هل يمكن أن تصبح سوريا فيتنام تركيا؟

العدد الثالث - أذار ٢٠١٣
الدولة: 
سوريا
الملف: 
الثورات العربية
تاريخ النشر: 
آذار (مارس), 2013

شهد الاحتفال، في الخريف الماضي، بالذكرى ٨٩ للجمهورية التي اسسها كمال اتاتورك، في ٢٩ تشرين اول /أكتوبر ١٩٢٣، مظاهرات دعا لها حزب الشعب المعارض (أتاتوركي)، على الرغم من محاولة الحكومة الاسلامية لحزب العدالة والتنمية، برئاسة اردوغان، منعها.

وقد وجهت المعارضة انتقادات شديدة للحكومة التركية بأنها تتخلى عن الارث العلماني الاتاتوركي للدولة التركية لصالح الايديولوجية الدينية المحافظة لحزب العدالة والتنمية. كما لم يتوقف رئيس حزب الشعب المعارض كمال اوغلو عن نقد ومعارضة الموقف الحكومي التركي من الثورة السورية، مندداً بمساندة الحكومة التركية لما يصفه ببعض المعارضة السورية والمسلحة منها، كما حذر من أي تصعيد أو تدخل عسكري ينتج من المناوشات العسكرية المتبادلة، على الحدود السورية-التركية.

ولم تمر هذه الذكرى للجمهورية وحيدة، فقد اخذ الاضراب عن الطعام لحوالى سبعمائة معتقل كردي، منذ بعض الوقت، ضجة اعلامية كبيرة، وشكل حرجاً اضافياً للحكومة الاسلامية التركية. 

وبخلاف التصريحات النارية والحربوية المتكررة لاردوغان ووزير خارجيته اوغلو، يبدو ان فسحة التحرك المسموحة للحكومة التركية من قبل حلفائها وخاصة الحلف الاطلسي لا تزال حتى الآن محدودة، اضافة الى تفاعلات الوضع السوري نفسه على الاوضاع الداخلية التركية. ووضعٍ اقليمي ودولي معقد ومترابط لا يسمح لحكومة بلد واحد بأن تكسر الوضع الراهن، من دون ان تكون لذلك عواقب كبيرة على المنطقة كلها.

الاستراتيجيات الثلاث للنخب الحاكمة التركية

ان التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي لحقت بالمجتمع التركي، خلال العقدين الماضيين، والانتعاش الواضح للبرجوازية التركية، تجعل وصف بعض الباحثين لاستراتيجية الحزب الحاكم الاسلامي، في السياسة الخارجية، بأنها استراتيجية «اسلامية»، مقارنةً بالاستراتيجيات الموالية للغرب للحكومات السابقة، كلاماً غير دقيق. فإن كانت حكومة اردوغان محافظة، اجتماعياً، على الصعيد الداخلي، وداعمة لتيارات الاخوان المسلمين «المعتدلين»، على الصعيد الخارجي، في البلدان العربية خاصة، يصبح خاطئاً إهمال كونها تعبر، في نهاية المطاف، عن مصالح اقسام هامة، وخاصة التجارية منها، من البرجوازية التركية الكبيرة. 

يشير الباحث التركي عمر تاشبنار، في دراسته، بعنوان «الرؤية الاستراتيجية التركية تجاه سوريا»، الى ان النخب الحاكمة التركية تتشاطر ثلاث رؤى استراتيجية للسياسات الخارجية هي: العثمانية الجديدة، التي روج لها حزب العدالة والتنمية الاسلامي الحاكم؛ والكمالية، وهي الرؤية الاستراتيجية لحكومات العسكر السابقة ولحزب الشعب العلماني المعارض؛ وما يمكن تسميته بالديغولية التركية، او بالأحرى الوطنية التركية، وهي رؤية تتشاطرها بعض النخب التي تجمع عناصر مشتركة من الرؤيتين الأُوليين.

