الثورة المصرية في عصر الاخوان

العدد الثالث - أذار ٢٠١٣
الدولة: 
مصر
الملف: 
الحركات الاسلامية
تاريخ النشر: 
آذار (مارس), 2013

لدى المرء الحق، اذا نظر للعملية السياسية في مصر، وأُصيب ببعض الضيق، وربما الاحباط. فبعد الثورة الشعبية العظيمة التي قامت في يناير/كانون الثاني ٢٠١١، ونجحت في اسقاط ديكتاتور من أعتى الطغاة في المنطقة، ومن أقربهم للإمبريالية الامريكية، ولمصالح الصهيونية العالمية، فإن كل ما نراه الآن هو استمرار لأجندته الاقتصادية، واستمرارٌ للتعذيب وقتل المصريين، سواء مباشرة بالآلة القمعية، او بطريق غير مباشرة، أي عن طريق القطارات والعَبّارات ووسائل المواصلات العامة، ونقص الادوية والغذاء..الخ. صحيح، نظرياً، أن في مصر رئيساً مدنياً منتخباً، بطريقة «ديمقراطية». لكن في الواقع، فإن هناك عشرات من الوقائع، التي تقول بمنتهى الوضوح، إن الرئيس المنتمي لجماعة الاخوان المسلمين ينقلب على الديمقراطية، إن لم يكن يؤسس لديكتاتورية جديدة لجماعته، تحقق مصالح أغنيائها واغنياء الجيش، ومصالح الامبريالية حتى اشعار آخر! الثورة المصرية لم تكتمل، حتى على المستوى السياسي، فما بالنا بالأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، التي غدر بها ايضاً الرئيس الإخواني، وزملاؤه في مكتب الارشاد. واذا نظرنا الى الطريقة التي تم بها إصدار اول دستور مصري، بعد ثورة الشعب المصري العظيمة، فلن نصاب الا بالغضب على الديكتاتور وجماعته الغادرة. فالدستور البائس لا يعبر بأي حال عن روح الثورة المصرية، ان لم تكن نصوصه تفيض بروح الطائفية، وتقوم بمأسسة الكهنوت الديني في الدولة، ووصاية الدولة على المجتمع، وافساح المجال لجماعات التكفير للتدخل في شئون المجتمع. ووصل الأمر بالدستور الذي اسماه الاخوان، كذباً، دستورَ الثورة، إلى ترسيخ الوضع الاقتصادي المستقل، والبعيد عن أي رقابة لمؤسسات منتخبة ديمقراطياً، الذي تتمتع به المؤسسة العسكرية، بل وإقرار حق محاكمة المدنيين امام المحاكم العسكرية. وبرغم استمرار الاحتجاجات والمسيرات طوال ما يقرب من عامين، احتج فيهما المصريون، بكل الطرق، وسالت دماؤهم، دفاعاً عن الحرية، فإن العملية السياسية لا تعكس بأي حال من الاحوال هذا الزخم الشعبي والثوري الذي لم يتوقف وان كان متقطعاً منذ يناير/كانون الثاني ٢٠١١. واذا تحدثنا عن موقف الرئيس الاخواني من القضية الفلسطينية، وعلاقته بالامبريالية، فلن نجده أفضل حالاً مما كان عليه الأمر، خلال حكم مبارك. فالرجل يهرول للاقتراض من صندوق النقد، ويقوم بتوسيع تطبيق اتفاقية الكويز مع اسرائيل، ومستشاروه يحجون باستمرار إلى واشنطن، لإعطاء التطمينات للسيد الامريكي. هل يمكن وصف هذا بأقل من الغدر بالثورة ومطالبها؟ وقبيل مظاهرات الذكرى الثانية للثورة، قال الشاعر المصري الكبير، احمد فؤاد نجم، معلقاً على الاحوال : «الإخوان لم يسرقوا الثورة فقط، بل سرقوا البلد كلها!»

ربما تكون في بعض هذه العبارات مبالغات. والكلام على أن الثورة المصرية انتهت، أو أن الاخوان نجحوا في سرقة الثورة المصرية، وأن الأمور قد استكانت لهم، هو كلام مبسط. فلدينا جميعاً الحق في القلق، بل والفزع، على الثورة المصرية العظيمة. هذا وأود التنبيه الى ضرورة تلافي خطأين أساسيين يرتكبهما كثيرون، عند النظر للثورة المصرية. الخطأ الأول يكمن في عدم فهم الثورة كحالة دينامية، وعملية اجتماعية ونضالية تتضمن صراعاً قد يطول أو يقصر، بين الجماهير المناضلة، من جهة، والسلطة الغاشمة، من جهة أخرى، وليس كعملية صماء وساكنة. لذلك فالنظر إلى أن الثورة المصرية هي حدثٌ انتهى في فبراير 2011 وليس كعملية دائرة وصراع مستمر، هو خطأ كبير. هذا ضروري لفهم تعرجات ومشاكل الثورة ونجاحاتها الصغيرة، ايضاً، كما انه ضروري لفهم علاقة جماعة انتهازية ورجعية وصلت لسدة الحكم، بعد الثورة، تحت زعم أنها شاركت في الثورة!

أما الخطأ الثاني فهو النظر فقط للعملية السياسية كأنها المؤشر الوحيد على حالة الثورة او «نجاحها». صحيح أن لدى المهتمين بالعدل والحرية كلَّ الحق للقلق الشديد، عندما يرون ان من قاموا بالثورة، وهم شباب مصر وعمالها، لا يحكمون، بل قوى رجعية انتهازية معادية للثورة. ربما يكون هذا هو من أهم المعايير، لكنه يظل معياراً خادعاً، اذا نظرنا اليه وحده. فالثورة هي، قبل كل شيء، فعل الجماهير الابداعي العبقري والجماعي. ولا قيمة لمنظومة الحكم اذا لم تعبر عن الحالة الثورية، ناهيك عن استمرارها في العداء للفقراء والثوريين. ففي مصر، مثلاً، ثمة لمنظومة الحكم الحالية قيمةٌ أو فليُسمِّها البعض شرعية ولكن فقط في اعين شريحة ضيقة جداً من الرأسمالية الطفيلية المصرية، ناهيك عن الكتلة الانتخابية للاخوان والسلفيين، بالاضافة للمجلس العسكري، فضلاً عن الحلفاء الدوليين. أما المجتمع الواسع واوجاعه وصراعاته، فأكثر تعبيراً عن حالة الثورة من منظومة الحكم.

هدف هذه السطور هو اثارة بعض النقاش حول مسألة حالة الثورة المصرية في ظل حكم الاخوان. وسأبدأ المقال بالتعرض لمسألة علاقة الاخوان بالثورة والسلطة، الآن، ثم أتحدث عما أسميه معضلات استمرار الثورة المصرية، حالياً. وأعترف ان طبيعة تنظيم الاخوان المسلمين عملية صعبة على الفهم. وأزعم ان هناك ضرورة لفهم طبقي راديكالي نفسي وسياسي، وليس مجرد ترديد فهمنا الطبقي الارثوذكسي، لإدراك تقلبات وتناقضات وخطاب جماعة الاخوان المسلمين. وهذا التحليل ربما يتجاوز الغرض من هذه السطور. وقد قلت في مقال لي، في العدد الثاني من الثورة الدائمة، اننا كماركسيين ثوريين علينا دور هام في بلورة فهم جديد وعميق للإسلاميين، وهم في السلطة، يختلف عن التبسيط المخل، المتمثل بوضعهم، كلهم، في كفة واحدة، او القول بانهم جماعات اصلاحية يائسة من التغيير في المجتمع، مثلاً؛ اي عدم الاكتفاء بترديد تحليلاتنا السائدة في التسعينيات، والتي لا تصلح على الاطلاق، بل ربما تعد كارثية إذا رددناها اليوم!

