مصر: يوميات الثورة

العدد الثالث - أذار ٢٠١٣
الدولة: 
مصر
الملف: 
الثورات العربية
تاريخ النشر: 
آذار (مارس), 2013

(هذا المقال مبني على مقابلة اجرتها أسرة تحرير الثورة الدائمة مع أحمد نور، احد قياديي تنظيم الاشتراكيين الثوريين في مصر، حول رؤية اليسار الماركسي والاشتراكي الثوري للثورة المصرية، وكيف يقيّم اهم الاحداث التي تمت خلالها، بالاضافة الى رؤيتهم لأستراتيجية المواجهة في المراحل القادمة - اجريت هذه المقابلة في كانون اول/ديسيمبر ٢٠١٢)

لا يمكننا البدء بالكلام على الثورة في مصر من دون التوقف عند حرب اكتوبر، التي شكلّت تحوّلاً اساسياً في سياسة السلطة المصرية، من جهة، في علاقتها مع الامبريالية، ومن جهة اخرى، في سياسة فتح الاسواق المصرية.

وقد يحاول الكثيرون الفصل ما بين نظام السادات ونظام عبد الناصر، من خلال تبيان ان خطّ السادات شكّل انعطافاً لنظام الضباط الاحرار، ولكن واقع الامر ان السادات هو فعلياً الابن الشرعي للنظام الناصري. فنظام عبد الناصر وقع في التناقض الذي لا حل له: إما أن يندفع يساراً، أو أن يندفع يميناً؛ إما أن يندفع في عملية تفكيك نظام القهر والاستغلال في المجتمع بأسره، حتى يستطيع خوض حربه ضد الإمبريالية والصهيونية حتى النهاية، أو أن يلعب لعبة التوازن الدولي لعله يتمكن من قهر الإمبريالية، بالمقامرة على دعم «الصديق السوفييتي». ونحن نعلم بالضبط ما الذي اختاره ناصر ونظامه، وماذا كانت نتيجته المنطقية. 1

فخيار حروب التحرير الشعبية ليس خياراً عسكريا. الأمر هنا ليس مجرد تقنية عسكرية أو أسلوب قتالي. الأمر يتعلق بالطبيعة الطبقية للنظام السياسي. ذلك أن الجيوش التقليدية، بنظامها الهرمي القائم على تكثيف القهر، وعلى سحق أي إرادة حرة للجنود (وهم في نهاية المطاف العمال والفلاحون في الزي العسكري)، هي انعكاس مركّز للطبيعة الطبقية للمجتمع بأسره. لا يمكن للسلطة السياسية خلق جيش شعبي، في مجتمع قائم على القهر الطبقي. فهذا تناقض ليس في مقدور الطبقة الحاكمة احتماله، ولو للحظة. 2

وبعد هزيمة ال١٩٦٧، بدأ يتشكّل تيار جديد، من داخل السلطة المصرية، رأى انه لا يمكن رأب صدع الهزيمة المصرية إلا من خلال الدخول في لعبة التوازنات الدولية، ولكن هذه المرة من خلال التحالف مع الولايات المتحدة الاميركية، التي كانت تبدو الطرف الاقوى على الساحة الدولية. 

ومن هنا يجب ان نفهم قرار حرب اكتوبر، فمع مجيء السادات الى السلطة، كالممثل للتيار اليميني في نظام الضباط الاحرار، واجهته معضلة اساسية: كيف يمكن تحويل المسارات وعقد التحالف مع الامبريالية.

وكان السادات يواجه عقبتين اساسيتين: الاولى هي الحصول على مباركة الامبريالية لهكذا تحوّل، بعدما اثبت للادارة الاميركية ان التخوّف من القوة العسكرية المصرية، بعد هزيمة ال١٩٦٧، لم يعد ضرورياً، والثانية هي رفض الجماهير لهكذا تحوّل، خاصة وان الحركة الجماهيرية كانت قد بدأت بالصعود منذ فبراير/شباط ١٩٦٨، وخاض العمال والطلاب ما بين ال١٩٦٨ وال١٩٧٣ نضالات عديدة كان جوهرها المطالبة بالاشتراكية الحقيقية وبالديمقراطية، وبمواجهة الامبريالية بشكل جدّي. وقد شكلّت الحركة ضغطاً هاماً على النظام، والدليل ان السادات انفق معظم عامي ١٩٧٢ و١٩٧٣،محاولاً تبرير مواقفه بعدم خوض الحرب.

ونتيجة لهذا الواقع مثّلت حرب اكتوبر، من وجهة نظر الطبقة الحاكمة المصرية، الحل المثالي لهاتين المعضلتين.: «الحرب سوف تسحب البساط من تحت الحركة الجماهيرية ومن تحت نقاد النظام، بل وسوف ترفع أسهم السلطة الساداتية وتعطيها شرعية كاملة. من ناحية أخرى، الحرب سوف تهز قناعات الولايات المتحدة، لأنها ستعطي الدليل على أن المارد الإسرائيلي يمكن على الأقل مناوشته!» 3 وهذا بالضبط ما حصل، فبعد الحرب بفترة قياسية، تم قبول الهدنة وبدأت المفاوضات، ووقّعت، من ثم، معاهدة كامب دايفيد.

وإذا كانت معاهدة كامب دايفيد هي العنوان السياسي لتبدلات الواقع المصري، فقد كانت عناوين اخرى، كـ«فك الارتباط» و«العزلة العربية»، الاعلان الضمني والعلني عن اتجاه السلطة المصرية الى اقتصاد السوق، وتخلّي الحكومة المصرية تدريجياً عن احتفاظ الدولة بالقطاع العام. وكانت الخصخصة حينها الجسر الذي قام من خلاله القطاع الخاص بالتوسّع والسيطرة اكثر واكثر على تفاصيل الاقتصاد الوطني المصري.