و«العثمانية الجديدة» هي ما يتبناه حزب العدالة والتنمية، وتقوم على حمل الارث الاسلامي والعثماني لتركيا في الداخل والخارج، بحيث انها تدعو الى نوع من الكمالية «العلمانية» المخففة في الداخل، وسياسة اكثر فعالية ونشاطاً، في الخارج، مع محاولة لعب دور الوسيط – طبعاً تغير الحال مع الثورات العربية وخاصة الثورة السورية- في النزاعات، وهذا ما قامت به الحكومة التركية في الملف الايراني او المفاوضات السورية- الاسرائيلية، ومحاولة كسر عزلة النظام السوري بعد اغتيال الحريري.

و«العثمانية الجديدة» تعني أيضاً ممارسة «القوة الناعمة»، كما يحبون ان يسموها، من خلال تعزيز النفوذ السياسي والاقتصادي والدبلوماسي والثقافي، في البلدان التي كانت سابقا من مكونات الامبراطورية العثمانية. ولذلك، فقد دعا اردوغان ومنظِّره السياسي لهذه العثمانية الجديدة، احمد داوود اوغلو، بعد وصول حزبهما الى السلطة، في نهاية عام ٢٠٠٢، الى ما اسماه الاخير سياسة «صفر مشاكل مع الجيران».

ومن المفيد التنويه بأن هذه العثمانية الجديدة تأتي كمحاولة من النخب الجديدة الحاكمة لتوسيع الآفاق الجيو- استراتيجية لتركيا، التي كانت في العقود السابقة مرتبطة تماماً بمسارها نحو الغرب، وفي نزاعٍ مع، وعزلةٍ عن، بلدان الجوار. وما قد يعلل ذلك هو أن صادرات تركيا لهذه البلدان الجارة تضاعفت خلال حكم حزب العدالة والتنمية، وهذا الميل التجاري للسياسة الخارجية التركية يشكل مَعْلماً هاماً يجب عدم اهماله في تحليل سياسات الحكومة التركية، تجاه البلدان العربية والاسلامية. فان كانت الصادرات التركية الى الاتحاد الاوروبي ما تزال تشكل القسط الاكبر من مجمل صادراتها، فإن نسبة الصادرات التركية الى الاتحاد الاوروبي لمجموع الصادرات اليه لم تتغير خلال العشر سنوات الماضية من حكم حزب العدالة والتنمية.

فالعثمانية الجديدة تنظر الى تركيا باعتبارها قوة «اقليمية واثقة من نفسها»، ودولة مركزية في المنطقة عليها ان تلعب دوراً نشطاً فيها وعلى كل الصعد. وهي، في ذلك، تحاول ان تحقق شيئاً من التوازن بين نزوعها الاقليمي وتوجه تركيا القديم نحو الغرب.

لكن موقف الحكومة التركية الحالية، على صعيد القضية الكردية، القضية القومية الأهم والشائكة في تركيا، لم يتميز من مواقف الحكومات السابقة سوى بإقرارها بنوع من التعددية الثقافية، التي تستبعد الميل الدمجي القومي للسياسات الكمالية للحكومات السابقة. وهي عملت على الرد على المطالب الثقافية والسياسية للشعب الكردي في تركيا، من خلال تأطير هذه المطالب وحصرها في اطار الولاء للجمهورية التركية، وفي اطار ما تسميه بالتعددية الثقافية والهوية الاسلامية، فحسب.

لقد قدمت حكومة اردوغان للإدارة الاميركية، في حربها ضد الارهاب «الاسلامي»، نموذجاً روجت له في مواجهة الاسلام المتشدد. فقد وصفت غوندوليسا رايس حكومة اردوغان عام ٢٠٠٢ بأنها «نموذج ممتاز لبلد ٩٩ بالمئة من سكانه مسلمون، يملك اهمية كبرى لكونه يشكل بديلاً من الاسلام المتشدد». بل رأى فيها بوش الابن، في حماسه للترويج لهكذا حكومات اسلامية «معتدلة»، كونها «تقدم للمسلمين في العالم نموذجاً يدعو للتفاؤل لديمقراطية حديثة ومدنية». هذا في حين يرى الكماليون ان الغرب يخطىء في تقديره للأجندة الاسلامية لحزب العدالة والتنمية، وان الاخير انما يمارس سياسات اسلمة داخلية للمجتمع التركي، وسياسات خارجية «مغامرة لا اهداف لها».