الاخوان بين الثورة والسلطة

التناقض صارخ: الاخوان انفسهم يقولون انهم جماعة اصلاحية، ويفضلون الاصلاح التدريجي اي انهم ضد الثورة بالضرورة والآن بعض قياداتهم يقولون انهم من أوائل من شاركوا في الثورة، ثم حموها بعد ذلك! يصعب خلال هذه السطور استرجاع دقيق لعلاقة الاخوان بالثورة، منذ بدايتها في يناير 2011. بل وحتى منذ العقد المفعم بالاحتجاجات الذي مهد للثورة. ونحن هنا امام خطابين متناقضين: الاخوان يقولون انهم من اكبر وأهم التنظيمات في مصر، وهم اكثر الناس الذين قدموا تضحيات، وانهم لم يغيبوا عن اهم الفاعليات التي مهدت للثورة. كما يقولون انهم كانوا موجودين، كفُرادى، منذ اول ايام الثورة، والسبب هو تأمين انفسهم. كما انهم تعرضوا بالفعل لاعتقالات قبيل الايام الاولى للثورة، وخلالها. والخطاب الآخر هو خطاب عدد كبير من الثوار، الذين، تحت وطأة الاحداث الاخيرة، ينكرون ان الاخوان كانوا موجودين في الصورة على الاطلاق. والصحيح ان الاخوان ظهروا في الصورة فقط، بمعنىً مؤسسي، في منتصف أو في أواخر يوم ٢٨ يناير ٢٠١١، اي بعد معارك الشعب العظيمة مع الشرطة. ظهروا فقط بعد ان تأكدوا من ان الثورة في طريقها لتحقيق مكاسب. ولذلك يمكن ان نقول ان النظرة المنصفة هنا هي القول بأن مشاركة الاخوان في الثورة كانت مشاركة مشروطة بتحقيق مكاسب منها لتنظيمهم ومشروعهم. لكن اختزال النقاش فقط في قضية مشاركة الاخوان في الثورة على اساس انها ١٨ يوماً حدثت، انطلاقاً من يوم ٢٥ يناير/كانون الثاني، وانتهت بإسقاط مبارك في ١١ فبراير/شباط، هو فهم قاصر لعلاقة الاخوان بالثورة، كما انه فهم قاصر للثورة نفسها. فلا الثورة هي ال ١٨ يوماً فقط، ولا موضوع مشاركة الاخوان يُفهم في اطار مشاركتهم في ذلك الوقت فقط. هذا ناهيك عن أنه حتى اذا اقتصرنا على النظر إلى تلك الايام لأدركنا ان الاخوان نأوا عن المشاركة كمجموعة. ولم يلحقوا بقطار الثورة الا متأخرين. ومن الانصاف ايضاً التأكيد على انهم احتفظوا بقدم في ميدان التحرير والتظاهرات، وبقدم اخرى للتفاوض وعقد الصفقات مع عمر سليمان، نائب الرئيس مبارك آنذاك. الاخوان اضطروا اضطراراً للمشاركة، بعد ايام من نجاح وبسالة الثورة المصرية.

ومن الانصاف ايضاً التأكيد على ان كل خطواتهم، في الفترة المسماة بالانتقالية، كانت تقريباً ضد الثورة والثوار، ومعظمها كان دفاعاً عن المجلس العسكري، ان لم يكن بالتنسيق والتوافق معه. لم يكن نجاح الكثير من الخطوات الاجرامية والدموية للعسكر ممكناً بدون دعم الاخوان لهم وتخوينهم للثوار. والاخوان هم الذين قالوا بشعار «مشاركة لا مغالبة»، ولكن انتهى الامر برغبتهم في احتكار كل شيء، وكذبوا مرات لا تحصى في كل خطوات المرحلة الانتقالية، ووصل الامر لاستخدامهم انصارهم ضد المتظاهرين، أنصارهم الذين طالبوا مجلس الشعب وهو الذي تم حله بعد ذلك بضرب المتظاهرين ومنعهم من الوصول الى البرلمان، ونقصد المتظاهرين الذين فقط قَدِموا لدعم البرلمان، ومطالبته بتسلم السلطة من المجلس العسكري. واستخدم الاخوان ما يشبه الميليشيات للاعتداء على المعتصمين امام قصر الاتحادية، الذين اعترضوا على الاعلان الدستوري الديكتاتوري للرئيس محمد مرسي. حدث ذلك في ديسمبر/كانون الأول الماضي.

ويُذكَر مثلاً ان الاخوان في الذكرى الاولى للثورة وقفوا مع المجلس العسكري ليحتفلوا بالثورة. وقام الاخوان بمنع من يهتف ضد المجلس العسكري في ميدان التحرير. كان يحدث هذا بينما دماء المصريين، التي اسالها المجلس العسكري، لم تجف بعد، من التحرير ومن اماكن كثيرة اخرى. وكأن الثورة قد انتهت فعلاً وحققت مرادها. هي بالطبع كانت كذلك بالنسبة لهم وقتياً وبالنسبة للمجلس العسكري! والطريف ان الاخوان اثناء كتابة هذه السطور اعلنوا عن خطتهم للاحتفال بالذكرى الثانية للثورة. وهم كبائسين اعلنوا عن مبادرة بائسة مثلهم تتمثل في زراعة مليون شجرة في مصر، احتفالاً بالثورة. وعبَّر المدون عمرو عزت، في تعليق له على تويتر بعبارة بليغة، فقال: «شىء بائس جداً ان الجماعة اللي بتحكم باسم الثورة كل سنة تحاول تقنعنا بالصور والمستندات انها شاركت في الثورة من أولها!» والمقصود ان الجماعة ليس لديها سوى هذا المنطق البائس، في الدفاع البائس عن نفسها. وحتى ولو شاركت الجماعة في بعض ايام الثورة بمعناها الضيق التافه، أي الثورة كثمانية عشر يوماً حدثت في الماضي، عام 2011، فهذا لا يعطيها الحق في الحكم باسم الثورة، وإقصاء الاخرين والغدر بالثورة!!

أقول انه لفهم أعمق لمسألة علاقة الاخوان بالثورة، يجب أن نجيب عن تساؤلين أساسيين: الأول هو لماذا وكيف تم تحويل الثورة المصرية الى مسار اصلاحي ضيق، بحيث يمكن ان تبتلع العملية السياسية القذرة الثورة العظيمة؟ والثاني هو كيف تلاقت إرادة الطبقة الحاكمة المصرية، وخاصة المؤسسة العسكرية والاخوان، ناهيك عن التوافق الكبير بينهما وبين الادارة الامريكية وقوى الرجعية والثورة المضادة الاقليمية، وخاصة دول الخليج، وبالأخص المملكة العربية السعودية، وقطر؟ فمع تباين وتناقض مصالح هذه الكيانات، بدا كما لو كان هناك اتفاق بينها، لتفريغ الثورة المصرية من مضمونها!