والانتعاش الذي شهده الاقتصاد المصري في النصف الثاني من السبعينيات واوائل الثمانينيات لم يكن نتيجة لسياسات فتح الاسواق، كما جرى الادعاء، بل كان يخفي وراءه تفاقماً في الأزمة البنيوية للاقتصاد المصري، وكان نتيجة فقط لارتفاع أسعار البترول وإيرادات قناة السويس وتحويلات العاملين في الخليج، وهي كلها مصادر خارجية، في حين ظلت الصناعة والزراعة، أي القطاعات المنتجة، في أزمة تزداد عمقاً وتفاقماً. 4

وقد ظل نظام رأسمالية الدولة قائماً ومأزوماً، حتى نهاية الثمانينيات. وحتى لو كانت سياسات الانفتاح تهدف في بداياتها في 1974 إلى البدء بتفكيك ذلك النظام، والتحول إلى سياسات السوق الحرة، فقد أدت مظاهرات 1977 ضد بداية رفع الدعم عن السلع الغذائية، من جانب، ووجود إيرادات خارجية متزايدة، من الجانب الآخر، إلى تأجيل البدء بتفكيك نظام رأسمالية الدولة.

تفاقمت الأزمة الاقتصادية من كل الجوانب مع منتصف الثمانينيات، فالمديونية الخارجية ازدادت بشكل غير مسبوق، وأصبحت خدمة الديون الخارجية عبئاً ضخماً على الميزانية، وانخفض بشكل حاد سعر البترول، وانخفضت معه إيرادات قناة السويس وتصدير البترول وتحويلات المصريين العاملين في الخليج، وتفاقمت أزمة القطاع العام الصناعي، وتدهور الإنتاج الزراعي، وازداد العجز في الميزان التجاري للسلع الزراعية. ومع منتصف الثمانينيات، وصل العجز في ميزان المدفوعات إلى ٢٤٪ من إجمالي الناتج المحلي، وارتفعت معدلات التضخم لتصل إلى ٢٥٪ سنويا، كما ارتفعت نسبة الديون الخارجية إلى الناتج القومي الإجمالي إلى ما يقارب ٢٠٠٪ مع نهاية الثمانينيات. وفي ١٩٨٧ كانت نسبة الديون الخارجية إلى الصادرات ٣٤٣٪، وارتفعت نسبة خدمة الدين إلى إجمالي الناتج المحلي من حوالى ٤٪ في عام ١٩٧٠ إلى ٨٥٪ عام ١٩٨٧. 5 

كانت نتيجة الأزمات المتتالية لنظام رأسمالية الدولة هي مزيج من الضغوط الخارجية العنيفة، من جانب، وضغوط البرجوازية المحلية، من الجانب الآخر، لإعادة هيكلة الاقتصاد. وأخذت هذه الضغوط شكل سياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وأيضا السياسات الخارجية للدول الرأسمالية الكبرى. وكانت النتيجة هي اتباع النظام في مصر، مثله مثل عدد كبير من الدول الأضعف، لسياسات تقشفية وإعادة هيكلة، فشهد العام ١٩٩١ اول اتفاقية مع صندوق النقد الدولي، بعدها بدأت القروض تتوافد الى الاقتصاد المصري، مشكّلة فعلياً الإعلان الرسمي لبداية سياسات التكيّف الهيكلي، وما تبعها من تقليص الانفاق على الخدمات الاجتماعية، كالصحة والنقل العام مثالاً.

ادّت هذه السياسات الى نشوء طبقة برجوازية بسمات احتكارية، وقد بانت اكثر واكثر الى العلن خاصة في عهد مبارك، وشكّلت تزاوجاً اكثر وضوحاً ما بين السلطة السياسية والسلطة البرجوازية الطبقية، وخاصة على مستوى التمثيل الحكومي، لما بات بعرف حينها بحكومات رجال الاعمال.

الاسباب المباشرة للثورة المصرية

ادّت هذه السياسات الى ازمات اقتصادية واجتماعية عدّة اهمها:

٢- ازمة الاسكان، فأكثر من ٥٠٪ من المصريين/ات غير قادرين، بحسب الارقام الاخيرة، على الحصول على مسكن بسهولة، بينما كان يقوم نظام مبارك في نفس الوقت بإنشاء مشاريع سكنية تسلّم الى شركات احتكارية، بحيث توجه هذه الاخيرة تلك المشاريع لخدمة الاغنياء. 

«٣٩،٣٪ من سكان الحضر في مصر يعيشون في أحياء تفتقر إلى كل أنواع الخدمات، ويحب الحكام والدولة أن يسموها «عشوائيات». وتشير بعض الدراسات إلى أن ٦٢٪ من سكان الجيزة، و٤٠٪ من سكان القاهرة، و٩١٪ من سكان بني سويف يقطنون في عشوائيات. فبينما تنفق مئات الملايين من الجنيهات سنويًا على إنشاء وتعمير سكن الأغنياء، نجد في المقابل أن سكن الفقراء في مصر يفتقر إلى أي شرط من شروط الحياة الإنسانية اللائقة». 6

فالسمة الرئيسية للحياة في الأحياء الفقيرة هي السكن في غرف مستقلة، أي أن تقطن أسرة كاملة في غرفة واحدة، كجزء من وحدة سكنية تشترك في منافعها مع أسر أخرى. وطبقًا لتعداد ١٩٨٦، هناك ٦٧٣٥١٧ أسرة تسكن في غرف مستقلة. هذا بالإضافة إلى سكن العشش التي يشيدها الأهالي، باستخدام المخلفات مثل الكرتون، وإلى سكن القوارب والمخابئ والدكاكين واقبية السلالم والمساجد والمباني المتصدعة والقبور. 7

٢- البطالة: يقابل ازمة الاسكان، ازمات اجتماعية مزمنة، منها انخفاض نسب الزواج، وانتشار اليأس وانعدام فرص العمل، ونضيف الى ذلك توقّف التوظيف الحكومي، ما ادى الى تضرر فئات كبيرة من الطبقات الدنيا، والوسطى، كالمهندسين مثلاً. هذا وأظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والاحصاء أنه خلال الربع الأخير من عام ٢٠١١ بلغت نسبة البطالة ١٢،٤٪، مقابل ٩،٨٪ خلال الفترة نفسها من عام ٢٠١٠. ويدخل إلى سوق العمل كل عام نحو٧٠٠ ألف من خريجي المدارس والجامعات والمعاهد العليا. هذا بالإضافة إلى٣،٣ مليون عاطل عن العمل من إجمالي قوة العامل البالغة ٢٦،٧ مليون شخص.