اختبار السياسة التركية على ضوء الثورات العربية

مع اندلاع الثورات، في عدد من البلدان العربية، وبدايةً في تونس، في ك١/ديسمبر ٢٠١٠، وبعد فترة اولى من التخبط والاندهاش بما يحصل، انتهزت الحكومة التركية، مع بروز قوى الاخوان المسلمين في تونس ومصر، هذه الفرصة لتقديم نفسها كنموذج «لديمقراطية اسلامية»، تضطلع بدور الاخ الناصح الاكبر. ولكن هذا التدخل، والدور الناشط لها في بلدان المنطقة العربية، التي تشهد سيرورات ثورية، جعل من مبدأ «صفر مشاكل مع الجيران»، وخصوصاً مع التدخل المباشر للحكومة التركية في الشأن السوري، بلا معنى. أو تحول الى مبدأ «صفر جار بلا مشاكل معه». فقد ساءت او توترت بشكل كبير علاقات الحكومة التركية، في العامين الماضيين، مع كل من حكومات سوريا والعراق وايران وروسيا وارمينيا.

لقد وقفت الحكومة التركية موقف المتفرج والمذهول من الثورة التونسية، حين اشتعلت في نهاية عام ٢٠١٠، ولم يكن لها دور، او موقف يذكر، لا على الصعيد الاعلامي ولا على المستوى السياسي. ولكنها، مع انتقال الثورة الى مصر، في يناير/كانون الثاني ٢٠١١، ادركت عمق التحولات الجارية في المنطقة، ولاسيما لمعرفتها بالوزن السياسي الهام لجماعة الاخوان المسلمين في مصر، على رغم موقف الاخيرة المتردد من الانخراط في المظاهرات، في بداياتها، وموقفها الكواليسي في مفاوضة نظام مبارك. فكان اردوغان اول رئيس حكومة في العالم يطالب بتنحي مبارك، واستقبله الاخوان بحفاوة بالغة خلال زيارته لمصر في ايلول/سبتمبر ٢٠١١، هذه الزيارة التي رافقه خلالها وفد ضخم من رجال الاعمال الاتراك، أملاً بأن يعزز ذلك العلاقات الاقتصادية مع اكبر بلد- سوق- عربي.

بينما لم يكن موقف الحكومة التركية بنفس الوضوح حين اندلعت الثورة في ليبيا في شباط/ فبراير ٢٠١١، اذ ان حكومة حزب العدالة والتنمية ترددت طويلا في اتخاذ موقف لها، بخلاف موقفها السابق في ما يخص مصر، لأنه كان لتركيا عقود مع نظام القذافي تعادل ١٠ مليار دولار، ويعمل في ليبيا حوالى ٢٥٠٠٠ عامل تركي. فقد رفض اردوغان اتخاذ موقف مشابه لموقفه بخصوص مصر، بل تعمد الدعوة لموقف مائع حذَّر فيه من اعادة سيناريو العراق في ليبيا – في حين انه، وللمفارقة، يدعو له في سوريا - في حال استمر القتال. وعندما قرر الغرب وحلفاؤه العرب انشاء منطقة حظر الطيران في ليبيا، رفض اردوغان العرض بمشاركة تركية قائلاً إن تدخل حلف الاطلسي والولايات المتحدة سيؤدي الى غزو عسكري لليبيا على غرار ما حصل في العراق.

ونتيجة هذا الموقف التركي، جرت مظاهرات في مدينة بنغازي تندد بموقف اردوغان وحكومته المذكور.

لكن حكومة اردوغان عملت على تدارك موقفها بعد صدور القرار رقم ١٩٧٣ بإقامة منطقة حظر للطيران من مجلس الامن، الذي اتخذته الولايات المتحدة وشركاؤها، كغطاء لإسقاط نظام القذافي الكريه، حيث اعلنت الحكومة التركية مشاركتها العسكرية الفعلية في الحملة وارسلت سفناً حربية تشارك في العمليات العسكرية، ما قد يعني ان تكون لها حصة في اعادة اعمار ليبيا.