السؤالان السابقان مترابطان. والاجابة عنهما تتداخل. أما عن السؤال الأول، فهنا يجب ان ننظر لعوامل كثيرة داخلية خاصة بالثورة المصرية، منها مثلاً اختلاف مفهوم القوى السياسية المشاركة في الثورة عن جمهور المشاركين بها، مثلا، أو سيطرة خطاب المدينة والتحرير بالرغم من فوائده على الثورة. وبمعنى آخر، فالمسألة هنا كانت غياب تنظيم ثوري قوي يقود الثورة. هذه القوى السياسية، بالرغم من تنافرها، تبنت خطاباً يبدو كما لو كان اصلاحياً: اسقاط قانون الطوارىء، وعمل دستور جديد..الخ. وبينما كان شعار اسقاط مبارك واضحاً من اليوم الأول للجماهير، كانت القوى السياسية التقليدية مترددة في هذا الشعار. طبعاً هذه القوى كانت متفاوتة في اصلاحيتها، وربما ايضاً انتهازيتها.

 وهناك عوامل خارجية ايضاً. ومن أهم هذه العوامل العلاقة المصرية - الامريكية الوثيقة. فاذا كان مبارك من أهم حلفاء الامبريالية الامريكية في المنطقة، بل والعالم، فإن الولايات المتحدة لم تكن لتترك الثورة تقضي على تبعية مصر، ابداً. وفي عبارة بليغة، للأكاديمي الايرلندي اليساري، فريد هاليدي (في كتابه «الثورة وسياسة العالم،» المنشور عام ١٩٩٩، ص ٢٦١)، قال إن علاقة السياسة الدولية والقوى الدولية بأي ثورة هي علاقة متناقضة بطبيعتها. «فهي من جهة تسعى فوراً لتأييد الحالة الثورية وراديكاليتها، في الوقت القصير، لكنها تحاول ان تخترقها بعد ذلك، بحيث تقودها الى ان تتوافق مع القيم والاعراف السائدة الدولية على المدى البعيد». وهذا ينطبق على القوى الدولية بصفة عامة، فما بالنا بخصوص الامبريالية الامريكية، اذا تعلق الأمر بمصر! وهذا ما حدث بالضبط، اي ان الولايات المتحدة سرعان ما أعلنت تأييدها للثورة المصرية، بعد تردد قصير، وفي ذات الوقت كانت تقوم بالتنسيق مع الركن الركين في علاقتها بمصر، ألا وهو المؤسسة العسكرية. كما لم تتوقف مشاوراتها مع الاخوان المسلمين، بوصفهم أكبر قوة تنظيمية معروفة على السطح في مصر. وفي فبراير/شباط ٢٠١١، كانت قوى الثورة مرتبكة، بحيث لم تستكمل ثورتها، كما كانت القوى السياسية غارقة في تفكيرها الاصلاحي.

وفي مقال له ببوابة «المصري اليوم» (بتاريخ ٢٠ يونيو/حزيران ٢٠١٢)، يقول الرفيق تامر وجيه:

«هدف الثورة المضادة الأول كان تصفية حركة الشارع – جوهر العملية الثورية – وتوجيه الطاقة الجماهيرية إلى المسار الانتخابي الديمقراطي: «صندوق الاقتراع وليس التعبئة في الشوارع هو الطريق إلى تحقيق مطالب الثورة». كانت هذه هي الرسالة التي أجهد الحكام الجدد أنفسهم لإقناع الناس بمضمونها في المرحلة الأولى من الثورة بعد إسقاط مبارك.

اختار الحكام الجدد إذاً أهون الشرين، بحيث بات لسان حالهم هو التالي: «إذا كان لا بد من أن نُشرك الشعب في الحكم، فليكن ذلك عن طريق الصندوق النظيف، الذي يمكن أن نتحكم بنتائجه بالمال والإعلام ومؤسسات الدولة المتواطئة، وليس عن طريق ديمقراطية الشارع المباشرة، التي نجحت في إسقاط مبارك، وستنجح إن استمرت وتعمقت في إسقاطنا»!

هذا التوافق على اجهاض الثورة بمعناها الاجتماعي الواسع كان ما يجمع القوى الامبريالية والاقليمية والداخلية. كانت جماعة الاخوان هي أهم مرشح. وبالطبع تردد المجلس العسكري في تسليم السلطة. لكن لم يكن ابداً ليستمر المجلس بدون حد ادنى مقبول من الشرعية الدستورية، أي بدون انتخابات. والقيم الدولية التي يتحدث عنها فريد هاليدي اهمها هي حرية السوق، والديمقراطية التمثيلية. والديمقراطية التمثيلية هي أهم أكذوبة تبيعها قوة رأس المال للفقراء، فما بالنا وقد حدث ذلك بعد ثورة شعبية عظيمة. المقصود كان هو ادخال الثورة في نفق طويل كله سراديب حول تعديلات دستورية وصناديق انتخابات..إلخ، فوراً وفي أقرب وقت، بدون حتى التقاط الانفاس. حدث ذلك ويا للعجب تحت اشراف جزء من الطبقة الحاكمة لمبارك: الجنرالات المليونيرات للمؤسسة العسكرية. ولأن الامبريالية تفضل الاعتماد على شريك قوي حليف، فجماعة الاخوان، وهي الأجهز والاقوى تنظيمياً، والاكثر دراية بدهاليز العملية الانتخابية، كانت هي المرشح المثالي. ليس معنى هذا الكلام فقط ان المؤامرة كانت هي سيدة الموقف. لكن تقلبات الثورة هي التي فضحت وكشفت المجلس العسكري سريعاً، مثلاً عندما طمع في السلطة، وقتَلَ المصريين. واصرار الثورة واستمرار احتجاج المصريين، وغباء الاخوان وغرورهم، هو الذي كشفهم امام عموم المصريين سريعاً، بعد ان صدقهم كثيرون منهم، ايام الانتخابات. وكان اصدار تطمينات للعالم الغربي واسرائيل في اوائل بيانات المجلس العسكري. كما لم يتوقف الاخوان عن تطمين الامبريالية والصهيونية، سراً وعلنا.

وتجدر الاشارة الى ان اهم ثلاثة محددات للامبريالية الامريكية، في علاقتها بمصر، هي: العلاقة الوثيقة بالجيش المصري، واحترام معاهدة السلام المصرية - الاسرائيلية، والحفاظ على السلام مع اسرائيل، وضرورة اتباع مصر سياسات السوق الحرة. لم يهز كلٌّ من المجلس العسكري أو الاخوان شعرة من هذه المحددات. حدثت بعض المناوشات التافهة والمسرحية هنا وهناك. ولكن بدون ان تهتز هذه الثوابت. الثابت الاهم كان هو العمل على القضاء على تجذر واستمرار الثورة. ويمكننا القول ان الاجابة عن السؤال الثاني الذي طُرح سلفاً تمت الاجابة عنه: تلاقي المصالح هو ما جمع هذه القوى. الحصول على نصيب اكبر من الكعكة مع الطمع في ابتلاعها كلها كان ما قاد الاخوان المسلمين للموافقة على هذا المسار السياسي، وهم الذين يكرهون الشارع والثورة، ويرون فيهما فوضى غير محمودة العواقب، وتمرداً قاسياً على السلطة الابوية للحاكم، وهم الابويون. والقضاء على استمرار الثورة كان أهم هدف للمجلس العسكري الذي خشي ضياع امتيازاته واستثماراته وملايينه، ومِنح وعطايا الامريكان للجنرالات. ولا يمكن هنا ابدا القول بأن الجميع كانوا في نفس الصفحة. فلقد اختلفوا في اوقات. لكن ما كان يجمع كل هؤلاء هو رغبتهم المحمومة في القضاء على استمرار الثورة. 