فالبطالة في مصر هي بطالة متعلمة، فالغالبية العظمى من العاطلين من خريجي المدارس الثانوية والجامعات، ونحو٨٢،٦٪ من حملة الشهادات المتوسطة حتى العليا، هم متعطلون، أي أن هؤلاء الشباب يقضون نحو ١٥ عامًا من حياتهم في التعلم، وتنفق اسرهم جزءاً كبيراً من ميزانيتها، المنخفضة أصلا، بأمل حصول بناتهم واولادهم على عمل مجز، وحياة كريمة، ليجد هؤلاء الخريجون أنفسهم في النهاية واقفين في طابور العاطلين. 8 وهذا ما ادى الى ان الجزء الاكبر من القوى الجماهيرية في الطبقة العاملة المصرية هم من العمال والعاملات المياومين والمياومات، الذين يعملون اكثر من ١٢ ساعة يومياً، ويتلقون اجراً زهيداً جداً لا يكفي لمعيشتهم.

٣- الاستغلال والاضطهاد المزدوج اللذان تعاني منهما النساء المصريات: تعاني النساء المصريات استغلالاً مضاعفاً، فبينما تشكّل النساء المصريات ١٥٪ من مجموع القوى العاملة الرسمية، وذلك بحسب دراسة لوزارة التنمية الادارية المصرية في العام ٢٠٠٢، يشكلن في نفس الوقت ٤٣٪ من الاقتصاد غير الرسمي المصري، ويعاني نصفهنّ من الامية، ويرتكز عملهن الاقتصادي على المحلات التجارية الصغيرة، والعربات، او الاكشاك. كما تعاني النساء ايضاً نسب بطالة عالية مقارنة مع الرجال، ويحصّلن اجراً منخفضاً، بالمقارنة مع الرجال الذين يشتغلون نفس الاعمال. وقد ادى هذا الامر الى اضطرارهن للزواج، كيفما اتفق، كطريق للخروج من الواقع الاجتماعي والاقتصادي المزري، ما جعلهنّ عرضة للاضطهاد الاجتماعي والاقتصادي، وخاصة العنفي منه، في مكان العمل كما في المنزل. 

ولكن مع تفاقم الازمة الاقتصادية في مصر، اضطرت الكثيرات من النساء الى الدخول في سوق العمل، وترافق هذا الوضع مع توسّع اكبر للقطاع الخاص، والعمل المكتبي، ولكن هذه التغيرات في الواقع الاقتصادي للمرأة المصرية، لم تنعكس في تغيرات على مستوى الثقافة والقوانين الاجتماعية السائدة، التي تحكم حياة النساء المصريات. فبقي يُنظر الى المرأة على انها ادنى من الرجل، بالاضافة الى الهوة القائمة اصلاً في الحقوق ما بينها وبين الرجل، على مستوى الزواج والارث، والمشاركة السياسية، وغيرها الكثير من الامور، التي جعلت المرأة المصرية تعاني استغلالاً مضاعفاً، في المستويين، الاجتماعي والاقتصادي.

تقابل هذا الواقع المزري جمعيات حقوق المرأة الرسمية (التي كانت تقودها سوزان مبارك)، والتي اقتصرت تدخلاتها على زيادة حضور نخب النساء البرجوازيات في الحياة العامة. وحتى مع اقرار الكوتا النسائية، التي لم تطبق فعلياً، وادى ذلك، في نهاية الامر الى ان تكون المستفيدات الاساسيات من هذه الكوتا هنّ من الاحزاب الحاكمة والوسط البرجوازي، بينما النساء العاملات بقين من دون اي تحسّن فعلي في ظروفهنّ، او في مشاركتهن في الحياة العامة.

فمثلاً قامت وزيرة القوة العاملة، في عهد مبارك، بإبرام اتفاقية لتنظيم تصدير النساء المصريات كعاملات منازل وخادمات الى العائلات السعودية. وبالطبع عمل النظام على تكريس الدور الأ دنى للنساء في الاقتصاد والمجتمع المصريين، من خلال اتباع سياسات تمييزية ما بين العمال والعاملات وخلق حواجز في ما بينهم، محاولاً اضعاف وحدة العمال في النقابات، وخاصة بعد بدايات صعود الحركة العمالية في مصر في ال٢٠٠٦، والدور الريادي الذي لعبته العاملات النساء في هذه التحركات. 

فتح الاسواق، وارتفاع الاسعار  وتزايد نسبة الفقر

تزامنت سياسة فتح الاسواق مع رفع الدعم عن السلع، ما ادى بطبيعة الحال الى ازدياد اسعار معظم السلع، والاستهلاكية خاصة، بسبب بيع القطاع العام وتعويم الجنيه المصري، ما ادى الى ازدياد اسعار العملات الاجنبية بمقابل الجنيه المصري، وانتج ازمة في ميزان المدفوعات، وخاصة لخدمة الدين العام المتفاقم.

فتحرير سعر صرف الجنيه مقابل الدولار والعملات الأجنبية لم يؤد إلى تخفيض الواردات أو زيادة الصادرات، كما توقع البعض. فلقد كان من المستحيل تخفيض الواردات المصرية، حيث إن أكثر من ٨٥٪ منها مواد خام ومدخلات صناعة وسلع وسيطة وسلع استهلاكية لا يمكن الاستغناء عنها. و«السلع الاستهلاكية وحدها تمثل ٥٦٪ من حجم الواردات، وتشمل الحبوب والألبان وزيت الطعام والشاى والسكر واللحوم وغيرها، في حين تمثل المواد الخام التي لا يوجد بديل لها في مصر ١٤٪، وتشمل الأخشاب والكيماويات الدوائية».