ومرة اخرى، عندما اندلعت الثورة في البحرين في شباط/فبراير ٢٠١١، وجدت حكومة اردوغان نفسها اسيرة تناقض بين خطابها الداعي للديمقراطية ومصالحها الاقتصادية والسياسية، حيث للرأسمالية التركية مصالح اقتصادية كبيرة مع دول مجلس التعاون الخليجي، كما انها تشارك اهتمام هذه الدول مع الولايات المتحدة واسرائيل في الرغبة بتحجيم القدرات الايرانية على التدخل في الخليج والمنطقة. فارتأت حكومة اردوغان حلاً بأن تعرض وساطتها لحل سياسي «للأزمة» في البحرين، ودعت السلطات البحرينية الى ضبط النفس في استخدام القوة لتجنب وقوع «كربلاء جديدة»، وفي الوقت نفسه طلبت من آية الله السيستاني في العراق التدخل للتخفيف من مطالب السكان «الشيعة» في البحرين، وكأن الاحتجاجات اقتصرت فيها على الشيعة او على مطالب طائفية.

يبدو ان اردوغان اراد في تعامله مع الثورة في البحرين ليس فقط تأكيد تركيا كدولة اقليمية، بل كدولة اقليمية في مواجهة ايران، وليس فقط باعتبارها «القوة السنية الاكبر في المنطقة»، وهي الصورة التي تجلت بها سياساتها في التعامل مع الثورات العربية. لكن السعودية ودول التعاون الخليجي تجاهلت اقتراحات اردوغان وارسلت السعودية وقطر وغيرها من دول الخليج قواتها الى البحرين في محاولة لسحق الثورة الشعبية فيها، لأنه حتى النموذج الاردوغاني لحكومة اسلامية معتدلة، بالرغم من كل علاته، يشكل نموذجاً ما يزال مكروهاً ومنبوذاً لدى الحكومة السعودية الظلامية، وممالك ومشايخ الخليج، ولأن قبول السعودية بتدخل تركي في التعامل مع الاحداث في البحرين انما يعني انحطاطها الى قوة اقليمية ثانوية خلف الحكومة الاسلامية في تركيا، وهذا ما لا ترغب فيه.

ولكن حكومة أردوغان الاسلامية، لا تقدم، كغيرها من الحكومات او الحركات الاسلامية، نموذجاً مخالفاً للرأسمالية السائدة، على صعيد الاقتصاد، اي سياسات ليبرالية بلا روادع، بل ان جل ما قد يميزها هو عملها على ترويج او فرض سياسات محافظة جداً، على الصعيد الاجتماعي والثقافي، ونزوع داخلي إلى تقليص هوامش الحريات العامة.

فقد استطاعت حكومة العدالة والتنمية منذ عام ٢٠٠٣ القيام بسلسلة من «الاصلاحات» الهيكلية، بسياسات نيو ليبرالية صريحة، ليصل معدل النمو فيها الى ٧ بالمئة في السنوات التسع الماضية. وبالمقارنة فإن نظام الاسد الدكتاتوري استطاع ايضاً، بتطبيقه لسياسات مشابهة، ايصال سوريا الى معدل نمو يقترب من ٥ بالمئة، ولكن على حساب استنزاف وافقار هائلين للطبقات الشعبية.

لكن الوضع الاقتصادي في تركيا، ومنذ عامين، مع اندلاع السيرورات الثورية في المنطقة، لم يعد «وردياً»، كما يقول الباحث سبهاش كابيلا، في مقاله «تفاقم النزاع السوري- التركي: آفاق استراتيجية». إذ انه ينوه بكون التقارير الاقتصادية تؤكد أن «الاقتصاد التركي يعيش اليوم، بفضل القروض القصيرة الامد الممنوحة من العربية السعودية ومشيخات الخليج... وهي جميعها معادية لإيران، وهذا البلد الاخير هو الهدف الرئيسي من التصعيد الجاري للنزاع».

السياسة التركية تجاه سوريا

تقلبت السياسات الحكومية التركية خلال نحو عشر سنوات تجاه النظام السوري، من حالة عداء بلغت حد التهديد بالحرب الى حالة صداقة وطيدة، لتعود منذ عامين الى حالة عداء شديد وتدخل مباشر في محاولة لإسقاط نفس النظام.

