قيمةٌ تتخطى الموت: إنها الحرية!

العدد الثالث - أذار ٢٠١٣
تاريخ النشر: 
آذار (مارس), 2013

«على الغياب الخالي من الرغبة / فوق العزلة العارية/على درجات الموت/أكتب اسمكِ

(..) وبسلطان كلمةٍ/أبدأ ثانيةً حياتي/ فلقد ولدتُ لأعرفكِ / لأسميكِ/ يا حرية» – بول إيلوار»

كانت تلك المدينة، شبه المنسية، درعا، على مقربة من الحدود، بين سوريا والأردن، هي التي أطلقت شرارة الثورة، على يد أطفالٍ وأنصاف مراهقين، كتبوا على جدران شوارعها شعاراً بات عنوان مرحلة بأكملها، في منطقتنا، شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»!

وبعد أيام، على اندلاع تلك الانتفاضة – وبالتحديد في ٢٣ آذار/مارس ٢٠١١ – كان الشاب، الدرعاوي، محمد أبو العيون المحاميد، ابن الـ24 عاماً، يسطِّر بدمه، على جدار برّاد الموتى، في «مشفى درعا الوطني»، بعد أن «دفنه»، فيه، حياً، عسَسُ النظام، بلغَةٍ تجمع بين الفصحى والعامية، هذه الكلمات:

«وضعوني هنا حياً. أَني عايش لِسَّعْ، ورح أموت بعدين، بسْ بعدني بدي الحرية!» (x)

وهو كلامٌ هائل، يعبِّر عن الأهمية المطلقة لهذه القيمة الإنسانية، لدى الكائن البشري، وأي جماعة عاقلة. وقد كانت تلك حالة الناس، منذ أيام العبودية، حسبما يمكن الاستدلال على ذلك من ثورة العبيد، في روما، بقيادة سبارتاكوس، وإن تكن انتهت بالفشل، وبصورة مريعة تمثلت بصَلْب الآلاف من هؤلاء، وترْكِهم يُحْتضرون، على تلك الحال، على امتداد كيلومترات، بالقرب من المدينة التاريخية، التي شهدت نهايتهم تلك.

بَيْدَ أن مثال هؤلاء، وقائدهم شبه الأسطوري، سبارتاكوس، بقي حتى أيامنا هذه، يلهم كل الثائرين على شروط الإذلال والإهانة والقهر، في أيٍّ من المجتمعات الطبقية، اللاحقة، حتى أن القياديين الثوريين المشهورَين، روزا لوكسمبورغ، وكارل ليبنخت، اختارا للحزب الذي أسساه، بعد انشقاقهما عن الاشتراكية الديمقراطية، الخائنة، والذي سيقود، لاحقاً، الثورة العمالية الألمانية، في العام ١٩١٨، تسمية «عصبة السبارتاكيين».

هذا ومن المؤكد أنه ما من إنسان يسعى إلى الحرية، تحت تأثير قوى خارجية معادية لمصالحه الحقيقية، بل بفعل إرادة عميقة تتناسب مع تطلعاته العفوية الاصيلة، الرافضة للقهر، والباحثة عن الكرامة الإنسانية. وهو الأمر الذي يُبرز مدى بؤس كل هؤلاء الذين يحاولون إقناع الآخرين بأن سعي الجماهير العربية، الواسع، الحالي، للتحرر من نير الأنظمة المسيطرة، ولا سيما النظام السوري، إنما يتم بإيعاز من المخابرات الاجنبية، وبخاصةٍ الاميركية منها، ومن ضمن الانسياق وراء مشاريع الإمبريالية العالمية، لترسيخ سيطرتها، أو استعادتها، حيث قد تكون تخلخلت واهتزت!! علماً بأنه إذا كان وراء هذه الطريقة، في رؤية الصراعات الاجتماعية، والسياسية، أحياناً، «فكرٌ» قوميٌّ، متحجرٌ وغبي ٌّ، إلا أن ثمة من يشاركون في تحليل الامور، بالطريقة نفسها، لتبرير تقاعسهم عن الانخراط في ثورات شعوبهم، ودعم سيرورة تحررها، وذلك من مواقع فلول الحركة الستالينية، التي لم تكن يوماً في صفوف الثورات الشعبية، وكانت تخاف، على الدوام، الحراك الجماهيري، وتسعى لقمعه، بشكل او بآخر، إن لم يكن بالقوة المادية، حين لا تتوفر هذه، فعلى الأقل بقوة الإيديولوجيا الزائفة، والتحليلات البائسة، والتوجيه المنحرف لحركة الجماهير. وهذا ما يمكن أن نراه اليوم، بالعين المجردة، بخصوص قيادات الاحزاب الشيوعية العربية؛ والحزبُ الشيوعي السوري، بوجه اخص، بتشظياته المختلفة، دليل ساطع على ذلك!!!

إلا أن التاريخ يتحرك، وهو سيترك على جانبي الطريق، التي تسلكها الجماهير المنتفضة، اليوم، في شرقنا الملتهب، كلَّ هؤلاء الذين اختاروا الوقوف، مع الواقفين، بوجه عاصفة هائلة لن تغير العالم العربي وحسب، بل العالم بأسره!

فالعالم، مثله مثل الجماهير العربية، والسورية ُ بينها، يريد الحرية...

فوق كل شيء، وأبعد من كل شيء!

--

(x) – وضعوني، هنا، حياً. أنا أعيش، حتى هذه اللحظة. وسأموت لاحقاً، ولكنني لا زلت أطلب الحرية!»