وبالنسبة للصادرات، يقول نبيل الشيمى: إن تخفيض قيمة الجنيه في ٢٩ يناير ٢٠٠٣ لم يؤد بعد عام إلي زيادة الصادرات، لأنه «ليس لدينا ما نصدره». وشهدت الأسعار سلسلة من الارتفاعات، فقد قفز معدل التغيير في الرقم القياسي للأسعار عام ٢٠٠٣ مقارناً بعام ٢٠٠٢ بنسبة ١٨،٥٪. وتقول د. هبة الليثي، في بحثها المقدم لندوة «استقرار الأسواق المحلية وحماية المستهلك»، إن معدل الزيادة الشهرية في أسعار الطعام والشراب من يناير/ك2 ٢٠٠٣ حتى نوفمبر/ت2 ٢٠٠٣ كان ثلاثة أمثال المعدل السائد من يناير ٢٠٠٠ حتى يناير ٢٠٠٣، «والطعام والشراب يمثل نسبة ٥٦،٣٪ من حيث الأهمية النسبية» للسواد الأعظم من المصريين. ويقدم رأفت رضوان مثالاً لارتفاع الأسعار نتيجة لارتفاع الأسعار العالمية فيقول «إننا في مصر نقوم بتجميع ساندويتش الفول، باستيراد الزيت والفول وغيره (...)، والدقيق الذي يصنع منه رغيف العيش، من مكونات الساندوتش الذى تجاوز سعره في بعض المحلات الجنيه». 9

وهناك سبب آخر لارتفاع الأسعار «فالقوى الاحتكارية في السوق تعد العامل الأساسى في تحكم القلة في أسعار العديد من السلع، ومن ثم أصبح تأخر صدور قانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار دافعاً لتحكم المحتكرين في الأسعار». ومشروع القانون موجود في أدراج مجلس الوزراء منذ عام ١٩٩٤. 10

هذا بطبيعة الحال ادّى تدريجياً الى ازدياد نسبة الفقر، فبحسب ارقام وزارة المالية الاخيرة، فإن نسبة الفقراء، في مصر، تقدّر بـ٤٥٪ من المصريين/ات. ما ادى الى تفاقم الازمة القائمة اصلاً على المستوى الاقتصادي والاجتماعي لدى السواد الاعظم من الشعب المصري.

وقد ترافق هذا الواقع مع تدهور كبير لقطاع الزراعة، وخاصة بعد الاصلاحات الزراعية التي قام بها النظام، والتي ادّت بنهاية المطاف الى ان ٩٠٪ من صغار الملاكين باتوا يمتلكون اقلً من ٥ فدان، ويعانون الديون واعباء بيع منتوجاتهم، بفعل غياب او تخلّي الدولة عن اي دعم للبنى وشبكات الاقتصاد الزراعي المصري. فقرار قانون الايجارات الزراعية الذي اقرّ في ال١٩٩٣، ونفّذ بقوة البوليس والشرطة في العام ١٩٩٧، ادّى الى تشرد الالاف من الفلاحين واستعادة اراضيهم من قبل العائلات الاقطاعية، كان اضافة قاسية الى مسلسل المآسي الذي يعيشه فلّاحو مصر.

ادّت هذه الظروف الى تفاقم الاحتقان داخل الشارع المصري، وازداد هذا الاحتقان بفعل تفاقم الازمة الاقتصادية العالمية، منذ ال٢٠٠٨، وترافق هذا الاحتقان مع صعود للحركة العمالية منذ ال٢٠٠٦، كإضرابات عمّال وعاملات النسيج في المحلّة الكبرى، بالاضافة الى تزايد حركة الاعتراض على نظام مبارك، وخاصة ضد مشروعه لتوريث ابنه الحكم. وبالطبع ترافقت هذه التغيرات على الواقع المصري، مع استمرار لقانون الطوارئ، الذي كان يكبّل الحياة السياسية المصرية، بالاضافة الى كونه السلاح الابرز لدى السلطة الحاكمة لقمع ايّ حراك اجتماعي وسياسي.

بالاضافة الى ذلك، قسوّة تعامل الشرطة مع السكان في مراحل الاعتقال، والتحقيق، والسجن، من تعذيب وضرب علني، للمعتقلين، ادّت، في كثير من الحالات، الى مقتلهم/ن. وقد تضافر ذلك مع كل ما اوردناه اعلاه، لاجل تمهيد الطريق أمام ما سيحدث، لاحقاً، وبالتحديد انطلاقاً من 25 يناير 2011.

انطلاقة الثورة

لقد كانت للثورة المصرية، بالتالي، مقدماتها في الشارع المصري، قبل ٢٥ يناير ٢٠١١، ولكن ما شكلّه هذا اليوم، وخاصة بعد انطلاقة الثورة التونسية، انما كان اللحظة التي التقى فيها تاريخ حافل بالاضطهاد والاستغلال، والفقر، وعياً متجدداً وثورياً للجماهير العربية عامة، ومصر خاصة، بدأ يجتاح الشوارع المصرية، وخاصة الطبقات الدنيا، والوسطى، من العمّال والعاملات والطلاب والطالبات والعاطلين/ات عن العمل، والنساء والفقراء، والشباب منهم خاصة، الذين كانوا من الفئات الاكثر تضرراً في الواقع المصري، والذين كانوا فعلياً وما يزالون عماد الثورة المصرية.

الجماهير واللجان الشعبية والثورة

يعتقد معظم الناس خارج مصر، خطأً، ان لجان الاحياء، والجماهير المصرية، كانت من اليوم الاول موالية للثورة، ولكن واقع الامر يختلف فعلياً عن هذه الصورة. ففي اي حالة ثورية، في مراحلها الاولى، لا يكون الشعب بمجمله جاهزاً لينخرط في العمل الثوري، وليس بالضرورة ان تصطف التنظيمات التي تنشأ، كنتيجة للتغيرات الثورية، دائماً الى جانب الثورة. 

ففي الفترات الاولى لانطلاقة الثورة المصرية، وان كان الثوار حينها يعبرون عن رفضهم لاستمرار الواقع المزري الذي يعيشونه، والذي يتشاركونه مع معظم الجماهير المصرية، فالشعور بالرفض، لا يليه مباشرة شعور بضرورة التحرّك الثوري ومواجهة النظام، بل ان ضرورة التحرّك تلك او خروج الجماهير المصرية من المنازل ودخول المعترك الثوري كانت نتيجة لاحداث معينة، استطاعت من خلالها القلّة الثورية، حينها، اقناع الجماهير بجديتها في مسعاها لتغيير النظام.