كان العداء بين النظامين، في الثمانينيات والتسعينيات، كبيرا. فقد قدم النظام السوري دعماً هائلاً لحزب العمال الكردستاني، القوة الكوردية الاقوى سياسيا وعسكريا بلا منازع، وذلك على خلفية تنازع بين البلدين على حصة كل منهما من مياه دجلة والفرات، وقيام الحكومة التركية ببناء عدد كبير من السدود ومولدات الطاقة عليهما في المناطق الجنوبية، القريبة من الحدود السورية والعراقية، وتناقض في المصالح الجيوسياسية بين تركيا الموالية للغرب وسوريا المتحالفة مع روسيا وايران.

ووصل الامر حينئذ الى حد أن اعلنت الحكومة التركية تهديداً علنياً بغزو سوريا عام ١٩٩٨، إن لم يتوقف النظام السوري عن دعم الحزب المذكور، بسبب عملياته الجريئة والمتزايدة، ضد الجيش التركي ومؤسسات الدولة التركية. لقد اصاب نظام حافظ الاسد ذعرٌ حقيقي من حرب مع تركيا، فتراجع ورضخ لمطالب الحكومة التركية. هذا الرضوخ للنظام السوري تَتوَّج بتوقيع الحكومتين ما يعرف باتفاق اضنة، في ٢١ تشرين الاول / اكتوبر عام ١٩٩٨، الذي يقر فيه النظام السوري بوقف دعمه لحزب العمال الكردستاني، مع طلبه رحيل عبدالله اوجلان، زعيمه المعروف، الذي خطفته المخابرات التركية من كينيا في شباط/ فبراير ١٩٩٩، اضافة الى اتفاقات تعاون امنية بين النظامين.

ومنذ ذلك الوقت، نمت بين النظامين علاقات تعاون على كل الصعد الاقتصادية والسياسية والامنية، فتم تكوين منطقة حرة بين البلدين والغاء تأشيرات الدخول، وشهدنا إغراقاً غير معهود للبضائع التركية للسوق السورية، ما ادى الى اغلاق وخراب سلسلة كبيرة من الصناعات الحرفية والصناعية (وخاصة النسيج والموبيليا والمفروشات الخشبية والأحذية) السورية وغيرها، مع غزو ثقافي تمثل في احتلال المسلسلات التركية حيِّزاً هاماً من الفضاء التلفزيوني في سوريا، لتصبح تركيا الشريك التجاري الأول لسوريا، حيث احتلت مشاريعها في البلاد عام ٢٠١٠ المرتبة الأولى. وتشير أرقام رسمية إلى أن حجم التبادل التجاري بينهما بلغ، في العام نفسه ٢،٥ مليار دولار، بينها نحو١،٦ مليار دولار صادرات تركية إلى سوريا. فقد وقَّع البلدان في عام ٢٠٠٤ اتفاقاً للتجارة الحرة دخل حيز التنفيذ عام ٢٠٠٧، فأدى إلى زيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو ٣٠ في المائة سنوياً. وقد صرح رئيس اتحاد غرف السياحة في سوريا محمد رامي مارتيني لمجلة الاقتصادي السورية بأننا «نحن في سورية منذ البداية أُغرِقنا بالبضائع التركية والصينية والمجهولة المنشأ، تحت مسمى التجارة الحرة، ولم يتم تقديم أي دعم للبضاعة السورية».

وتطورت العلاقات بينهما الى مستوى عال ادى الى تشكيل «المجلس الاعلى للتعاون الاستراتيجي». فكانت تنظر تركيا الى سوريا باعتبارها بوابتها لدخول منطقة الشرق العربي. مثلما كان وراء هذا التعاون مراهنة تركية وربما غربية على إبعاد النظام السوري عن ايران.

وما لا شك فيه ان حكومة اردوغان لعبت دوراً هاماً في فك عزلة النظام السوري الدولية، بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في العام ٢٠٠٥، واضطرار النظام السوري الى سحب قواته من لبنان، كما لعبت دور الوسيط في المفاوضات السرية التي جرت بين اسرائيل والنظام السوري، وأوشكت على التوصل الى اتفاق نهائي بينهما في نهاية عام ٢٠٠٨، لولا توقف المفاوضات عقب الاعتداء الاسرائيلي على غزة في كانون اول/ديسمبر ٢٠٠٨.