ودعونا نتفق هنا إذاً على ان الثورة المصرية، التي شارك فيها ملايين من الشعب المصري وصلت في بعض الايام الى اكثر من ٢٠ مليون مواطن في الشوارع، قد مرت بمسار غريب، من اهم ملامحه توكيل جزء من الطبقة الحاكمة المصرية، وهي المؤسسة العسكرية، بإدارة المرحلة الانتقالية. ودعونا نتفق على ان الثورة انجرفت الى طرق اصلاحية وطرق متعرجة غمست بدم الضحايا الابرياء. ولأنها انجرفت الى طرق اصلاحية لأسباب كثيرة لا اتناولها هنا فإن الاصلاحيين والانتهازيين كانوا أكثر انتعاشاً. ولو افترضنا ان الثورة في صورتها الشكلية الحالية لم تتعدَّ كونها ثورة سياسية غير مكتملة، ولم تتجاوز ذلك ابداً الى ابعادها الاجتماعية والاقتصادية، بحيث ظهر، في المقدمة، طغيان المسارات الانتخابية واختزال الثورة في مسائل تعديلات دستورية، او عمل دستور جديد، فمحترفو الانتخابات بدا كما لو كانوا هم الطرف الكاسب من الثورة.

والديمقراطية التمثيلية ولعبة الانتخابات ولو في ظل القتل والدم واستمرار النهب هي النموذج المثالي للشرعية وادارة دولة الارباح عند رأس المال والامبريالية. ولذلك تدخلت الامبريالية تدخلاً مباشراً لإجبار المجلس العسكري على «احترام» نتيجة الانتخابات الرئاسية والاتيان بمرسي. والقتل تحت ظل مرسي افضل بمراحل من القتل تحت ظل جنرال يبدو انه من النظام القديم، افضل بدون جدال، لأنه جاء عن طريق الانتخابات. وهذا ما يقدسه الغرب ورأس المال، قبل كل شيء! مرسي وجماعة الاخوان افضل لانهم وجوه جديدة يمكن ان تكسب الوقت. وانا هنا لا اقلل ابداً من الصراعات والفاعليات التي حدثت بمناسبة الانتخابات، البرلمانية والرئاسية. ولا اقول ان هذا كان تمثيلية وخداعاً تاماً. لكن ادعو لرؤيتها في سياقها، بحيث تحولت لتكون الطريق الأهم، وخصوصاً في ظل التعجيل والتعقيد، لاستنزاف الثورة. هذا بالطبع، بالإضافة الى عمليات الاعتقال والقتل والتعذيب والمحاكمات العسكرية المنظمة، لانهاك الثوار والثورة. ويذكر بالطبع هنا ان أول قانون اصدره المجلس العسكري كان قانوناً لمنع الاضرابات والاعتصامات العمالية، وتجريمها!

تناقضات الاخوان، أو الاخوان في السلطة

كتب صحفي مصري في جريدة التحرير مقالاً بتاريخ ٢٤ يناير/ك2 الماضي، عنوانه: «كيف خان الاخوان الثورة في اربع خطوات». وجاء في المقال:

- في اثناء الثورة، ترك ميدان التحرير والتفاوض مع النظام للحصول على مكاسب تضمن بقاء الجماعة والافراج عن كوادرها.

- بعد نجاح الثورة، محاربة الثوار وتشويههم من اجل انتخابات مجلس الشعب.

- بعد الوصول الى السلطة، ارهاب المتظاهرين والاعتداء عليهم وقتل شهود العيان..ولنا في الحسيني ابو ضيف عبرة (والحسيني ابو ضيف صحفي بجريدة الفجر تم قتله برصاصة في الرأس من الميليشيات الاخوانية اثناء اعتدائهم على معتصمي الاتحادية في ديسمبر/كانون الأول الماضي).

- قبل الانتخابات، المتاجرة بدماء الشهداء للحصول على اكبر مكاسب ممكنة.

ربما يكون هذا الوصف مبسطاً ومختزلا. لكن السؤال الأهم هو كيفية فهم تناقضات علاقة الاخوان بالثورة، وخصوصاً تقلبات ادائهم حتى الوصول للسلطة. وقبل الاجابة عن هذا السؤال، يجدر التنبيه هنا الى ان مسألة الثورة المضادة (او الحركة والقوى المنظمة لمواجهة الثورة) ايضاً ليست محكومة او نابعة من الاقليم المصري وحده. وكلنا يمكن ان نتفق على ان الامبريالية الامريكية وقوى الرجعية في الخليج هي من اهم قوى الثورة المضادة لثورات الكرامة العربية. لكن الأهم من ذلك هو ضرورة ان نفهم ان هذه الثورة (المضادة) هي متغيرة من وقت لآخر ايضاً، كما انها ليست نابعة من مصر فقط. وفي سياق مقالنا هذا اعتقد انه من السليم القول بأن موقف الاخوان قد تغير من لحظة لأخرى، وفقاً لموقعهم من موازين القوى ووفقاً لمجريات الاحداث. فهم الذين عارضوا الثورة قبل انطلاقها، ثم التحقوا بقطارها في لحظات متأخرة، بعدما تيقنوا من قرب سقوط مبارك، أي انهم شكلياً أصبحوا رفاق الميدان. لكنهم سرعان ما تحولوا الى موقع الشريك والمتواطئ في قمع الثورة، ولكن تحت قيادة المجلس العسكري. وافضل تسمية لهذه اللحظة لهم هي انهم كانوا «شوكة في ظهر الثورة»، على حد تعبير المحامي العمالي واليساري، والمرشح الرئاسي السابق في مصر، خالد علي. أي ان موقفهم المتذبذب والمراوغ والذي كان يتمسح بالثورة، في نفس الوقت الذي كانوا يرتبون فيه اوراق المرحلة الانتقالية مع المجلس العسكري، كان يمثل اكبر فائدة لحروب المجلس العسكري على الثورة. لكن بعد انتخاب مرسي كرئيس للبلاد واحتكار الاخوان للسلطتين التنفيذية والتشريعية، احتكاراً تاماً تقريباً، وانقلاب مرسي والاخوان على أهم شخصين في المجلس العسكري، أي طنطاوي وعنان، تحول مرسي والاخوان لرأس الحربة الجديد لقوى مناهضة الثورة في مصر. وكما يقول الكثير من المعلقين في مصر، فإنه من العبث والسخف كما يدعي الاخوان الاتفاق على قول ان مرسي والاخوان خلصوا مصر من المجلس العسكري، فالحقيقة هي انهم تخلصوا من بعض شخوص المجلس، مع ترسيخ الوضعية الشاذة للمؤسسة العسكرية، في الدستور الجديد، كما سلفت الاشارة. صحيح يمكننا الاتفاق على ان الاخوان ليسوا قوى ثورية، وان دورهم في تخريب ومواجهة الثورة بعد اسقاط مبارك كان حاسماً، لكن في ذات الوقت لا يمكن ان يدعونا هذا الكلام للتبسيط المخل، وعدم فهم التحولات الزمنية لموقفهم، وعمل دراسة متفحصة لهذا الموقف ولتناقضاتهم وتناقضات الثورة والمجتمع، في كل لحظة من هذه اللحظات التي تمت الاشارة اليها. والأهم في هذا السياق هو اننا وصلنا للحظة التي تحول فيها الاخوان الى رأس السلطة، ورأس الحربة لمواجهة الثورة والثوار. وكونهم يتمتعون ببعض الشرعية التمثيلية، وكونهم قاموا باتفاقات واصدروا تعهدات للقوى الدولية، يؤكد ما اسلفت الاشارة اليه من انهم كانوا الخيار المثالي بسبب شموليتهم واستعدادهم للمناورة ورغبتهم في السيطرة بالنسبة للمؤسسة العسكرية المصرية والامبريالية الامريكية، طالما كانوا ملتزمين شكلياً بلعبة واكاذيب الديمقراطية التمثيلية!