ومن الهام القول هنا ان تلك القلّة الثورية كانت في معظمها من الطبقات او الفئات الاجتماعية التي وصفناها في الجزء الاول من المقال، اي من العمال والعاملات وخاصة اليدويين منهم/ن، بالاضافة الى الطلاب والطالبات العاطلين/ات عن العمل، والشباب منهم/ن بشكل خاص. فلجان الاحياء التي بدأت بالتشكّل حينها لم تكن نتيجة لتطور الوعي الثوري، وان كانت هذه اللجان مساندة، منذ الايام الاولى، للثورة، ولكن تشكلّها كان فعلياً عملاً دفاعياً وكان دليلاً على خوف الجماهير المصرية حينها من امكانية الفوضى، وخاصة بعد انسحاب الشرطة من القاهرة واغلب المحافظات، اثر المواجهات العنيفة التي جرت ما بين الشرطة والثوار، والتي انهزمت القوى الامنية فيها خاصة في القاهرة، والاسكندرية وبور سعيد، وهي جميعها مناطق عمّالية بامتياز.

فاللجان كانت تعمل بشكل اساسي على حماية الاحياء والسكان وخاصة بعد تهديد مبارك للثوار بقوله: «إمّا انا أو الفوضى»، ولكنها ايضاً وبسبب تراكم الامتعاض والاحتقان من النظام، عملت على حماية الثورة، وان كانت حتى ذلك الوقت مشاركة بشكل غير مباشر في المعترك الثوري.

ولعبت اللجان دوراً اساسياً في كسر الحصار على الثوار، من جهة، ومن جهة اخرى، في كسر السياسات الطائفية التي اتبعها النظام حينها، محاولاً ضرب الحركة الثورية، فقامت اللجان بتأمين الكنائس في القاهرة والمحافظات، وخاصة بعد انسحاب الشرطة.

ولكن طبيعة تلك اللجان بدأت بالتبدّل وخاصة بعد موقعة الجمل، فاستغلّ الحزب الوطني، من جهة، حالة الرعب والخوف التي بدأت بالانتشار، اثر الهجوم العنيف لبلطجية النظام على الثوار، ومن جهة اخرى، عمل على استغلال حالة الأمل بتطبيق الاصلاحات والتنازلات التي وعد بها مبارك. 

ونتيجة لهذه التغيرات بدأت هذه اللجان تقبض على النشطاء والثوار وتسلمهم الى الجيش، بتنسيق دائم مع جهاز الشرطة، وراحت تضمحل تجربة اللجان كرافد لامكانية تنظيم شعبي للثورة، امام سيطرة النظام اكثر واكثر عليها.

ولكن موقعة الجمل وان كانت قد شكلت نقطة تحوّل على مستوى تركيبة لجان الاحياء، فهي، في نفس الوقت، شكلت نقطة تحول في الرأي الشعبي تجاه الثورة. ففي الفترة التي سبقت موقعة الجمل، كانت لا تزال معظم الجماهير المصرية مشاهدة للاحداث، وغير مشاركة فيها، وان كانت تشعر هي ايضاً بضرورة التغيير، ولكن قبضة النظام عليها والخوف من الفوضى، والوعود التي اطلقها مبارك حينها، ساهمت في ابقاء الجماهير خارج الحركة الثورية، حتى لحظة موقعة الجمل، حيث ان الثوار، بثباتهم وقدرتهم على ردّ الهجوم الوحشي الذي قام به بلطجيو النظام امام اعين الجيش المصري، تمكنوا من اكتساب الجماهير المصرية الى الثورة، وبالتالي كسر حاجز الخوف الفعلي، وانقاذ الثوار من الحصار الذين كانوا تحت ضغطه في ميدان التحرير. 

وخروج الجماهير المصرية الى الشارع هو ما ادّى فعلياً الى كسر قوة الشرطة والامن، بحيث بدأ الضغط الفعلي على نظام مبارك، ولكن هذا الضغط الجماهيري، لم يكن ليستطيع كسر شوكة النظام، لو لم تدخل على المعادلة الاضرابات العمالية التي بدأت تنتشر حينها حتى وصلت قبيل سقوط مبارك الى المصانع التي يسيطر عليها الجيش المصري، وشكلّت هذه الاضرابات نقطة مفصلية في موازين القوى، بحيث بدأت البرجوازية المصرية وخاصة قيادة الجيش المصري التخوّف من ان تتعمّق الحركة اكثر واكثر، فشكّل تنحي مبارك عن السلطة، حينها، محاولة من قبل الطبقة الحاكمة المصرية وخاصة قيادة الجيش، لاستيعاب الحركة الجماهيرية، ولجمها.

وهذا ما اثبتته الاحداث التي تلت استلام المجلس العسكري للسلطة في مصر، فعمل هذا الاخير على ايهام الجماهير بأن المجلس العسكري هو يسعى فعلياً الى حماية الثورة، ولكن الجيش بتكوينه وتركيبته كان يعاني وما يزال تناقضات رهيبة لم تمكنه فعلياً من السيطرة على الوضع. فمن جهة قيادة المجلس العسكري هي من القيادات التي لها علاقات وثيقة مع الامبريالية، ومع البرجوازية المصرية.

فمن المعروف أن الجيش يشارك في تصنيع كل شيء، ابتداءً من زيت الزيتون وتلميع الأحذية، وانتهاءً بمراكز الاقتراع، التي استخدمت في الانتخابات البرلمانية المصرية لعام ٢٠١١، ولكن لا أحد يعلم (على وجه اليقين) مدى سيطرة الصناعات العسكرية على اقتصاد البلاد. وقد نقلت تقارير اخبارية أن أحد «الخبراء» يقدرها على مستوى الخريطة بحوالي خمسة وأربعين بالمئة أو أكثر. فيما أشار وزير التجارة السابق، رشيد محمد رشيد، الموجود حالياً في المنفى، مدفوعاً إلى مغامرةٍ تخمينية من قبل صحيفة “نيويورك تايمز”، إلى أنها «أقل من عشرة بالمئة“. وأفادت مجموعة واسعة من الشخصيات باستحالة قياس حجم ما أسماه الباحث روبرت سبرنجبورج «الشركة العسكرية»، حيث لا يقتصر الأمر على تصنيف ممتلكات الجيش باعتبارها من أسرار الدولة – فقد يسجن الصحفيون في حالة تقديم تقارير عنها – وإنما يتعدى ذلك أيضاً الى توسعها وتشعبها، ولا يمكن الوثوق بشكل كامل في أي تقدير لها. 11