هل سوريا هي فيتنام تركيا؟

لكن مع انطلاقة الثورة الشعبية السورية، في منتصف آذار٢٠١١ ضد النظام الدكتاتوري، الذي عمم ابشع اشكال الاستبداد والفساد، وأفقر غالبية الشعب، كان موقف الحكومة الاسلامية التركية، وخلال الثلاثة أشهر الاولى من الثورة، ينحصر في لعب دور الناصح للنظام السوري، داعياً إياه الى اجراء بعض الاصلاحات، ومحاولاً إقناعه بفتح حوار جدي بينه وبين جماعة الاخوان في سوريا، لمساعدة النظام على الخروج من «الازمة». ولم يصدر خلال ذلك اي تصريح رسمي تركي يطالب برحيل الاسد، أو تغيير النظام السوري.

لكن بداية التحول في الموقف التركي جرت بعد ان شعرت الحكومة التركية بأن نفوذها السياسي على النظام السوري ليس كما كانت تتوقعه، وليس على مستوى العلاقات الاقتصادية المتنامية بينهما، فبدأ انعطاف جذري في موقفها منه، وذلك منذ شهر حزيران /يونيو ٢٠١١، عندما وصف اردوغان قمع النظام للمتظاهرين بأنه «همجي»، وأعلن أن الاسد لم يلتزم بتعهداته في القيام بإصلاحات. ومنذئذ اقدمت الحكومة التركية على حزمة من الاجراءات الناشطة ضد النظام السوري، عبر دعم نشط لبعض اطراف المعارضة، ولا سيما جماعة الاخوان المسلمين، والسماح بالعديد من مؤتمرات أقسام منها، وتمويلها وتشجيعها، وصولاً الى تشكيل المجلس الوطني في اسطنبول، في بداية ت1/اكتوبر من العام ٢٠١١، واتخاذ عدد من العقوبات ضد النظام في سوريا، وبعد سلسلة من التصريحات النارية، مطالبة اردوغان صراحةً، في ت٢/نوفمبر ٢٠١١، بتنحي الاسد عن السلطة، علاوة على استضافتها للمؤتمر الثاني لاجتماع «اصدقاء سوريا»، المكون من عشرات الدول المعادية للنظام السوري، في اسطنبول، في شهر نيسان/أبريل من العام ٢٠١٢.

اذن، حصل في ثلاثة اشهر تغير حاد في موقف الحكومة التركية لتنتقل من موقع الصديق للنظام السوري الى واحد من ألد اعدائه، وبدا وكأن تركيا قاب قوسين او ادنى من شن حرب على سوريا. ولكن ها قد مضى اكثر من عام على التحول العدائي للموقف التركي من النظام السوري، من دون ان تقدم حكومة اردوغان على تنفيذ اغلب تهديداتها (دعوتها للحلف الاطلسي للتدخل، مطالبتها بمناطق حظر للطيران ومناطق آمنة...الخ)، والاسوأ من ذلك، ان الحكومة التركية نفسها تقر بأن اطالة عدم الاستقرار في سوريا، وامتداده زمنياً، ليسا في صالحها، فانعكاسات الصراع في سوريا بين قوى الثورة الشعبية والنظام الاستبدادي العنيف بدأت تؤثر سلباً في الداخل التركي. فهنالك ميل عام غالب لدى الرأي العام التركي ضد اي تدخل عسكري في سوريا، وظهر كسب الحكومة التركية موافقة البرلمان على نشر قوات خارج الحدود في بداية تشرين اول/اكتوبر ٢٠١٢ كمجرد محاولة لحفظ ماء الوجه، بعد تصريحات عنترية لرئيس الحكومة، اكثر مما كضوء اخضر لعمليات عسكرية واسعة داخل سوريا، فالبرجوازية الكبرى التركية لا مصلحة حقيقية لها في خوض بلادها حرباً لا يعرف احد كيف ستنتهي، والتفريط بمناخ داخلي واقليمي ما يزال موائماً لها، وخاصة علاقاتها التجارية الضخمة مع ايران، حيث وصلت الصادرات التركية الى ايران عام ٢٠١١ الى ٣٤٢ مليون دولار، والايرانية الى تركيا اكثر من ٨٣٠ مليون دولار في العام عينه، أو مع روسيا، اذ وصلت الصادرات التركية الى روسيا، منذ بداية العام ولغاية شهر ايلول فقط، إلى اكثر من ١٠٠ مليار دولار. واعلن وزير الاقتصاد التركي لوكالة روسيا اليوم، بتاريخ ٩ تشرين اول/ اكتوبر ٢٠١٢، أن الصادرات التركية الى روسيا «ستصل الى ١٨٤،٥ ملياراً، مع نهاية العام الجاري». 