واذا عدنا الى السؤال المطروح حول فهم تقلبات الاخوان، فأنا اتفق مع الرفيق تامر وجيه الذي قال انه لا يكفي ان تكون اجابتنا هي مجرد الوصف المجرد لجماعة الاخوان. فقد قال الرفيق في مقاله المعنون في بؤس الاخوان (١٦ اكتوبر ٢٠١٢):

«كتبنا كلاماً كثيراً في وصف «جماعة الاخوان المسلمين». قلنا انها إصلاحية، محافظة، رجعية، وانتهازية. وقد يكون في ما قلناه الكفاية وقد لا يكون. لكن رص الصفات ليس مفتاح الفهم، فمفتاح الفهم هو التنقيب عن الاعماق.. هو البحث عن الدوافع الاصلية التي شكلت الجماعة وجعلتها ما هي عليه.»

وانتهى الرفيق الى القول بأن مرور الجماعة بعمليتي تأسيس كبيرتين على الاقل: أولاهما قبل ثمانين عاماً عندما تم تأسيسها على يد حسن البنا، في العشرينيات من القرن الماضي، وثانيتهما قبل حوالى الاربعين عاماً، عندما تم تجديد شبابها بانضمام جيل عبد المنعم ابو الفتوح وعصام العريان للجيل الأول، في سبعينيات القرن الماضي؛ هذه العمليات ساهمت في خلق ما سماه تامر عقلية أو نفسية الرجل المتوسط، وهو الرجل الحذر المتردد غير القادر على التمرد، وهو الذي يرفض التغيير الكبير، ويفضل ان يقوم الحاكم بالتغيير بدلاً من ان يصنع التغيير هو بنفسه.. هذه العقلية تؤدي بهم الى المراوغة المستمرة. وقد عبر منذ فترة عصام العريان، نائب رئيس حزب الحرية والعدالة وعضو مكتب ارشاد الجماعة، عن هذا المعنى بطريقة غير مباشرة، عندما قال في حوار صحفي : «نحن الجماعة التي حافظت على نفسها في ظل ٣ ملوك و٤ رؤساء جمهورية.” والمقصود ان الجماعة امتلكت من القدرة على التنظيم والمناورة ما جعلها تستمر في الحياة طوال هذا الوقت الذي يصل الى الثمانين عاماً.

أما الرفيق سامح نجيب في مقاله الأخير المعنون بـ: «نحو الثورة المصرية الثانية» (١٨ اكتوبر ٢٠١٢)، فيقول:

«وكانت تحليلاتنا تشير الى التناقضات بداخل وما بين مختلف التيارات الاسلامية، بين قياداتها البرجوازية وقواعدها البرجوازية الصغيرة وبين دوائرها الأوسع في الطبقة العاملة والاحياء الفقيرة، تلك التناقضات كانت دائماً ما يتم احتواؤها من خلال الشعارات الدينية المبهمة من جانب، وكونهم رغم المهادنات المتكررة كان ينظر لهم من قبل قطاعات من الجماهير كالمعارضة الوحيدة الجادة للنظام في غياب البدائل.»

وأنا اوافق الرفيق سامح على طرحه. وهو محق اذا نظرنا الى الكتل التصويتية الاساسية للإخوان ومعظمها يتركز في فقراء الريف. ولكن اقول انه من المهم ان نأخذ في الاعتبار التناقضات الداخلية الخاصة بالتنظيم نفسه، وتلك المحيطة بالتنظيم والمتعلقة بمسارات الثورة، وتناقضات الفقر والاوضاع الطبقية الظالمة في مصر نفسها، وذلك في ذات الوقت، وان نرى أداءات الجماعة ومستقبلها في السلطة في علاقة النوعين من التناقضات بعضهما ببعض. لا توجد لدينا للأسف اية معلومات عملية عن اعداد الذين خرجوا من الجماعة بعد الثورة وبعد انكشافها امام جمهورها نفسه. وقد سمعت عن هذا من أكثر من شخص وفي أكثر من موقع مراراً وتكراراً. وأزعم ان التمسك المَرَضي والدفاع الأعمى من جانب عضويتهم عن التصرفات الانتهازية واكاذيب قياداتهم، يحتاج لتحليل نفسي، ولا يمكنا ان نقصر ذلك فقط على التاريخ الطويل للعضوية والالتزام والمبايعة الحديديين!

وتعالوا ننظر بقرب لمشاكل تنظيم الاخوان وتفاعلها مع الواقع المحيط. وفي اعتقادي فإن هناك ثلاثة تحديات رئيسية تواجه تنظيم الاخوان المسلمين هي: الانتقال من عمل تغلب على طبيعته السرية الى آخر يتسم بالعلانية، ادارة العلاقة بين الحزب والجماعة، وثالثاً وهو امر لا يقتصر على الإخوان فقط كيفية الموازنة بين العمل الدعوي، وهو ما زالت الجماعة تقوم به، والعمل السياسي.

وربما تكون القدرة التاريخية للجماعة على المناورة والمراوغة، واهتمامها بالتنظيم الحديدي الذي يقوم على مبادئ مثل السمع والطاعة، والمبايعة للمرشد (وهي امور تجعل من التنظيم من الأهمية الشديدة ويشبه مع الفارق أهمية فكرة المركزية الديمقراطية في التنظيم، بمعناها اللينيني، ولكن هنا التنظيم يقوم على المركزية الشديدة ولكن بدون ديمقراطية)؛ اقول ربما تكون هذه القدرة قد ساعدت ولا زالت تساعد الجماعة في تجاوز التحديات الثلاثة السابقة. لكن يظل هناك تحد رابع يفوق الثلاثة المذكورة أهمية، وهو ربما يكون الأخير الذي يمكن ان يقصم الجماعة ويؤدي الي ضعفها او لمزيد من الانقسامات بها. هذا التحدي هو الوجود في السلطة. فطوال الفترة الانتقالية تميزت مواقف الاخوان بالتأرجح طوال الوقت بين رغبتهم الشديدة في المحافظة على الاوضاع والحصول على مكاسب منها ورغبتهم في الاشتراك في الثورة للاستفادة منها.