تتمثل مصالح الجيش التجارية في أقدم المصانع التي تديرها وزارة الإنتاج الحربي، والهيئة العربية للتصنيع (AOI)، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية (NSPO). كما يشرف الجيش على العديد من الشركات التابعة للشركات القابضة المملوكة للدولة، ويملك أسهماً في مشاريع القطاعين العام والخاص. وفي كثير من الحالات، تعتبر هذه العمليات الصغيرة جزءاً لا يتجزأ من مجموعات الشركات العابرة للقارات، والتي تشمل قطاعات اقتصادية عدة، من البناء والشحن البحري إلى تصنيع الأسلحة. 12

بينما في المقلب الآخر، فإن معظم الجنود، هم من الفئات الاكثر افقاراً في الشعب المصري، وغالبيتهم من الفلاحين، وان هذا التناقض الطبقي، العائد لطبيعة المؤسسة العسكرية، هو ما ادى الى ازدياد الخوف لدى قيادة المؤسسة العسكرية من المغامرة بعيداً في دخول معركة مباشرة مع الجماهير، خوفاً من انتفاضة الجنود على الضباط.

وكما ذكرنا سابقاً فإن دخول الجيش الى المعادلة حينها كان نتيجة للخوف الذي كان يعتري المؤسسة العسكرية من امكانية امتداد حركة الاضرابات وتعمقها، والدليل هو ان القانون الاول الذي وضعه الجيش بعد استلامه السلطة هو حظر الاضرابات والاعتصامات والمظاهرات، ما يبرهن على الدور السياسي للمؤسسة العسكرية في حماية الطبقة البرجوازية، وهي جزء منها، وكذلك الحفاظ على انضباط الجنود ضمن البنية الطبقية للجيش، وعدم تفجّر التناقضات الداخلية التي تحكمه.

وفي تلك الفترة تلاقى كلّ من الاخوان والمجلس العسكري على فرض مسألة الانتخابات، لكونها تؤمن لهما ملاذاً آمناً من الضغط الشعبي، باعادة تثبيت النظام القائم، في تجديد شكلي للنظام مع الحفاظ على بنيته، وخاصة ان كلاً من المجلس العسكري وجماعة الاخوان المسلمين قادران على مواجهة الاستحقاق الانتخابي، بينما اليسار والقوى الثورية، لا تزال جديدة وجنينية وليس باستطاعتها ان تكسب بسرعة المعركة الانتخابية. 

وبدا هذا اللقاء واضحاً، حيث تعاونت اجهزة الدعاية الخاصة بالدولة مع الاخوان والسلفيين، من ضمن الخطاب الذي يروج للعملية الانتخابية، كونها الجسر نحو الاستقرار بمقابل الفوضى. وهنا تم استخدام الدين في الدعاية الانتخابية بشكل كبير، والعمل على الفرز ما بين الناس، بين من هم متدينون ومن هم مدنيون او علمانيون، محاولين حصر القرار الانتخابي، بكونه قراراً حول الهوية الثقافية للشعب المصري، ومحيدين المسألة السياسية والاقتصادية والاجتماعية عن الساحة السياسية.

وهذا فعلياً ما كانت تعتمد عليه الدعاية الاخوانية في تلك الفترة، فعمل الاخوان على الترويج بأن العلمانيين واليساريين والليبراليين يحاولون ضرب الهوية الاسلامية للمجتمع المصري، وضرب الشريعة الاسلامية. 

وفي ذلك الوقت، اتى الاعلان الدستوري العسكري، كمحاولة من العسكر لقطف ثمار المعركة، من خلال تبيان كأن المجلس هو من يستطيع حماية البلاد من الانزلاق الى الفوضى، وانه هو من يضمن الاستقرار، مستفيداً بنفس الوقت من دخول الاخوان الى البرلمان، والتلاقي ما بينهما على مسألة الحفاظ على الاستقرار بمواجهة الفوضى (وهو يعني بالفوضى فعلياً استمرار الحركة الثورية في الشارع).

ولم يكن الاخوان المسلمون والسلفيون، وخاصة بعد خوضهم الانتخابات البرلمانية بنجاح، متحمسين لمواجهة المجلس العسكري. فبينما كان عشرات الآلاف من الناس يخوضون معارك يومية ضد المجلس العسكري، وخاصة ما يعرف بمعارك شارع محمد محمود، كان الاخوان والسلفيون يعتبرون هذه المظاهرات بمثابة دعوة الى الفوضى. ولكن الحركة الجماهيرية في الشارع بمواجهة العسكر، وان لم تتمكن من تحقيق مطلبها السياسي بتسليم السلطة للسلطات المدنية، فقد فرضت على الواقع السياسي المصري الانتخابات الرئاسية.

وهنا من المهم جداً التشديد على اهمية المعركة ضد المجلس العسكري، لكون هذا الاخير كان يحاول اعادة تكوين ديكتاتورية عسكرية جديدة، وكان وما يزال احدى قوى الثورة المضادة الاخطر على الساحة المصرية، لذا ففرض الانتخابات الرئاسية في الواقع المصري، كان يعني، في اقل تقدير، محاصرة المجلس العسكري سياسياً، وفرض تسليم السلطة الى السلطات المدنية.

معركة الانتخابات الرئاسية والاستفتاء

مع تشكّل البرلمان، الذي سجّل اول مشاركة انتخابية واسعة بعد الثورة - حيث ان نسب الاقتراع قبل الثورة لم تكن تسجّل اكثر من ١٠٪ كنسبة التصويت - صعدت تيارات جديدة الى الساحة السياسية وخاصة الليبرالية واليسارية منها، ولم تكن حينها تمثّل حالة تنظيمية جديّة. بالاضافة الى ذلك، كانت الدعاية الرسمية للنظام والحركات الليبرالية حينها تركّز على مسألة الاستقرار لاعادة الانتعاش الاقتصادي، ومنع الفوضى، ونجحت هذه الدعاية في فرض نفسها على الساحة السياسية المصرية. وفي ظل تلك الظروف بدا الاخوان المسلمون القوة الاكثر تماسكاً على الصعيد السياسي والتنظيمي، وبنتيجة الامر بدوا وكأنهم الطرف الاكثر تناسباً مع الشعور بالخوف، فالتصويت للاخوان في الانتخابات البرلمانية، والرئاسية بعدها، كان فعلياً تصويتاً ناتجاً من خوف الجماهير من الانزلاق الى الفوضى، حتى وان لم تكن هذه الفوضى بالضرورة واقعاً فعلياً في الساحة المصرية.