من جهة اخرى، تتسع وتيرة وقوة معارضة حزب الشعب (الاتاتوركي، وهو الحزب الثاني في تركيا) لحكومة اردوغان، متهماً اياها بالرضوخ لسياسات الغرب، وتتفاقم احداث التوترات الطائفية داخل تركيا نفسها، كانعكاس لما يجري في سوريا، اذ يبلغ عدد العلويين في تركيا (من الكورد والعرب والاتراك) نحو ٢٥ مليون نسمة، وفق تقرير لصحيفة لوموند الفرنسية، في ٣٠ تموز/يوليو ٢٠١٢، وتبدو مواقف الحكومة التركية من سوريا لدى بعض هؤلاء نابعة من موقف غير علماني، بل ديني وطائفي. يضاف الى هذه الاعتبارات الهاجس الاكبر الذي يقض مضجع الحكومة التركية، وهو تزايد النشاط والعمليات العسكرية لحزب العمال الكردستاني، الذي اصبح له عمق استراتيجي داخل الاراضي السورية، في المناطق الكوردية الشمالية التي تخلى عنها النظام السوري لصالح حزب الاتحاد الديمقراطي –الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني - علماً بأنه يبلغ عدد الكورد ما بين ١٥ و٢٠ مليون نسمة في تركيا لوحدها. واخيراً، تضاف إلى الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية للتدخل التركي في سوريا مشكلة اللاجئين السوريين اليها، الذين فروا هرباً من قصف وتدمير النظام السوري للمدن والبلدات، وقد تجاوز عددهم المائة الف. وكل ذلك يرمي بثقله على الحكومة التركية.

ورغم محاولة الحكومة التركية التقليل من التأثيرات السلبية الداخلية، الناتجة من تدخلها المباشر في الشأن السوري، الا ان وزير التنمية التركي جودت يلماز اقر بأن «تأثير الأزمة السورية في اقتصادات بعض المناطق التركية مرحلي، متوقعاً عودة الحركة الاقتصادية أقوى من قبل فور انتهاء الازمة السورية»، في تصريح له في بداية شهر تشرين ثاني/نوفمبر الماضي.

هذا ولا يبدو لنا أن الحكومة التركية تملك القدرة او الرغبة حقاً في القيام بمغامرة عسكرية منفردة في سوريا، لكننا نعتقد انها كان يمكن ان تفعل ذلك تحت غطاء من حلف الاطلسي، وكانت لدينا العديد من الوقائع تؤكد هذا المنحى، في ما مضى، منها ما حصل في ٢٠ حزيران/يونيو ٢٠١٢، حين اسقطت القوات الحكومية السورية طائرة تركية، والمناوشات الحدودية بين تركيا وسوريا، اثر سقوط العديد من القذائف السورية في المناطق التركية. لكن رغم كل التوعد الكلامي الذي ابدته الحكومة التركية وطلبها دعم الحلف الاطلسي، فان ردود فعلها بقيت حتى الآن ملجومة عسكرياً. في حين ان موقف حلف الاطلسي، بالرغم من الحماس الاردوغاني، المطالب الحلف الاطلسي بالتدخل في سوريا، بقي يدعو للقول إن الحل المطروح في سوريا هو حل «دبلوماسي»، وأن لا نية للحلف الاطلسي في التدخل العسكري في سوريا. وفي تصريح للأمين العام لهذا الحلف، في ٩ تشرين اول/اكتوبر من العام الماضي، أعاد التأكيد على ان «حلف شمال الأطلسي لا يرى أي دور له في تسوية الوضع في سورية»، واعرب راسموسن عن موقف الحلف من الاوضاع في سورية، قائلاً: «نأمل بالتوصل الى حل سياسي للأزمة في هذا البلد»، وحذر كذلك من اتخاذ خطوات متسرعة في سورية، مشدداً على أن «المجتمع السوري معقد جداً، والوضع في هذا البلد ليس سهلاً، ويهدد بصعوبات لكل المنطقة».

