلاموية في الحركة، وعصبوية معيقة للتعاون لدى بعض أطرافه.

وهذا اليسار مطالب بتشارك ما هو ايجابي في كل مكوناته، ونفض معيقات التعاون، وإلا زادت النضالات المقبلة تهميشه، ولا سيما مع وجود قوة اسلاموية أكثر تنظيماً وفعالية. لقد أبدى الحزب الاسلاموي، «جماعة العدل والإحسان» قدرة تنظيمية وتعبوية لا تضاهيها قوة اليسار المناضل بكل مكوناته، ولولا انسحاب تلك الجماعة من حركة ٢٠ فبراير، في شهر ديسمبر/كانون اول ٢٠١١، لكانت المستفيد الأول من رصيدها النضالي. وإن من ايجابيات استعمال القصر لإسلاميي حزب العدالة والتنمية في حكومة الواجهة انجلاء حقيقة هذا الحزب الرجعي، الذي استثمر تعثر اليسار، تاريخياً، لطرح مشروعه بديلاً، وتغليط قسم من القاعدة الشعبية التواقة الى التغيير.

لقد واصل الحاكمون الفعليون تطبيق السياسة النيوليبرالية المجْهِزة على طفيف المكاسب الاجتماعية، والمديمة لأوضاع بطالة وفقر ملايين الشغيلة والكادحين. ولم يكن خلاف ذلك منتظراً، بالنظر إلى ان الحزب الاسلاموي الذي يرأس الحكومة لم يعارض يوماً تلك السياسة، ثم لأن السلطة الفعلية توجد بيد الملك والامبريالية الاوربية، التي احكمت السيطرة على اقتصاد البلد، بما فرضت من «شراكة». وكل ما خطط له الحاكمون الفعليون، منذ مدة طويلة، أعلن رئيس الحكومة الاسلاموي نية حزبه السير في تنفيذه، ومنه ما هو هجوم على مكاسب اجتماعية، مثل معاشات التقاعد، ودعم أسعار مواد الاستهلاك الأساسية، ومواصلة سياسة اقتصادية لا تخلق فرص عمل، ومنه ما هو تعد على النزر اليسير المتبقي من حريات، مثل حق الإضراب وحرية العمل النقابي.

وبالنظر إلى الأزمة الاقتصادية الخانقة، في ظل تفاقم أزمة الرأسمالية العالمية، يضيق هامش المناورة لدى الحاكمين، ويكبر جنوحهم إلى السعي لتدبيرها على حساب السواد الأعظم من الشعب. وهذا ما سيؤدي إلى نضالات تكون حتماً في بدايتها اجتماعية الطابع ودفاعية. بيد أن انكشاف حقيقة حكومة الاسلامويين، وتعهدات الملك أيام خشي السقوط، أمام أعين ملايين الجماهير، سيساعد على تسيس المطالب، وسيبث طاقة جديدة في كفاحية شباب حركة ٢٠ فبراير. 

لم يكن بد من استنفاد مناورات النظام مفعولها، وهذا ما يجري بأسرع من المرتقب، حيث تميز الوضع الاجتماعي والسياسي، منذ تعديل الدستور الممنوح وتجديد البرلمان الزائف وحكومة الواجهة، بتدهور حالة الأغلبية الشعبية واشتداد القمع، ومزيد من انسداد الآفاق بوجه الشباب التواق الى الحرية والحياة اللائقة. ويمثل ما حققته حركة ٢٠ فبراير من خبرة في التعبئة الشعبية، وما فتحت من ثغرات في جدار الاستبداد، قاعدة أمتن للنضالات القادمة. 

لقد دلت دينامية ٢٠ فبراير على انتفاء اي نزوع نضالي لدى قوى اليسار الإصلاحي التقليدية، التي كان الاتحاد الاشتراكي وجهها الأبرز، وعلى حدود قوى بقيت على مواقف اصلاح الملكية، بعد ان هوى الاتحاد الاشتراكي الى خدمتها، على طول الخط. وهذا يفتح مساحة لليسار المناضل الذي لن يتمكن من النهوض بما يضع عليه الوضع من مسؤوليات الا بتوحيد جهود كل مكوناته.