فالجمهور الذي يمكن تسميته بالثوار مثلاً لا ينسى براجماتية الاخوان وتقلباتهم الانتهازية ومراوغاتهم وصفقاتهم مع العسكر، طوال ما سمي بالفترة الانتقالية. فهم الذين تارة ألبوا العسكر ضد الثوار، وصمتوا بل وخونوا الثوار، بينما كانت اعينهم وارواحهم ودماؤهم تسيل، وهم الذين وافقوا على حكومة العسكر، ثم فجأة اكتشفوا ان معظمها من النظام القديم وانها ضد الثورة فانتقدوها وعارضوها، ولم ينسوا الاداء المخزي للبرلمان المصري الذي عاش شهوراً قليلة، ولم يَرْقَ أبداً ليكون برلماناً للثورة. اما الجمهور الواسع اي الشعب المصري وأغلبيته الفقيرة – فلقد انتظر الكثير من حكومات ما بعد الثورة، لكنه يكتشف كل يوم ان حكومة الاخوان ورئيسهم ليسا سوى طبعة اخرى لنظام مبارك، في سياساته الاقتصادية. هذا الجمهور لم يلمس اي فارق في حياته يتعلق بالعيش والكهرباء والماء النظيف. ويرى بأم عينيه كيف ان الاخوان يتبارون مع السلفيين في مباراة سخيفة، حول الحفاظ على الاسلام والأخلاق، بينما لا زالت الشرطة تقمعهم وتُذِلهم، كل يوم. قضايا مثل تطبيق القانون بصرامة على الباعة المتجولين، أو قرار بإغلاق المحلات التجارية في مصر، في العاشرة مساء، هي قرارات شكلية لا تخدم سوى البوليس. يرى الجمهور هذا، بينما يرى، أيضاً، أن القانون لا يُطبَّق على الجلادين والقتلة من أفراد الشرطة.

يرى كل من جمهور الثوار والجمهور العادي أن الإخوان، في السلطة، وافقوا على استمرار اتفاقية الكويز مع اسرائيل، بل وعلى توسيع نطاق تطبيقها، ووافقوا على الاقتراض من صندوق النقد الدولي، بعد ان عارضوا ذلك وهم في المعارضة، وحاصروا وجوَّعوا أهل غزة، بالضبط، كما فعل مبارك. باختصار، هم في السلطة وكأنهم قد تخلصوا من التذبذب الذي شاب سلوكهم لسنوات، واصبحوا متشبثين أكثر، بالوضع القائم، ومدافعين اكثر عن استمرار الظروف السائدة، بانتظار إقامة مشروعهم النهضوي المزعوم. وأنا أوافق تامر وجيه الرأي، والعديد من الرفاق والنشطاء في مصر، عندما يقولون إن تذبذب الاخوان أكبر من أن يجعلهم يغامرون بتغييرات في جهاز الدولة، بل إن الدولة والسلطة ستبتلعانهم في احشائهما. وبغض النظر عن التفاصيل، يبدو ان مسألة وجود الاخوان في السلطة وهم مفلسون بدون اي برنامج غير شعارات طنانة تعد أكبر تحدٍّ لهم في تاريخهم. هذه المسألة لها تأثيران مزدوجان: الأول هو انعزالهم اكثر وأكثر، في مواجهة جمهور الثوار، الذي لن يقبل منهم ابداً اللعب على الحبال، وزعم الوجود في معسكر الثورة، والثاني هو انكشافهم للجمهور العادي الفقير.

ويقول الباحث اشرف الشريف، في تعليقات له بوسائط الاعلام الاجتماعي منذ عام مضى إن الاخوان قد نجحوا في الانتخابات البرلمانية، وهم اعتادوا العمل من خلال ثلاث نقاط، في خطابهم السياسي: الأولى هي انهم، بوصفهم ضحية، أكثر الناس فهماً بقضايا الظلم، ولن تفسدهم السياسة، والثانية انهم ناس يتمتعون بطهارة اليد، وثالثتها انهم يخشون الله. هذه الادعاءات العامة تفضحها ممارساتهم وهم في السلطة. فهم، فيها، يقومون بتدعيم وتمتين وزيادة مرتبات جهاز الشرطة، وباعتقال العمال الفقراء المضربين. ولقد صمتت دولتهم عن استمرار التعذيب والقتل، في اقسام الشرطة المصرية. أي أن خطابهم عن كونهم ضحية لم يعد له أثر، وهم في السلطة. ولو افترضنا ان مراوغات الاخوان ساعدتهم في مرحلة ما قبل الوصول للسلطة، وذلك لغياب البديل أو لنجاح تنظيمهم، فهذه المراوغات لم تعد تصلح مع السلطة. فالمطلوب ان يقوموا بإرضاء كل الاطراف: ثوريين، ونظام قديمـ، ونظام امبريالي، وصهيونية متوحشة، وقد حاولوا، بانتهازيةٍ مكشوفة، فعْلَ ذلك. ولكن لا يمكن ابداً الاستمرار في ذلك، بعد أن باتوا في السلطة، ولأن كل هذه الاطراف ذات مصالح متناقضة.

والناظر مثلاً لحركة التعبئة الضخمة، التي حدثت اثناء اعداد الدستور، سينبهر بضخامتها (بغض النظر عن مشاكلها، وهو ما سأتحدث عن بعضه في الجزء الاخير من المقال). وبغض النظر عن النظرة المتشائمة المتسرعة التي ترى ان الاخوان منتصرون، وقد استطاعوا الغدر بالثورة، فالمتفحص للأمر سيتأكد من العكس تماماً. فقد كشفت السلطة تناقضات الاخوان واكاذيبهم بأسرع مما كان يتخيل كثيرون. السلطة بالنسبة إليهم كانت اللحظة المفاجئة والتي جاءت على طبق من فضة، بعد أكثر من ٨٠ عاماً من العمل السري. لازال الاخوان منتشين ومصدومين، في آن. وحالة السعار للسيطرة على جهاز دولة مبارك، بدون اي اصلاح، غير مفهومة. ربما يكون سببها عجزهم عن الاصلاح. او ترددهم، بنتيجة عقليتهم المهزوزة الخائفة. وربما يمكن وصفهم بمحدثي السلطة (nouveaux power holders)، على غرار التعبير السوسيولوجي، محدثي الثروة (nouveaux riches). وهذا ما يؤكد زعمي بضرورة ألا نكتفي بالفهم الطبقي المبسط لحالة الاخوان في السلطة، بدون القيام بتحليل علمنفسي- سياسي لمسألة وجودهم فيها.

ويؤكد زعمي ضرورة عدم الاغراق في التشاؤم كونُ المصريين سرعان ما تخلصوا من حالة الاحباط والشعور بالغدر، بعد عملية اصدار الدستور البائس، ليستعدوا للتعبئة بقوة لمظاهرات مليونية جديدة، في الذكرى الثانية للثورة. ويمكننا التأكيد ببساطة هنا ان التعبئة ضد الاخوان، في الذكرى الثانية للثورة، تفوق مثيلتها بمراحل ضد المجلس العسكري، بعد مرور عام على الثورة. ويلاحظ ان هناك ما لا يقل عن عشرة ملايين مصري خرجوا في الذكرى السنوية الاولى للثورة، وهتفوا بسقوط حكم العسكر. وهو ما ينبىء بقيام مظاهرات مماثلة، على الأقل من حيث جذريتها، وتصميمها، ضد الاخوان، إذا لم يكن عدد المنخرطين فيها، في الذكرى الثانية.

الثورة مستمرة، ولكن!