ويجعل التفارق بين رغبات الحكومة التركية بتدخل عسكري يسمح لها، كما تعتقد، بتعزيز مصالحها ونفوذها في سوريا، ومنع قيام منطقة حكم ذاتي كردي فيها تشكل تهديداً لها، وقدراتها الفعلية على ذلك لوحدها، من جهة، والموقف الغربي والاميركي، الحذر من اي تدخل عسكري في سوريا، من جهة أخرى، يجعلها هذا التفارق – نقول - في موقع ليس له من داعمين حقيقيين، في جنوحها لهكذا مغامرة، على الأقل حتى الآن، سوى السعودية وممالك الخليج، في الوقت الذي لن تستطيع فيه لا تركيا ولا هذه الممالك القيام بمغامرة لا تحظى بموافقة الولايات المتحدة والغرب، عموماً، بحيث يصبح وصف الموقف الاردوغاني الحربوي الكلامي، في بعض مراحل السيرورة الثورية السورية، بأنه «أقرب إلى النباح منه إلى العض»، وصفاً صحيحاً.

وقد شعرت الحكومة التركية بهذا التفارق، حتى منذ نهاية عام ٢٠١١، حين صرح اردوغان في ت2/نوفمبر ٢٠١١ بأن الغربيين لا يريدون التدخل في سوريا كما فعلوا في ليبيا، لأن «سوريا ليس فيها نفط».

هذا ومن المؤكد ان الملف السوري ليس- او لم يعد- بيد تركيا، او السعودية، او قطر. وتحاول الأولى، جاهدةً، حيازة نفوذ ما في صفوف بعض كتائب المقاومة الشعبية المسلحة (الجيش السوري الحر)، لعل ذلك يسمح لها في البقاء كلاعب اساسي في الملف السوري، ولا سيما أن طموحها لأن تكون قوة اقليمية كبرى قد تعرض الى نكسة، بالتدويل الصارخ للمسألة السورية التي اصبحت في القلب من معركة الضواري الامبريالية لأجل تقاسم النفوذ في المنطقة، ومن صفقات ومناورات الدول الكبرى (الغربية والشرقية) بخصوص السيطرة على سوريا. 

لكن الوضع الراهن للحكومة التركية هو انها لم تفعل سوى الانغماس اكثر فأكثر في المستنقع السوري، ما جعل الباحث الاميركي جوشوا لانديز يعتبر أن «سوريا اصبحت فيتنام السياسية بالنسبة لتركيا»، ويخشى ان تتحول سوريا الى «فيتنام» العسكرية والسياسية لتركيا.

وإنه ليصبح هاماً التأكيد على ان الحكومة الاسلامية لحزب العدالة والتنمية ليست حليفاً حقيقياً للثورة الشعبية السورية. إنها قوة اقليمية لها مصالح محددة تخدم مصالح طبقة رأسمالييها الكبرى، الاقتصادية والسياسية، كما لها مصالحها الجيو سياسية الخاصة، لذلك فإن الموقف الرسمي التركي لا ينبع، كائناً ما كان، من اعتبارات اخلاقية أو دينية، بل إن الحكومة التركية تعمل، عبر تشكيل شبكة زبائنية لها داخل سوريا، على تعزيز مصالحها فحسب.

إن مسار الثورة الشعبية، السورية، فضح على الملأ طبيعة النظام السوري الدكتاتورية البشعة والقاتلة، مثلما فضح حقيقة مواقف الدول التي تدعي انها صديقة للشعب السوري، والتي، في الواقع، لا يعنيها شيء من معاناة شعبنا، بل تهمها فقط مصالحها الخاصة، ليؤكد على درس جوهري، سبق ان اختبرته كل الثورات، وهو ان انتصار الشعب السوري الثائر يكمن في استمرار رهانه على ارادته الذاتية، المستقلة عن اي  قوة اقليمية او دولية، من اجل تحقيق الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة، في سوريا الجديدة، على انقاض الدكتاتورية.