هذا وقد اظهرت الانتخابات الرئاسية ثلاث كتل تصويتية اساسية: الاولى هي لمحمد مرسي، والثانية لاحمد شفيق (الفلول)، وكتلة ثالثة ضخمة هي لعبد المنعم ابو الفتوح، وحمدين صباحي، بينما على مستوى اليسار الثوري كان هناك خالد علي. وعدم توحّد القوى الثورية على مرشح رئاسي، كان له عدة اسباب، منها الفئوية ضمن اليسار، ومنها عدم الاتفاق، والفروقات الكبيرة الموجودة ضمن اليسار حول البرنامج السياسي والاقتصادي والاجتماعي، الذي يجب طرحه على الجماهير.

من جهة ثانية، كان هناك ايضاً عدم خبرة وعدم جهوزية اليسار لمقاربة المسألة الانتخابية، وسيطرة المنطق الاصلاحي على عمله، بالاضافة الى ذلك عدم قدرة اليسار بالسرعة المؤاتية على تكييف الاطر التنظيمية مع متطلبات المرحلة، فرأينا تباعداً كبيراً ما بين القيادات اليسارية، وخاصة في التنظيمات التقليدية، وبين قواعدها، بحيث وان كان نبض الحركة يميل الى القاعدة، آنئذ، كانت القيادات لا تزال تمارس السياسة والعمل التنظيمي وكأنه لم تحصل اي ثورة فعلية في مصر.

كل هذه الاسباب ادّت الى تراجع قدرة اليسار على فرض مرشح قوي يستطيع الدخول الى المرحلة الثانية من الانتخابات الرئاسية. ففي المرحلة الثانية، كان الخيار اما مرسي او شفيق، والاول هو خائن للثورة، والثاني هو ممثّل النظام القديم. ولقد كثرت الاصوات الداعية الى المقاطعة، ولكن واقع الامر هو ان جموع المصريين كانت تتحضر لخوض الانتخابات والتصويت، وصوت المقاطعة لم يكن يمثّل فعلياً حالة شعبية ممكناً دفعها نحو تشكيل حالة سياسية او حركة جدية في الشارع، وهذا امر مفهوم، خاصة وان المجتمع المصري يخوض اولى تجاربه الديمقراطية، الى حد ما، بالمقارنة مع نظام مبارك.

ولكن وفي نفس الوقت، جرى التخوّف من انتصار احمد شفيق، مع ما قد يلي ذلك من تبعات على التطور الاجتماعي والديمقراطي واستمرارية الحركة، خاصة ان المجلس العسكري كان يتوعد بضرب الحركة. وهو ما ادى بنهاية المطاف الى ان يكون الموقف الفعلي لليسار، وخاصة على مستوى القواعد، ضرب امكانية نجاح شفيق في الانتخابات. وقد تركزت الدعاية بشكل اساسي على اسقاط شفيق وليس على انتخاب مرسي، ولكن لا يخلو الامر ان يكون تخلل الامر تخبط على مستوى التنظيمات اليسارية من اجل انتاج هكذا موقف.

ومن هنا فإن الاصوات التي انجحت مرسي هي الاصوات الثورية التي كانت ترفض شفيق. فالتصويت حينها كان مشروطاً، وأمّن هذا الموقف امكانية استقطاب جماهير من المصريين/ات هي ضد العسكر، وبنفس الوقت نقدية تجاه الاخوان، ولذا، وعكس ما يظن الكثيرون، فإن التصويت لمرسي كان مشروطاً، وهذا ما تم اثباته لاحقاً بفعل خروج الجماهير الى مواجهة الاخوان بعد استلامهم السلطة.

فدخول الاخوان الى السلطة، في ظل عدم جهوزيتهم الفعلية لاستلامها وادارة شؤون البلاد، كان مترافقاً مع برامج اقتصادية واجتماعية تؤدّي بشكل يومي الى تعمّق ازمة الرأسمالية المصرية اكثر من خلاصها. وهو ما ادى، بعد وقت قليل من استلام الاخوان السلطة، الى فضحهم، وتبيان مدى زيف البديل الاسلامي الذي كان يروّج له الاخوان منذ ثمانين عاماً.

اضافة الى ذلك فالحالة السياسية المقاطعة، والتصويت المشروط للاخوان، اتجها بعد نجاح مرسي الى معارضة الاخوان، وان المشاهد اليومية من الصراع في مصر اليوم، هي اكبر دليل على هذا الواقع، ولا سيما ان المعارضة ضد الاخوان تتخذ مساحة اكبر واكبر في داخل الشارع المصري، مترافقة مع تعمّق للصراع الطبقي، القائم اصلاً، وخاصة مع تشكّل النقابات والاتحادات النقابية المستقلّة، بالاضافة الى ازدياد في حركة الاضرابات والعصيان المدني، ومواجهة مباشرة مع الاخوان المسلمين والشرطة.

ولا تنفصل مسألة الاستفتاء كثيراً عن الانتخابات، فنتائج الاستفتاء عبّرت عن تعمّق كبير للفرز الطبقي، وخاصة ما بين الريف والمدينة، بمناحيهما الاقتصادية والاجتماعية المختلفة. فكثير من الفئات التي صوتت بنعم على الاستفتاء الدستوري، لم تصوّت فعلياً لكونها مؤيدة لسياسة الاخوان المسلمين، بل صوتت نتيجة «فزاعة الفوضى» و«فزاعة الكفّار» التي استعملها الاخوان المسلمون في دعايتهم بشكل كثيف، فاصبح التصويت بنعم هو تصويت من اجل الاستقرار، وكل صوت بلا، اصبح صوتاً من اجل الفوضى، ومن اجل الكفر.