بدأت هذه السطور بالمفارقة الصارخة بين العملية الثورية، الجماهيرية، في مصر، والعملية السياسية التي نتجت منها. فتلك الاخيرة كان يقودها من لا يؤمنون بالثورة، وجلبت من انقلبوا على الثورة وغدروا بها. فبدلاً من محاكمة القتلة يتم تكريمهم، وهكذا. وفي هذا السياق يقول كثير من المصريين إن «الثورة مستمرة»، للدرجة التي أصبح الكثير من الثوار، معها، يتندرون بهذه العبارة. فصحيح أنه يمكن القول ببساطة ان الثورة فعلاً لن تتوقف، وستستمر برفع مطالبها التي تم الغدر بها. لكن الثورة لن تستمر من نفسها، ولمجرد وجود مطالبها. ولذلك فترديد التعبير في اوساط الثوريين، لفظاً، ليس إلا، وبالتالي في أوساط غير المنغمسين، في الممارسة الثورية اليومية، وغير المتفهمين مطالب الشارع وجموع المقهورين في مصر، اصبح نكتة مضحكة تثير السخرية. فالثورة فعلاً كفكرة ومطالب لا يمكن ان تموت، ولكن استمرارها يتطلب نضالا دؤوباً من الثوريين، القدامى والجدد، الذين يتخلقون في أتون النضال، بالإضافة الي وجود التناقضات المجتمعية والطبقية الضرورية المسببة لها. والواقع ان الاحتجاجات لم تتوقف في مصر، بالرغم من القتل والغازات الحارقة للأعصاب. ولا تزال تناقضات دولة مبارك مستمرة. وفي هذا يمكن الاشارة باختصار الى أهم هذه الابعاد، قبل الحديث عن اهم المعضلات الموجودة، حالياً، والموجبة لاستمرار الثورة، تلك التي تتعلق بالجانب الذاتي، على الاقل.

ويمكن القول إن اهم تناقضات دولة مبارك، التي تتمثل في احتكار عدد قليل من رموز البرجوازية المصرية - ومن ضمنهم أفراد المؤسسة العسكرية والمؤسسة البيروقراطية ورجال الاعمال - إدارة امور البلاد، وفي وجود غالبيةٍ بين المواطنين تحت خط الفقر، لا زالت موجودةً. ولم تزد ادارة الاخوان الأمور الا سوءاً. علماً بأن الجديد في الامر هو دخول رجال الاعمال واتباع مكتب ارشاد الاخوان واصدقائهم المقربين في اللعبة. جزء من النخبة القديمة تمت ازاحته واستُبدل بجزء جديد يدين بالولاء للإخوان. وهذا شمل كل القطاعات، بما في ذلك المحليات والاعلام، مثلاً. لكن مع ذلك، فالإخوان كانوا حريصين على استبقاء الجزء الاكبر من الجهاز البيروقراطي والقمعي للدولة. كل هذا موجود، مع انسداد العملية السياسية تقريباً. فكل ما حدث هو تحسين بعض شروطها. وبرغم ان الاخوان لم يروا من الثورة سوى تحسين شروط العملية السياسية، الا ان فهمهم يتوقف تقريباً عند الدرجة، التي توصلهم للسلطة. والمتابع ليس لما حدث في عملية وضع الدستور، ولكن للنقاشات الحالية حول قانون الانتخابات الجديد، وقوانين الجمعيات الاهلية، والانتخابات في الجامعات والاتحادات الطلابية، كل هذا يُظْهر انهم ارادوا تحسيناً طفيفاً، وبما يضمن تمكينهم وتحكُّمَهم. أي انه، باختصار، تم استبقاء دولة مبارك، واصبحت الدولة الجديدة هي مزيج من الاخوان وتجار الاسلام السياسي والعسكر ورجال اعمال الاخوان ورجال اعمال مبارك، والجهاز القمعي القديم الذي لم يطرأ عليه أدنى تغيير. أي ان التناقض الاساسي لا زال موجوداً، مع توقع استفحاله واستفحال الفقر، بنتيجة اتباع الاخوان اجندة صندوق النقد الدولي، والمؤسسات المالية الدولية، واستعدادهم لبيع بعض اصول الدولة وبنيتها الاساسية لأصدقائهم في الخليج.

بالإضافة الي هذا التناقض الاساسي، هناك على الاقل تناقضان آخران تبلورا، تحت حكم الاخوان. لكن مشكلة هذين التناقضين هي انهما ربما يعكسان انقسامات الطبقة الحاكمة، وربما يضعفانها، لكنهما بعكس الاول لا يقودان إلى تفجيرها، لمصلحة الفقراء، فهما يصبان في مصلحة اجنحة من الطبقة الحاكمة، او بعض الشرائح العليا من الطبقة الوسطى. اما التناقض الأول فهو حالة الصراع الناشىء والمرشح للاحتدام بين نمط التنمية الاقتصادية، الذي كان قائماً في ظل مبارك، وذلك الذي يريد الاخوان نشره. اما نمط الاقتصاد في ظل مبارك فقد كان يعتمد على الصناعات الخفيفة والصناعات التجميعية، والزراعة متوسطة التكنولوجيا، بالإضافة الي التجارة والسمسرة، في اسواق المال وغيرها. 

لكن يبدو ان النمط الاقتصادي للإخوان يقوم، في غالبيته، على التجارة والسمسرة. والصراع سوف يحتدم، عاجلاً أو آجلاً، بين النموذجين، في ما يتعلق بأجندة نهب خيرات البلاد، والاستثمار في قوت وعرق أبنائها. لكن المشكلة هنا ليست الصراع فقط، ولكن يحق لنا التساؤل عن مدى امكانية وجود هذا النموذج الاقتصادي الإخوانية ونجاحه بمعزل عن أي تنمية حقيقية! وقد نشرت مثلاً مؤخراً جريدة الاخبار اللبنانية، في نسختها الانجليزية (بتاريخ ٢٣ يناير ٢٠١٣)، وثائق مسربة من وزارة الخارجية القطرية، حول صفقات بين الحكومة المصرية والحكومة القطرية، بخصوص منح قطر لمصر منحاً مالية بالإضافة الى القروض، في مقابل اعطاء تسهيلات وحوافز لقطر لعمل استثمارات في مصر، ويتضمن ذلك شراء اجزاء، وإحداث تجديدات لشركة الحديد والصلب المصرية بحلوان. وقد جاء ذلك في سياق حوار قطري – مصري، وبمشاركة من وزير الخارجية التركي، وفي سياق مفاوضات واتفاقات بشأن المسألة السورية! وفي ذات الوقت كتب الكثير من المعلقين في مصر عن نزعة الكثير من رجال الاعمال من النظام القديم والجديد، على حد سواء لعمل اتفاقات مع رجال اعمال الاخوان، وخاصة خيرت الشاطر وحسن مالك، لإعطائهم تسهيلات للاستثمار في مصر. 

وفي ذات السياق، كلف مرسي حسن مالك، الملياردير الإخواني، بأن يكون حلقة وصل بين الرئاسة ورجال الاعمال، وكلفه ايضاً بالتفاوض مع الكثير من رجال اعمال النظام القديم، لإجراء مصالحة حول الاموال التي نهبوها من مصر، من قبل، في مقابل عودة بعض الأموال. كما قد اعلنت الحكومة عن نيتها طرح صكوك لبيع الكثير من الاصول الهامة المصرية. باختصار فما يقوم به الاخوان ليس سوى استكمال لأساليب وسياسات النظام القديم، في التفاوض السري والصفقات، ناهيك عن اصرارهم على سياسات الليبرالية الجديدة.