وبالرغم من ذلك، ورغم التلاعب في صناديق الاقتراع، ومنع اجزاء واسعة من المجتمع المصري من التصويت، فإن صوت المعارضة استطاع تبيان حجم جدي في نتائج الاستفتاء، ومن هنا كانت ضرورة خوض معركة الاستفتاء بالتصويت بلا، وعدم المقاطعة، وذلك بالاضافة الى ان الانتخاب والتصويت هما من الحقوق المكتسبة من الثورة، ولا يجب التخلّي عنهما، بل استخدامهما لتصعيد المواجهة ضد الاخوان والفلول.

ومن هنا نرى ان علينا كيسار ثوري واشتراكيين ثوريين اكمال المعركة، وتعميق الحالة الثورية، من خلال بناء استراتيجية مواجهة، وانتاج البديل السياسي والاقتصادي الثوري، في مواجهة: 

- مشروع دولة الاخوان، في خطابها وبرنامجها الاقتصادي والاجتماعي، والسياسي، واكمالها مسار التطبيع والتحالف مع الامبريالية، وخاصة بقرار الابقاء على اتفاقية كامب دايفيد، وذلك بالاضافة الى اكمال سياسة الاقتراض من البنك الدولي، وعدم وجود اي ارادة في تطهير جهاز الدولة من الفلول. ويبدو هذا واضحاً من تركيبة الحكومة حيث ان نصفها من الفلول.

- ومن جهة اخرى مواجهة مشروع الفلول، وهم قيادات النظام القديم، والمجلس العسكري، والبيروقراطية السياسية والعسكرية، الذين يريدون ارجاع الامور الى ما كانت عليه. 

وتثبت المعارك الجماهيرية، على اختلافها، من الاضرابات والتحركات العمالية، الى المظاهرات والمواجهات مع الاخوان والشرطة، كما التحركات النسائية، والطلابية والشبابية، وغيرها من الفئات المنتفضة، نمو وعي الجماهير لما يستطيع ان يتخطى مشاريع الثورة المضادة.

لذا وانطلاقاً من الحركة الثورية، نسعى نحن الى البناء على هذا الوعي من اجل تعميق الحركة الثورية باتجاه: 

- الدولة المدنية، اللا عسكرية، اللا دينية، التي تحفظ حقوق جميع المواطنين والمواطنات وحقوق الاقليات وفئات المجتمع، المتعرضة للظلم والاقصاء.

- المطالبة بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية وربطها بالمسألة الديمقراطية، وخاصة استقلالية العمل النقابي وحريته، كما الحريات السياسية والثقافية والفكرية.

- التضامن الفاعل والعمل على مواجهة سياسات الاضطهاد التي يتعرض لها الاقباط والاقليات الدينية والمضطهدين/ات في المجتمع المصري.

- الانخراط داخل الحركة النسوية والعمل على تطوير وتعميق الحركة في مواجهة الدستور، الذي نستطيع اعتباره دستوراً معادياً للنساء، لكونه يهاجم النساء في جميع مفاصل حياتهن. 

- العمل على اعادة بناء لجان الاحياء واللجان الشعبية من اجل بناء جسم جماهيري للثورة.

- انشاء ترابط اوثق مع الحركة العمالية والعمل على تطويرها وبنائها ودفعها الى الامام.

ولكن في نفس الوقت، نعي جيداً انه لا يمكن حصول اي تقدّم للثورة المصرية والثورات العربية بمجملها، من دون ان يكون هناك تكامل فيما بين الحركات الثورية، فالانظمة العربية تتشابه على كل الصعد، من واقع الاضطهاد السياسي، والاقتصادي والاجتماعي، الى العلاقة مع الامبريالية، بشكليها، «الممانع»، كما المهادن. فاستبداد الانظمة هذه هو فعلياً الشرط الاساسي لاستمرار الاستعمار والهيمنة الامبريالية في منطقتنا، فضلا عن كل اشكال القهر والظلم والاستغلال بحق اوسع الجماهير، نساءً ورجالاً، واياً تكن انتماءاتها، القومية او الدينية، او ما شابه ذلك.

ولذا، ايضا، لا يمكن ان يكون هناك اي حلّ ثوري حقيقي للقضية الفلسطينية إلا من خلال انتصار ناجز، لاحقاً، لسيرورة الثورات العربية. فالتطور الذي يحصل في مصر اليوم، من تعمّق للحالة الثورية، ستكون له، على الارجح، انعكاسات نحو ارتقاء وعي الجماهير المصرية، بحيث تدرك أن المعركة مفتوحة، ولا يمكن ان تبقى محصورة بثـنائية الديكتاتورية او الامبريالية، كما يروّج البعض، بل ستكون ضد الديكتاتورية والامبريالية معاً، لأن من يصنع نصف ثورة هو كمن يحفر قبره بيده، وانتصار الحراك الشعبي الراهن لن يتم سوى من خلال ثورة شاملة تطيح الانظمة القائمة، على كل مستوياتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتجهز على مختلف اشكال الاحتلال والهيمنة، في سيرورة ثورة دائمة نحو التحرر الكامل والبناء الاشتراكي. 

 

  • 1. الحقيقة والوهم حول حرب اوكتوبر ١٩٧٣، علي المصري، الاشتراكيون الثوريون، ٢٠٠٤
  • 2. المصدر نفسه
  • 3. المصدر نفسه
  • 4. النظام القديم: نشأة وتطور رأسمالية الدولة في مصر، مركز الدراسات الاشتراكية، ١٩٩٩
  • 5. منى قاسم، الإصلاح الاقتصادي في مصر، القاهرة، ص.٢٣،٢٤
  • 6. ازمة الرأسمالية وسكن الفقراء، يس طه، امنية محمود، الشرارة، جماعة تحرير العمل، ١٩٩٦
  • 7. المصدر نفسه
  • 8. ابراهيم الصحاري، الاشتراكيون الثوريون، مارس ٢٠١٣
  • 9. حسين عبد الرزاق، في الطريق الى الهاوية، مايو ٢٠٠٤
  • 10. المصدر نفسه
  • 11. جنرالات مصر ورأس المال العابر للحدود، مجلة جدلية، عن مجلة ميدل ايست ريبورت، ٢٦٢، ربيع ٢٠١٢
  • 12. المصدر نفسه