اما التناقض الثاني فهو الصراع بين نية الاخوان ومخططاتهم في اثارة النعرة الطائفية، وزيادة تدخل الدولة وعلماء الدين في حياة الناس وحرياتهم الشخصية، ورغبة الناس، أنفسهم، في العيش بحرية. وهناك كثيرون، في قطاعات البرجوازية نفسها، والطبقة الوسطى، يرون في هذا المد الاسلامي، وزيادة التحكم البوليسي في حريات الناس الشخصية، تهديداً صارخاً لنمط حياتهم. ونجاح الاخوان وانصار تيار الاسلام السياسي في فرض هذه القيود لا يمكن مروره ابداً، بدون موافقة قطاعات كبرى من البرجوازية، وقطاعات هامة معقولة من الطبقة الوسطى. والمسألة هنا لا ينبغي فهمها بمثالية وحقوقية مجردة، ولكنه صراع على الارض، ولن يتم حسمه بدون معارك او تنازلات ومساومات، بحيث يُرضي نموذجُ الحسم القطاعاتِ الكبرى المتحكمة في الثروة والسلطة، وقطاعاتٍ كبيرةً في المجتمع. ويجب ان نتذكر ان هذا الصراع يحدث في سياقٍ جوهرُه شعورُ كثيرين من بين ابناء الشعب بأن الثورة لم تقم أصلاً لإرساء منظومة بوليسية اخلاقية، بل من اجل اقامة مجتمعٍ للعدل والحرية! والناظِرُ للمظاهرات الاخيرة، ضد الاعلان الدستوري الديكتاتوري، الذي اصدره مرسي، وضد الاستفتاء على الدستور الطائفي لمرسي وجماعته، ثم في الذكرى السنوية للثورة، مثلاً، يلاحظ، حتماً، المشاركة الضخمة من جانب النساء والاقباط.

 بالإضافة الى ما سبق، تجب الاشارة الى معضلات اساسية تواجه الثورة. أولى هذه المعضلات هي غياب التنظيم الثوري القوي، المرتبط بالجماهير الغاضبة من خيانة الثورة، ومن قيادة الإخوان لمصر. وفي هذا السياق، فإن احد ملامح الكارثة هو ظهور ما عرف بجبهة الانقاذ الوطني. وهي جبهة تضم رموزاً من النظام السابق، ولا سيما شخصيات بائسة، ومبتذلة، مثل عمرو موسى، وأخرى انتهازية، مثل السيد البدوي، رئيس حزب الوفد، وسامح عاشور نقيب المحامين، ورئيس الحزب الناصري، بالإضافة إلى شخصيات واحزاب محسوبة على الثورة، مثل التيار الشعبي (حمدين صباحي)، وحزب الدستور (محمد البرادعي)، فضلاً عن احزاب وشخصيات مشابهة اخرى. والمشكلة هنا ان هذه الشخصيات لجأت لليمين الليبرالي، الممثِّل للنظام القديم، والانتهازي، الذي لا يمانع في استمرار النهب، للتخلص من اليمين الديني (بقيادة الاخوان)! والوجه الآخر لهذه المعضلة ان الثورة تحولت من ثورة ضد الاستبداد والنهب معاً (ثورة عيش حرية كرامة انسانية وعدالة اجتماعية) لثورة ضد الاخوان. والكثير من قيادات هذه الجبهة انجروا، في الإعلام، وفي خطابهم اليومي، للقول بأن هدف الجبهة، والاحتجاجات، هو الحفاظ على هوية مصر. وكأن الصراع مع الاخوان هو صراع تافه وشكلي حول شكل الدولة، ونمط حياة المواطنين. الشيء الايجابي الوحيد، هنا، ان هذه الجبهة، بترددها ونخبويتها وانتهازيتها، فقدت الكثير من المصداقية لدى المصريين. وحتى في الاحزاب التي ينتمي اليها هؤلاء، فإن شباب الاحزاب والمنظمات اليسارية الثورية قادوا، ويستمرون، صراعاتٍ داخلية هدفها الضغط من اجل بديل ثوري حقيقي، بعيداً من هذه الجبهة.

وستكون في أعلى مهام هذا البديل، ضرورة تطوير خطاب ثوري حقيقي، ومتماسك، يربط قضية معارضة الاخوان واستكمال الثورة بقضايا العدالة الاجتماعية، سعياً وراء الحيلولة دون استمرار الغدر بالفقراء والعمال، والفلاحين المعدمين، وباقي المهمّشين، والمستبعدين. والمؤسف ان هذا الخطاب موجود، ولكن بشكل جنيني، في الشارع، كما انه مبعثر بين النقابات المستقلة والاحزاب والقوى الاشتراكية. وهنا يجب ان نعترف ان من اخطاء اليسار، عموماً، والثوريين، بوجه خاص، في المرحلة الانتقالية، ليس الانقسام، وحسب، ولكن غياب الحوار الدائم في ما بينهم، أيضاً، واستمرار العمل الجاد، والحوار النضالي، على الأرض، مع الجمهور الثوري، في الوقت عينه. هذا، وفي تقديري الشخصي، فكثيرٌ من اليساريين قد غلبت لديهم نظرة مبسطة، أو قل ديماغوجية، للعلاقة الجدلية بين الصندوق الانتخابي ونضال الشارع. ولا يكفي هنا الترديد المبسط بأن المسارات متكاملة، ولكن يجب ان يكون ذلك مرتبطاً بفهم معمق. كما أن بعض الثوريين اكتفوا فقط بنقد الاخوان وشتيمتهم، بدون ان يكون ذلك مرتبطاً بفهم عميق لتناقضاتهم وعلاقتهم بالثورة. ولا يفوتنا هنا ضرورة وجود فهم اشتراكي واسع لمسألة الديمقراطية، التي يُفترَض أن تعني الديمقراطية الاجتماعية الشعبية، وبناء المجالس العمالية، ومجالس الاحياء والمدن ايضاً، وليس فقط المفهوم الضيق البرجوازي الخاص بصندوق الانتخابات. فالإيمان بالديمقراطية لا يعني التذيُّل للثورة المضادة، والانصياع للانتخابات المزورة، وإعطاء شرعية زائفة للقتلة. كما ان قمة الديمقراطية هي في صوت الجماهير في المصانع والشوارع. ولا يفوتنا ان تمسك مرسي وجماعته بأكاذيب الديمقراطية التمثيلية هو ما يعطيه بعض المصداقية الدولية، بين حلفائه الدوليين، على الأقل. إن الاكتفاء بمقاطعة الديمقراطية التمثيلية، والنظر اليها بتعفف ومثالية، يُصعِّب احياناً من فضح جرائم الطبقة الحاكمة، وأكاذيب الديمقراطية المثالية. لكن في الوقت ذاته، قد تكون المقاطعة هي قمة الديمقراطية، اذا كان هناك اجماع ثوري حقيقي على ذلك، لفضح مرسي وجماعته.

ويجب ان نعترف ايضاً انه لا زال الكثير من اليساريين بعيدين عن الطبقة العاملة، وعن فهم نضالاتها الكبيرة، في الثورة، وفي كل مراحلها. وحتى لو اتفقنا على أن الاخوان لم يستطيعوا سرقة الثورة أو اختطافها، فهذا لا ينفي ان الثورة إذا كانت ستستمر فبنضالات الشارع، وبفضح الاخوان، الدائم، وفضح الأشكال المتجددة للثورة المضادة. لقد هتف المصريون: «عيش، حرية، عدالة اجتماعية»، وهذه الشعارات لم تتحقق بعد، في الواقع. وهذا أكثر الاسباب الموضوعية أهميةً للمناداة باستمرار الثورة، والعمل لأجل وضع ذلك، بالفعل، وفي النضال اليومي، موضعَ التنفيذ.